Thank you, your message has been sent.
The MacArthur Study Bible (John MacArthur)
إنّ دلالة الكلمة «تكوين» واضحة، إذ تشير إلى تكوين الكون. وسفر التكوين يُشكِّل مقدِّمة للأسفار الخمسة الأولى، وللكتاب المقدَّس كلِّه. وأهمية سفر التكوين في الكتاب المقدَّس، تظهر في أنّ العهد الجديد يقتبس من سفر التكوين أكثر من ٣٥ مرَّةً، بالإضافة إلى مئات التلميحات إليه من العهدَين القديم والجديد. هذا، وإنّ قصة الخلاص التي تبدأ في تكوين ٣، لا تكتمل إلّا في ف ٢١ و٢٢ من سفر الرؤيا، اللذين يرسمان صورة مجيدة للمؤمنين المفديّين في الملكوت الأبديّ.
١) على الرغم من أنّ الكاتب لا يُعرِّف بنفسه في سفر التكوين؛ ٢) وعلى الرغم من أنّ أحداث سفر التكوين تنتهي قبل ولادة موسى بحوالى ثلاث مئة سنة، فإنّ العهدَين القديم والجديد يعزوان كتابة هذا السِّفر إلى موسى، ولا سيَّما في ضوء خلفيَّته الثقافيَّة (رج أع ٧: ٢٢). حول هذه النقطة، رج في العهد القديم (خر ١٧: ١٤؛ عد ٣٣: ٢؛ يش ٨: ٣١؛ ١مل ٢: ٣؛ ٢مل ١٤: ٦؛ عز ٦: ١٨؛ نح ١٣: ١؛ دا ٩: ١١ و١٣؛ مل ٤: ٤)، وفي العهد الجديد (مت ٨: ٤؛ مر ١٢: ٢٦؛ لو ١٦: ٢٩؛ ٢٤: ٢٧ و٤٤؛ يو ٥: ٤٦؛ ٧: ٢٢؛ أع ١٥: ١؛ رو ١٠: ١٩؛ ١كو ٩: ٩؛ ٢كو ٣: ١٥). وليس من أسباب وجيهة تستطيع أن تجحد على موسى كتابة هذا السِّفر، الذي كُتب بعد الخروج (حوالى ١٤٤٥ ق م)، إنما قبل موت موسى (حوالى ١٤٠٥ ق م). ابتغاءً للمحة عن حياة موسى، يُراجع خر ١-٦.
خلفيَّة سفر التكوين هي الأزليَّة. آنذاك قام الله، بملء إرادته، وعَبْرَ عمله وكلمته الإلهيَّة بخلق جميع الكائنات وترتيبها، وأخيرًا نفخ الحياة في كتلة من التراب التي سبكها على صورته لتُصبح آدم. الله صنع الإنسان تاجَ خليقتِه، أي رفيقًا يتمتَّع بالشركة معه تعالى، ويُمجِّد اسمه.
إنّ الخلفيَّة التاريخيَّة للأحداث الأُوَلِ في سفر التكوين، هي بالطبع حضارة بلاد ما بين النهرين. وبما أنه يصعب التحديد الدقيق للحقبة التاريخيَّة التي كُتب فيها هذا السِّفر، فإنّ بني إسرائيل سمعوا بكلمات هذا السفر قبل اجتيازهم نهر الأردن ودخولهم أرض الموعد (حوالى ١٤٠٥ ق م).
لسفر التكوين ثلاث خلفيَّات جغرافية مُمَيَّزة ومتتابعة: ١) بلاد ما بين النهرين (ف ١-١١)؛ ٢) أرض الموعد (ف ١٢-٣٦)؛ مصر (ف ٣٧-٥٠). أمّا زمن هذه الخلفيَّات الثلاث، فهو: ١) من الخلق إلى حوالى سنة ٢٠٩٠ ق م؛ ٢) من سنة ٢٠٩٠-١٨٩٧ ق م؛ ٣) من سنة ١٨٩٧-١٨٠٤ ق م. إنّ الزمن الذي استغرقه سفر التكوين، يفوق الزمن الذي استغرقته بقيَّة أسفار الكتاب المقدَّس.
في هذا السِّفر الذي يحوي البدايات، أعلن الله عن نفسه، كما أعلن عن نظرة العالم لإسرائيل، هذه النظرة التي، في بعض الأحيان، ناقضت نظرة الشعوب المحيطة بإسرائيل. لم يحاول الكاتب أن يدافع عن وجود الله، أو أن يبسط بحثًا نظاميًّا حول شخصه وأعماله؛ بل إنّ إله إسرائيل ميَّز نفسه بوضوح عن الآلهة المزعومة، معبودة الشعوب المحيطة. أمّا الأسس اللاهوتيَّة، فقد استُعلنت، وشملت الله الآب، الله الابن، الله الروح القدس، الإنسان، الخطية، الفداء، الميثاق، الوعد، الشيطان والملائكة، الملكوت، الإعلان، إسرائيل، الدينونة، البركة.
تكوين ١-١١ (بداية التاريخ) يُظهِر أصل الكون، أي بدايات الزمان والمكان، كما يُظهِر الكثير من الأحداث البشريَّة الأُوَل، مثل الزواج والعائلة والسقوط والخطية والفداء والدينونة والأمم. وتكوين ١٢-٥٠ (تاريخ الآباء) يُبيِّن لإسرائيل كيف أتوا إلى الوجود بوصفهم عشيرة، يرجع نَسَبُها إلى عابر، (حيث منه كانت النسبة «عبرانيّون» تك ١٠: ٢٤ و٢٥)، وعابر من نسل سام ابن نوح، (ومنه كانت النسبة «ساميّون» تك ١٠: ٢١). ولم يعرف شعب الله أسلافهم وتاريخ عشيرتهم فحسب، بل عرفوا أيضًا أصل أنظمتهم وعاداتهم ولغاتهم وحضاراتهم المتعدِّدة، ولا سيَّما الاختبارات البشريَّة الأساسيَّة، مثل الخطية والموت.
إنّ فَهْمَ كلِّ واحدة من رسائل سفر التكوين، التي تُكوِّن الخطَّة والهدف الشاملَيْن في السِّفر، ليس بالأمر السهل، لأنّ الأحداث الفرديَّة والرسالة العامة في السِّفر توافينا بدروس هامَّة في الإيمان والأعمال. لقد حصل الخلق، في سفر التكوين، نتيجةَ أمر إلهيّ، (ex nihilo) أي «من العدم». ثمة ثلاثة أحداث جسيمة ومأساوية اعترضت سياق السرد، من شأنها أن تُمهِّد لفهم تاريخ العالم. وهذه الأحداث هي: السقوط والطوفان وتشتُّت الأمم. إذًا، فالسياق ابتداءً من إبراهيم يُركِّز على فداء الله وبركته.
المحتوى
يشمل سفر التكوين، من حيث الفحوى، قسمين أساسيَّين: ١) التاريخ البدائيّ (تك ١- ١١)؛ ٢) تاريخ الآباء (تك ١٢-٥٠). يُسجِّل التاريخ البدائيّ أربعة أحداث رئيسيَّة: ١) الخلق (تك ١ و٢)؛ ٢) السقوط (تك ٣-٥)؛ ٣) الطوفان (تك ٦-٩)؛ ٤) التشتُّت (تك ١٠ و١١). أمّا تاريخ الآباء، فيُلقي ضوءًا على أربعة رجال عظام: ١) إبراهيم (تك ١٢: ١-٢٥: ٨)؛ ٢) إسحق (تك ٢١: ١-٣٥: ٢٩)؛ ٣) يعقوب (تك ٢٥: ٢١-٥٠: ١٤)؛ ٤) يوسف (تك ٣٠: ٢٢-٥٠: ٢٦).
المحتوى
أوّلًا: خَلْقُ السماوات والأرض (١: ١-٢: ٣)
ثانيًا: أنسال السماوات والأرض (٢: ٤- ٤: ٢٦)
أ) آدم وحواء في جنَّة عدن (٢: ٤-٢٥)
ب) السقوط ونتائجه (ف ٣)
ج) قَتْلُ أخٍ (٤: ١- ٢٤)
د) رجاء في نسل شيث (٤: ٢٥ و٢٦)
ثالثًا: مواليد آدم (٥: ١- ٦: ٨)
أ) النسب من شيث إلى نوح (ف ٥)
ب) خطية مستشرية تسبق الطوفان (٦: ١-٨)
رابعًا: مواليد نوح (٦: ٩-٩: ٢٩)
أ) التحضير للطوفان (٦: ٩-٧: ٩)
ب) الطوفان والنجاة (٧: ١٠- ٨: ١٩)
ج) الميثاق بين الله ونوح (٨: ٢٠-٩: ١٧)
د) تاريخ سلالة نوح (٩: ١٨-٢٩)
خامسًا: مواليد سام وحام ويافث (١٠: ١-١١: ٩)
أ) الأمم (ف ١٠)
ب) تشتُّت الأمم (١١: ١-٩)
سادسًا: مواليد سام: من نسل سام إلى تارح (١١: ١٠- ٢٦)
سابعًا: مواليد تارح (١١: ٢٧-٢٥: ١١)
أ) النسب (١١: ٢٧-٣٢)
ب) ميثاق إبراهيم: أرضه وشعبه (١٢: ١-٢٢: ١٩)
١. الرحلة إلى أرض الموعد (١٢: ١-٩)
٢. الإنقاذ من مصر (١٢: ١٠-٢٠)
٣. تقسيم الأرض (ف ١٣)
٤. النصرة على الملوك (ف ١٤)
٥. تثبيت الميثاق (ف ١٥)
٦. طرد هاجر وإسماعيل (ف ١٦)
٧. تثبيت الميثاق (ف ١٧)
٨. النبوَّة بولادة إسحق (١٨: ١-١٥)
٩. سدوم وعمورة (١٨: ١٦-١٩: ٣٨)
١٠. مواجهة فلسطينية (ف ٢٠)
١١. ولادة إسحق (ف ٢١)
١٢. عمل إيمان إبراهيم حِيالَ إسحق (٢٢: ١-١٩)
ج) الوعد بنسل لإبراهيم (٢٢: ٢٠-٢٥: ١١)
١. خلفيَّة رفقة (٢٢: ٢٠-٢٤)
٢. وفاة سارة (ف ٢٣)
٣. زواج إسحق برفقة (ف ٢٤)
٤. إسحق الوريث الوحيد (٢٥: ١-٦)
٥. وفاة إبراهيم (٢٥: ٧- ١١)
ثامنًا: مواليد إسماعيل (٢٥: ١٢-١٨)
تاسعًا: مواليد إسحق (٢٥: ١٩- ٣٥: ٢٩)
أ) التنافس بين عيسو ويعقوب (٢٥: ١٩-٣٤)
ب) بركات الميثاق على إسحق (ف ٢٦)
ج) أخذ بركة إسحق بالحيلة (٢٧: ١-٤٠)
د) البركة على يعقوب في أرض غريبة (٢٧: ٤١-٣٢: ٣٢)
١. يعقوب أُرسِلَ إلى لابان (٢٧: ٤١-٢٨: ٩)
٢. الملاك في بيت إيل (٢٨: ١٠-٢٢)
٣. الخلاف مع لابان (٢٩: ١-٣٠)
٤. وَعْدٌ بِنَسل (٢٩: ٣١-٣٠: ٢٤)
٥. الرحيل من آرام (٣٠: ٢٥-٣١: ٥٥)
٦. ملائكة في محنايم وفنوئيل (ف ٣٢)
هـ) اللقاء ثانيةً والمصالحة بين عيسو ويعقوب (٣٣: ١-١٧)
و) أحداث وميتات من شكيم إلى ممرا (٣٣: ١٨-٣٥: ٢٩)
عاشرًا: مواليد عيسو (٣٦: ١-٣٧: ١)
الحادي عشر: مواليد يعقوب (٣٧: ٢-٥٠: ٢٦)
أ) يوسف وحُلْماه (٣٧: ٢-١١)
ب) مأساة في العائلة (٣٧: ١٢-٣٨: ٣٠)
ج) نائب الحاكم في مصر (ف ٣٩-٤١)
د) لقاء العائلة مجدَّدًا (ف ٤٢-٤٥)
هـ) الانتقال قبل الخروج (ف ٤٦-٥٠)
١. الرحيل إلى مصر (٤٦: ١-٢٧)
٢. الاستيطان في أرض جاسان (٤٦: ٢٨-٤٧: ٣١)
٣. بركات على الاثني عشر سبطًا (٤٨: ١-٤٩: ٢٨)
٤. وفاة يعقوب ودفنه في أرض كنعان (٤٩: ٢٩-٥٠: ١٤)
٥. وفاة يوسف في مصر (٥٠: ١٥-٢٦)
إنّ السِّفر الثاني الذي كتبه موسى «الخروج»، ترجع تسميته إلى الترجمة السبعينيَّة، وإلى الترجمة اللاتينيَّة (الفولغاتا)، ذلك لأنّ خروج بني إسرائيل من مصر هو الحقيقة التاريخيَّة المهيمنة على هذا السفر (١٩: ١). وقد كانت كلمات الاستهلال: «وهذه أسماء»، في التوراة العبريّة بمثابة عنوان هذا السِّفر. فالاستهلال بحرف العطف «و» في العنوان العبريّ، يفترض أنّ هذا السِّفر ينبغي اعتباره التتمَّة البديهيَّة لسفر التكوين، الذي هو السِّفر الأول بقلم موسى. وقد ورد في الرسالة إلى العبرانيّين ١١: ٢٢ تنويه بإيمان يوسف، الذي وإذ كان على فراش المنيَّة (حوالى ١٨٠٤ ق م)، تكلَّمَ عن «خروج» بني إسرائيل مُستَشرفًا ذلك الخروج قبل حصوله بنحو ٣٥٠ سنة (حوالى ١٤٤٥ ق م).
إنّ حقَّ كتابة سفر الخروج العائد لموسى، لا يَرقى إليه الشكّ. فقد اتَّبع موسى توجيهات الله «فكتَبَ موسى جميعَ أقوالِ الربّ» (٢٤: ٤)، والتي تضمَّنت في ما تضمَّنت، سيرة الحرب ضدَّ عماليق (١٧: ١٤)، والوصايا العشر (٣٤: ٤ و٢٧-٢٩)، وكتاب الميثاق (٢٠: ٢٢-٢٣: ٣٣). ثمّة تأكيدات مماثلة عن الكتابة الموسويَّة، نجدها مبثوثة في أماكن عدّة من أسفار موسى الخمسة: فهو يُعْرَف بأنه سَجَّلَ «مَخارجَهم برُحْلاتهم» (عد ٣٣: ٢)، وبأنه هو مَنْ «كَتَبَ... هذه التوراة» (تث ٣١: ٩).
يؤيِّد العهد القديم حقَّ التأليف الموسويّ للمقتطفات المذكورة أعلاه (رج يش ١: ٧ و٨؛ ٨: ٣١ و٣٢؛ ١مل ٢: ٣؛ ٢مل ١٤: ٦؛ نح ١٣: ١؛ دا ٩: ١١-١٣؛ ومل ٤: ٤). هذا، ويُثبِت العهد الجديد هذا الطرح مقتبسًا خر ٣: ٦ باعتباره جزءًا من «كتاب موسى» (مر ١٢: ٢٦)، كما يُرجِع خر ١٣: ٢ إلى «شريعة موسى»، والتي يشير إليها أيضًا بالقول «ناموس الرب» (لو ٢: ٢٢ و٢٣)، كذلك يَعزو خر ٢٠: ١٢؛ ٢١: ١٧ إلى موسى (مر ٧: ١٠)، كما ينسب الناموس إلى موسى (يو ٧: ١٩؛ رو ١٠: ٥)، وأخيرًا، وعلى وجه التخصيص، يُعلن يسوع أنّ موسى كتبَ عنه (يو ٥: ٤٦ و٤٧).
لقد كتب موسى هذا السِّفر الثاني من أسفاره الخمسة في فترةٍ من فترات تولّيه قيادة شعب إسرائيل التي استمرت أربعين سنةً، يوم كان في الثمانين من عمره، وإلى أن وافته المنيَّة وهو في العشرين بعد المئة. (٧: ٧؛ تث ٣٤: ٧). ولكي نكون أكثر تحديدًا، فقد كُتب هذا السِّفر بعد الخروج، وبالطبع قبل وفاته على جبل نبو في عربات موآب. فتاريخ الخروج (حوالى ١٤٤٥ ق م)، يفترض أنّ تاريخ الكتابة هو في القرن الخامس عشر ق م.
يذكر الكتاب المقدّس السنة الرابعة من حكم سليمان حين بدأ ببناءِ الهيكل (حوالى ٩٦٦ /٦٥ ق م)، بعد ٤٨٠ سنة على الخروج (١مل ٦: ١)، مؤكِّدًا في ذلك على تاريخ ١٤٤٥ ق م. وقد دوَّن يفتاح في أيامه، أنّ إسرائيل كان قد امتلك حَشْبونَ مدة ٣٠٠ سنة (قض ١١: ٢٦). فإذا حسَبنا من يفتاح رجوعًا، أو من يفتاح فصاعدًا، وأخذنا في الاعتبار حقبات الاضطهاد الأجنبيّ، وحكم القضاة والملوك والدوران في القفر، وابتداء الدخول إلى أرض كنعان واحتلالها بقيادة يشوع، يصل مجموعها إلى ٤٨٠ سنة، علمًا أنّ هذا التاريخ المبكر لا يرقى إليه الشكّ.
كذلك، يؤرِّخ الكتاب المقدَّس دخول يعقوب مع بنيه أرض مصر (حوالى ١٨٧٥ ق م) ومكوثهم فيها ٤٣٠ سنة قبل الخروج (١٢: ٤٠)، واضعًا بذلك يوسف في الأُسرة الحاكمة الثانية عشرة، وهي فترة المملكة الوسطى في التاريخ المصريّ، وواضعًا موسى وسنوات إقامة إسرائيل الأخيرة وعبوديَّتهم في الأُسرة الحاكمة الثامنة عشرة بحسب ما حدَّده المؤرِّخون، أو فترة المملكة الجديدة. زدْ على ذلك، أنّ مهمَّة يوسف كمتسلِّط على كلِّ أرض مِصْرَ (تك ٤٥: ٨)، تنفي إمكانيَّة خدمته تحت حكم الهكسوس (حوالى ١٧٣٠-١٥٧٠ ق م) الغزاة الذين حكموا مصر إبّانَ اضطرابها، والذين لم يستطيعوا قطّ أنْ يسيطروا على كلِّ أجزاء المملكة. هؤلاء كانوا خليطًا من العنصر الساميّ، وقد أدخلوا الحصان والعربة، إضافة إلى القوس المركّب. وهذه المعدّات الحربيَّة جعلت طردهم من مصر أمرًا ممكنًا.
إنّ مصر في عصر الأسرة الحاكمة الثامنة عشرة، والتي مهَّدت لخروج بني إسرائيل الدراماتيكيّ، لم تكن ضعيفة سياسيًّا أو اقتصاديًّا. فالفرعون تحتمس الثالث مثلًا، الذي ضايق إسرائيل، دُعيَ «نابليون مصر القديمة»، وكان العاهل الذي وسَّع نفوذ مصر أبعد بكثير من حدودها الطبيعيَّة. هذه كانت الأسرة الحاكمة التي طردت ملوك الهكسوس قبل حوالى قرن تحت قيادة أحمس الأول، ووجَّهت نموّ البلاد الاقتصاديّ والحربيّ والدبلوماسيّ. لذا كانت مصر إبّان الخروج قويَّة وليست ضعيفة.
إنّ موسى الذي ولد سنة ١٥٢٥ ق م (كان في الثمانين من عمره سنة ١٤٤٥ ق م)، تهذَّبَ «بكلِّ حكمة المصريّين» (أع ٧: ٢٢) فيما كان يترعرع في بلاط الفرعونَين، تحتمس الأول، وتحتمس الثاني والملكة حتشبسوت، في السنوات الأربعين الأولى من عمره (أع ٧: ٢٣). أمّا في عهد تحتمس الثالث، فكان موسى في المنفى المفروض ذاتيًّا في أرض مديان، طوال أربعين سنة أخرى (أع ٧: ٣٠)، لكنه رجع إلى مصر بتوجيه إلهيٍّ ليصبح قائد إسرائيل إبّان أوائل حكم أمنحوتب الثاني، فرعون مرحلة الخروج. ولقد استخدم الله كلًّا من نظام ثقافة مصر، والمنفى في مديان لكي يُعِدَّ موسى ليُمَثِّل شعبه أمام الفرعون القويّ، ولكي يهدي شعبه في بريَّة سيناء خلال فترة الأربعين سنة الأخيرة من عمره (أع ٧: ٣٦). فقد مات موسى على جبل نبو حين كان في العشرين بعد المئة من عمره (تث ٣٤: ١- ٦) نتيجةً لحكم الله عليه بسبب سخطه وازدرائه (عد ٢٠: ١-١٣). فلم يدخل موسى قطّ أرض الموعد، بل نظرها من بعيد. لكنه بعد قرونٍ من الزمان، ظهر للتلاميذ على جبل التجلّي (مت ١٧: ٣).
سجَّل الخروج، بحسب توقيت الله، نهاية فترة الضيق التي عاناها نسل إبراهيم (تك ١٥: ١٣)، وشكَّل بداية إتمام ميثاق إبراهيم بأنّ نسله لن يسكن أرض الموعد فحسب، بل سوف يصبح كذلك أمّةً عظيمة (تك ١٢: ١-٣ و٧). وقد تُفسَّر الغاية من وضع الكتاب على هذا الشكل: تَقَصّي النموِّ السريع لذريَّة يعقوب، من مصر إلى حين تأسيس الأمَّة الثيوقراطيَّة (حكم رجال الدِّين) في الأرض التي وُعِدوا بها.
كذلك، وفي الوقت المعيَّن، أعطى الله بني إسرائيل الشريعة، أي الناموس، الذي كان ضروريًّا لهم لكي يحيوا في إسرائيل الحياة الصحيحة التي تليق بشعب الله الثيوقراطيّ. وبذلك تميَّزوا عن سائر الشعوب الأخرى (تث ٤: ٧ و٨؛ رو ٩: ٤ و٥). وبإعلان الله ذاته لبني إسرائيل، كان يهدف إلى إرشادهم لكي يدركوا سلطان ربِّهم المطلق وجلاله، وصلاحه وعظمة قدسه ونعمته ورحمته، والذي هو الإله الوحيد في السماء وعلى الأرض (رج خصوصًا خر ٣ و٦ و٣٣ و٣٤). إنّ رواية الخروج والحوادث التي تلت، هي أيضًا موضوع لإعلانات رئيسيّة أخرى في الكتاب المقدَّس (رج مز ١٠٥: ٢٥-٤٥؛ ١٠٦: ٦-٢٧؛ أع ٧: ١٧-٤٤؛ ١كو ١٥: ١-١٣؛ عب ٩: ١-٦؛ ١١: ٢٣-٢٩).
إنّ عدم وجود أيِّ تدوين مصريّ لخراب مصر بسبب الضربات العشر، والهزيمة العظمى التي حلّت بنخبة جيش فرعون في البحر الأحمر، ينبغي ألّا تُفسِح المجال للتنظير حول مصداقيَّة هذه الحوادث تاريخيًّا. فالتأريخ المصريّ لم يسمح بنشر سجلّات هزائم الفراعنة المحرجة والشائنة. ففي تدوين احتلال الأرض بقيادة يشوع، يلحظ الكتاب المقدَّس بصورة خاصة ثلاث مدن أخربتها إسرائيل وأحرقتها (يش ٦: ٢٤؛ ٨: ٢٨؛ ١١: ١١-١٣). فاحتلال الأرض، إذًا، لم يكن حربًا هدفها التدمير الكامل، بل كانت بهدف الاستيلاء على الأرض وامتلاكها. لذلك فإنّ ظاهرة الحريق في المدن، لا تُشكِّل إثباتًا لتاريخ دخول بني إسرائيل أرض كنعان في فترة لاحقة.
وعلى الرغم من عدم وجود أيّة سجلّات شرق أوسطيَّة قديمة، خارج الكتاب المقدَّس، تتناول عبودية إسرائيل والضربات والخروج واحتلال الأرض، فإنّ البيِّنات الأثريَّة تُثبت ذلك التاريخ المبكر. فجميع فراعنة القرن الخامس عشر مثلًا، خلَّفوا دليلًا على اهتمامهم بإقامة المشاريع في مصر السُّفلى. وكان من الواضح أنّ هذه المشاريع لم تكن غريبة على موسى في منطقة الدلتا القريبة من أرض جاسان.
المحتوى
أوّلًا: إسرائيل في مصر (١: ١-١٢: ٣٦)
أ) التكاثر السكّانيّ (١: ١-٧)
ب) الاضطهاد تحت حكم الفراعنة (١: ٨-٢٢)
ج) بلوغ المنقذ سنَّ الرشد (٢: ١-٤: ٣١)
د) مواجهة فرعون (٥: ١-١١: ١٠)
هـ) الاستعداد للرحيل (١٢: ١-٣٦)
ثانيًا: إسرائيل في الطريق إلى سيناء (١٢: ٣٧-١٨: ٢٧)
أ) الخروج من مصر والذعر (١٢: ٣٧-١٤: ١٤)
ب) عبور البحر الأحمر والابتهاج (١٤: ١٥- ١٥: ٢١)
ج) الارتحال إلى سيناء والتذمُّر (١٥: ٢٢-١٧: ١٦)
د) مقابلة يثرون والتعلُّم منه (١٨: ١-٢٧)
ثالثًا: حلول إسرائيل في سيناء (١٩: ١-٤٠: ٣٨)
أ) إعطاء الناموس الإلهيّ (١٩: ١-٢٤: ١٨)
ب) وصف خيمة الاجتماع (٢٥: ١-٣١: ١٨)
ج) تدنيس عبادة الله (٣٢: ١-٣٥)
د) تأكيد حضور الله (٣٣: ١-٣٤: ٣٥)
هـ) بناء خيمة الاجتماع (٣٥: ١-٤٠: ٣٨)
العنوان العبريُّ الأصليُّ لهذا السفر، ثالِث أسفار التوراة، مأخوذ من الكلمة الأولى فيه: «ودعا». وفي العهد القديم بضعةُ أسفار تُسمَّى في العبريَّة بالطريقة عينها (مثلًا، التكوين: «في البدء»؛ الخروج: «وهذه أسماء»). أمَّا عنوان «اللاويِّين» فيتبع التسمية المعتمدة في الفولغاتا اللاتينيَّة للعهد القديم اليونانيّ (السبعينيَّة) «ليوتيكون»، ومعناها «شؤون اللاويِّين» (٢٥: ٣٢ و٣٣). وفيما يتناول السفر شؤونًا متعلِّقة بمسؤوليّات بني لاوي، فالأكثر أهميَّة بكثير، أنَّ جميع الكهنة يُعلَّمون كيف ينبغي لهم أن يساعدوا الشعب في العبادة، ويُقال للشعب كيف يعيشون عيشة مقدَّسة. ويقتبس كتَّاب العهد الجديد من سفر اللاويِّين أكثر من ١٥ اقتباسًا.
إنَّ مسألتَي كاتب السفر وتاريخه تحسمهما الآية الأخيرة فيه: «هذه هي الوصايا التي أوصى الربُّ بها موسى إلى بني إسرائيل في جبل سيناء» (٢٧: ٣٤؛ رج ٧: ٣٨؛ ٢٥: ١؛ ٢٦: ٤٦). وحقيقة كَون الله قد أعطى موسى هذه الشرائع (رج ١: ١) تظهر ٥٦ مرَّة في سفر اللاويِّين الذي يشمل ٢٧ أصحاحًا. وفضلًا عن تدوين تعليمات مُفصَّلة، يؤرِّخ السفر بضعة أحداث تاريخيَّة تتعلَّق بالشرائع (رج ٨-١٠؛ ٢٤: ١٠-٢٣). فالخروج حدث سنة ١٤٤٥ ق م (رج مقدِّمة الخروج: الكاتب والتاريخ) واكتملت خيمة الاجتماع بعد ذلك بسنة واحدة (خر ١٠: ١٧). من تلك النقطة يبدأ تدوين اللاويِّين، وقد أُوحي به على الأرجح في الشهر الأوَّل (أبيب/ نيسان) من السنة الثانية بعد الخروج. أمَّا سفر العدد فيبدأ بعد ذلك، في الشهر الثاني (زيف؛ رج عد ١: ١).
قبل سنة تخييم بني إسرائيل عند جبل سيناء: ١) لم يستقرَّ حضور مجد الله رسميًّا قطُّ وسط الشعب؛ ٢) لم يوجد قطُّ مكان عبادة مركزيٌّ مثل خيمة الاجتماع؛ ٣) لم تكن قد أُعطيت تشكيلة مُهيَّأة ومُنظَّمة من الذبائح والأعياد؛ ٤) لم يكن قد أُقيم رئيسُ كهنة وكهنوتٌ رسميٌّ وملاكٌ للعاملين في خيمة الاجتماع. وفي ختام سفر الخروج، كان البندان الأوَّلان قد أُنجِزا، ممَّا استدعى مباشرة العنصرين الثالث والرابع، وهنا موقع سفر اللاويِّين. وقد وردت في سفر الخروج ١٩: ٦ دعوة إلى بني إسرائيل لأن يكونوا «مملكة وأُمَّة مقدَّسة». وسفر اللاويِّين بدوره هو وصايا الله لشعبه المفديِّ حديثًا، مُعلِّمةً إيَّاهم كيف يعبدونه ويُطيعونه.
لم يكن لدى بني إسرائيل، حتَّى ذلك الحين، إلّا أخبارُ الآباء التاريخيَّة يكتسبون منها المعارف التي تُريهم كيف يعبدون ويعيشون أمام إلههم. وبعدما قضوا قرونًا وهم عبيد في مصر، ذلك البلد الذي كانت فيه على ما يبدو آلهةٌ لا تكاد تُحصى، اعترى مفهومَهم للعبادة وحياة التقوى تشويهٌ شديد. فإنَّ مَيْلَهُم إلى التمسُّك بتعدُّد الآلهة والطقوس الوثنيَّة ظاهرٌ عِيانًا في ترحالهم عبر بريَّة التِّيه، مثلًا عندما عبدوا عجل الذهب (رج خر ٣٢). وما كان الله ليسمح لهم بالتعبُّد على طُرق جيرانهم المصريِّين، ولا ليُطيق الفِكَر المصريَّة بشأن الأخلاق والخطيَّة. فبوجود التوجيهات في سفر اللاويِّين، يستطيع الكهنة أن يؤمُّوا الشعب في العبادة اللائقة بالربّ.
ولئن تضمَّن السفر قسطًا من التشريع وافيًا، فهذا واردٌ في إطار تاريخيّ. فبُعيدَ إشراف موسى على إنشاء خيمة الاجتماع، نزل الله في مجدٍ للإقامة هناك؛ الأمر الذي ميَّز خاتمة سفر الخروج (٤٠: ٣٤-٣٨). ويبدأ سفر اللاويِّين بدعوة الله لموسى من خيمة الاجتماع، ثُمَّ ينتهي بأوامر الله لموسى في صيغة تشريعٍ مُلزِم. هوذا ملك الأُمَّة قد حلَّ في قصره (خيمة الاجتماع)، وسنَّ دُستوره، وأعلن ذاته شريكَ عهدٍ مع رعاياه.
ليس في هذا السفر أيُّ تحرُّك جغرافيّ. فبنو إسرائيل يمكثون عند سفح سيناء، الجبل الذي إليه نزل الله لإعطاء شريعته (٢٥: ١؛ ٢٦: ٤٦؛ ٢٧: ٣٤). وبعد شهر، كانوا بعدُ هناك، حين بدأ سَرْدُ سفر العدد (رج عد ١: ١).
إنَّ الفكرتين الجوهريَّتين اللتين يدور سفر اللاويِّين عليهما هما طبيعة الله القدُّوسة ومشيئة الله القاضية بقداسة الشعب. فقداسة الله، وحالة البشر الآثمة، والقرابين، وحضور الله في المقدس، هي الموضوعات الأكثر ورودًا في السفر. وبلهجةٍ مُبينة، حازمة وجازمة، يبسط السفر التعليمات الهادفة إلى القداسة الشخصيَّة بتحريضٍ من الله (١١: ٤٤ و٤٥؛ ١٩: ٢؛ ٢٠: ٧ و٢٦؛ رج ١بط ١: ١٤-١٦). كذلك الشؤون المتعلِّقة بحياة الإيمان لدى الشعب تميل إلى التركيز على الطهارة في أُطُر طقسيَّة، إنَّما ليس على حساب الاهتمام بالطهارة الشخصيَّة. وبالحقيقة أنَّ هنالك تشديدًا ثابتًا على القداسة الشخصيَّة تجاوبًا مع قداسة الله (رج هذا التشديد في ف ١٧-٢٧). ففي أكثر من ١٢٥ مناسبة، يُقاضي سفرُ اللاويِّين البشرَ على النجاسة، و/ أو يرشدهم كيف يتطهَّرون. أمَّا الحافز على هذه القداسة فمُبيَّن في عبارتين متكرِّرتين: «أنا الربّ» و«أنا قدُّوس». وهاتان تُستخدمان أكثر من ٥٠ مرَّة. رج ح ١١: ٤٤ و٤٥.
ولا ينفكُّ موضوع العهد الموسويِّ المشروط يبرز تكرارًا في ثنايا السفر، ولكنْ على الخصوص في ف ٢٦. فإنَّ هذا الميثاق الخاصَّ بالأُمَّة الجديدة لا يقتصر على تفصيل عواقب الطاعة أو العصيان لشروط العهد، بل يفعل ذلك كتابةً لتحديد تاريخ بني إسرائيل. ولا يستطيع المرءُ أن يُغفِل المضامين النبويَّة التي تشير إلى عقوبات عدم الطاعة؛ وكأنها تتناول الأحداث المتأخِّرة جدًّا والمتعلِّقة بالترحيل والسبي البابليِّ والعودة اللاحقة إلى الأرض بعد نحو ٩٠٠ سنة من كتابة موسى لسفر اللاويِّين (حوالى ٥٣٨ ق م). أمَّا المضامين الأُخرويَّة لعصيان بني إسرائيل فلن تبلغ غايتها قبل رجوع المسيح لإنشاء ملكوته وإبطال لعنات لا ٢٦ وتث ٢٨ (رج زك ١٤: ١١).
هذا، وقد كانتِ الذبائح والقرابين الخمسة رمزيَّة. فقد صُمِّمت بحيث تسمح للعابد التائب والشاكر حقًّا، أن يُعبِّر عن إيمانه بالله ومحبَّته له بإقامة هذه الشعائر. ولمَّا لم يكن القلبُ تائبًا وشاكرًا، ما كان الله يُسرُّ بإقامة الشعيرة. رج عا ٥: ٢١-٢٧. وكانت القرابين تُحرَق، رمزًا إلى شوق العابد للتطهُّر من الخطيَّة، وإصعادًا للدُّخان العَطِر الممثِّل لعبادة الله الحقيقيَّة. أمَّا وفرة كثرة التفصيل الصغيرة في تأدية الشعائر فكان من شأنها أن تُعلِّم الدِّقة والصحَّة اللتين ينبغي أن تشملا طريقة إطاعة الشعب لشرائع الله الخُلقيَّة والروحيَّة، وطريقة توقيرهم كلَّ وجه من وجوه كلمته تعالى.
إنّ سِفرَ اللاويِّين هو، في آنٍ معًا، دليلٌ عمليٌّ لعبادة الله في إسرائيل وعرضٌ لاهوتيٌّ لشعائر العهد القديم. فالفهم الشامل للطقوس والشرائع وتفاصيل الشعائر الموصوفة في السفر صعبٌ اليوم لأنَّ موسى افترض سياقًا معيَّنًا للفهم التاريخيّ. حتَّى إذا ذُلِّل تحدِّي فهم التعليمات المفصَّلة، يبرز السؤال: كيف ينبغي للمؤمنين في الكنيسة أن يتجاوبوا معها، ما دام العهد الجديد قد أبطل بوضوحٍ شريعة العهد القديم الطقسيَّة (رج أع ١٠: ١-١٦؛ كو ٢: ١٦ و١٧)، والكهنوتَ اللاويَّ (رج ١بط ٢: ٩؛ رؤ ١: ٦؛ ٥: ١٠؛ ٢٠: ٦) والمقدِس (رج مت ٢٧: ٥١)، كما أنَّه أقام الميثاق الجديد (رج مت ٢٦: ٢٨؛ ٢كو ٣: ٦-١٨؛ عب ٧-١٠)؟ فبدلًا من محاولة ممارسة الشعائر القديمة، أو البحث عن مغزًى روحيٍّ أعمقَ فيها، ينبغي التركيز على الطابع المقدَّس والإلهيِّ الكامن وراءها. وقد يكون هذا، بصورة جزئيَّة، هو سبب كون التفسيرات التي غالبًا ما قدَّمها موسى في التوصيات بشأن الطهارة تؤتينا تبصُّرًا في فكر الله أكثر ممَّا تؤتينا إيَّاه الشعائرُ ذاتها. فالمبادئ الروحيَّة التي تأصَّلت الشعائر فيها خالدةٌ لأنَّها مندمجة في طبيعة الله. ويوضح كتاب العهد الجديد أنَّه منذ يوم الخمسين فصاعدًا (رج أع ٢)، باتت الكنيسة تحت سلطان العهد الجديد، لا القديم (رج عب ٧-١٠).
يُحَثُّ القارئ لأن يُقارن ملامح هذا السفر بكُتّاب العهد الجديد، الذين يُقدِّمون رموزًا أو مشابهات مؤسَّسة على خيمة الاجتماع والنواحي الطقسيَّة في الناموس، بُغية تعليم دروس ثمينة عن المسيح وحقيقة العهد الجديد. ولئن أَدَّى الناموس الطقسيُّ دور ظلٍّ، لا غير، لحقيقة المسيح وعمله الفدائيِّ (عب ١٠: ١)، فمن الواجب رفض الإسراف في إبراز الناحية الرمزيَّة. لذلك، فإنه ما يَعُدُّه كتّابُ العهد الجديد رموزًا للمسيح، ينبغي اعتباره كذلك (رج ١كو ٥: ٧، «فصحنا... المسيح»).
لاويِّين ١-١٦ تشرح كيف يتقدَّم المرء شخصيًّا إلى الله بالعبادة اللائقة، ولاويِّين ١٧-٢٧ تُفصِّل كيف يكون المرء مَرضِيًّا عند الله بسلوكٍ في الطاعة.
المحتوى
أوّلًا: شرائع خاصَّة بالذبائح (١: ١-٧: ٣٨)
أ) تشريعات للعامَّة (١: ١-٦: ٧)
١. ذبيحة المُحرَقة (ف ١)
٢. تقدمة الدقيق (ف ٢)
٣. ذبيحة السلامة (ف ٣)
٤. ذبيحة الخطيَّة (٤: ١-٥: ١٣)
٥. ذبيحة الإثم (٥: ١٤-٦: ٧)
ب) تشريعات للكهنة (٦: ٨-٧: ٣٨)
١. ذبيحة المحرقة (٦: ٨-١٣)
٢. تقدمة الدقيق (٦: ١٤-٢٣)
٣. ذبيحة الخطيّة (٦: ٢٤-٣٠)
٤. ذبيحة الإثم (٧: ١-١٠)
٥. ذبيحة السلامة (٧: ١١-٣٦)
٦. ملاحظات ختاميَّة (٧: ٣٧ و٣٨)
ثانيًا: بدايات الكهنوت (٨: ١-١٠: ٢٠)
أ) تعيين هارون وبنيه (ف ٨)
ب) الذبائح الأُولى (ف ٩)
ج) إعدام ناداب وأبيهو (ف ١٠)
ثالثًا: تعليمات بشأن النجاسة (١١: ١-١٦: ٣٤)
أ) الحيوانات النجسة (ف ١١)
ب) نجاسة الولادة (ف ١٢)
ج) الأمراض النجسة (ف ١٣)
د) التطهُّر من الأمراض (ف ١٤)
هـ) الإفرازات النجسة (ف ١٥)
و) تطهير خيمة الاجتماع من النجاسة (ف ١٦)
رابعًا: توجيهات عامَّة بشأن القداسة العمليَّة (١٧: ١-٢٧: ٣٤)
أ) الذَّبح والأكل (ف ١٧)
ب) السلوك الجنسيُّ السليم (ف ١٨)
ج) حرمة الجوار (ف ١٩)
د) جرائم فظيعة (ف ٢٠)
هـ) تعليمات للكهنة (ف ٢٠ و٢١)
و) الأعياد الدينيَّة (ف ٢٣)
ز) خيمة الاجتماع (ف ٢٤: ١-٩)
ح) حادثة تجديف (٢٤: ١٠-٢٣)
ط) السنة السابعة وسنة اليوبيل (ف ٢٥)
ي) حثٌّ على إطاعة الشريعة: بركات ولعنات (ف ٢٦)
ك) وفاء النذور (ف ٢٧)
التسمية العربيَّة «العدد» تتبع الترجمتين اليونانيَّة (السبعينيَّة) واللاتينيَّة (الفولغاتا). وأساسها الإحصاءات التي تُشكِّل الموضوع الرئيسي في الأصحاحات ١-٤ و٢٦. أمَّا العنوان العبريُّ الأهمُّ فيأتي من الكلمة الخامسة في النصِّ العبريِّ ١: ١ «في بريَّة». وهذا الاسم أكثر وصفًا لمضمون السفر الإجماليِّ، وهو يروي تاريخ بني إسرائيل في أثناءِ نحو ٣٩ سنة من التَّيهان في البريَّة. وللسفر عنوان آخر يُفضِّله بعض الآباء الكنسيِّين الأوائل، وأساسُه أوَّل كلمة من الآية الأُولى بالعبريَّة «وكلَّم». وفي هذه التسمية تشديد على كون السفر يُسجِّل كلام الله إلى بني إسرائيل.
أسفار الكتاب المقدَّس الخمسة الأُولى، وتُسمَّى التوراة، حيث سفر العدد رابعُها، منسوبة إلى موسى في الكتاب كُلِّه (يش ٨: ٣١؛ ٢مل ١٤: ٦؛ نح ٨: ١؛ مر ١٢: ٢٦؛ يو ٧: ١٩). وسفر العدد ذاته يُشير إلى أنّ موسى كاتبه، رج ٣٣: ٢ و٣٦: ١٦. كُتب سفر العدد في السنة الأخيرة من حياة موسى. والأحداث المدوَّنة من ٢٠: ١ إلى الأخير جرت في السنة الأربعين بعد الخروج، حيث ينتهي السرد وبنو إسرائيل على الضفَّة الشرقيَّة من نهر الأُردنِّ مقابل أريحا (٣٦: ١٣)، ومن هنالك انطلق امتلاك أرض كنعان (يش ٣-٦). ويجب تأريخ سفر العدد حوالى ١٤٠٥ ق م، وهو أساسيٌّ بالنسبة إلى سفر التثنية، والتثنية مؤرَّخ في الشهر الحادي عشر من السنة الأربعين بعد الخروج (تث ١: ٣).
معظم أحداث السفر معروضة في إطار «البريَّة». وقد وردت كلمة «البريَّة» ٤٨ مرَّة في العدد. والتعبير يُشير إلى أراضٍ قليلة الخضرة أو الشجر، ولا تمكن فلاحتُها بسبب شحِّ المطر. وخيرُ استعمال لها رَعيُ المواشي. ويتبيَّن في ١: ١-١٠: ١٠، أنّ بني إسرائيل مُخيِّمون في «بريَّة سيناء». وكان الربُّ في سيناء قد دخل العهد الموسويَّ معهم (خر ١٩-٢٤). ومن ١٠: ١١-١٢: ١٦، يرتحلون من سيناء إلى قادش. وفي ١٣: ١-٢٠: ١٣، جرت الأحداث في قادش وحولها، وكانت تقع في «بريَّة فاران» (١٢: ١٦؛ ١٣: ٣ و٢٦)، و«بريَّة صين» (١٣: ٢١؛ ٢٠: ١). ومن ٢٠: ١٤-٢٢: ١، يرتحل بنو إسرائيل من قادش إلى «عربات موآب». أمَّا جميع أحداث ٢٢: ٢-٣٦: ١٣ فقد جرت والشعبُ مخيِّم في السهل إلى الشمال من موآب. وكان ذلك السهل أرضًا منبسطة وخصيبة في وسط القفر (٢١: ٢٠؛ ٢٣: ٢٨؛ ٢٤: ١).
يؤرِّخ العدد اختبارات جيلَين من أُمَّة بني إسرائيل. وقد شارك الجيل الأوَّل في الخروج من مصر، وتبدأ قصَّته في خر ٢: ٢٣ ثمَّ تستمرُّ عبر اللاويِّين وإلى الأصحاح ١٤ من العدد. وتمَّ إحصاء هذا الجيل لأجل حرب الاستيلاء على كنعان (١: ١-٤٦). ولكنْ لمَّا وصل الشعب إلى طرف كنعان الجنوبيّ، رفضوا دخول الأرض (١٤: ١-١٠). ومن جرّاء تمرُّد الشعب على الربّ، فإنَّ جميع البالغين من ابن ٢٠ فما فوق (ما عدا كالب ويشوع)، حُكم عليهم بالموت في البريَّة (١٤: ٢٦-٣٨). وفي الأصحاحات ١٥-٢٥، يتداخل الجيلان الأوَّل والثاني؛ حيث الأوَّل يتلاشى، والثاني يكبر نحو سنِّ الرُّشد. وفي بداية تاريخ الجيل الثاني هذا، جرى إحصاءٌ ثانٍ (٢٦: ١-٥٦). فهؤلاء لم يخوضوا الحرب (٢٦: ٢) إنما ورثوا الأرض (٢٦: ٥٢-٥٦). وقصَّةُ هذا الجيل الثاني، وهي تبدأ في عد ٢٦: ١، تستمرُّ عبر سفرَي التثنية ويشوع.
تُواجه قارئَ العدد أربعةُ تحدِّيات تفسيريَّة كبيرة. أوَّلًا، هل سفر العدد كتَابٌ مستقلٌّ، أم هو جزء من كُلٍّ أدبيٍّ أكبر، أي الأسفار الخمسة؟ فإنَّ أسفار التكوين والخروج واللاويّين والعدد والتثنية تُكوِّن كلُّها التوراة. وباقي الكتاب المقدَّس ينظر دائمًا إلى هذه الأسفار الخمسة على أنَّها وَحدةٌ واحدة. فالمعنى الأقصى لسفر العدد لا يمكن عزلُه من سياق الأسفار الخمسة. وأوَّل آية من السفر تذكر الربَّ وموسى وخيمة الاجتماع والخروج من مصر. فهنا افتراضٌ أنَّ القارئ مُطَّلع على الأسفار الثلاثة السابقة للعدد. ثمَّ إنَّ كلَّ مخطوطة عبريَّة تقسم الأسفار الخمسة تمامًا كما يقسمها النصُّ الحاليُّ. ففي سفر العدد وحدةٌ واضحة المعالم، ذات تكامُل بنيويٍّ خاصٍّ به. وللسفر بدايتُه ووسطه ونهايتُه الخاصَّات، حتَّى لو كان يؤدِّي وظيفته ضمن كُلٍّ أكبر. وعليه، فإنَّ سفر العدد أيضًا يجب أن يُنظر إليه بوصفه ذا كيانٍ فرد.
أمَّا السؤال التفسيريُّ الثاني فمدارُه: «أفي سفر العدد شيءٌ من التماسُك؟» يتَّضح حالًا أنَّ العدد يشتمل على تشكيلة واسعة من الموادِّ والأشكال الأدبيَّة. إذ نجد فيه لوائح إحصاء وسلاسل نسب وشرائع وأخبارًا تاريخيَّة وشعرًا ونبوَّة وقوائم سَفَر. ومع ذلك فهي كلُّها ممزوجةٌ لتروي قصَّة ارتحال بني إسرائيل من جبل سيناء إلى سهول موآب. وتقسيم السفر أدناه يُبيِّن تماسكه.
والمسألة الثالثة تتعلَّق بالأعداد الكبيرة الواردة لأسباط بني إسرائيل في ١: ٤٦ و٢٦: ٥١. فهاتان اللائحتان لرجال الحرب، وقد وُضِعتا بفاصل ٣٩ سنة، تجعلان كلتاهما عدد الشعب فوق ٦٠٠,٠٠٠. وهذا العدد يجعل عدد بني إسرائيل الإجماليَّ في البريَّة يُناهِز مليونين ونصفًا في أيِّ وقتٍ واحد. ويبدو من منظورٍ طبيعيٍّ أنَّ هذا العدد الإجماليَّ أعلى من أن تقوى ظروف البريَّة على إعالته. إنَّما ينبغي أن نُدرِك أنَّ الربَّ اعتنى ببني إسرائيل بطريقة فائقة للمعتاد طوال أربعين سنة (تث ٨: ١-٥). ولذلك يجب قبول الأعداد الكبيرة كما هي (رج ح ١: ٤٦).
المحتوى
أوّلًا: اختبارات الجيل الأوَّل من بني إسرائيل في البريَّة (١: ١-٢٥: ١٨)
أ) طاعة الشعب للربّ (١: ١-١٠: ٣٦)
١. تنظيم الشعب حول مسكن الربّ (١: ١-٦: ٢٧)
٢. توجيه الشعب نحو مسكن الربّ (٧: ١-١٠: ٣٦)
ب) عصيان الشعب للربّ (١١: ١-٢٥: ١٨)
١. تذمُّر الشعب في أثناء الترحال (١١: ١-١٢: ١٦)
٢. تمرُّد الشعب ورؤسائه في قادش (١٣: ١-٢٠: ٢٩)
أ) تمرُّد الشعب وعواقبُه (١٣: ١-١٩: ٢٢)
ب) تمرُّد موسى وهارون وعواقبُه (٢٠: ١-٢٩)
٣. تجدُّد تذمُّر الشعب في أثناء الترحال (٢١: ١-٢٢: ١)
٤. مباركة الشعب بفم بلعام (٢٢: ٢-٢٤: ٢٥)
٥. تمرُّد الشعب الأخير بسبب بعل فغور (٢٥: ١-١٨)
ثانيًا: اختبارات الجيل الثاني من بني إسرائيل في سهول موآب:
طاعة الشعب المتجدِّدة للربّ (٢٦: ١-٣٦: ١٣)
أ) الإعدادات لامتلاك الأرض (٢٦: ١-٣٢: ٤٢)
ب) استعراض الترحال في البريَّة (٣٣: ١-٤٩)
ج) توقُّع امتلاك الأرض (٣٣: ٥٠-٣٦: ١٣)
تأتي تسمية «التثنية» من الترجمة السبعينيَّة اليونانيَّة، حيث التسمية «نسخةٌ من هذه الشريعة» التي وردت في ١٧: ١٨ تُرجِمَت خطأً «الشريعة الثانية»، وقد ترجمتها الفولغاتا اللاتينيَّة ديترونوميوم. أمَّا ترجمة العنوان العبريِّ فهي «هذه هي الكلمات»، من أوَّل كلمتين عبريَّتَين في السفر. فالعنوان العبريُّ وصفٌ أفضل للسفر، بما أنَّه ليس «شريعة ثانية»، بل بالأحرى سجلٌّ لكلمات موسى في تفسير الشريعة. ويُكمِل سفر التثنية الوحدةَ الأدبيَّة ذات الأجزاء الخمسة، والمعروفة باسم «أسفار موسى الخمسة».
ما برح موسى تقليديًّا يُعتَبر كاتب التثنية، علمًا أنَّ السفر نفسه يشهد أنَّ موسى كتبه (١: ١ و٥؛ ٣١: ٩ و٢٢ و٢٤). وكِلا العهدِ القديم (١مل ٢: ٣؛ ٨: ٥٣؛ ٢مل ١٤: ٦؛ ١٨: ١٢) والعهد الجديد (أع ٣: ٢٢ و٢٣؛ رو ١٠: ١٩) يؤيِّدان كتابة موسى للتثنية. وبينما أُضيف تث ٣٢: ٤٨-٣٤: ١٢ بعد وفاة موسى (ربَّما على يد يشوع)، كتب موسى بيده باقيَ السفر قُبيلَ وفاته في ١٤٠٥ ق م.
على غرار اللاويِّين، لا يستغرق التثنية فترة تاريخيَّة طويلة، بل تجري أحداثُه كليًّا في موضع واحد على مدى شهرٍ من الزمن تقريبًا (رج تث ١: ٣ و٣٤: ٨؛ يش ٥: ٦-١٢). وكان بنو إسرائيل مُخيِّمين في وعر الوادي الأوسط إلى الشرق من نهر الأردنّ (تث ١: ١). وقد أُشير إلى هذا الموقع في عد ٣٦: ١٣ بوصفه «عربات موآب»، وهي سهولٌ إلى الشمال من نهر أرنون عبر نهر الأُردنِّ مقابل أريحا. وكان قد مضى نحو أربعين سنة على خروج بني إسرائيل من مصر.
يُركِّز سفرُ التثنية على أحداثٍ وقعت في الأسابيع الأخيرة من حياة موسى. وكان الحدث الرئيسيّ تبليغ موسى شفهيًّا الإعلانَ الإلهيَّ لبني إسرائيل (١: ١-٣٠: ٢٠؛ ٣١: ٣٠-٣٢: ٤٧؛ ٣٣: ١-٢٩). أمَّا الأحداث الأُخرى الوحيدة المدوَّنة فكانت: ١) تدوين موسى للشريعة في كتاب، وانتدابه يشوع ليكون القائد الجديد (٣١: ١-٢٩)؛ ٢) مشاهدة موسى لأرض كنعان من على جبل نبو (٣٢: ٤٨-٥٢؛ ٣٤: ١-٤)؛ ٣) وفاة موسى (٣٤: ٥-١٢).
أمَّا مُتَلقُّو التثنية الأصليُّون، سواءٌ في شكله المنطوق أو شكله المكتوب، فكانوا الجيل الثاني من الأُمَّة. وجميع أبناء ذلك الجيل من سنِّ الأربعين حتَّى الستِّين (ما عدا يشوع وكالب اللذين كانا أكبر سنًّا) كانوا قد وُلِدوا في مصر وشاركوا، أولادًا أو مراهقين، في الخروج. أمَّا مَن كانوا تحت الأربعين فقد وُلِدوا وتربَّوا في البريَّة. فهؤلاء وأولئك معًا كوَّنوا الجيل الذي كان على وشك امتلاك أرض كنعان بقيادة يشوع، بعد أربعين سنة من مغادرتهم مصر (١: ٣٤-٣٩).
المواضيع التاريخيَّة واللاهوتيَّة
مثلَ اللاَّويين، يتضمَّن التثنية كثيرًا من التفاصيل الشرعيَّة، إنَّما بتركيزٍ على الشعب بدل الكهنة. وإذ دعا موسى الجيل الثاني من بني إسرائيل إلى التوكُّل على الربِّ وإطاعة عهده المقطوع في حوريب (سيناء)، أيَّد أقواله بأمثلةٍ استقاها من تاريخ الأُمَّة الماضي. فقد ذكَّر الشعب بتمرُّدهم على الربِّ في حوريب (٩: ٧-١٠: ١١) وفي قادش (١: ٢٦-٤٦)، وقد كانت لهما عواقب مُهلِكة. كذلك ذكَّرهم أيضًا بأمانة الربِّ في منحهم النصرة على أعدائهم (٢: ٢٤-٣: ١١؛ ٢٩: ٢ و٧ و٨). والأهمُّ أنَّ موسى دعا الشعب إلى امتلاك الأرض التي وعد بها الله بِقَسَمٍ آباءهم الأوَّلين إبراهيم وإسحاق ويعقوب (١: ٨؛ ٦: ١٠؛ ٩: ٥؛ ٢٩: ١٣؛ ٣٠: ٢٠؛ ٣٤: ٤؛ رج تك ١٥: ١٨-٢١؛ ٢٦: ٣-٥؛ ٣٥: ١٢). ولم يكتفِ موسى بالنظر إلى الوراء، بل نظر أيضًا إلى الأمام فرأى أنَّ إخفاق الأُمَّة في إطاعة الله مستقبلًا، سيؤدِّي إلى تشتيتها بين الشعوب قبل أن يتحقَّق قَسَمُه للآباء (٤: ٢٥-٣١؛ ٢٩: ٢٢-٣٠: ١٠؛ ٣١: ٢٦-٢٩).
تُواجِه قارئ التثنية ثلاث عقبات تفسيريَّة. أوَّلًا، هل السفر سجلٌّ مستقلٌّ بذاته، أم هو جزءٌ من كُلٍّ أدبيٍّ أكبر، الذي يُشكِّل أسفار موسى الخمسة (أو التوراة)؟ إنَّ باقيَ الكتاب المقدَّس ينظر دائمًا إلى التوراة باعتبارها وحدةً واحدة، ومعنى التثنية الأقصى لا يمكن عزلُه من سياقه في التوراة. كما أنَّ السفر أيضًا يفترض أنَّ القارئ مُطَّلِعٌ أصلًا على الأسفار الأربعة التي تسبقه. وفي الواقع أنَّ التثنية يركِّز على جميع ما سبق إعلانُه من التكوين إلى العدد، علاوةً على ما يشمله من أحداثٍ عن الشعب عند دخولهم الأرض. هذا، وإنَّ كلَّ مخطوطة عبريَّة متوافرة تقسم التوراة تمامًا كما يقسمها النصُّ الحاليُّ، ممَّا يدلُّ على أنَّ السفر وحدةٌ محدَّدة جيِّدًا تسرد خُطَب موسى الأخيرة في بني إسرائيل، ولذلك يمكن أيضًا أن يُنظر إليه بوصفه سجلًّا مستقلًّا.
ثانيًا، هل أُسِّست بنية التثنية على المعاهدات المدنيَّة كما عُرفت في أيَّام موسى؟ في أثناء العقود الأربعة الأخيرة، أيَّد كثيرون من العلماء الإنجيليِّين كتابة موسى للسفر، بالاستناد إلى نقاط التشابُه بين بنية السفر وشكل معاهدات الشرق الأدنى القديمة في منتصف الألف الثاني ق م (زمن موسى تقريبًا). فإنَّ تلك المعاهدات السُّلطانيَّة (أي حيث يُملي حاكمٌ مشيئته على رعاياه) نهجت نهجًا نموذجيًّا لم يُستَخدم في أواسط الألف ق م. وقد اشتملت تلك المعاهدات عادةً على العناصر التالية: ١) تمهيد، يُحدِّد أفرقاء العهد؛ ٢) مقدِّمة تاريخيَّة، عرض لتاريخ معاملة الملك مع رعاياه؛ ٣) شروط عامَّة وخاصَّة؛ ٤) شهود؛ ٥) بركات ولعنات؛ ٦) إيمان وإقرار للعهد. وسفر التثنية يُقارب هذه البنية الأساسيَّة، كما يُعتقد. فإذا تمَّت الموافقة على أنَّ ١: ١-٥ هو تمهيد، و١: ٥-٤: ٤٣ مقدِّمةٌ تاريخيَّة، وفي ٢٧ و٢٨ تصويرٌ للبركات واللعنات، فلا إجماعَ على تناسُب باقي التثنية مع هذه البنية. وبينما يمكن أنَّ تجديدًا للعهد تمَّ في سهول موآب، لا يُشار إلى هذا في التثنية، لا تصريحًا ولا تلميحًا. فالأفضل قبولُ السفر على أنَّه ما يُصرِّح هو به: تفسير الشريعة المُعطاة على يد موسى للجيل الجديد. أمّا البنية فتتبع الخُطَب التي ألقاها موسى. راجع محتوى السفر.
ثالثًا، ماذا كان العهد الذي قُطِع في أرض موآب (٢٩: ١)؟ يفترض الرأيُ السائدُ أنَّ هذا العهد هو تجديد للعهد السينائيِّ الذي قُطع قبل أربعين سنة مع الجيل الأوَّل. فهُنا، جدَّد موسى، كما يُفترَض، هذا العهد نفسَه مع الجيل الثاني من الشعب. أمَّا الرأيُ الثاني فينظر إلى هذا العهد باعتباره عهدًا جرى في فلسطين يضمن للأُمَّة حقَّها في الأرض، في ذلك الزمان وفي المستقبل على السواء. هذا، ويَفترِض رأيٌ ثالث أنَّ موسى في ف ٢٩ و٣٠ استبق العهد الجديد، علمًا منه بأنَّ بني إسرائيل سيُخفِقون في حفظ العهد السينائيّ. ويبدو أنَّ الرأي الثالث هو الأفضل.
المحتوى
أوّلًا: مدخل: الإطار التاريخيُّ لِخُطَب موسى (١: ١-٤)
ثانيًا: خطبة موسى الأُولى: مقدِّمة تاريخيَّة (١: ٥-٤: ٤٣)
أ) مراجعة تاريخيَّة لأفعال الله الكريمة من حوريب حتّى بيت فغور (١: ٥-٣: ٢٩)
ب) حضٌّ على إطاعة الشريعة (٤: ١-٤٠)
ج) إفراز ثلاث مدن ملجأ (٤: ٤١-٤٣)
ثالثًا: خُطبة موسى الثانية: شروط العهد السينائيّ (٤: ٤٤-٢٨: ٦٨)
أ) مدخل (٤: ٤٤-٤٩)
ب) العناصر الأساسيَّة في علاقة الشعب بالربّ (٥: ١-١١: ٣٢)
١. الوصايا العشر (٥: ١-٣٣)
٢. الولاء الكامل للربّ (٦: ١-٢٥)
٣. الانفصال عن آلهة الأُمم (٧: ١-٢٦)
٤. تحذير من نسيان الربّ (٨: ١-٢٠)
٥. أمثلة على تمرُّد بني إسرائيل في الماضي (٩: ١-١٠: ١١)
٦. مناشدة لاتَِّقاء الربِّ ومحبَّته وإطاعة مشيئته (١٠: ١٢-١١: ٣٢)
ج) الشروط المحدَّدة للعيشة في الأرض الجديدة (١٢: ١-٢٦: ١٩)
١. توجيهات بشأن حياة العبادة (١٢: ١-١٦: ١٧)
٢. توجيهات بشأن القيادة (١٦: ١٨-١٨: ٢٢)
٣. توجيهات بشأن النظام المجتمعيّ (١٩: ١-٢٣: ١٤)
٤. توجيهات من شرائع شتّى (٢٣: ١٥-٢٥: ١٩)
٥. البواكير والعشور في الأرض (٢٦: ١-١٥)
٦. التشديد على الطاعة (٢٦: ١٦-١٩)
د) بركات العهد ولعناتُه (٢٧: ١-٢٨: ٦٨)
رابعًا: خُطبة موسى الثالثة: عهدٌ آخر (٢٩: ١-٣٠: ٢٠)
خامسًا: الأحداث الختاميَّة (٣١: ١-٣٤: ١٢)
أ) تغيير القيادة (٣١: ١-٨)
ب) قراءة الشريعة في المستقبل (٣١: ٩-١٣)
ج) نشيد موسى (٣١: ١٤-٣٢: ٤٧)
١. توقُّع إخفاق بني إسرائيل (٣١: ١٤-٢٩)
٢. شهادة نشيد موسى (٣١: ٣٠-٣٢: ٤٣)
٣. إبلاغ نشيد موسى (٣٢: ٤٤-٤٧)
د) الأحداث الأخيرة في حياة موسى (٣٢: ٤٨-٣٤: ١٢)
١. تعليمات بشأن وفاة موسى (٣٢: ٤٨-٥٢)
٢. بركة موسى (٣٣: ١-٢٩)
٣. وفاة موسى (٣٤: ١-١٢)
إنه السِّفر الأوّل بين الأسفار التاريخيَّة الاثني عشر، وقد اتَّخذ اسمه من مآثر يشوع. ويشوع هذا، صلَّى موسى لأجله وكلَّفه ليكون قائدًا في إسرائيل بديلًا عنه (عد ٢٧: ١٢-٢٣). أمّا الاسم «يشوع» فيعني «يهوه يخلِّص» أو «الربُّ خلاصٌ»، ما يوازي الاسم «يسوع» في العهد الجديد. الله خلَّص إسرائيل في أيام يشوع، حيث كان شخصيًّا حاضرًا بوصفه القائدَ المخلِّصَ الذي حارب عن بني إسرائيل (٥: ١٤-٦: ٢؛١٠: ٤٢؛ ٢٣: ٣ و٥؛ أع ٧: ٤٥).
مع أنَّ اسم الكاتب لم يُذكر، فمن المرجَّح أنه كان يشوع، الشاهدَ الرئيسيَّ للأحداث المسجَّلة (رج ١٨: ٩؛ ٢٤: ٢٦). وربّما صَحِبَهُ معينٌ، كان يشوع قد هيَّأه ليُنهي السِّفر ببعض الفِكَرِ مثل تلك التي تناولت وفاة يشوع (٢٤: ٢٩-٣٣). وقد زعم بعضهم أنّ فِكَرًا كتلك كتبها ألعازار رئيس الكهنة أو ابنه فينحاس. في تلك الفترة، كانت راحاب بعدُ على قيد الحياة (٦: ٢٥)؛ والسِّفر كان قد اكتمل قبل أن يعتلي داود عرش المُلْك (١٥: ٦٣، رج ٢صم ٥: ٥-٩). ويُرجَّح أن تكون سنة كتابة السِّفر ما بين ١٤٠٥ و١٣٨٥ ق م.
وُلد يشوع إبّانَ العبودية في مصر، وتدرَّب على يدي موسى، وبموجب اختيار الله، ارتقى إلى سدَّة القيادة ليتولّى دخول بني إسرائيل أرضَ كنعان. إنّ الملامح المميَّزة في حياته تشمل ما يلي: ١) الخدمة (خر ١٧: ١٠؛ ٢٤: ١٣؛ ٣٣: ١١؛ عد ١١: ٢٨)؛ ٢) الحرب (خر ١٧: ٩-١٣)؛ ٣) تجسُّس الأرض (عد ١٣ و١٤)؛ ٤) تضرُّع موسى لأجله (عد ٢٧: ١٥-١٧)؛ ٥) سيادة الله (عد ٢٧: ١٨ وما يلي)؛ ٦) حضور الروح في حياته (عد ٢٧: ١٨؛ تث ٣٤: ٩)؛ ٧) انفصال موسى (عد ٢٧: ١٨-٢٣؛ تث ٣١: ٧ و٨ و١٣-١٥)؛ ٨) اتِّباع الربِّ بلا تحسُّب (عد ٣٢: ١٢).
عندما سلَّم موسى، قبل وفاته، القيادة إلى يشوع (تث ٣٤)، كان بنو إسرائيل على وشك الانتهاء من التجوال الذي دام ٤٠ سنة، في البريَّة، وذلك حوالى ١٤٠٥ ق م. كان يشوع على عتبة التسعين حين تسلَّم قيادة بني إسرائيل. في ما بعد وافته المنيَّة حين كان ابن ١١٠ سنين (٢٤: ٢٩)؛ بعدما اقتاد بني إسرائيل في طرد معظم الكنعانيِّين، وبعدما قسَّمَ الأرض بين الاثني عشر سبطًا. انتظر بنو إسرائيل إرشاد الله لكي يحتلُّوا الأرض، فيما هم منتشرون في سهول موآب شرقيَّ نهر الأردن وشرقيَّ الأرض التي وعدهم بها الله (تك ١٢: ٧؛ ١٥: ١٨-٢١). ففي غربيِّ نهر الأردن واجهوا شعوبًا منغمسين في الشرِّ، حتى إنّ الله سيجعل الأرض، إن صحَّ التعبير، أن تلفظ سكّانها (لا ١٨: ٢٤ و٢٥). فالأرض يعطيها الله لبني إسرائيل عبر الحرب، مبدئيًّا، ليفي بالميثاق الذي قطعه مع إبراهيم ونسله، ومن ثَمَّ ليُجري دينونةً عادلةً على السكّان الأثمة (رج تك ١٥: ١٦). ثمّة شعوب متعدِّدة سكنوا مناطق مختلفة من الأرض زمانًا طويلًا، حتى قبل أيام إبراهيم (تك ١٠: ١٥-١٩؛ ١٢: ٦؛ ١٣: ٧)، وقد واصل هؤلاء الشعوب انحدارهم الأخلاقي في عبادة الآلهة المتعدِّدة حتى أيام يشوع.
إنّ الميزة البارزة هي أمانة الله في إتمام وعده بإعطائه الأرض لإبراهيم ونسله (تك ١٢: ٧؛ ١٥: ١٨-٢١؛ ١٧: ٨). وبفضل قيادة الله (رج ٥: ١٤-٦: ٢)، سكن هذا النسل مناطق شرقيَّ وغربيَّ نهر الأردن، وهكذا تكرَّرت الكلمة «امتلك» حوالى ٢٠ مرَّة.
يلي هذا الموضوع إخفاق بني إسرائيل في مواصلة احتلال جميع أجزاء الأرض (١٣: ١). في ما بعد، يصف قض ف ١ و٢ النتائج المأساويَّة التي نجمت عن هذه الخطيَّة. ثمّة آيات بارزة تركِّز على: ١) وعد الله بامتلاك الأرض (١: ٣ و٦)؛ ٢) التأمُّل في شريعة الله، الذي كان عنصرًا استراتيجيًّا بالنسبة إلى شعبه تعالى (١: ٨)؛ ٣) امتلاك بني إسرائيل للأرض كان جزئيًّا (١١: ٢٣؛ ٢١: ٤٥؛ ٢٢: ٤). حسبما ورد في ف ١٣-٢٢، كانت مهمَّة يشوع توزيع بقع معيَّنة من الأرض حصصًا. فاللاويُّون سكنوا استراتيجيًّا في ٤٨ مدينة، لكي تكون خدمة الله الروحيَّة بواسطتهم قريبة من بني إسرائيل حيثما حلُّوا.
الله أراد لشعبه أن يمتلكوا الأرض: ١) ليفي بوعده (تك ١٢: ٧)؛ ٢) ليمهِّد لأحداث لاحقة في خطَّة ملكوته (رج تك ١٧: ٨؛ ٤٩: ٨-١٢) مثلًا، تهيئة بني إسرائيل لأحداثٍ إبّانَ حقبات الملوك والأنبياء؛ ٣) ليعاقب شعوبًا أهانوه بشرورهم المتفاقمة (لا ١٨: ٢٥)؛ ٤) ليكونوا شهادةً للشعوب الأخرى (يش ٢: ٩-١١)، لأنّ الله صاحب العهد، بقلبه الرؤوف، يطاول جميع الأمم (تك ١٢: ١-٣).
المعجزات تتحدَّى القرَّاء باستمرار، فإمّا أنها تحدوهم على الإيمان بأنّ الله الذي خلق السماوات والأرض (تك ١: ١) يمكنه أيضًا القيام بأعمال عظيمة، وإمّا أنها تدفعهم إلى الابتعاد. فالمعجزات في أيام موسى تلك الواردة في هذا السِّفر، كانت جزءًا من قصد الله، مثل: ١) إيقافه لجريان نهر الأردن (يش ٣: ٧-١٧)؛ ٢) سقوط أسوار أريحا (يش ٦: ١-٢٧)؛ ٣) حجارة البَرَد (يش ١٠: ١-١١)؛ ٤) النهار الطويل (يش ١٠: ١٢-١٥).
المحتوى
أوّلًا: دخول أرض الموعد (١: ١-٥: ١٥)
ثانيًا: الاستيلاء على أرض الموعد (٦: ١-١٢: ٢٤)
أ) الحملة في الوسط (٦: ١-٨: ٣٥)
ب) الحملة في الجنوب (٩: ١-١٠: ٤٣)
ج) الحملة في الشمال (١١: ١-١٥)
د) ملخَّص الاحتلال (١١: ١٦-١٢: ٢٤)
ثالثًا: توزيع الحصص في أرض الموعد (١٣: ١-٢٢: ٣٤)
أ) ملخَّص الإرشادات (١٣: ١-٣٣)
ب) غربيَّ نهر الأردن (١٤: ١-١٩: ٥١)
ج) مدن الملجإ (٢٠: ١-٩)
د) مدن اللاويِّين (٢١: ١-٤٥)
هـ) شرقيَّ نهر الأردن (٢٢: ١-٣٤)
رابعًا: الاحتفاظ بأرض الموعد (٢٣: ١-٢٤: ٢٨)
أ) خطبة يشوع الأولى (٢٣: ١-١٦)
ب) خطبة يشوع الثانية (٢٤: ١-٢٨)
خامسًا: ملحق (٢٤: ٢٩-٣٣)
إنَّه اسمٌ على مُسَمّى، إذْ يُشير إلى قادة مُمَيَّزين، أعطاهم الله لشعبه، لحماية هذا الشعب من أعدائهم (٢: ١٦-١٩). أمّا العنوان العبريُّ فيعني: «المنقذون» أو «المخلِّصون»، إضافةً إلى «القضاة» (رج تث ١٦: ١٨؛ ١٧: ٩؛ ١٩: ١٧). وقد قام اثنا عشر قاضيًا قبلَ صموئيل؛ منْ ثَمَّ، ارتفع العدد مع عالي وصموئيل إلى أربعةَ عشرَ قاضيًا. بَيْد أنَّ الله نفسَه هو القاضي الأعلى (١١: ٢٧). وقد امتدَّ عهد القضاة حوالى ٣٥٠ سنة، بدءًا باحتلال يشوع للأرض (حوالى ١٣٩٨ ق م)، وانتهاءً بعالي وصموئيل قُبيل تأسيس المملكة (حوالى ١٠٤٣ ق م).
لا يذكر السِّفرُ أيَّ كاتبٍ، لكنَّ التَّلمود اليهوديَّ يُعيِّن صموئيل، ذلك النبيَّ الفَذَّ الذي عاصَرَ هذه الأحداث، واستطاع هو شخصيًّا أن يختصر تلك الحقبة (رج ١صم ١٠: ٢٥). وقد حصل ذلك قبل احتلال داود أورشليم حوالى ١٠٠٤ ق م (٢صم ٥: ٦ و٧)، إذْ كان اليبوسيُّون ما زالوا يسيطرون على المنطقة (قض ١: ٢١). أَضِفْ، أنَّ الكاتب يتعاطى مع زمن لم يكنْ فيه مَلِكٌ (١٧: ٦؛ ١٨: ١؛ ٢١: ٢٥)، لأنَّ شاول بدأ ملكه حوالى سنة ١٠٤٣ ق م، ويبدو أنَّ هذا السِّفر كُتِبَ قبل بدءِ مُلك شاول بوقتٍ قصير.
يُعتَبر سفر القضاة تتمَّة محزنة لسفر يشوع. فالشعب في سفر يشوع كان مطيعًا لله إبّانَ احتلال الأرض. أمَّا في سفر القضاة فكان الشعب عاصيًا ووثنيًّا ومهزومًا في معظم الأحيان. فقضاة ١: ١-٣: ٦ يُركِّز على الأيام الأخيرة التي يُختَتَم فيها سِفْر يشوع، فيما قضاة ٢: ٦-٩ يبسط مُطالعةً عن موت يشوع (رج يش ٢٤: ٢٨-٣١). ويصف النصُّ سبع حلقات متمايزة، عن ابتعاد الشعب عن الربّ، حتّى قَبْلَ موت يشوع، إلى أنْ يصل الشعب إلى ارتداد كامل عن الربِّ في ما بعد. ثمَّة خمسة أسباب ظاهرة وأساسيَّة لهذه الحلقات التي تُظهِر تردِّي إسرائيل الأخلاقيّ والروحيّ: ١) العصيان والانكفاء عن طَرْدِ الكنعانيِّين من الأرض (قض ١: ١٩ و٢١ و٣٥)؛ ٢) العبادة الوثنيَّة (٢: ١٢)؛ ٣) اختلاطهم بالكنعانيِّين الأشرار عبر الزواج (٣: ٥ و٦)؛ ٤) عدمُ توقيرهم للقضاة (٢: ١٧)؛ ٥) ابتعادهم عن إلههم بعد موت القضاة (٢: ١٩).
ثمَّة نتيجة ذات أربعة أقسام حصلت تكرارًا في هذه الفترة من تاريخ بني إسرائيل: ١) ابتعادهم عن الله؛ ٢) تأديب الله لهم، وذلك بسماحه بهزيمتهم العسكريَّة واستعبادهم؛ ٣) صلاة بني إسرائيل وتضرُّعهم ابتغاءً للخلاص؛ ٤) إقامة الله «القضاة»، إمّا المدنيِّين منهم، وإمّا أحيانًا أبطال الحروب المحليِّين الذين كانوا يهزمون مَنْ يستعبدونهم. وقد قام فيهم أربعةَ عشرَ قاضيًا، ستَّةٌ منهم كانوا قضاةً عسكريِّين (عُثنيئيل وإهود ودبُورة وجدعون ويفتاح وشمشون). قاضيان مِن هؤلاء كانت لهما دلالة بارزة بسبب الاختلاف الروحيِّ البارز بينهما في قيادتهما: ١) عالي، الذي كان قاضيًا ورئيسَ كهنة (ليس مثلًا صالحًا)؛ ٢) صموئيل، القاضي والكاهن والنبيّ (المثل الصالح).
يُركِّز سفر القضاة على المضامين أكثر من التأريخ؛ وأهمُّ ما في مضامينه تلك، قدرة الله وعهد رحمته في إنقاذ بني إسرائيل من نتائج إخفاقاتهم التي كانوا يعانونها بسبب مساوماتهم الخاطئة (رج ٢: ١٨ و١٩؛ ٢١: ٢٥). ففي الحقبات السَّبع منَ الخطيَّة إلى الخلاص (رج المقدِّمة: المحتوى)، كان الله برحمته، يخلِّص شعبه في كلِّ مناطق أسباطه الجغرافيَّة المختلفة، التي كان قد أعطاها لهم قبلًا بواسطة يشوع (يش ١٣-٢٢). وقد شَمَلَ الارتداد جميع الأراضي، حيث كان يحدِّد كلَّ منطقة بالاسم: الجنوب (٣: ٧-٣١)؛ الشمال (٤: ١-٥: ٣١)؛ الوسط (٦: ١-١٠: ٥)؛ الشرق (١٠: ٦-١٢: ١٥)؛ الغرب (١٣: ١-١٦: ٣١). على أنَّ قدرة الله على إنقاذ شعبه بكلِّ أمانة، تبدو ساطعةً بقوة حيال الظلمة الناجمة عن تساهل الإنسان مع خداع الخطيَّة، كما هي الحال في خاتمة السِّفر (قض ١٧-٢١). كما أنَّ العدد الأخير (٢١: ٢٥) يلخّص الوضع المعبَّر عنه في النصّ: «في تلك الأيام لم يكنْ مَلِكٌ في إسرائيل؛ كلُّ واحدٍ عَمِلَ ما حَسُنَ في عينيه».
إنَّ أكثر التحدِّيات إثارةً هي: ١) كيف ننظر إلى تصرُّفات الناس العنيفة ضدَّ الأعداء أو المواطنين، أقَبِلَها الله أم رَفَضَها؟؛ ٢) استخدام الله للقادة الذين أحيانًا يعملون حسب إرادته، وأحيانًا أُخرى يتبعون دوافعهم الآثمة (جدعون وعالي ويفتاح وشمشون)؛ ٣) كيف ننظر إلى نذر يفتاح، وإلى إصعاده ابنتَه محرقةً (١١: ٣٠-٤٠)؛ ٤) كيف نَحِلُّ قضيَّة مشيئة الله الكليِّ السيادة، وعمل عنايته الإلهيَّة، على الرغم من خطيَّة الإنسان (رج ١٤: ٤).
المحتوى
أوّلًا: مقدِّمة وخلاصة، عصيان إسرائيل (١: ١-٣: ٦)
أ) احتلال ناقص لأرض الكنعانيِّين (١: ١-٣٦)
ب) ارتداد بني إسرائيل ودينونتهم (٢: ١-٣: ٦)
ثانيًا: تاريخ انتقائي للقضاة، تخليص إسرائيل (٣: ٧-١٦: ٣١)
أ) الحقبة الأولى: عُثنيئيل ضدَّ أرام النَّهرين (٣: ٧-١١)
ب) الحقبة الثانية: إهود وشَمْجَر ضدَّ الموآبيِّين (٣: ١٢-٣١)
ج) الحقبة الثالثة: دبُورة ضدَّ الكنعانيِّين (٤: ١-٥: ٣١)
د) الحقبة الرابعة: جدعون ضدَّ المديانيِّين (٦: ١-٨: ٣٢)
هـ) الحقبة الخامسة: تُولَع ويائير ضدَّ مفاعيل أعمال أبيمالك (٨: ٣٣-١٠: ٥)
و) الحقبة السادسة: يفتاح وإبصان وإِيلون وعبدون ضدّ الفلسطينيِّين والعمُّونيِّين (١٠: ٦-١٢: ١٥)
ز) الحقبة السابعة: شمشون ضدَّ الفلسطينيِّين (١٣: ١-١٦: ٣١)
ثالثًا: الخاتمة، إهمال إسرائيل (١٧: ١-٢١: ٢٥)
أ) عبادة ميخا والدانيِّين للأوثان (١٧: ١-١٨: ٣١)
ب) جريمة جبعة والحرب ضدَّ بنيامين (١٩: ١-٢١: ٢٥)
لقد أجمعت النسخ القديمة والترجمات الحديثة على تسمية هذا السِّفر نسبة إلى راعوث البطلة الموآبيَّة، التي ذُكر اسمها ١٢ مرة (١: ٤-٤: ١٣). سفران فقط في العهد القديم سُمِّيا باسم امرأة: راعوث وأستير. لا يشير العهد القديم إلى راعوث مرة أخرى، فيما يذكرها العهد الجديد مرة واحدة، في سياق تعداد نسب المسيح (مت ١: ٥؛ رج را ٤: ١٨-٢٢). إنّ الاسم «راعوث» على الأرجح، يشتقّ من الكلمة الموآبيَّة و/أو العبريَّة، التي تعني «صداقة». وصلت راعوث إلى بيت لحم كغريبة (٢: ١٠)، فأصبحت خادمة (٢: ١٣)، وتزوَّجت ببوعز الغني (٤: ١٣)، ودخلت في السلالة الجسديَّة لنسب المسيح (مت ١: ٥).
ينسب التقليد اليهودي كتابة السِّفر إلى صموئيل، ولا غرابة في ذلك ما دام صموئيل لم يمت (١صم ٢٥: ١) إلّا بعد أن مسح داود ملكًا مختارًا من الله (١صم ١٦: ٦-١٣). مع ذلك، فإننا لا نجد أية إشارة واضحة إلى الكاتب، لا في معالم السِّفر ولا في الشهادات الخارجيَّة. ومن المرجَّح، أن تكون هذه القصة الرائعة قد برزت قبل حكم داود بوقت قصير أو إبّانَ حكمه على إسرائيل (١٠١١-٩٧١ ق م)، إذ ورد ذكر داود (٤: ١٧ و٢٢) وليس سليمان. وصف غوتيه (الأديب الألماني) هذه القطعة الأدبيَّة المغمورة إنما المتفوِّقة، بأنها، «أجمل عمل أدبيٍّ كامل مقتضب». فكما تألَّقت «فينوس» إلهة الحبِّ بين التماثيل، وموناليزا بين الرسوم، هكذا تألَّق سفر راعوث في عالم الأدب.
إلى جانب بيت لحم (١: ١)، فإنّ موآب (عدو إسرائيل الدائم، الساكن في شرقيّ البحر الميت) كان الأُمَّة الأخرى الوحيدة التي لها كيان جغرافيّ وقوميّ محدَّد (١: ١ و٢). وقد انبثقت هذه الدولة بعد أن أصبح لوط أبًا لموآب، عقب ممارسته سِفاح القربى مع ابنته الكبرى (تك ١٩: ٣٧). وبعد مرور قرون عدَّة، واجه اليهود مقاومة من بالاق ملك موآب مستعينًا بالنبيّ بلعام (عد ٢٢-٢٥). وقد أَذَلَّ موآبُ إسرائيلَ في أيام القضاة على مدى ١٨ عامًا (٣: ١٢-٣٠). انتصر شاول على الموآبيين (١صم ١٤: ٤٧) فيما بدا أنّ داود ينعم بعلاقة سليمة بهم (١صم ٢٢: ٣ و٤). في ما بعد، يعود موآب مرَّة أخرى ليزعج إسرائيل (٢مل ٣: ٥-٢٧؛ عز ٩: ١). وبسبب عبادة موآب الوثنيَّة لكموش (١مل ١١: ٧ و٣٣؛ ٢مل ٢٣: ١٣) ومواجهته لإسرائيل، لعن الله موآب (إش ١٥ و١٦؛ إر ٤٨؛ حز ٢٥: ٨-١١؛ عا ٢: ١-٣).
حصلت أحداث قصة راعوث «في أيام حكم القضاة» على إسرائيل (١: ١)، حوالى ١٣٧٠-١٠٤١ ق م (قض ٢: ١٦-١٩)، وهكذا تربط بين زمن القضاة ومملكة إسرائيل. يُسخِّر الله «الجوع في أرض» يهوذا (١: ١) ليُنشئ أحداث هذه القصة الجميلة، مع أنّ سفر القضاة لا يذكر شيئًا عن الجوع، مما يصعِّّب تحديد زمن أحداث قصة راعوث. ولكن، بالرجوع إلى ما قبل زمن حكم داود المعروف بالتحديد (١٠١١-٩٧١ ق م)، نستطيع تحديد زمن راعوث إبّانَ حكم يائير القاضي، وذلك على الأرجح حوالى ١١٢٦-١١٠٥ ق م (قض ١٠: ٣-٥).
تغطّي أحداث سفر راعوث حوالى ١١ أو ١٢ سنة وفق المعطيات التالية: ١) ١: ١-١٨، عشر سنوات في موآب (١: ٤)؛ ٢) ١: ١٩-٢: ٢٣، بضعة شهور (منتصف نيسان إلى منتصف حزيران) في حقل بوعز (١: ٢٢؛ ٢: ٢٣)؛ ٣) ٣: ١-١٨، يوم واحد في بيت لحم وليلة في البيدر؛ ٤) ٤: ١-٢٢، حوالى سنة في بيت لحم.
إنّ كلَّ الأعداد الخمسة والثمانين لسفر راعوث، حسبها اليهود قانونيَّة. فإلى جانب نشيد الأنشاد، وأستير، والجامعة، ومراثي إرميا، فإنّ سفر راعوث هو واحد من مجموعة الأسفار «مِجلُّوت» أو الدُّروج الخمسة في العهد القديم. يقرأ معلِّمو الناموس هذه الكتب في المجمع في خمس مناسبات خاصة في السنة. ويُقرأ سفر راعوث أيام الفصح بسبب مشاهد الحصاد الواردة في راعوث ٢ و٣.
بالنسبة إلى سلسلة الأنساب، يرجع سفر راعوث إلى الوراء حوالى ٩٠٠ سنة، إلى الأحداث الواردة في أيام يعقوب (٤: ١١) ويتخطّى الزمن حوالى ١٠٠ عام إلى الأمام إلى أيام ملك داود العتيد (٤: ١٧ و٢٢). وبينما ينبِّر سفرا يشوع والقضاة على ميراث الأُمَّة وأرض الموعد، يركِّز سفر راعوث على سلالة داود رجوعًا إلى زمن الآباء.
تَظهَر في سفر راعوث ٧ مواضيع لاهوتيَّة أساسيَّة على الأقل. أوّلًا، تُبَيِّن راعوث الموآبية أنّ خطَّة الله الفدائيَّة قد تخطَّت اليهود لتصل إلى الأمم (٢: ١٢). ثانيًا، تقدِّم راعوث نموذجًا للمرأة التي أضحت وارثة لنعمة الله كما الرجُل (رج غل ٣: ٢٨). ثالثًا، تمثِّل راعوث المرأة الفاضلة في أم ٣١: ١٠ (رج ٣: ١١). رابعًا، تصف راعوث سلطان الله (١: ٦؛ ٤: ١٣) ورعايته الإلهيَّة (٢: ٣) لأناس بسطاء حسب الظاهر، وفي أوقات تبدو غير مهمَّة، إنما تظهر في ما بعد أنها في غاية الأهميَّة بالنسبة إلى تتميم مشيئة الله. خامسًا، راعوث وثامار (تك ٣٨)، وراحاب (يش ٢)، وبثشبع (٢صم ١١ و١٢) دخلن في سلسلة النسب المسيَّانيّ (٤: ١٧ و٢٢؛ رج مت ١: ٥). سادسًا، بوعز، كرمز للمسيح، أصبح الوليّ الذي افتدى راعوث (٤: ١-١٢). أخيرًا، يرجع حقُّ داود (وبالتالي حقُّ المسيح) في عرش إسرائيل إلى أيام يهوذا (٤: ١٨-٢٢؛ رج تك ٤٩: ٨-١٢).
يجب أن يُعَدَّ سفر راعوث رواية تاريخيَّة حقيقيَّة. فالأحداث الأكيدة المحيطة بسفر راعوث، بالإضافة إلى مطابقته الكاملة مع سفر القضاة وسفري ١صم و٢صم، تُثبِت صدقيَّة السفر. لكن، ثمّة بعض الصعوبات المتفرِّقة تفترض انتباهًا دقيقًا. أوّلًا، كيف استطاعت راعوث أن تسجد في خيمة الاجتماع ومن ثم في شيلوه (١صم ٤: ٤)، فيما يحظر تث ٢٣: ٣ بشدَّة دخول الموآبيِّين إلى جماعة الربِّ حتى الجيل العاشر؟ وبما أنّ اليهود دخلوا الأرض حوالى ١٤٠٥ ق م، وراعوث كانت بعدُ لم تولد حتى حوالى ١١٥٠ ق م، فإنها تمثِّل، على الأقلّ، الجيل الحادي عشر (وربّما أكثر) ما دام تحديد الزمن ينتهي عند الجيل العاشر. وإذا كان «الجيل العاشر» مصطلحًا يعني «إلى الأبد»، كما يشير نح ١٣: ١، تكون راعوث كالأجنبيِّ في إش ٥٦: ١-٨ الذي انضمَّ الى جماعة الربّ (١: ١٦)، وهكذا حقَّ لها الدخول الى جماعة الربّ.
ثانيًا، ألا تُشكِّل تمضية بوعز وراعوث الليلة معًا قبل الزواج، صبغة لا أخلاقيَّة (٣: ٣-١٨)؟ التزمت راعوث تقليدًا قديمًا شائعًا في الشرق الأدنى، عندما طلبت من بوعز أن يتَّخذها زوجةً له، ويتمثَّل ذلك بطرح الثوب على المرأة المقصودة (٣: ٩)، تمامًا كما بسط يهوه ذيل ثوبه على إسرائيل (حز ١٦: ٨). لم يُشِرِ النصُّ قطعًا الى أيِّ تصرُّفٍ لا أخلاقيّ، بل بَيَّنَ أنّ راعوث نامت عند رجليه (٣: ١٤). وهكذا، أصبح بوعز استجابة الله لصلاته التي رفعها لأجل راعوث (٢: ١٢).
ثالثًا، ألا يقود قانون زواج القربى في تث ٢٥: ٥ و٦ الى سِفاح القربى و/أو تعدُّد الزوجات، إذا كان النسيب الأقرب متزوِّجًا؟ الله لن يضع خطَّةً صالحة ويُضمِّنها أشنع الأعمال اللاأخلاقيَّة التي عقابها الموت. من المفترض أنّ تطبيق تث ٢٥: ٥ و٦ يشمل فقط النسيب الأقرب المؤهَّل للزواج والذي يستوفي باقي شروط الناموس.
رابعًا، ألم يحرِّم الناموس بشدَّة الزواج بموآبيَّة؟ ثمَّ إنّ الشعوب الذين حُرِمَ بنو إسرائيل التزوُّج بهم، هم أولئك الذين امتلكوا الأراضي التي سيدخلها بنو إسرائيل (خر ٣٤: ١٦، تث ٧: ١-٣، يش ٢٣: ١٢) وهذا استثنى موآب (رج تث ٧: ١). وعلاوةً على ذلك، بوعز تزوَّج براعوث، المؤمنة حديثًا إيمانًا ثابتًا بيهوه (١: ١٦ و١٧)، وليست عابدة وثن لكموش، رئيس آلهة الموآبيِّين (رج مشاكل لاحقة في عز ٩: ١ و٢ و نح ١٣: ٢٣-٢٥).
المحتوى
أوّلًا: أليمالك ودمار نعمي في موآب (١: ١-٥)
ثانيًا: نعمي وراعوث ترجعان الى بيت لحم (١: ٦-٢٢)
ثالثًا: بوعز يقبل راعوث في حقله (٢: ١-٢٣)
رابعًا: المحبَّة بين راعوث وبوعز (٣: ١-١٨)
خامسًا: بوعز يستفكُّ راعوث (٤: ١-١٢)
سادسًا: الله يكافئ بوعز وراعوث بابن (٤: ١٣-١٧)
سابعًا: حقُّ داود في عرش يهوذا (٤: ١٨-٢٢).
حسِبت المخطوطات العبريَّة القديمة سفرَي صموئيل الأوَّل والثاني سفرًا واحدًا، ثم تمَّ تقسيمهما لاحقًا إلى سفرَين على يد مترجمي النسخة اليونانيَّة، (الترجمة السبعينيَّة)، وهذا التقسيم اعتمدته الترجمة اللاتينيَّة والترجمة الإنكليزيَّة، والكتب المقدسة العبريَّة الحديثة. وقد سمَّت المخطوطات العبريَّة القديمة هذا السفر الواحد، «سفر صموئيل» نسبة إلى الرجل الذي استخدمه الله لإقامة النظام الملكيّ في إسرائيل. وفي ما بعد، سمَّت النصوص العبريَّة والنسخ الإنكليزيَّة هذا السفر المُقَسَّم، «سفرا صموئيل الأوَّل والثاني». أمّا الترجمة السبعينيَّة فسمَّته «سفر الممالك الأوَّل والثاني»، في حين سمَّته الترجمة اللاتينيَّة «الملوك الأول والثاني»، حيث أضحى سفرا الملوك الأول والثاني الحاليَّان، «سفرَي الملوك الثالث والرابع».
نسب التقليد اليهوديّ كتابة سفر «صموئيل» إلى صموئيل نفسه أو إلى صموئيل وناثان وجاد (بناءً على ١أي ٢٩: ٢٩). لكن يتعذَّر أن يكون صموئيل الكاتب، لأنّ موته مدوَّن في ١صم ٢٥: ١، قبل أن تحصل الأحداث التي تزامنت مع مُلْكِ داود. علاوة على ذلك، فإنّ ناثان وجاد كانا نبيَّين لله في زمن داود ولن يكونا على قيد الحياة زمن كتابة سفر صموئيل. وعلى الرغم من أنَّ السجلّات المدوَّنة عن هؤلاء الأنبياء الثلاثة ربّما استُخدمت مصدرًا للمعلومات إبّانَ كتابة ١ و٢ صموئيل، فإنّ كاتب هذين السفرين غير معروف. إذًا، يصل النصُّ إلى القارئ، فيما الكاتب مغمور، وهكذا فإنّ الكاتب ينقل كلام الربِّ ويُقدِّم تفسيرًا إلهيًّا للأحداث المسرودة.
إنّ معظم الأحداث المدوَّنة في ١ و٢ صموئيل قد جرت في أعالي المنطقة الوسطى من أرض إسرائيل وحواليها. لقد سكن معظم بني إسرائيل في بقعة تبعد حوالى ١٤٤ كلم من مرتفعات أفرايم إلى جهة الشمال (١صم ١: ١؛ ٩: ٤)، امتدادًا إلى مرتفعات يهوذا في الجنوب (يش ٢٠: ٧؛ ٢١: ١١) وبين ٢٤-٥٦ كلم من الشرق إلى الغرب. وهذا المحور المركزيُّ يتراوح ارتفاعه بين ٤٥٨ م و ١٠٠٧ م فوق سطح البحر. فالمدن الرئيسيَّة في ١ و٢ صموئيل وقعت في هذه المرتفعات الوسطيَّة: شيلوه، موطن عالي وخيمة الاجتماع؛ الرامة، مسقط رأس صموئيل؛ جبعة، مركز شاول؛ بيت لحم، مكان ولادة داود؛ وأورشليم، «مدينة داود» النهائيَّة.
حصلت أحداث ١ و٢ صموئيل بين حوالى ١١٠٥ ق م، تاريخ ولادة صموئيل (١صم ١: ١-٢٨)، وحوالى ٩٧١ ق م، تاريخ كلمات داود الأخيرة (٢صم ٢٣: ١-٧). وهكذا، فإنّ أحداث هذين السفرَين كانت على مدى حوالى ١٣٥ سنة من التاريخ. وإبّانَ هذه السنوات، تحوَّل بنو إسرائيل من مجموعة ضعيفة من الأسباط في زمن «القضاة»، إلى أمَّة موحَّدة تحت حكم مَلَكيَّة مركزيَّة. يتناول هذان السفران في البداية حياة صموئيل (حوالى ١١٠٥-١٠٣٠ ق م)، وشاول الذي ملك من حوالى ١٠٥٢ إلى حوالى ١٠١١ ق م، وداود الذي كان ملك المملكة المتحدة من حوالى ١٠١١ إلى حوالى ٩٧١ ق م.
يبدأ سفر صموئيل، فيما إسرائيل في وضع روحيٍّ مُتَدَنٍّ. الكهنوت كان فاسدًا (١صم ٢: ١٢-١٧ و٢٢-٢٦)، وتابوت العهد لم يوجد في خيمة الاجتماع (١صم ٤: ٣-٧: ٢)، وعبادة الأوثان لاقت رواجًا (١صم ٧: ٣ و٤)، والقضاة لم يسلكوا بالأمانة (١صم ٨: ٢ و٣). لكنّ هذه الأوضاع تبدَّلت، بفضل رَجُلَي الله صموئيل (ا صم ١٢: ٢٣)، وداود (١صم ١٣: ١٤). في ختام سفر صموئيل الثاني نجد أنّ غضب الله قد انحسر تجاه بني إسرائيل (٢صم ٢٤: ٢٥).
تزامنًا مع الأحداث المدوَّنة في ١ و٢ صموئيل، كانت الإمبراطوريات العظمى في العالم القديم في حالة من الضعف. فلا مصر ولا قوة بلاد ما بين النهرين، ولا البابليِّين ولا الأشوريِّين شكَّلوا تهديدًا لإسرئيل في ذلك الزمان. فالأمَّتان اللتان كانتا الأشدَّ عداءً لإسرائيل هما الفلسطينيُّون (١صم ٤؛ ٧؛ ١٣؛ ١٤؛ ١٧؛ ٢٣؛ ٣١؛ ٢صم ٥) إلى جهة الغرب، والعمونيُّون (١صم ١١؛ ٢صم ١٠-١٢) إلى جهة الشرق. هذا، وإنّ المجموعة الكبرى من الفلسطينيِّين كانوا قد رحلوا من جزر بحر إيجه وآسيا الصغرى في القرن الثاني عشر ق م. ولمّا لم يلقوا ترحيبًا في مصر، انضمُّوا إلى الفلسطينيِّين الذين سبق وجودهم في فلسطين على ساحل البحر المتوسط. وإذ برع الفلسطينيُّون في صناعة الحديد، اكتسبوا تفوُّقًا عسكريًّا واقتصاديًّا على بني إسرائيل (١صم ١٣: ١٩-٢٢). أمّا العمونيُّون الذين كانوا من سلالة لوط (تك ١٩: ٣٨)، فقد سكنوا في سهول الأردن. جاء داود وحقَّق نصرةً على الفلسطينيِّين (٢صم ٨: ١) والعمونيِّين (٢صم ١٢: ٢٩-٣١)، وعلى شعوب أخرى كانت محيطة بإسرائيل (٢صم ٨: ٢-١٤).
ثمَّة أربعة مواضيع لاهوتيَّة رئيسيَّة في ١ و٢ صموئيل: أوّلًا، الميثاق الداوديّ، حيث نجد في السفرَين إشارة مباشرة إلى الملك «الممسوح»، في صلاة حنَّة (١صم ٢: ١٠) وفي نشيد داود (٢صم ٢٢: ٥١). وهذه إشارة إلى المسيَّا، الملك الذي سيُخضِع الشعوب التي وقفت في صف أعداء الله (رج تك ٤٩: ٨-١٢؛ عد ٢٤: ٧-٩ و١٧-١٩). وبحسب وعد الربّ، سيأتي هذا المسيَّا من سلالة داود ويثبِّت مملكة داود إلى الأبد (٢صم ٧: ١٢-١٦). وهكذا، فإنَّ وقائع أحداث حياة داود المدوَّنة في سفر صموئيل تُؤذن بأعمال ابن داود الأعظم (أي المسيح) في المستقبل.
ثانيًا، سلطان الله الذي يظهر بكلِّ وضوح في هذين السفرَين. مثلًا، ولادة صموئيل استجابة لصلاة حنَّة (١صم ٩: ١٧؛ ١٦: ١٢ و١٣). كذلك، وفي ما يتعلَّق بداود، فقد بدا واضحًا أنْ ليس من أمر يستطيع أن يُبطِل خطَّة الله بشأن وصول داود إلى المُلْكِ وثبات مملكته (١صم ٢٤: ٢٠).
ثالثًا، إنّ عمل الروح القدس في دعم الذين أُوكلت إليهم مهامٌّ إلهيّة، أمر واضح تمامًا. فروح الله حلَّ على شاول وعلى داود بعدما مُسِحا ملكَين (١صم ١٠: ١٠؛ ١٦: ١٣). وقد تمثَّلت قوة الروح القدس بروح النبوَّة (١صم ١٠: ٦) والانتصار في المعركة (١صم ١١: ٦).
رابعًا، يُظهِر سفرا صموئيل تأثير الخطيَّة في المجالين الشخصيِّ والقوميّ. فخطيَّة عالي وابنيه تسبَّبت بموت الابنَين (١صم ٢: ١٢-١٧ و٢٢-٢٥؛ ٣: ١٠-١٤؛ ٤: ١٧ و١٨). واحتقار تابوت العهد تسبَّب بموت الكثيرين من شعب إسرائيل (١صم ٦: ١٩؛ ٢صم ٦: ٦ و٧). أمّا عصيان شاول فقد تسبَّب بدينونة إلهيّة، أفضت إلى عزل شاول من الملك على إسرائيل (١صم ١٣: ٩ و١٣ و١٤؛ ١٥: ٨ و٩ و٢٠-٢٣). وعلى الرغم من أنّ الله سامح داود على خطيَّتَي الزنى والقتل بعد أن تاب (٢صم ١٢: ١٣)، فإنه لم ينجُ من تبعات نتائج الخطيَّة المحتَّمة والقاسية (٢صم ١٢: ١٤).
يتضمَّن سفرا صموئيل عددًا من المسائل الجدليَّة التي نالت حيِّزًا واسعًا من التفسير والنقاش: ١) أيٌّ من المخطوطات القديمة هي الأقرب إلى المخطوطة الأصليَّة؟ فالنصُّ المسوريُّ (أقدم النصوص العبريَّة) لم يُحفظ حفظًا وافيًا، ولا يتوافق في أحيان كثيرة مع الترجمة السبعينيَّة. وهكذا يصعب في بعض الأماكن تحديد مدلول النصوص الأصليَّة (رج ١صم ١٣: ١). ثمّة ترجمة باللغة الإنكليزيَّة اعتمدت النصَّ المسوريَّ مع بعض الإيضاحات. وهكذا يُفترض اعتبار النصِّ المسوريِّ النصَّ الأصليَّ، إلّا إذا وُجدت عقبات في اللغة أو المضمون. وهذا يُثبِت الكثير من التناقض بالأرقام. ٢) هل صموئيل مُتَرَجِّح حيالَ إقامة مُلْكٍ بشريٍّ في إسرائيل؟ وممّا يبدو أنّ ١صم ٩-١١ يُعبِّر عن رأيٍ إيجابيٍّ حيال المَلكيَّة، فيما ١صم ٨ و١٢ يناقض ذلك بشدَّة. من هنا، يُستَحسن أن ننظر إلى السفر على أنه يبسط وجهة نظر معتدلة حيالَ المَلكيَّة البشريَّة. وفي حين أنّ رغبة بني إسرائيل في إقامة مَلِكٍ كانت أمرًا مقبولًا حسبما ورد في تث ١٧: ١٥، فإنّ طلبهم مَلِكًا إنما دلَّ على عدم إيمانهم بالربّ (رج ح ١صم ٨: ٥ و٢٠). ٣) كيف يُفسِّر الإنسان التصرُّف الغريب الذي أتاه الأنبياء؟ لقد كان الرأيُ السائد أنّ سِفرَي صموئيل الأول والثاني يُظهِران أنّ الأنبياء كانوا يتكلَّمون بنشوة ويتصرَّفون بغرابة، تمامًا كما كان أنبياء الوثن لدى الأمم الأخرى. لكن، ليس في النصِّ من تناقض، ولا سيّما أنّ الأنبياء كانوا ينقلون الإعلانات الإلهيَّة، وأحيانًا بمواكبة الموسيقى (رج ح ١صم ١٠: ٥؛ ١٩: ٢٣ و٢٤). ٤) ماذا كانت خدمة الروح القدس قبل يوم الخمسين؟ إنّ خدمة الروح القدس حسبما وردت في ١صم ١٠: ٦ و١٠؛ ١١: ٦؛ ١٦: ١٣ و١٤؛ ١٩: ٢٠ و٢٣؛ ٢صم ٢٣: ٢؛ لم تصف الخلاص بحسب مفهوم العهد الجديد، بل تمثَّلت بإعطاء القوة من الربِّ لأجل خدمته (رج أيضًا قض ٣: ١٠؛ ٦: ٣٤؛ ١١: ٢٩؛ ١٣: ٢٥؛ ١٤: ٦ و١٩؛ ١٥: ١٤). ٥) ماذا كانت هويّة «الروح الرَّديّ من الربّ»؟ أهو شخص، أي واحدٌ من الأبالسة، أم روح ساخطة خلقها الله في القلب (رج قض ٩: ٢٣)؟ كان الرأيُ السائد يحسب هذه الروح واحدًا من الأبالسة (رج ح ١صم ١٦: ١٤). ٦) كيف ظَهَرَ صموئيل في ١صم ٢٨: ٣-٥؟ من المفضَّل أن نعتبر ظهور صموئيل ظهورًا سمح به الربُّ لكي يُكلِّم صموئيلُ الميْتُ شاولَ. ٧) ما هي هويَّة ذريَّة داود بحسب ٢صم ٧: ١٢-١٥؟ إنها تتمثَّل عادةً بسليمان. لكنّ العهد الجديد يعزو الكلام إلى يسوع، ابن الله في عب ١: ٥ (رج ح ٢صم ٧: ١٢-١٥).
محتوى سفر صموئيل الأول
أوّلًا: صموئيل: نبيٌّ وقاضٍ لإسرائيل (١: ١-٧: ١٧)
أ) صموئيل النبيّ (١: ١-٤: ١أ)
١. مولد صموئيل (١: ١-٢٨)
٢. صلاة حنَّة (٢: ١-١٠)
٣. نشأة صموئيل (٢: ١١-٢٦)
٤. نبوَّة بالقضاء على بيت عالي (٢: ٢٧-٣٦)
٥. كلمة الربِّ عبر صموئيل (٣: ١-٤: ١أ)
ب) صموئيل القاضي (٤: ١ب-٧: ١٧)
١. رواية تابوت العهد (٤: ١ب-٧: ١)
٢. انتصار بني إسرائيل على الفلسطينيين، وصموئيل يتبوَّأ سُدَّة القضاء (٧: ٢-١٧)
ثانيًا: شاول: أوَّل ملك على إسرائيل (٨: ١-١٥: ٣٥)
أ) شاول يصبح مَلِكًا (٨: ١-١٢: ٢٥)
١. بنو إسرائيل يطلبون مَلِكًا (٨: ١-٢٢)
٢. آليَّة صيرورة شاول مَلِكًا (٩: ١-١١: ١٣)
٣. حثُّ صموئيل لإسرائيل بخصوص المَلِك (١١: ١٤-١٢: ٢٥)
ب) أُفول مملكة شاول (١٣: ١-١٥: ٣٥)
١. توبيخ شاول (١٣: ١-١٥)
٢. حروب شاول (١٣: ١٦-١٤: ٥٢)
٣. رفض شاول (١٥: ١-٣٥)
ثالثًا: داود وشاول: انتقال المُلْكِ في إسرائيل (١٦: ١-٣١: ١٣)
أ) مقدّمة تمهيديَّة عن داود (١٦: ١-١٧: ٥٨)
١. مَسْحُ داود (١٦: ١-١٣)
٢. داود في بلاط شاول (١٦: ١٤-٢٣)
٣. داود رجُلُ حرب الربّ (١٧: ١-٥٨)
ب) خروج داود من بلاط شاول (١٨: ١-٢٠: ٤٢)
١. غضب شاول على داود، وخوفه منه (١٨: ١-٣٠)
٢. دفاع يوناثان وميكال عن داود (١٩: ١-٢٠: ٤٢)
ج) هرب داود من مطاردة شاول (٢١: ١-٢٨: ٢)
١. شاول يقتل الكهنة في نُوب (٢١: ١-٢٢: ٢٣)
٢. امتناع داود مرَّتين عن قتل شاول (٢٣: ١-٢٦: ٢٥)
٣. يأسُ داود ولجوؤه إلى الفلسطينيين (٢٧: ١-٢٨: ٢)
د) موت شاول (٢٨: ٣-٣١: ١٣)
١. ليلة شاول الأخيرة (٢٨: ٣-٢٥)
٢. الفلسطينيُّون يطردون داود (٢٩: ١-١١)
٣. داود يُبيد العمالقة (٣٠: ١-٣١)
٤. نهاية شاول (٣١: ١-١٣)
أوّلًا: تسَلُّم داود العرش كمَلِكٍ على إسرائيل (١: ١-٢٠: ٢٦)
أ) داود يتبوَّأُ سُدَّة المُلكِ على يهوذا (١: ١-٣: ٥)
١. موت شاول ويوناثان (١: ١-٢٧)
٢. يهوذا تمسح داود مَلِكًا (٢: ١-٧)
٣. انتصارات داود على بيت شاول (٢: ٨-٣: ١)
٤. نساءُ داود وأبناؤه في حبرون (٣: ٢-٥)
ب) داود يتبوَّأُ سُدَّة المُلكِ على إسرائيل (٣: ٦-٥: ١٦)
١. موت أَبنَير وإِيشبوشث (٣: ٦-٤: ١٢)
٢. بنو إسرائيل جميعُهم يمسَحون داود (٥: ١-٥)
٣. داود يحتلُّ أورشليم (٥: ٦-١٢)
٤. نساءُ داود وأبناؤه في أورشليم (٥: ١٣-١٦)
ج) حُكمُ داود المنتصِر (٥: ١٧-٨: ١٨)
١. انتصارات داود على الفلسطينيِّين (٥: ١٧-٢٥)
٢. انتصارات داود الروحيَّة (٦: ١-٧: ٢٩)
٣. انتصارات داود على الفلسطينيِّين والموآبيِّين والآراميِّين والأدوميِّين (٨: ١-١٨)
د) مُلكُ داود المضطرب (٩: ١-٢٠: ٢٦)
١. إحسانُ داود إلى مفيبوشث (٩: ١-١٣)
٢. داود يرتكب خطيَّتي الزنا والقتل (١٠: ١-١٢: ٣١)
٣. اضطرابات داخل عائلة داود (١٣: ١-١٤: ٣٣)
أ) اغتصاب ثامار (١٣: ١-٢٢)
ب) مقتل أمنون (١٣: ٢٣-٣٩)
ج) استدعاء أبشالوم وعودته (١٤: ١-٣٣)
٤. التمرُّد ضدَّ داود (١٥: ١-٢٠: ٢٦)
أ) تمرُّد أبشالوم (١٥: ١-١٩: ٤٣)
ب) تمرُّد صيبا (٢٠: ١-٢٦)
ثانيًا: الخاتمة (٢١: ١-٢٤: ٢٥)
أ) معاقبةُ الله لإسرائيل (٢١: ١-١٤)
ب) أَبطال داود (٢١: ١٥-٢٢)
ج) داود يقدِّم لله أُنشودةَ الحمد (٢٢: ١-٥١)
د) كلمات داود الأخيرة (٢٣: ١-٧)
هـ) رجال داود الجبابرة (٢٣: ٨-٣٩)
و) معاقبة الله لداود (٢٤: ١-٢٥)
كان سِفرا الملوك الأول والثاني في الأصل سِفرًا واحدًا، دُعي في النصِّ العبريِّ «الملوك»، وهي أول لفظة في ١: ١. ثمَّ جاءت الترجمة اليونانيَّة للعهد القديم، والمعروفة بالترجمة السبعينيَّة، وقَسَمَتِ السفر إلى اثنين. وتبعتها في ذلك الفولغاتا اللاتينيَّة وترجمات إنكليزيَّة أخرى. كان القصدُ من إجراء هذا التقسيم، تسهيلَ عمليَّة نسخ هذا السِّفر الطويل على الدَّرْجِ والبردي، ولم يكن القصد مبنيًّا على أيَّة علاقة بالمضمون. أمّا الكتب المقدسة العبريَّة الحديثة، فقد أدرجت السِّفرين تحت العنوانين «الملوك أ» و«الملوك ب». ثمَّ إنّ الترجمة حتّى ظهر العنوان في الترجمة السبعينيَّة على النحو التالي: «السِّفران الثالث والرابع للممالك»، أمّا الفولغاتا فسمَّته: «سفرا الملوك الثالث والرابع». فمجموعة الأسفار صموئيل ١ و٢ والملوك ١ و٢ ، تشكِّل عرضًا لمجمل تاريخ الممالك التي تعاقبت على كلٍّ من يهوذا وإسرائيل، من شاول حتى صدقيّا؛ علمًا أنّ سِفرَي أخبار الأيام الأول والثاني، لا يتناولان سوى تاريخ المملكة في يهوذا.
افترض التقليد اليهودي أنّ إرميا كتب سفرَي الملوك، وهو افتراض مستبعدٌ لأنّ الحدث الأخير المدوَّن في السِّفر (رج ٢مل ٢٥: ٢٧-٣٠) حصل في بابل في ٥٦١ ق م؛ ولا يخفى أنّ إرميا لم يذهب قطّ إلى بابل، بل ذهب إلى مصر (إر ٤٣: ١-٧)، ويُفتَرَض أن يكون قد بلغ السادسة والثمانين، على أقلِّ تقدير، مع حلول العام ٥٦١ ق م. في الواقع، إنّ هويَّة الكاتب الّذي لا يُذكَر اسمه تبقى قيد الكتمان. وبما أننا نشهد في سفرَي الملوك تركيزًا على خدمة الأنبياء، فإنه يبدو أنّ الكاتب كان على الأرجح نبيًّا للربِّ لم يُفصَح عن اسمه، وقد عاش إبّانَ السبي مع بني إسرائيل في بابل.
يرجع تاريخ كتابة سفرَي الملوك إلى الفترة الممتدَّة بين ٥٦١ و٥٣٨ ق م. وبما أنَّ آخِر حدث وارد في ٢مل ٢٥: ٢٧-٣٠ يحدِّد أبكر تاريخ ممكن لإكمال العمل، وفي غياب أيِّ تدوين في سفرَي الملوك لنهاية السبي البابليّ، فإنّ الانعتاق من السبي (٥٣٨ ق م) يعيِّن آخر تاريخ محتمل للكتابة. لكنّ هذا التاريخ يُشَكُّ فيه أحيانًا بناءً على التصريحات «إلى هذا اليوم» كما وردت في ١مل ٨: ٨؛ ٩: ١٣ و٢٠ و٢١؛ ١٠: ١٢؛ ١٢: ١٩؛ ٢مل ٢: ٢٢؛ ٨: ٢٢؛ ١٠: ٢٧؛ ١٤: ٧؛ ١٦: ٦؛ ١٧: ٢٣ و٣٤ و٤١؛ ٢١: ١٥. لكن يبقى من الأفضل النظر إلى هذه التصريحات على أنها تخصُّ مصادر استعان بها الكاتب، وليست تصريحات الكاتب نفسه.
من الواضح أنّ الكاتب استعان بمصادر متنوِّعة في معرض جمعه لهذا السفر، بما في ذلك «سفر أعمال سليمان» (١مل ١١: ٤١)، «أخبار الأيام لملوك إسرائيل» (١مل ١٤: ١٩؛ ١٥: ٣١؛ ١٦: ٥ و١٤ و٢٠ و٢٧؛ ٢٢: ٣٩؛ ٢مل ١: ١٨؛ ١٠: ٣٤؛ ١٣: ٨ و١٢؛ ١٤: ١٥ و٢٨؛ ١٥: ١١ و١٥ و٢١ و٢٦ و٣١)، إلى جانب «سفر أخبار الأيام لملوك يهوذا» (١مل ١٤: ٢٩؛ ١٥: ٧ و٢٣؛ ٢٢: ٤٥؛ ٢مل ٨: ٢٣؛ ١٢: ١٩؛ ١٤: ١٨؛ ١٥: ٦ و٣٦؛ ١٦: ١٩؛ ٢٠: ٢٠؛ ٢١: ١٧ و٢٥؛ ٢٣: ٢٨؛ ٢٤: ٥). إلى ذلك، فإنّ إش ٣٦: ١-٣٩: ٨ زوَّد الكاتبَ بمعلومات وردت في ٢مل ١٨: ٩-٢٠: ١٩، كما أنّ إرميا ٥٢: ٣١-٣٤ يشكِّل، على ما يبدو، المصدر للنصِّ في ٢مل ٢٥: ٢٧-٢٩. فَشَرحٌ كهذا يفترض وجود كاتب واحد قد أوحي إليه؛ وهذا الكاتب كان قد عاش في بابل خلال فترة السبي، وقد استخدم هذه المصادر المتوافرة لديه والتي يرجع تاريخها إلى ما قبل زمن السبي.
الخلفيَّة والإطار
يجب التمييز بين إطار مصادر السِّفرَين من جهة، وإطار كاتب هذين السِّفرَين من جهة أخرى. أمّا مادة المصادر فقد كتبها مشاركون في الأحداث وشهود عيان لها. كانت المعلومات موضع ثقة، كما أنها التزمت جانب الدقَّة تاريخيًّا في ما يتعلَّق ببني إسرائيل، منذ موت داود وارتقاء سليمان العرش (٩٧١ ق م) إلى تاريخ خراب الهيكل وأورشليم على أيدي البابليِّين (٥٨٦ ق م). لذا فإنّ سفرَي الملوك يقومان بتعقُّب تواريخ مجموعتَين من الملوك وأمَّتَين عاصيتَين، هما إسرائيل ويهوذا، كانتا كلتاهما تزدادان في نهج اللامبالاة بالشريعة الإلهيَّة وبأنبياء الله، وكانتا في طريقهما إلى السبي والعبوديَّة.
لا يعرض سفرا الملوك معلوماتٍ تاريخيةً دقيقةً فحسب، بل يعملان أيضًا على تفسيرها. فالكاتب، وهو واحد من المسبيِّين في بابل، أراد إيصال الدروس والعِبر من تاريخ إسرائيل إلى معشر المسبيِّين. كان قصده بالتحديد أن يعلِّم جماعة المسبيِّين لماذا انسكبت عليهم دينونة الله التي تمثَّلت بالسبي. لقد ركَّز الكاتب منذ البداية على أنّ الربَّ كان قد طالب الملوك بضرورة إطاعة شريعة موسى حتى يحلَّ ببركته على المملكة؛ إلّا أنّ كلَّ عصيان سوف يُفضي إلى السبي (١مل ٩: ٣-٩). لكنّ الواقع المأساويَّ كما أعلنه التاريخ هو أنّ ملوك إسرائيل جميعهم مع غالبيَّة ملوك يهوذا «عملوا الشرَّ في عيني الربّ». هؤلاء الملوك الأشرار كانوا مرتدِّين، لذا قادوا شعبهم إلى اقتراف الخطيَّة، وذلك من خلال تقاعسهم عن محاربة الوثنيَّة؛ بل بتغاضيهم عنها وحتى السماح بها. وعندما أخفق الملوك في أداء مهامِّهم هذه، أرسل الربُّ أنبياءَه لمواجهة كلٍّ من الملوك والشعب بخطيَّتهم ولحثِّهم على التوبة والرجوع إلى الله. وإذ قوبلت رسالة الأنبياء هذه بالرفض، تنبَّأ الأنبياء عن وقت ستُخضع خلاله هذه الأمَّة أو تلك للسبي والترحيل إلى بلاد غريبة (٢مل ١٧: ١٣-٢٣؛ ٢١: ١٠-١٥). فكلمة الربِّ هذه تحقَّقّت بحذافيرها، على غرار كلِّ نبوَّة نطق بها الأنبياء في سفري الملوك (٢مل ١٧: ٥ و٦؛ ٢٥: ١-١١). لذا، لحَظَ سفرا الملوك تفسيرًا للسبي الذي كابده الشعب، ومن ثمَّ ساعدهم على رؤية السبب وراء العقاب الإلهيّ، الذي كان عبادة الأوثان. كذلك أوضح الأنبياء للشعب كيف أنّ الله كان على استعداد ليرحمهم، تمامًا كما رحم أخآب (١مل ٢٢: ٢٧-٢٩) وأيضًا يهوياكين (٢مل ٢٥: ٢٧-٣٠).
أمّا الإطار الجغرافيُّ العامُّ لأحداث سفرَي الملوك فكان أرض إسرائيل كلَّها، من دان إلى بئر سبع (١مل ٤: ٢٥)، بما في ذلك عبر الأردن. ثمّة أربع أمم غازية كان لها دور رئيسيٌّ في شؤون إسرائيل ويهوذا خلال الفترة الممتدَّة بين ٩٧١ و٥٦١ ق م. ففي القرن العاشر قبل المسيح، تركت مصر بصماتها على تاريخ إسرائيل، وذلك خلال حكم كلٍّ من الملكين سليمان ورحبعام (١مل ٣: ١؛ ١١: ١٤-٢٢ و٤٠؛ ١٢: ٢؛ ١٤: ٢٥-٢٧). كما أنّ سوريا (أرام) شكَّلت تهديدًا عظيمًا لأمان إسرائيل خلال القرن التاسع ق م، وبالتحديد حوالى الفترة الممتدَّة بين ٨٩٠ و٨٠٠ ق م (١مل ١٥: ٩-٢٢؛ ٢٠: ١-٣٤؛ ٢٢: ١-٤ و٢٩-٤٠؛ ٢مل ٦: ٨-٧: ٢٠؛ ٨: ٧-١٥؛ ١٠: ٣٢ و٣٣؛ ١٢: ١٧ و١٨؛ ١٣: ٢٢-٢٥). فالسنوات من حوالى ٨٠٠ إلى ٧٥٠ ق م، شكَّلت نصف قرن من السلام والازدهار لكلٍّ من إسرائيل ويهوذا، وذلك لأنّ أشور اكتفت بلجم سوريا ولم تهدِّد المناطق الجنوبيَّة. إلّا أنّ هذا الواقع تغيَّر خلال حُكم تغلث فلاسر الثالث (٢مل ١٥: ١٩ و٢٠ و٢٩). ثم ابتداءً من منتصف القرن الثامن وحتى فترة متقدِّمة من القرن السابع ق م، أرهبت أشور فلسطين، وتمكَّنت أخيرًا من الاستيلاء على إسرائيل (المملكة الشماليَّة) ومن تدميرها في ٧٢٢ ق م (٢مل ١٧: ٤-٦)، كما تمكَّنت أيضًا من محاصرة أورشليم في ٧٠١ ق م (٢مل ١٨: ١٧-١٩: ٣٧). وقد كانت بابل القوة الرئيسيَّة في العالم القديم، خلال الفترة الممتدَّة ما بين ٦١٢ و٥٣٩ ق م. من ثمَّ أقدمت بابل على غزو يهوذا (المملكة الجنوبيَّة) ثلاث مرّات، فدمَّرت أورشليم وهيكلها في ٥٨٦ ق م، أي خلال الهجوم الثالث (٢مل ٢٤: ١-٢٥: ٢١).
إذًا، يركِّز سِفرا الملوك على تاريخ بني إسرائيل من ٩٧١ إلى ٥٦١ ق م. يتناول ١مل ١: ١-١١: ٤٣ ارتقاء سليمان العرش وفترة حكمه (٩٧١-٩٣١ ق م). و١مل ١٢: ١، و٢مل ١٧: ٤١ يتناول مملكتي إسرائيل ويهوذا المنقسمتين (٩٣١-٧٢٢ ق م). وقد رتَّب الكاتب مادَّته بشكل مميَّز إذ إنّ السرد يتبع الملوك في كلٍّ من المملكتين الشماليَّة والجنوبيَّة. ومع كلِّ فترة حكم مذكورة، يعتمد الكاتب النظام الأدبيَّ التالي. كلُّ ملك يُصار إلى تقديمه عبر: ١) ذِكر اسمه وعلاقته بسلفه؛ ٢) تاريخ ارتقائه سدَّة العرش مع ذكر السنة الموافقة لهذا التاريخ والتي توازي سنة حكم الملك المعاصر في المملكة الأخرى؛ ٣) سنُّه عند ارتقائه العرش (ملوك يهوذا فقط)؛ ٤) فترة ولايته؛ ٥) ذِكر مكان حكمه؛ ٦) ذِكر اسم أمِّه (ملوك يهوذا فقط)؛ ٧) تقويمٌ روحيٌّ لعهده. على أن يلي هذه المقدِّمة سردٌ للأحداث التي حصلت خلال حُكم كلِّ ملك. ثمَّ إنّ التفاصيل المختصَّة بهذا السرد، تشهد تنوُّعًا على نطاق واسع. من جهة أخرى، تُختَتَمُ كلُّ ولاية بالعناصر التالية: ١) ذِكر للمصادر؛ ٢) إدراج بعض المعلومات التاريخيَّة الإضافيَّة؛ ٣) الإعلان عن موت الملك؛ ٤) الإعلان عن دفنه؛ ٥) ذكر اسم خليفته؛ ٦) وفي بعض الحالات، ثمّة ملحقٌ إضافيّ (مثلًا: ١مل ١٥: ٣٢؛ ٢مل ١٠: ٣٦). هذا، ويتطرَّق ٢مل ١٨: ١-٢٥: ٢١ إلى الفترة حين كانت مملكة يهوذا وحدها قائمة (٧٢٢-٥٨٦ ق م). كما أنّ فقرتين ختاميَّتَين تتناولان أحداثًا وقعت بعد السبي البابليّ (٢مل ٢٥: ٢٢-٢٦ و٢٧-٣٠).
يشهد سفرا الملوك تركيزًا على ثلاثة مواضيع لاهوتيَّة. أوّلًا: الربُّ دان إسرائيل ويهوذا على عصيانهما شريعته (٢مل ١٧: ٧-٢٣). فزيغان الشعب عزَّزه ارتداد الملوك الأشرار الذين قادوا أبناء شعبهم إلى الوثنية (٢مل ١٧: ٢١ و٢٢؛ ٢١: ١١)، الأمر الذي استوجب غَضَبَ الربِّ المقدَّس على شعبه المتمرِّد. ثانيًا: كلمة الأنبياء الحقيقيِّين تمَّت بحذافيرها (١مل ١٣: ٢ و٣؛ ٢٢: ١٥-٢٨؛ ٢مل ٢٣: ١٦؛ ٢٤: ٢). وهذا أكَّد أنّ الله أقام كلمته وتحذيراته بالدينونة. ثالثًا: الربُّ تذكَّر وعده لداود (١مل ١١: ١٢ و١٣ و٣٤-٣٦؛ ١٥: ٤؛ ٢مل ٨: ١٩). صحيحٌ أنّ ملوك السلالة الداوديَّة برهنوا على أنهم عصوا الربّ، إلّا أنه لم يُبِدهم كما حصل لعائلات يربعام الأول، وعمري وياهو في إسرائيل. وحتى في ختام السِّفر، كانت سلالة داود بعدُ قائمة (٢مل ٢٥: ٢٧-٣٠)، الأمر الذي يُوفِّر رجاءً لنسل داود العتيد (رج ٢صم ٧: ١٢-١٦). وهكذا يظهر الربُّ بأنه أمين وكلمته موضوع ثقة.
إنّ العقبة التفسيريَّة الرئيسيَّة في سفرَي الملوك ترتبط بالتسلسل الزمنيِّ لملوك إسرائيل. فمع أنّ سفري الملوك يقدِّمان وفرةً من المعلومات المتعلِّقة بالتسلسل الزمنيّ، فإنّ هذه المعلومات تبقى عسرة التفسير، وذلك لسببين. أوّلًا: يبدو أنّ هذه المعلومات يعوزها الانسجام. مثلًا، نقرأ في ١مل ١٦: ٢٣ أنّ عُمري، ملك إسرائيل، بدأ حكمه في السنة الحادية والثلاثين لآسا، ملك يهوذا، وأنّ ملكه دام اثنتي عشرة سنة. لكن بحسب ١مل ١٦: ٢٩، كان عُمري قد خلفه ابنه أخآب، وذلك في السنة الثامنة والثلاثين لآسا، الأمر الذي يجعل ولاية عُمري تُقتصر على سبع سنوات فقط، ولا تصل إلى اثنتي عشرة سنة (طلبًا لحلِّ هذا الإشكال، رج ح ١مل ١٦: ٢٣). ثانيًا: بالإستعانة بمصادر من خارج الكتاب المقدَّس (يونانيَّة وأشوريَّة وبابليَّة)، وبعد ربطها ببعض المعلومات الفلكيَّة، يصبح بإمكاننا أن نحسِبَ مجموعة من التواريخ الجديرة بالثقة خلال الفترة الممتدة بين ٨٩٢ و٥٦٦ ق م. فبموجب الاعتقاد أنّ السجلاّت الأشوريَّة قد أتت على ذكر أخآب وياهو، مَلِكَي إسرائيل، يُصبح بالإمكان تحديد وفاة أخآب في سنة ٨٥٣ ق م، واعتبار أنّ ياهو كان قد بدأ ملكه في سنة ٨٤١ ق م. ثمّ انطلاقًا من هذين التاريخين المحدَّدين، يصبح بالإمكان الرجوع زمنيًّا إلى الوراء أو التقدُّم إلى الأمام ليتقرَّر أنّ انفصال إسرائيل عن يهوذا كان قد حصل حوالى ٩٣١ ق م، وسقوط السامرة حوالى ٧٢٢ ق م، وسقوط أورشليم حوالى ٥٨٦ ق م. لكن لدى احتسابنا المجموع العامَّ للسنوات التي حكم خلالها الملوك، نحصل بالنسبة إلى إسرائيل على ٢٤١ سنة (وليس على ٢١٠ سنين، من ٩٣١ إلى ٧٢٢ ق م)، وبالنسبة إلى يهوذا على ٣٩٣ سنة (وليس على ٣٤٦ سنة، من ٩٣١ إلى ٥٨٦ ق م). فالمُلاحَظ أنّ كِلتا المملكتين شهدتا أحيانًا فتراتٍ حَكَمَ خلالها ملِكان في آن، عادةً الأب وابنه. لذا فإنّ السنوات المتداخلة حُسبت مرَّتين ضمن المجموع للملكَين. إلى ذلك، جرى اعتماد أساليب مختلفة في معرض حساب عدد السنوات التي استغرقتها فترة ولاية الملك. كذلك، كان قد جرى استخدام روزنامات متفاوتة خلال فترات مختلفة من تاريخ المملكتين، الأمر الذي أدّى إلى بروز هذا التضارب الظاهريِّ داخليًّا. إذًا، دِقَّة التسلسل، بشكل عامّ، في سفرَي الملوك، يمكن برهنتها وتثبيتها.
ثمّة عقبة تفسيريَّة رئيسيَّة أخرى تتناول علاقة سليمان بكلٍّ من الميثاقين الإبراهيميِّ والداوديّ. فقد رأى بعضهم أنّ ١مل ٤: ٢٠ و٢١ يعرض تتميمًا للمواعيد المعطاة لإبراهيم (رج تك ١٥: ١٨-٢١؛ ٢٢: ١٧). لكن، وبحسب عد ٣٤: ٦ كانت الأرض التي أُعطيت لإبراهيم يحدُّها البحر المتوسِّط لجهة الغرب. وفي ١مل ٥: ١ وما يلي، يعامل حيرامُ سليمانَ كالندِّ للندّ، ولا سيّما أنّ حيرام كان مَلِكًا مستقلًّا على صور الواقعة على شاطئ البحر المتوسِّط. إذًا، لم تكن إمبراطوريَّة سليمان أرضَ الموعد التي كان الربُّ قد أعطاها لإبراهيم، مع أنّ جزءًا كبيرًا من تلك الأرض كان يقع تحت سيطرة سليمان. إلى ذلك، فإنّ ما صرَّح به سليمان في ١مل ٥: ٥ و٨: ٢٠ يدخل في إطار زعمه أنه النسل الموعود به في الميثاق الداوديّ (رج ٢صم ٧: ١٢-١٦). وكاتب سفرَي الملوك لا ينفي احتمال أن يكون هيكل سليمان بمثابة تتميم للوعد الذي قطعه الربُّ لداود. لكن، ومع أنّ الشروط المرتبطة بتتميم الوعد لداود، جرى تكرارها لسليمان (١مل ٦: ١٢)، فإنه من الواضح أنّ سليمان لم يتمِّم هذه الشروط (١مل ١١: ٩-١٣). وفي الواقع، لا أحد من جملة الملوك التاريخيِّين الذين تعاقبوا على بيت داود، تمَّم شرط الطاعة الكاملة التي كانت العلامة للشخص الإلهيِّ الموعود به. وبحسب سفرَي الملوك، فإنّ تتميم العهدين الإبراهيميِّ والداوديِّ لم يحصل خلال سيرة إسرائيل الماضية، بل كان في ذلك إرساء الأساس للأنبياء الذين سوف يظهرون لاحقًا (إشعياء، إرميا، حزقيال، والاثنا عشر الآخرون) الذين سوف يوجِّهون إسرائيل إلى رجاء عتيد برعاية المسيّا حين ستشهد المواثيق تتميمًا لها (رج إش ٩: ٦ و٧).
بما أنّ التقسيم لسفرَي الملوك يقع عرضًا في منتصف السرد المختصِّ بالملك أخزيا، فإنّ التقسيم التالي يصلح لكلا السفرَين.
ملوك إسرائيل ويهوذا
الملك الشاهد الكتابي
المملكة المتحدة
شاول ١صم ٩: ١-٣١: ١٣؛ ١أي ١٠: ١-١٤
داود ٢صم؛ ١مل ١: ١-٢: ٩؛ ١أي ١١: ١-٢٩: ٣٠
سليمان ١مل ٢: ١٠-١١: ٤٣؛ ٢أي ١: ١-٩: ٣١
المملكة الشمالية (إسرائيل)
يربعام الأول ١مل ١٢: ٢٥-١٤: ٢٠
ناداب ١مل ١٥: ٢٥-٣١
بعشا ١مل ١٥: ٣٢-١٦: ٧
أيلة ١مل ١٦: ٨-١٤
زمري ١مل ١٦: ١٥-٢٠
تبني ١مل ١٦: ٢١ و٢٢
عمري ١مل ١٦: ٢١-٢٨
أخآب ١مل ١٦: ٢٩-٢٢: ٤٠
أخزيا ١مل ٢٢: ٥١-٥٣؛ ٢مل ١: ١-١٨
يربعام (يورام) ٢مل ٢: ١-٨: ١٥
ياهو ١مل ٩: ١-١٠: ٣٦
يهوآحاز ٢مل ١٣: ١-٩
يهوآش (يوآش) ٢مل ١٣: ١٠-٢٥
يربعام الثاني ٢مل ١٤: ٢٣-٢٩
زكريا ٢مل ١٥: ٨-١٢
شلوم ٢مل ١٥: ١٣-١٥
منحيم ٢مل ١٥: ١٦-٢٢
فقحيا ٢مل ١٥: ٢٣-٢٦
فقح ٢مل ١٥: ٢٧-٣١
هوشع ٢مل ١٧: ١-٤١
المملكة الجنوبية (يهوذا)
رحبعام ١مل ١٢: ١-١٤: ٣١؛ ٢أي ١٠: ١-١٢: ١٦
أبيام (أبيا) ١مل ١٥: ١-٨؛ ٢أي ١٣: ١-٢٢
آسا ١مل ١٥: ٩-٢٤؛ ٢أي ١٤: ١-١٦: ١٤
يهوشافاط ١مل ٢٢: ٤١-٥٠؛ ٢أي ١٧: ١-٢٠: ٣٧
يورام (يهورام) ٢مل ٨: ١٦-٢٤؛ ٢أي ٢١: ١-٢٠
أخزيا ٢مل ٨: ٢٥-٢٩؛ ٢أي ٢٢: ١-٩
عثليا (ملكة) ٢مل ١١: ١-١٦؛ ٢أي ٢٢: ١-٢٣: ٢١
يوآش (يهوآش) ٢مل ١١: ١٧-١٢: ٢١؛ ٢أي ٢٣: ١٦-٢٤: ٢٧
أمصيا ٢مل ١٤: ١-٢٢؛ ٢أي ٢٥: ١-٢٨
عزِّيا (عزريا) ٢مل ١٥: ١-٧؛ ٢أي ٢٦: ١-٢٣
يوثام ٢مل ١٥: ٣٢-٣٨؛ ٢أي ٢٧: ١-٩
آحاز ٢مل ١٦: ١-٢٠؛ ٢أي ٢٨: ١-٢٧
حزقيّا ٢مل ١٨: ١-٢٠: ٢١؛ ٢أي ٢٩: ١-٣٢: ٣٣
منسّى ٢مل ٢١: ١-١٨؛ ٢أي ٣٣: ١-٢٠
آمون ٢مل ٢١: ١٩-٢٦؛ ٢أي ٣٣: ٢١-٢٥
يوشيّا ٢مل ٢٢: ١-٢٣: ٣٠؛ ٢أي ٣٤: ١-٣٥: ٢٧
يهوآحاز ٢مل ٢٣: ٣١-٣٣؛ ٢أي ٣٦: ١-٤
يهوياقيم ٢مل ٢٣: ٣٤-٢٤: ٧؛ ٢أي ٣٦: ٥-٨
يهوياكين ٢مل ٢٤: ٨-١٦؛ ٢أي ٣٦: ٩ و١٠
صدقيّا ٢مل ٢٤: ١٨-٢٥: ٢١؛ ٢أي ٣٦: ١١-٢١
المحتوى
أوّلًا: المملكة المتحدة: ولاية سليمان (١مل ١: ١-١١: ٤٣)
أ) ارتقاء سليمان سدَّةَ الحُكم (١مل ١: ١-٢: ٤٦)
ب) بداية حكمة سليمان وغناه (١مل ٣: ١-٤: ٣٤)
ج) الإعدادات لبناء الهيكل (١مل ٥: ١-١٨)
د) بناء الهيكل وبيت سليمان (١مل ٦: ١-٩: ٩)
هـ) المزيد من مشاريع البناء التي أنجزها سليمان (١مل ٩: ١٠-٢٨)
و) الذروة التي بلغتها حكمة سليمان وغناه (١مل ١٠: ١-٢٩)
ز) تقهقر سليمان (١مل ١١: ١-٤٣)
ثانيًا: المملكة المنقسمة: ملوك إسرائيل ويهوذا (١مل ١٢: ١-٢مل ١٧: ٤١)
أ) نشأة الوثنيَّة: يربعام ملك إسرائيل/ رحبعام ملك يهوذا (١مل ١٢: ١-١٤: ٣١)
ب) ملوك يهوذا/ إسرائيل (١مل ١٥: ١-١٦: ٢٢)
ج) السلالة الحاكمة لعمري وتأثيرها: قيام عبادة البعل وسقوطها في إسرائيل ويهوذا (١مل ١٦: ٢٣-٢مل ١٣: ٢٥)
١. إدخال عبادة البعل (١مل ١٦: ٢٣-٣٤)
٢. مقاومة إيليا لعبادة البعل (١مل ١٧: ١-٢مل ١: ١٨)
٣. تأثير أليشع في ما يتعلق بالله الحقيقي (٢مل ٢: ١-٩: ١٣)
٤. الانقلاب على عبادة البعل في إسرائيل (٢مل ٩: ١٤-١٠: ٣٦)
٥. الانقلاب على عبادة البعل في يهوذا (٢مل ١١: ١-١٢: ٢١)
٦. موت أليشع (٢مل ١٣: ١-٢٥)
د) ملوك يهوذا/ إسرائيل (٢مل ١٤: ١-١٥: ٣٨)
هـ) هزيمة إسرائيل وسبيُها على يد أشور (٢مل ١٦: ١-١٧: ٤١)
ثالثًا: المملكة التي كُتب لها البقاء: ملوك يهوذا (٢مل ١٨: ١-٢٥: ٢١)
أ) حزقيا وحكمُه بالبِرّ (٢مل ١٨: ١-٢٠: ٢١)
ب) منسّى وآمون وحكمُهما بالشرّ (٢مل ٢١: ١-٢٦)
ج) يوشيّا وحكمُه بالبِرّ (٢مل ٢٢: ١-٢٣: ٣٠)
د) هزيمة يهوذا وسبيُها على يد بابل (٢مل ٢٣: ٣١-٢٥: ٢١)
رابعًا: الخاتمة: استمرار الشعب في التمرُّد، واستمرار الربِّ في التعامل معهم بالرحمة (٢مل ٢٥: ٢٢-٣٠)
أتت التسمية العربيَّة لهذين السِّفرَين من الكتاب المقدَّس العبريّ، حيث وردت «حوليَّات (أي أحداث ووقائع) الأيّام». وقد بقي سفرا الأخبار الأوَّل والثاني سفرًا واحدًا في الأصل، إلى أن قُسِما سفرَين منفصلين لاحقًا في ترجمة العهد القديم اليونانيَّة المعروفة بالسبعينيَّة، حوالى ٢٠٠ ق م. وفي ذلك الوقت استُبدِل أيضًا بالعنوان الأصليِّ عنوانٌ غير دقيق هو «الأمور المحذوفة»، إشارةً إلى موادَّ لم تَرِد في سفرَي صموئيل الأوَّل والثاني وسفرَي الملوك الأوَّل والثاني. ويُذكَر أنّ جيروم استخدم في ترجمته اللاتينيَّة الفولغاتا (٤٠٠ ب م) العنوان الأوفى «أخبار التاريخ المقدَّس بكامله».
لا يحتوي ١و٢ أي على أيَّة إشارة مباشرة إلى كاتبهما البشريّ، وإن كان التقليد اليهوديُّ يُرجِّح كثيرًا عزرا الكاتب (رج عز٧: ١٦) باعتباره «مُدوِّن أخبار الأيّام». والأرجح أنّ هذين السجلَّين دُوِّنا حوالى ٤٥٠-٤٣٠ ق م. وتدعم سلاسلُ النسب في ١أي ١-٩ تاريخًا للكتابة بعد ٤٥٠ ق م. وليس في العهد الجديد اقتباسٌ مباشر من ١و٢ أي.
اشتملت الخلفيَّة التاريخيَّة المباشرة على رجوع المسبيِّين، في ثلاث دفعات إلى أرض الموعد من السبي البابليِّ بقيادة كلٍّ من: ١) زربّابل في عز ١-٦ (حوالى ٥٣٨ ق م)؛ ٢) عزرا في عز ٧-١٠ (حوالى ٤٥٨ ق م)؛ ٣) نحميا في نح ١-١٣ (حوالى ٤٤٥ ق م). ويلتفت التاريخ المتقدِّم إلى الترحيل/السبي البابليِّ (حوالى ٦٠٥-٥٣٨ ق م) كما تمَّ التنبُّؤ/الإخبار به في ٢ملوك وإرميا وحزقيال ودانيال وحبقُّوق. وكان أنبياء حقبة العودة هذه حجَّي وزكريّا وملاخي.
كان العبرانيُّون قد رجعوا من سبيهم الذي دام سبعين سنة (حوالى ٥٣٨ ق م) إلى أرضٍ مختلفة اختلافًا مُبينًا عن تلك التي حكمها قبلًا الملك داود (حوالى ١٠١١-٩٧١ ق م) والملك سليمان (٩٧١-٩٣١ ق م) : ١) لم يكن ملكٌ عبرانيٌّ، بل حاكمٌ فارسيّ (عز ٥: ٣؛ ٦: ٦)؛ ٢) لم يكن في أورشليم أمان، فكان على نحميا أن يُرمِّم السُّور (نح١-٧)؛ ٣) لم يكن هيكل، فكان على زربّابل أن يبنيَ من جديد هيكلًا شبيهًا بهيكل سليمان ذي المجد الغابر، إنما كان أقلَّ شأنًا (عز ٣)؛ ٤) لم يعُد اليهود يحكمون المنطقة، بل بالحريِّ كانوا يقفون موقف الدفاع (عز٤؛ نح٤)؛ ٥) نعموا بقليلٍ من البركات الإلهيَّة علاوةً على بَرَكة عودتهم؛ ٦) امتلكوا قليلًا من ثراء المملكة السالف؛ ٧) لم تعُد حضرة الله الإلهيَّة مُستقِرَّة في أورشليم، بعدما رحلت حوالى ٥٩٧-٥٩١ ق م (حز ٨-١١).
وبتعبيرٍ لطيف، بدا مستقبلهم كئيبًا مقارنةً بماضيهم الجليل، ولا سيّما عهدَي داود وسليمان. وخير وصفٍ يمكن أن توصف عودتُهم به هو أنّها كانت مُرَّةً حلوة، أي مُرَّةً لأنّ فقرهم الحاليَّ أثار ذكريات أليمة عمَّا حُرِموه من جرّاء دينونة الله على خطيَّة أسلافهم، لكن حلوةً لأنّهم على الأقلِّ رجعوا إلى الأرض التي أعطاها الله لإبراهيم قبل ١٧ قرنًا (تك ١٢: ١-٣). وما يختاره مُدوِّنُ أخبار الأيَّام من سلاسل نسب بني إسرائيل وتاريخهم امتدادًا من آدم (١أي ١: ١) حتّى الرجوع من بابل (٢أي ٢٦: ٢٣)، قُصِد به تذكير اليهود بوعود الله ومقاصده بشأن : ١) الأرض؛ ٢) الأُمَّة؛ ٣) المَلِك الداوديّ؛ ٤) الكهنة اللاويِّين؛ ٥) الهيكل؛ ٦) العبادة الحقيقيَّة. ولم يكن أيٌّ من هذه قد أُلغي بسبب السبي البابليّ. وقد كان ذلك كلُّه لتذكيرهم بتُراثهم الروحيِّ في أثناء الأوقات العصيبة التي واجهوها، ولتشجيعهم على أن يكونوا أُمَناء تجاهَ الله.
إنّ سفرَي أخبار الأيَّام الأوَّل والثاني يُعيدان تاريخًا موجزًا للعهد القديم، مع التشديد خصوصًا على العهد الداوديِّ والعبادة في الهيكل. ومن حيث التوازي الأدبيّ، فإنّ ١أي هو رفيقُ ٢صم، حيث يُفصِّل كلاهما حُكم الملك داود. ويُفتَتح ١أي بآدم (١: ١) ثمّ يُختَتم بوفاة داود (٢٩: ٢٦-٣٠) سنة ٩٧١ ق م. كما يبدأ ٢أي بسليمان (١: ١) ويشمل الفترة التاريخيَّة التي يتناولها ١ و٢ مل، مع التركيز حصريًّا على ملوك مملكة يهوذا الجنوبيَّة، مُستثنيًا بذلك تاريخ الأسباط العشرة الشماليَّة وملوكها، بسبب شرِّهم الكليِّ وعبادتهم الباطلة. وهو يمتدُّ من مُلك سليمان (١: ١) في ٩٧١ ق م إلى الرجوع من بابل في ٥٣٨ ق م (٣٦: ٢٣). وأكثر من ٥٥ بالمئة من مادَّة سفرَي الأخبار فريدة، أي غير مذكورة في ٢ صم أو ١ و٢ مل. وقد اتَّجه «مدوِّن أخبار الأيَّام» إلى استثناء ما كان سلبيًّا أو معاكسًا لمُلك داود. وفي مقابل ذلك، اتَّجه إلى تقديم إسهاماتٍ فريدة في إثبات شرعيَّة العبادة الهيكليَّة والسُّلالة الداوديَّة. وبينما ينتهي ٢مل ٢٥ نهاية كئيبة بترحيل يهوذا إلى بابل، يُختَتم ٢أي ٣٦: ٢٢ و٢٣ بمسحة رجاء مع إطلاق اليهود من بلاد فارس ورجوعهم إلى أورشليم.
كُتِب هذان السِّفران للمسبيِّين العائدين كسجلٍّ تاريخيٍّ لمقصد الله بالبركة المستقبليَّة، على الرغم من إخفاق الأُمَّة الماضي خُلقيًّا وروحيًّا، ذلك الإخفاق الذي دفع الشعبُ ثمنه باهظًا تحت غضب الله. ويُمكِن تلخيص ١ و٢أي بإيجاز على الوجه التالي:
أوَّلًا: تاريخ سُلاليٌّ انتقائيٌّ لبني إسرائيل ( ١أي ١-٩)
ثانيًا: المملكة المتَّحدة تحت حكم شاول ( ١أي١٠) وداود ( ١أي ١١-٢٩) وسليمان ( ٢أي ١-٩)
ثالثًا: دولة يهوذا المَلكيَّة في المملكة المنقسمة ( ٢أي١٠-٣٦: ٢١)
رابعًا: إطلاق يهوذا من سبيهم الذي دام سبعين سنة ( ٢أي٣٦: ٢٢ و٢٣).
وتترابط المواضيع التاريخيَّة مع اللاهوتيَّة ترابطًا وثيقًا بحيث إنّ مقاصد الله بشأن بني إسرائيل أُجريت وسوف تُجرى على مسرح التاريخ البشريّ. وقد قُصِد بهذين السِّفرين طمأنة العائدين بأنّ الله سوف يفي بوعود عهده، على الرغم من ماضيهم المتقلِّب وبليَّتهم الحاضرة. فإنّ الله أرجعهم إلى الأرض التي أعطاها أوَّلًا لإبراهيم، بوصفهم جنسًا من الناس لم تُمحَ هويَّتُهم العرقيَّة (اليهود) كما أنّ هويَّتهم القوميَّة (إسرائيل) قد حُفِظَت (تك ١٢: ١-٣؛ ١٥: ٥)؛ رغم كونهم ما زالوا تحت أحكام دينونة الله الموصوفة في التشريع الموسويّ (تث ٢٨: ١٥-٦٨). وكانت السُّلالة الكهنوتيَّة التابعة لفينحاس ابن ألعازر والسُّلالة اللاويَّة ما تزالان سليمتين بحيث أمكن استئناف العبادة الهيكليَّة مع الآمال بأن تعود حضرة الله ذات يوم (عد ٢٥: ١٠-١٣؛ مل ٣: ١). وكان الوعد الداوديُّ بقيام مَلِك ما زال ساريًا، مع أنّ إتمامه يكون في المستقبل (٢صم ٧: ٨-١٧؛ ١أي ١٧: ٧-١٥). أمَّا رجاؤهم الفرديُّ بالحياة الأبديَّة واستردادِ بركات الله إلى الأبد فقد رسا في العهد الجديد (إر ٣١: ٣١-٣٤).
ويُذكَر في هذين السِّفرَين مبدآن أساسيَّان منتشران في العهد القديم كلِّه، ألا وهما أنّ الطاعة تجلب البركة، والعصيان يجلب الدينونة. ففي أخبار الأيَّام كليهما، حين كان الملك يطيع الربَّ ويتوكَّل عليه، كان الربُّ يُبارك ويحمي. ولكن كلَّما عصى الملك و/أو وضع ثقته في شيءٍ أو شخص غير الربّ، حجب الله بركته وحمايته. ثمّة ثلاثةُ إخفاقاتٍ جوهريَّة تسبَّب بها ملوك يهوذا، جلبت غضبَ الله: ١) الخطيَّة الشخصيَّة؛ ٢) العبادة الباطلة/الوثنيَّة؛ و/أو ٣) الاتكال على البشر بدل الله.
يعرض ١ و٢أي مزيجًا من السِّجلاَّت السُّلاليَّة والتاريخيَّة الانتقائيَّة، كما لا نُقابِل في السِّفرَين أيَّة تحدِّيات لا تُذلَّل. أنّما تُثار بضع مسائل، منها مثلًا: ١) مَن كتب ١و٢ أي؟ هل يُشير التوافق بين ٢أي ٣٦: ٢٢ و٢٣ وعز١: ١-٣ إلى أنّ عزرا هو الكاتب؟ ٢) هل يُسيء استخدام عدَّة مصادر إلى عقيدة عصمة الأسفار المقدَّسة؟ ٣) كيف يُفسِّر المرءُ الاختلافات في سلاسل النسب الواردة في ١أي ١-٩ عن سلاسل نسب أُخرى في العهد القديم؟ ٤) هل تبقى لعنات تث ٢٨ نافذة المفعول، على الرغم من انتهاء سبي السبعين سنة؟ ٥) كيف يُفسِّر المرء الاختلافات القليلة في الأعداد لدى مقارنة سفرَي الأخبار بمقاطع مُوازية في أسفار صموئيل والملوك؟ ونتطرَّق إلى هذه الأُمور في الحواشي في المواضع المُوافِقة.
المحتوى
أوّلًا: سلاسل نسب انتقائيَّة (١: ١-٩: ٣٤)
أ) من آدم إلى ما قبل داود (١: ١-٢: ٥٥)
ب) من داود إلى السبي (٣: ١-٢٤)
ج) الأسباط الاثنا عشر (٤: ١-٩: ١)
د) أهل أورشليم (٩: ٢-٣٤)
ثانيًا: قيام داود (٩: ٣٥-١٢: ٤٠)
أ) تراث شاول وموتُه (٩: ٣٥-١٠: ١٤)
ب) مَسح داود (١١: ١-٣)
ج) إخضاع أورشليم (١١: ٤-٩)
د) رجال داود (١١: ١٠-١٢: ٤٠)
ثالثًا: مُلك داود (١٣: ١-٢٩: ٣٠)
أ) تابوت العهد (١٣: ١-١٦: ٤٣)
ب) العهد الداوديّ (١٧: ١-٢٧)
ج) مختارات من التاريخ العسكريّ (١٨: ١-٢١: ٣٠)
د) الإعداد لبناء الهيكل (٢٢: ١-٢٩: ٢٠)
هـ) انتقال المُلك إلى سليمان (٢٩: ٢١-٣٠)
راجع أخبار الأيام الأوَّل طلبًا للدراسة التمهيديَّة.
المحتوى
أوّلًا: مُلك سليمان (١: ١-٩: ٣١)
أ) التتويج والبداءات (١: ١-١٧)
ب) بناء الهيكل (٢: ١-٧: ٢٢)
ج) الثروة / الإنجازات (٨: ١-٩: ٢٨)
د) الوفاة (٩: ٢٩-٣١)
ثانيًا: عهود ملوك يهوذا (١٠: ١-٣٦: ٢١)
أ) رحبعام (١٠: ١-١٢: ١٦)
ب) أبيّا (١٣: ١-٢٢)
ج) آسا (١٤: ١-١٦: ١٤)
د) يهوشافاط (١٧: ١-٢١: ٣)
هـ) يهورام (٢١: ٤-٢٠)
و) أخزيا (٢٢: ١-٩)
ز) عثليا (٢٢: ١٠-٢٣: ٢١)
ح) يوآش (٢٤: ١-٢٧)
ط) أمصيا (٢٥: ١-٢٨)
ي) عزِّيّا (٢٦: ١-٢٣)
ك) يوثام (٢٧: ١-٩)
ل) آحاز (٢٨: ١-٢٧)
م) حزقيّا (٢٩: ١-٣٢: ٣٣)
ن) منسَّى (٣٣: ١-٢٠)
س) آمون (٣٣: ٢١-٢٥)
ع) يوشيّا (٣٤: ١-٣٥: ٢٧)
ف) يهوآحاز (٣٦: ١-٤)
ص) يهوياقيم (٣٦: ٥-٨)
ق) يهوياكين (٣٦: ٩ و١٠)
ر) صدقيّا (٣٦: ١١-٢١)
ثالثًا: أمر كورش برجوع المسبيِّين (٣٦: ٢٢ و٢٣)
مع أنَّ اسم عزرا الذي يعني «الربُّ يُعين»، لا يُذكر ضمن أسماء بني يهوذا العائدين من السبي إلى أورشليم قبل ٧: ١، فإنَّ هذا السِّفر يحمل اسمَه عنوانًا له. وذلك لأنَّ التقليدَين اليهوديَّ والمسيحيَّ كليهما ينسبان كتابة السِّفر إلى هذا الكاهن، الكاتب الشهير. وليس في العهد الجديد أيُّ اقتباس من سفر عزرا.
يُرجَّح جدًّا أنَّ عزرا هو كاتب سِفرَي عزرا ونحميا كليهما، ولعلَّهما كانا في الأصل سِفرًا واحدًا. وما ورد في عزرا ٤: ٨- ٦: ١٨ و٧: ١٢-٢٦ كُتِبَ بالآراميَّة. ومع أنّ عزرا لم يَذكُرِ البتَّة أنه كَتَبَ السِّفر، فإنَّ الأدلَّة الداخليَّة تؤيِّده بشدَّة. فبعد وصوله إلى أورشليم (حوالى ٤٥٨ ق م)، انتقل من الكتابة بصيغة الغائب إلى الكتابة بصيغة المتكلِّم المفرد. وربَّما استخدم صيغة الغائب في القسم الأوَّل لأنَّه كان يُورِد ذكرياته. وثمّة مَن يعتقد أنّ عزرا كتب سفرَي أخبار الأيَّام أيضًا. فإنَّه يكون من الطبيعيِّ للكاتب عينه أن يُكمِل سرد العهد القديم بإظهاره كيف أتمَّ الله وعده بإرجاع شعبه إلى الأرض، بعد سَبيٍ دام سبعين سنة. ثمَّ إنَّ في سفرَي الأخبار لهجةً كهنوتيَّة قويَّة، وقد كان عزرا من سلالة هارون الكهنوتيَّة (رج ٧: ١-٥). والآيتان الختاميَّتان في أخبار الأيَّام الثاني (٣٦: ٢٢ و٢٣) مُطابِقتان فعليًّا للآيات الافتتاحيَّة في عزرا (١: ١-٣أ)، ممّا يؤكِّد كتابته لكِلا السفريَن.
كان عزرا كاتبًا تسنّى له الوصول إلى كثرة من الوثائق الحكوميَّة التي وردت في سِفرَي عزرا ونحميا، ولا سيَّما تلك التي في سفر عزرا. ولم يكن يُسمَح إلّا لعددٍ قليلٍ من الأشخاص بالاطِّلاع على المحفوظات الملكيَّة لدى الإمبراطوريَّة الفارسيَّة، غير أنَّ عزرا أثبت وضعه الاستثنائيَّ (رج عز ١: ٢-٤؛ ٤: ٩-٢٢؛ ٥: ٧-١٧؛ ٦: ٣-١٢). وتُذكر وظيفتُه كاتبًا للشريعة على نحوٍ واضح في ٧: ١٠ «لأنَّ عزرا هيَّأ قلبه لطلب شريعة الربِّ والعمل بها، وليعلِّم إسرائيل فريضةً وقضاءً.» وقد كان رجلًا قويًّا وتقيًّا عاش في زمن نحميا (رج نح ٨: ١-٩؛ ١٢: ٣٦). ويقول التقليد إنَّه كان مؤسِّس المجمع الكبير، حيث تمَّ الإقرار رسميًّا أوَّلَ مرَّة بلائحة أسفار العهد القديم القانونيَّة كلِّها. وقد ترأَّس عزرا العودة الثانية من بلاد فارس (حوالى ٤٥٨ ق م)، ولذلك فإنَّ السِّفر أصبح كاملًا في وقتٍ ما، إبّانَ بضعة العقود التالية (حوالى ٤٥٧-٤٤٤ ق م).
كان الله أصلًا قد أخرج بني إسرائيل من أسواق العبيد في مصر عبر الخروج (حوالى ١٤٤٥ ق م). وبعد ذلك بمئات السنين، قبل أحداث عزرا، قال الله لشعبه إنَّه إن اختاروا نقض عهدهم معه فسيسمح ثانيةً للأُمم الأُخرى بأن تستعبدهم (إر ٢: ١٤-٢٥). وعلى الرغم من تحذيرات الله المتكرِّرة بأفواه أنبيائه، فقدِ اختار بنو إسرائيل ويهوذا أن يرفضوا ربَّهم ويُشارِكوا في عبادة الآلهة الغريبة، فضلًا عن ارتكاب الممارسات الممقوتة التي كانت تُرافِق عبادة الأصنام (رج ٢مل ١٧: ٧-١٨؛ إر ٢: ٧-١٣). فوفاءً من الله بوعده، أتى بالأشُّوريِّين والبابليِّين لإنزال تأديبه ببني إسرائيل ويهوذا المُتمرِّدين.
في سنة ٧٢٢ ق م، رحَّل الأشُّوريُّون الأسباط العشرة الشماليَّة وشتَّتوها في أنحاء إمبراطوريَّتهم كلِّها (رج ٢مل ١٧: ٢٤-٤١؛ إش ٧: ٨). وبعد ذلك بأكثرَ من قرن، في ٦٠٥-٥٨٦ ق م، استخدم الله البابليِّين لنهب أورشليم وإخلائها من جميع سكَّانها تقريبًا. فلأنَّ أهل يهوذا أمعنوا في عدم أمانتهم تُجاه العهد، أدَّب الله شعبه بسبعين سنة من السبي (إر ٢٥: ١١)، عادوا بعدها إلى أورشليم حسبما يُخبِر عزرا ونحميا. وقد أطاح كورش الفارسيُّ ببابل في ٥٣٩ ق م؛ وبعد ذلك بسنة، بدأ سفر عزرا بمرسوم من كورش قضى برجوع اليهود إلى أورشليم (حوالى ٥٣٨ ق م)، ثُمَّ أرَّخ إعادةَ إقامةِ روزنامة يهوذا القوميَّة الخاصَّة بالأعياد والذبائح، شاملًا تجديدَ بناء الهيكل الثاني (وقد بُوشِر في ٥٣٦ ق م وأُنجِزَ في ٥١٦ ق م). وكما حصلت ثلاث مراحل سبي من فلسطين إلى بابل (٦٠٥ ق م، ٥٩٧ ق م، ٥٨٦ ق م)، كذلك حصلت ثلاث مراحل عودة إلى أورشليم على مدى تسعة عقود. وقد عاد زربَّابل أوَّلًا في ٥٣٨ ق م. وتبعه عزرا الذي ترأَّس العودة الثانية في ٤٥٨ ق م. ثمَّ حذا نحميا حذوهما بعد ١٣ سنة، في ٤٤٥ ق م. غير أنَّ الاستقلال السياسيَّ التامَّ غير المنازَع لم يرجع قطّ. وقد مارس النبيَّان حجَّي وزكريّا خدمتهما في أثناء زمان زربّابل، حوالى ٥٢٠ ق م فما بعد.
إنَّ عودة اليهود من سبي بابل بدت شبيهةً بخُروجٍ ثانٍ، إذ كانت، بفضل سيادة الله المطلقة، تُشبِه من بعض النواحي افتداء بني إسرائيل الأوَّل من عبوديَّة مصر. فإنَّ رحلة العودة من بابل شملت أعمالًا مماثلة لتلك التي شهدها الخروجُ الأصليّ: ١) تجديد بناء الهيكل وأسوار المدينة؛ ٢) إعادة إقامةِ الشريعة، ممَّا جعل رزبّابل وعزرا ونحميا جميعًا يبدون أشبه بموسى ثانٍ؛ ٣) تحدِّي الأعداء المحلِّيِّين؛ ٤) تجربة مصاهرةِ غير اليهود، وقد أدَّت إلى عبادة الأصنام. ولا بدَّ أنَّ العائدين شهدوا مزايا أُخرى متشابهة بين الخروج الأصليِّ والرجوع من بابل، منها مثلًا أنَّ الله منحهم بداية جديدة.
وقد استفاد عزرا، في وصفه للعودة، من مجموعة وثائق حكوميَّة فارسيَّة كانت في مُتناوَله لكونه كاتبًا. ووجودُ وثائقَ حكوميَّةٍ ملكيَّة فعليَّة يحمل رسالة قويَّة حين تصحبه العبارة ذات الأصداء: «يد الربِّ إلهه (إلهي) عليه (عليَّ)» (٧: ٦ و٢٨). فإنَّ المراسيم والإعلانات والرسائل والقوائم والأنساب والمذكِّرات، وكثيرٌ منها كتبته الحكومة الفارسيَّة، تشهد ليد الله المُهَيمِنة في ردِّ سبي بني إسرائيل، أمَّا رسالة السِّفر الأساسيَّة فهي أنَّ الله رتَّب الوضع الماضي القاتم (السبي) وسيظلُّ يعمل بواسطة مَلِكٍ وثنيٍّ وخلفائه لإعطاء يهوذا رجاءً بشأن المستقبل (الرجوع). فإنَّ حكومة الله تطغى على حكومة أيٍّ من ملوك هذا العالم. من هنا كان سفر عزرا رسالةً تُعلِن نعمة الله المتواصلة نحو بني إسرائيل بموجب العهد.
هذا، ويبرز في عزرا موضوعٌ مهمٌّ آخر يتمثَّل في مقاومة السكّان السامريِّين المحلِّيِّين الذين كان أسلافُهم قدِ استُقدِموا من بلاد أشوُّر (٤: ٢؛ رج يو ٤: ٤-٤٢). فلأسبابٍ عائدة إلى التخريب الروحيّ، طلب أعداء بني إسرائيل الإسهامَ في تجديد بناء الهيكل (٤: ١ و٢). ولمَّا كُسِفوا، استأجروا مُشيرين ضدَّ اليهود (رج ٤: ٤ و٥). ولكنَّ الربَّ، بواسطة وعظ حجَّي وزكريّا التشجيعيِّ، أيقظ من جديد روح الشعب ورؤسائهم للاضطلاع بالبناء، وذلك بهذه الكلمات: «تشدَّدوا...واعلموا؛ فإنِّي معكم، يقول ربُّ الجنود» (حج ٢: ٤؛ رج عز ٤: ٢٤-٥: ٢). فاستؤنف الترميم (حوالى ٥٢٠ ق م) واكتمل بناء الهيكل سريعًا، وتمَّ تدشينُه ووضعُه في خدمة الله من جديد (حوالى ٥١٦ ق م).
أوَّلًا، ما هي العلاقة التي تربط الأسفار التي أتت بعد السبي: أخبار الأيَّام الأوَّل والثاني وعزرا ونحميا وأستير، بالأنبياء حجَّي وزكريَّا وملاخي الذين أيضًا خَدَموا بعد السَّبي؟ بشأن تواريخ عزرا ونحميا وأستير، رج ح عز ٦: ٢٢-٧: ١. وقد كتب عزرا سِفرَي الأخبار للتذكير بالمُلك الداوُديِّ الموعود، والكهنوتِ الهارونيّ، والعبادة الصحيحة في الهيكل. وتنبَّأ حجَّي وزكريّا في فترة عز ٤-٦ حين استؤنف بناء الهيكل. وكتب ملاخي في أثناء زيارة نحميا المُعترِضة لبلاد فارس (رج نح ١٣: ٦).
ثانيًا، أيَّةَ غاية يخدم السِّفر؟ يصف عزرا تاريخيًّا أوَّل عَودتَين من ثلاثٍ إلى أورشليم من السَّبي البابليّ. وقد كانت العودة الأُولى (ف ١-٦) بقيادة زربّابل (حوالى ٥٣٨ ق م)، والثانية (ف ٧-١٠) بقيادة عزرا نفسِه (حوالى ٤٥٨ ق م). وعلى الصعيد الروحيّ، أعاد عزرا ترسيخ أهميَّة الكهنوت الهارونيِّ بِتَعَقُّبِهِ سلسلة نسبه رجوعًا إلى ألعازار وفينحاس وصادوق (رج عز ٧: ١-٥). وقد وصف ترميم الهيكل الثاني (ف ٣-٦). أمَّا تعامله مع خطيَّة مصاهرة الغرباء الفادحة فموصوفة في الفصلين ٩ و١٠. وأهمُّ كلِّ شيء أنَّه يُخبِر كيف حرَّكَت يدُ الله المُهَيمِنةُ الملوكَ ودحرت المقاومة المتنوِّعة لإعادة ترسيخ بني إسرائيل في الأرض التي وعد الله بها إبراهيم وداود وإرميا، بوصفهم ذرِّيَّة إبراهيم، قوميًّا وفرديًّا.
ثالثًا، بُني الهيكل في أثناء مُلك كورش. وربَّما أدّى ذِكر أحشويروش (٤: ٦) وأرتحششتا (٤: ٧-٢٣) بالمرء إلى أن يستنتج أنَّ الهيكل ربَّما بُني أيضًا في أثناء مُلكَيهما. غير أنَّ استنتاجًا كهذا مناقضٌ للتاريخ. فإنَّ عزرا لم يكن يكتب عن مآثر أحشويروش أو أرتحششتا العمرانيَّة، بل تابع بالحريِّ تأريخ معارضتهما التي استمرَّت حتّى أيَّام عزرا أيضًا. فمن الواضح إذًا أنَّ عز ٤: ١-٥ و٤: ٢٤-٥: ٢ تتناول ترميم الهيكل بإدارة زربّابل، فيما يُشكِّل ٤: ٦-٢٣ مقطعًا معترِضًا يسرد تاريخ المعارضة في أيَّام عزرا ونحميا.
رابعًا، على المُفسِّر أن يُقرِّر موقع أستير في زمان عزرا. تُبيِّن الدراسةُ الدقيقة أنَّ وقائع سفر أستير جرت بين أحداث ف ٦ و٧ من عزرا. رج ح أستير.
خامسًا، كيف يتناسب الطلاق في عز ١٠ مع حقيقة كون الله يكره الطلاق (مل ٢: ١٦)؟ إنَّ عزرا لا يُرسي قاعدة السلوك، بل بالحريِّ يتصدَّى لحالةٍ خاصَّة شهدها التاريخ. ويبدو أنَّ الرأي قرَّ على ذلك (عز ١٠: ٣) عملًا بمبدإ كون الخطإ الأصغر (الطلاق) مُفضَّلًا على الخطإ الأكبر المُتمثِّل في تدنيس النسل اليهوديِّ بالزواج المختلط، حتَّى لا تنتهي الأُمَّة وسلالةُ داود المسيحانيَّة من جرّاء الامتزاج بالأُمم. وحلُّ المشكلة بهذه الطريقة تعظيمٌ لرحمة الله، حيث كان الحلُّ الوحيد الآخر أن يُعدَم جميع المتورِّطين (الزوج والزوجات والأولاد) رجمًا، كما جرى في أثناء الخروج الأوَّل في شطِّيم (عدد ٢٥: ١-٩).
المحتوى
أوّلًا: العودة الأُولى بقيادة زربّابل (١: ١-٦: ٢٢)
أ) مرسوم كورش بشأن العودة (١: ١-٤)
ب) كنوزٌ لتجديد بناء الهيكل (١: ٥-١١)
ج) العائدون (٢: ١-٧٠)
د) إنشاء الهيكل الثاني (٣: ١-٦: ٢٢)
١. مباشرة البناء (٣: ١-١٣)
٢. بروز المقاومة (٤: ١-٥)
٣. مُلحَق عن المقاومة المستقبليَّة (٤: ٦-٢٣)
٤. استئناف الإنشاء (٥: ٣-٦: ١٢)
٥. استئناف المقاومة (٥: ٣-٦: ١٢)
٦. اكتمال بناء الهيكل وتدشينُه (٦: ١٣-٢٢)
ثانيًا: العودة الثانية بقيادة عزرا (٧: ١-١٠: ٤٤)
أ) قدوم عزرا (٧: ١-٨: ٣٦)
ب) عزرا يقود نهضةً روحيَّة (٩: ١-١٠: ٤٤)
يحمل هذا السِّفر الاسم «نحميا» عنوانًا له، ومعناه «الربُّ يُعزِّي». كان نحميا ساقيًا للملك شهيرًا، لكن لا يَرِدُ ذكره في الكتاب المقدَّس خارجَ هذا السِّفر. وعلى غِرار سفرَي عزرا وأستير ذينك اللذين سُمِّيا باسمَي معاصِرَيه (رج مُقدِّمتَي عزرا وأستير)، يصف هذا السِّفر أحداثًا مُختارة جرت تحت قيادة نحميا. وقد أطلقت الترجمتان السبعينيَّة اليونانيَّة والفولغاتا اللاتينيَّة كِلتاهما على هذا السِّفر اسم «عزرا الثاني». وربَّما كان السِّفران في وقتٍ من الأوقات سفرًا واحدًا، كما هي الحال راهنًا في النصوص العبريَّة. ولا يذكر كتَّاب العهد الجديد أيَّ اقتباس من سفر نحميا.
مع أنَّ قسمًا كبيرًا من هذا السِّفر مُستَمدٌّ بوضوح من مذكَّرات نحميا الشخصيَّة ومكتوبٌ من منظوره بصيغة المتكلِّم (١: ١-٧: ٥؛ ١٢: ٢٧-٤٣؛ ١٣: ٤-٣١)، فالتقليدان اليهوديُّ والمسيحيُّ كلاهما يعتبران أنَّ كاتبه هو عزرا. وهذا مؤسَّسٌ على دليلٍ خارجيٍّ ينطلق من كون عزرا ونحميا في الأصل سفرًا واحدًا كما هو واضح في السبعينيَّة والفولغاتا. وهو أيضًا مؤسَّسٌ على بيِّنات داخليَّة، من قبيل موضوع «يد الربِّ» الذي يطغى على عزرا ونحميا كليهما، ودَور الكاتب بوصفه كاهنًا وكاتبًا. ولكونه كاتبًا، فقد كانت يده تقع على المحفوظات الملكيَّة في بلاد فارس، الأمرُ الذي يُسوِّغ وفرة الوثائق الحكوميَّة المدوَّنة في كِلا السِّفرين، ولا سيَّما في سفر عزرا. ولم يكُن يُسمَح إلّا لعدد قليل من الأشخاص بالاطِّلاع على المحفوظات الملكيَّة لدى الإمبراطوريَّة الفارسيَّة، ولكنَّ عزرا أثبت وضعه الاستثنائيّ (رج عز ١: ٢-٤؛ ٤: ٩-٢٢؛ ٥: ٧-١٧؛ ٦: ٣-١٢).
وفاءً بالوعد الإلهيِّ بالدينونة، أتى الله بالأشُّوريِّين والبابليِّين لإنزال تأديبه بيهوذا وإسرائيل العاصيتَين. ففي سنة ٧٢٢ ق م، رحَّل الأشُّوريُّون الأسباط الشماليَّة العشرة وبدَّدوها في جميع أنحاء العالم المعروف آنذاك (٢ مل ١٧). وبعد أكثر من قرن، في ٦٠٥-٥٨٦ ق م، استخدم الله البابليِّين لِنَهب أورشليم وتخريبها وإخلائها من جميع سكَّانها تقريبًا (٢ مل ٢٥)، لأنَّ بني يهوذا أمعنوا في عدم أمانتهم تجاه العهد. وقد أدَّب الله شعبه بسبعين سنةً من السبي في بابل (إر ٢٥: ١١).
في أثناء سبي اليهود، انتقل الحُكم الإمبراطوريُّ العالميُّ من البابليِّين إلى الفُرس (حوالى ٥٣٩ ق م؛ دا ٥)، وبعد ذلك تلقَّى دانيال مُعظَم إعلانه النبويِّ (رج دا ٦ و٩-١٢). ويبدأ سفر عزرا بمرسوم كورش، أحد ملوك فارس، بشأن إعادة شعب الله القديم إلى أورشليم لتجديد بناء بيت الله (حوالى ٥٣٩)، ثمَّ يُؤرِّخ إعادةَ إقامةِ روزنامة يهوذا القوميَّة الخاصَّة بالأعياد والذبائح. وقد ترأَّس زربّابل ويشوع العودةَ الأُولى (عز ١-٦) وجدَّدا بناء الهيكل. ويُزوِّدنا سفر أستير بلمحة عن اليهود المتبقِّين في بلاد فارس (حوالى ٤٨٣-٤٧٣ ق م)، حين سعى هامان لإفناء الشعب اليهوديّ. كما يصف عز ٧-١٠ العودة الثانية بقيادة عزرا في ٤٥٨ ق م. ويؤرِّخ نحميا العودة الثالثة لتجديد بناء الأسوار حول أورشليم (حوالى ٤٤٥ ق م).
في ذلك الحين من تاريخ يهوذا، سادت الإمبراطوريَّة الفارسيَّة على عالم الشرق الأدنى بكامله. ورغم كون حُكمها ليهوذا مُوفِّرًا حريَّةً نسبيَّة، فقد كان متنبِّهًا للاضطرابات أو لأيَّة علاماتِ تمرُّد من قِبَل رعاياها. وقد تمثَّل أبرز خطر على الحكومة المركزيَّة الفارسيَّة في إعادة بناء أسوار المدُن المقهورة. فلم يكن يُعهَد بمثل هذا العمل إلّا لمؤتمَن وثيق على أسرار الملك. وفي أحرج ظرفٍ من إعادة إحياء يهوذا، أقام الله نحميا ليشغل واحدةً من أوثق الوظائف في الإمبراطوريَّة، فكان ساقيَ الملك وكاتمَ أسراره. وعلى غرار يوسف وأستير ودانيال، إلى حدٍّ بعيد، أحرز نحميا دورًا هامًّا في البلاط الذي حكم العالم القديم آنذاك، أحرز منصبًا، منه استطاع الله أن يستخدمه لإعادة بناء أسوار أورشليم على الرغم ممَّا تعنيه ضمنًا بالنسبة إلى السيطرة الفارسيَّة على تلك المدينة.
ومن المُفيد إيراد بعض الملاحظات التاريخيَّة الأُخرى. أوَّلًا، كانت أستير زوجة أبي أرتحششتا (رج ح أس ١: ٩)، وربَّما تيسَّر لها أن تؤثِّر فيه كي ينظر بعين العطف إلى اليهود، ولا سيّما نحميا. ثانيًا، بدأت أسابيع دانيال السبعون النبويَّةُ بمرسوم تجديد بناء المدينة ذاك الذي أصدره أرتحششتا في ٤٤٥ ق م (رج ف ١ و٢؛ رج ح دا ٩: ٢٤-٢٦). ثالثًا، تؤيِّد برديَّات الألغنتين (وثائق مصريَّة)، ويرقى تاريخها إلى القرن الخامس ق م، ما سرده نحميا، وذلك بذكرها سنبلَّط حاكم السامرة (٢: ١٩)، ويهوحانان (٦: ١٨؛ ١٢: ٢٣)، وحلول بغواي محلَّ نحميا حاكمًا لأورشليم (حوالى ٤١٠ ق م؛ نح ١٠: ١٦). أخيرًا، يُمثِّل نحميا وملاخي آخِر مكتوبات العهد القديم القانونيَّة، سواءٌ من حيث زمانُ حصول الأحداث (ف ١٣؛ مل ١-٤) وزمن تدوين عزرا لها. مِن ثَمَّ لا تأتي الرسالاتُ التالية من الإله الحقيقيِّ إلّا بعد انقضاء أكثر من ٤٠٠ سنة صمتًا، بعدَها أُعلِنت ولادتا يوحنّا المعمدان ويسوع المسيح (مت ١؛ لو ١ و٢).
باكتمالِ كاملِ إعلانِ العهد القديم لتاريخ بني إسرائيل قبلَ تجسُّد المسيح، لم يختبِر اليهود بعدُ ملءَ عهود الله ووعوده المختلفة لهم. ففي حين وُجدت بقيَّة، على ما وُعِد به إبراهيم (رج تك ١٥: ٥)، فهي لا تبدو كبيرةً حتى كتلك التي كانت زمنَ الخروج (عد ١: ٤٦). ولم يمتلك اليهود الأرض (تك ١٥: ٧)، ولا حكموا كأُمَّة مستقلَّة (تك ١٢: ٢). وكان العرشُ الداوديُّ خاليًا (رج ٢ صم ٧: ١٦)، رُغم كون رئيس الكهنة من نسل ألِعازار وفينحاس (رج عد ٢٥: ١٠-١٣). فإنَّ وعد الله بإتمام عهد الفداء الجديد كان ينتظر ولادة المسيح وصلبه وقيامته (رج عب ٧-١٠).
إنّ قراءة كلمة الله بدقَّة وانتباه بغية العمل بمشيئة الله، لَهِيَ موضوعٌ ثابت. فالنهضة الروحيَّة حصلت استجابةً لقراءة عزرا «سفر شريعة موسى» (٨: ١). وبعد القراءة، فسَّر عزرا وبعض الكهنة معناها بدقَّةٍ لجمهور الحضور (٨: ٨). وفي اليوم التالي اجتمع عزرا ببعض رؤوس الآباء والكهنة واللاويِّين «ليُفهِمهم كلام الشريعة» (٨: ١٣). وتمَّت إقامة النظام الذبائحيِّ بمُراعاة دقيقة لِما «هو مكتوبٌ في الشريعة» (١٠: ٣٤ و٣٦). وقد كان اهتمامهم بالتزام مشيئة الله المُعلَنة شديدًا جدًّا حتَّى «دخلوا في قَسَم وحلف أن يسيروا في شريعة الله...» (١٠: ٢٩). وعند تنفيذ إصلاحات الزواج، تصرَّفوا بمُقتضى ما قُرئ في آذانهم من «سفر موسى» (١٣: ١).
إنّ الموضوعَ الرئيسيَّ الثاني، وهو إطاعةُ نحميا، يُشار إليه بوضوح في أجزاء السِّفر كلِّه، نظرًا لحقيقة كون السِّفر مؤسَّسًا على مذكَّرات نحميا أو أخباره المَرويَّة بصيغة المتكلِّم. فقد عمل الله من خلال طاعة نحميا، إلّا أنَّه أيضًا عمل من خلال قلوب أعدائه الشرِّيرة ذاتِ الدوافع الخاطئة. وقد أخفق أعداء نحميا، لا نتيجةً لنجاح استراتيجيَّات نحميا، بل بالحريِّ لأنَّه «أبطل الله مشورتهم» (٤: ١٥). وقد استخدم الله معارضة أعداء يهوذا ليجعل شعبه يجثون على رُكَبهم، كما استخدم عطف كورش لإرجاع شعبه إلى الأرض وتمويل مشروعهم العمرانيّ، بل أيضًا لحماية إنشاء أسوار أورشليم من جديد. فلا عجب إن اعترف نحميا بالحافز الحقيقيِّ على جعل أورشليم مأهولة من جديد إذ قال: «ألهمني إلهي أن...» (٧: ٥). ذلك أنَّ الله هو الذي أتمَّ العمل.
أوَّلًا، بما أنَّ قِسمًا كبيرًا من نحميا مُفسَّرٌ في علاقته بأبواب أورشليم (رج نح ٢ و٣ و٨ و١٢)، ينبغي للمرء أن يراجع خريطة «أورشليم في أيَّام نحميا» للاستهداء. ثانيًا، على القارئ أن يدرك أنَّ خطَّ الزمن في ف ١-١٢ شمل نحو سنة واحدة (٤٤٥ ق م) أعقبتها فترة فاصلة طويلة بعد نح ١٢ وقبل نح ١٣ (رج «تأريخ الأحداث في نحميا»). أخيرًا، ينبغي أن نعلم أنَّ نحميا خدم في أورشليم ولايتَين، الأُولى من ٤٤٥ إلى ٤٣٣ ق م (رج نح ٥: ١٤؛ ١٣: ٦) والثانية ربَّما ابتدأت في ٤٢٤ ق م ودامت حتَّى زمن لم يتخطَّ ٤١٠ ق م.
المحتوى
أوّلًا: ولاية نحميا الأُولى حاكمًا (١: ١-١٢: ٤٧)
أ) عودة نحميا وإعادةُ البناء (١: ١-٧: ٧٣ أ)
١. ذهاب نحميا إلى أورشليم (١: ١-٢: ٢٠)
٢. إعادة بناء الأسوار على أيدي نحميا والشعب (٣: ١-٧: ٣)
٣. استذكار نحميا للعودة الأُولى بقيادة زربّابل (٧: ٤-٧٣ أ).
ب) النهضة والتجديد، بقيادة عزرا (٧: ٧٣ ب-١٠: ٣٩)
١. عزرا يُفسِّر الشريعة (٧: ٧٣ ب-٨: ١٢)
٢. الشعب يتعبَّدون ويتوبون (٨: ١٣-٩: ٣٧)
٣. عزرا والشعب يُجدِّدون العهد (٩: ٣٨-١٠: ٣٩).
ج) الإسكان من جديد والابتهاج، بقيادة نحميا (١١: ١-١٢: ٤٧)
١. أورشليم تؤهَل مجدَّدًا (١١: ١-١٢: ٢٦)
٢. الشعب يُدشِّنون الأسوار (١٢: ٢٧-٤٧)
ثانيًا: ولاية نحميا الثانية حاكمًا (١٣: ١-٣١)
بقي هذا السِّفر حاملًا هذا العنوانَ «أستير» على مرِّ العصور من دون تغيير. وهذا السِّفر مع سفر راعوث هما السِّفران الوحيدان المُسمَّيان بِاسم امرأة في العهد القديم. وكحال نشيد الأنشاد وعوبديا وناحوم، لا يقتبس العهد الجديد من أستير ولا يُلمِح إليه.
أمَّا «هدسَّة» (٢: ٧)، ومعناه «آسَةٌ» (نبتة عطريَّة)، فكان الاسم العبريَّ لأستير، وقد اشتُقَّ هذا إمّا من الكلمة الفارسيَّة «اسْتار» وإمَّا، على وجه الاحتمال، منِ اسم إلهة الحبِّ البابليَّة «عِشتار». ولمَّا كانت أستير ابنة أبيحائل يتيمة الأبوين، فقد تربَّت في بلاد فارس مع ابن عمِّها الأكبر سنًّا مُردَخاي الذي ربَّاها كما لو كانت ابنتَه فعلًا (٢: ٧ و١٥).
يبقى اسم الكاتب مجهولًا، وإن كانت قد اقتُرِحت أسماءُ مُردَخاي وعزرا ونحميا. وأيًّا كان كاتب سفر أستير، فقد كانت له معرفة واسعة بعوائد الفُرس، وآداب السلوك عندهم، وتاريخهم، فضلًا عن معرفة مميَّزة بالقصر في شُوشن (١: ٥-٧). كذلك بيَّن أيضًا أنه كان على معرفة وثيقة بالروزنامة العبريَّة والعوائد العبرانيَّة، فيما أبدى، فضلًا عن ذلك، شعورًا قويًّا بالقوميَّة اليهوديَّة. فربَّما كتب أستير يهوديٌّ فارسيٌّ عاد في ما بعد إلى أرض الموعد.
يَظهَر سفر أستير بوصفه السِّفر السابع عشر في الترتيب الزمني للعهد القديم من حيث الأدب، ويختتِم القِسم التاريخيَّ فيه. فإنَّ عزرا ٧-١٠، ونحميا، وملاخي فقط، تتطرَّق إلى تاريخٍ مُتأخِّر عن سفر أستير في العهد القديم. وينتهي سرد أستير في ٤٧٣ ق م، قبل مصرع أحشويروش اغتيالًا (حوالى ٤٦٥ ق م). ويتحدَّث أس ١٠: ٢ كما لو أنَّ مُلك أحشويروش قد أُكمِل، ولذلك فلا بدَّ أن يكون أبكر تاريخ ممكن للكتابة بعد مُلكه حوالى منتصف القرن الخامس ق م. أمَّا التاريخ الأكثر تأخُّرًا والمعقول فيكون قبل ٣٣١ ق م، حين دحر اليونانُ الفُرس.
ظهرت أستير في أثناء المرحلة الفارسيَّة من التاريخ العالميِّ، حوالى ٥٣٩ ق م (دا ٥: ٣٠ و٣١) إلى حوالى ٣٣١ ق م (دا ٨: ١-٢٧). وقد حكم أحشويروش من حوالى ٤٨٦ إلى ٤٦٥ ق م؛ وواكبَت أستير جزءَ حُكمِه الممتدَّ من ٤٨٣ إلى ٤٧٣ ق م. والاسم أحشويروش هو مُعرَّب الصُّورة العبريَّة للاسم الفارسيِّ «أحشايَرشا»، في حين دعاه اليونان «زَركسيس».
وقد وقعت أحداثُ أستير إبّانَ الفترة الزمنيَّة الطُّولى بين عودة المسبيِّين الأُولى بعد سني السبي السبعين في بابل (دا ٩: ١-١٩) بقيادة زربّابل حوالى ٥٣٨ ق م (عز ١-٦) وبين العودة الثانية بقيادة عزرا حوالى ٤٥٨ ق م (عز ٧-١٠). أمَّا سَفرة نحميا (العودةُ الثالثة) من شُوشَن إلى أورشليم (نح ١ و٢) فقد حصلت في ما بعد (حوالى ٤٤٥ ق م).
يُدوِّن سفرا أستير والخروج كِلاهما كيف سعت قوًى أجنبيَّة بكلِّ شدَّة وحدَّة إلى إبادة الجنس اليهوديِّ، وكيف حفظ الله بمُطلق سيادته شعبَه وفاءً بوعد عهده لإبراهيم حوالى ٢١٠٠-٢٠٧٥ ق م (تك ١٢: ١-٣؛ ١٧: ١-٨). فنتيجةً لهيمنة الله، يُدوِّن أستير ٩ و١٠ ابتداء الفُوريم، وهو عيدٌ سنويٌّ جديد في الشهر الثاني عشر (شباط/آذار) للاحتفال بنجاة الأُمَّة. وقد بات الفُوريم أحدَ عيدَين أُعطيا خارج شريعة موسى لكي يحتفل بهما بنو إسرائيل دائمًا (العيد الآخر: هنّوقة، أو عيد الأنوار، رج يو ١٠: ٢٢).
إنّ الآيات الواردة في سفر أستير والبالغ عددها ١٦٧، لطالما قُبِلَت عمومًا باعتبارها قانونيَّة، وإن كان غياب اسم الله عن السِّفر كلِّه قد دفع بعضًا إلى الشكِّ في أصالته بغيرِ داعٍ. وقد أضافت الترجمةُ السبعينيَّة اليونانيَّة ١٠٧ آيات غير قانونيَّة، كان من المُفتَرَض أن تُعوِّض عن هذا النقص. وإلى جانب نشيد الأنشاد وراعوث والجامعة والمراثي، يقوم سفر أستير ضمن أسفار العهد القديم المُسمَّاة «مَجِلُّوث» أو «الدُّروج الخمسة». ويقرأ الحاخامون هذه الأسفار في المجامع في ٥ مناسبات خاصَّة خلال السنة، حيثُ يُقرأ أستير في الفوريم (رج ٩: ٢٠-٣٢).
إنَّ الأصل التاريخيَّ للمسرحيَّة التي يجري تمثيلُها بين مُردَخاي (سليلِ شاول من بنيامين، ٢: ٥) وهامان (الأجاجيِّ، ٣: ١ و١٠؛ ٨: ٣ و٥؛ ٩: ٢٤) تعود إلى ١٠٠٠ سنة تقريبًا، لمّا خرج العبرانيُّون من مصر (حوالى ١٤٤٥ ق م) وهاجمهم العمالقة (خر ١٧: ٨-١٦) الذين يرجع نَسَبُهم إلى عماليقَ حفيدِ عيسو (تك ٣٦: ١٢). وقد نطق الله بلعنته على بني عماليق، فأدَّت إلى اضمحلالهم كليًّا من حيث كونُهم شعبًا (خر ١٧: ١٤؛ تث ٢٥: ١٧-١٩). ومع أنَّ شاول (حوالى ١٠٣٠ ق م) تلقَّى أوامر بأن يستأصل جميع بني عماليق، بمن فيهم ملكهم أجاج (١ صم ١٥: ٢ و٣)، فقد عصى (١صم ١٥: ٧-٩) وجلب على نفسه استياء الله (١صم ١٥: ١١ و٢٦؛ ٢٨: ١٨). أخيرًا قطَّع صموئيل أجاجَ إرْبًا إرْبًا (١صم ١٥: ٣٢ و٣٣). ولكون هامان من نسل أجاج، فقد أضمر ضغينةً شديدة نحو اليهود.
حلَّ زمن أستير بعد ٥٥٠ سنة من موت أجاج. ولكن على الرغم من مرور هذا الزمان الطويل، فلا هامان الأجاجيُّ ولا مُردَخاي البنيامينيُّ نسيا الحقدَ القَبَليَّ الذي ما زال يُدخِّن في نفسَيهما. وهذا يُفسِّر سبب رفض مُردَخاي الانحناء أمام هامان (٣: ٢ و٣)، وسبب سعي هامان الخبيث لإبادة الجنس اليهوديِّ (٣: ٥ و٦ و١٣). وكما كان مُتوقَّعًا، فإنَّ نبوَّة الله بإبادة بني عماليق (خر ١٧: ١٤؛ تث ٢٥: ١٧-١٩) ووعد الله بحفظ الشعب القديم (تك ١٧: ١-٨) قد تحقَّقا.
وبفضل أمانة الله في إنقاذ شعبه، فإنَّ عيد الفُوريم (المسمَّى بحسب الكلمة الأكَّاديَّة «فُور» بمعنى «قُرعة» - ٣: ٧؛ ٩: ٢٦)، قد رُسِم لكي تَحتَفِلَ به كلُّ أُسرة، في كلِّ جيل، وفي كلِّ مُقاطَعة ومدينة (٩: ٢٧ و٢٨)، وهو عيدٌ سنويٌّ مُدَّته يومان من الابتهاج والاحتفال يُرسِل فيه الشعب الطعام بعضُهم إلى بعض ويُعطون الفُقراء عطايا (٩: ٢١ و٢٢). وفي ما بعد أضافت أستير عنصرًا جديدًا قوامه الصَّوم والنَّوح (٩: ٣١). ولا يُذكَر الفوريم ثانيةً في الكتاب المقدَّس، رغم أنَّ الاحتفال به ظلَّ ساريًا عبر الأجيال بين اليهود.
يمكن تشبيه سِفر أستير بلعبة شطرنج. فالله والشيطان (كلاعِبيَن غير مرئيَّين) حرَّكا الملوك الحقيقيِّين مع الملكات والأشراف. ولمَّا وضع الشيطان هامان في مكانه، فكأنَّما قال: «كِشّ»؛ عندئذٍ وضع الله أستير ومُردَخاي في موقعٍ يؤول إلى «موت الشاه» بالنسبة إلى الشيطان. ومنذ سقوط الإنسان (تك ٣: ١-١٩) ما زال الشيطان يحاول أن يقطع روحيًّا علاقة الله بخليقته البشريَّة ويُعطِّل وعود الله العهديَّة لبني إسرائيل. فإنَّ سُلالة المسيح مثلًا عبرَ سِبط يهوذا قُلِّصت بالقتل إلى يوآش وحده إذ أُنقِذ واستُبقي (٢ أي ٢٢: ١٠-١٢). وفي ما بعد قتل هيرودس أطفال بيت لحم، ظنًّا منه بأنَّ المسيح كان بينهم (مت ٢: ١٦). وجرَّب الشيطان المسيحَ بنبذ الله والسجود له (مت ٤: ٩). وحاول بطرس، بإلحاح من الشيطان، أن يُعيق مسيرة المسيح نحو الجلجثة (مت ١٦: ٢٢). أخيرًا، دخل الشيطان في يهوذا فسلَّم المسيحَ بعدئذٍ إلى اليهود والرومان (لو ٢٢: ٣-٦). ومع أنّ اسم الله لم يُذكَر في سفر أستير، فقد كان ظاهرًا في كلِّ مكان بصفته مَن ناهض مكايد إبليس الشيطانيَّة وأحبطها بتدخُّل عنايته الإلهيَّة.
وفي أستير، تعرَّضت للخطر جميعُ وعود الله العهديَّة غير المشروطة لإبراهيم (تك ١٧: ١-٨) ولداود (٢ صم ٧: ٨-١٦). غير أنَّ محبَّة الله للشعب ليست في أيِّ مكان أكثرَ ظهورًا منها في هذا الإنقاذ المعجزيِّ لشعبه من الإبادة الوشيكة. «إنَّه لا ينعس ولا ينام حافظُ إسرائيل» (مز ١٢١: ٤).
إنّ السؤال البارز الذي يُثيره سفر أستير هو أنّ اسم الله غير مذكور في أيِّ موضع منه، كما هي الحال في نشيد الأنشاد. كما أنَّ الكاتب، أو أيَّ مُشارِك، لا يأتي على ذكر شريعة الله أو الذبائح اللاويَّة أو العبادة أو الصلاة. فقد يسأل المُشكِّك: «لماذا لا يُذكر الله البتَّة فيما يحظى المَلِكُ الفارسيُّ بأكثر من ١٧٥ تلميحًا؟ وبما أنَّ سيادة الله المُطلقة سيطرت لتخليص اليهود، فلماذا لا يتلقَّى اللهُ الاعتبارَ الواجب؟»
يبدو مُقنِعًا أن نُجيب بأنَّه لو شاء الله أن يُذكَر، لكان في وسعه بمُطلق سيادته عينِها أن يدفع الكاتب إلى الكتابة عنه تعالى وهو يتصرَّف لتخليص الأُمَّة. ويبدو هذا الوضع مشكلةً على المستوى البشريِّ أكثر منها على المستوى الإلهيّ، لأن سفر أستير هو المثال الرائع على عناية الله، حيث يُسيطِر على كلِّ شيء لأجل مقصده، وهو السلطانُ غير المنظور. وليس في أستير مُعجِزات، ولكنَّ حِفظ الربِّ للأُمَّة بسيطرة عنايته على كلِّ حادثة وشخص يُبيِّن عِلمَه بكلِّ شيء وقدرتَه على كلِّ شيء. فكونه مذكورًا بالاسم أو غير مذكور ليس هو المسألة، إذ من الواضح أنَّه الشخصيَّة الرئيسيَّة في هذه المسرحيَّة الحقيقيَّة.
ثانيًا، «لماذا كان مُردَخاي وأستير دُنيويَّين للغاية في نمط حياتهما؟» فلا تبدو أستير (٢: ٦-٢٠) أنّ لديها غَيرة دانيال من حيث القداسة (دا ١: ٨-٢٠). وقد أبقى مُردَخاي تُراثَه وتُراثَ أستير اليهوديَّ سريًّا، على خلاف دانيال (دا ٦: ٥). وكانت شريعة الله غائبة، بالمباينة مع عزرا (عز ٧: ١٠). وكان قلبُ نحميا على أورشليم على نحوٍ يبدو أنَّه فاقَ عواطف أستير ومُردَخاي (نح ١: ١-٢: ٥).
إنّ الملاحظات التالية تساعد على تسليط بعض الضوء على هذه المسائل. أوّلًا، هذا السِّفر القصير لا يُسجِّل كلَّ شيء. فربَّما حاز مُردَخاي وأستير بالفعل إيمانًا أعمق ممّا بات ظاهرًا هنا (رج ٤: ١٦). ثانيًا، حتَّى نحميا التقيُّ لم يذكر إلهه عند محادثته الملكَ أرتحششتا (نح ٢: ١-٨). ثالثًا، الأعياد اليهوديَّة التي وفَّرت بُنيةً للعبادة كانت قد انقطعت قبل أستير بزمن طويل، كالفصح مثلًا (٢مل ٢٣: ٢٢) والمظالّ (نح ٨: ١٧). رابعًا، ربَّما أخافتهما الرسالة المعادية لليهود والتي كتبها السامريُّون إلى أحشويروش قبل بضع سنين (حوالى ٤٨٦ ق م؛ عز ٤: ٦). خامسًا، نوايا هامان الشرِّيرة لم تظهر أوَّل مرَّة حين أبى مُردَخاي أن يسجد له (٣: ١ و٢). فالأرجح أنَّه اطَّلع عليها آخرون قبل ذلك بوقتٍ طويل، الأمر الذي كان من شأنه ترويعُ الجالية اليهوديَّة. سادسًا، ارتبطت أستير بتُراثها اليهوديِّ فعلًا في وقت مناسب جدًّا (٧: ٣ و٤). ومع ذلك، فإنَّ السؤال الذي ما زال يُقلِقنا ويبقى بلا جواب، هو هذا: لماذا بدا أنّ أستير ومُردَخاي لم يحوزا التكريس العلنيَّ لله، بالمستوى الذي حازه دانيال؟ وبعد، فإنَّ صلاة نحميا (نح ١: ٥-١١، وخصوصًا ع ٧) تبدو دالَّةً على سُباتٍ روحيٍّ مُتفشٍّ بين المسبيِّين اليهود في شوشن. وهكذا فإنَّ هذه المسألة يحلُّها الله في نهاية الأمر، ما دام هو وحده العليمَ بقلوب البشر.
المحتوى
أوّلًا: أستير تحلُّ محلَّ وشتي (١: ١-٢: ١٨)
أ) عدم خضوع وشتي (١: ١-٢٢)
ب) تتويج أستير (٢: ١-١٨)
ثانيًا: مُردَخاي يتغلَّب على هامان (٢: ١٩-٧: ١٠)
أ) ولاء مُردَخاي (٢: ١٩-٢٣)
ب) ترقية هامان ومرسومُه (٣: ١-١٥)
ج) تدخُّل أستير (٤: ١-٥: ١٤)
د) تكريم مُردَخاي (٦: ١-١٣)
هـ) سقوط هامان (٦: ١٤-٧: ١٠)
ثالثًا: نجاة اليهود من محاولة هامان إبادتَهم جماعيًّا (٨: ١-١٠: ٣)
أ) دفاع أستير ومرُدَخاي (٨: ١-١٧)
ب) انتصار اليهود (٩: ١-١٩)
ج) بداءة الفوريم (٩: ٢٠-٣٢)
د) شُهرة مُردَخاي (١٠: ١-٣)
سفر أيوب، وعلى غرار أسفار أخرى في الكتاب المقدس، يحمل اسم الشخصيَّة الرئيسيَّة في النصّ. وربما اشتُقَّ هذا الاسم من الكلمة «الاضطهاد» إشارةً إلى أنّ أيوب هو «الإنسان المُضطهَد»، أو من الكلمة العربية بمعنى «تاب»، أي إنه «الإنسان التائب». يُحدِّثنا الكاتب عن مرحلة من حياة أيوب تعرَّض فيها للامتحان، وعلى أثرها أُعلنت له شخصية الله. يقتبس كتّاب العهد الجديد من سفر أيوب اقتباسين (رو ١١: ٣٥؛ ١ كو ٣: ١٩). كما أنَّ كلًّا من حز ١٤: ١٤و ٢٠، ويع ٥: ١١ يُظهِران أنَّ أيوب كان شخصًا حقيقيًّا.
لا يذكر السِّفر اسم كاتبه؛ ومن غير المحتمل أن يكون أيوب هو الكاتب، لأنّ رسالة السِّفر تُبيِّن أنّ أيوب كان يجهل الأحداث الحاصلة في السماء والتي لها علاقة بمحنته. ثمّة تقليدٌّ تلموديٌّ يوحي بأنّ موسى كان الكاتب، لأنّ أرض عوص (١: ١) كانت متاخمة لمديان حيث عاش موسى على مدى أربعين سنة، وحيث كان بإمكانه الاطِّلاع على وقائع القصة التي حدثت هناك. ثمَّ إنّ سليمان يشكِّل احتمالًا آخر، نظرًا لأوجه الشبه في المضمون مع أجزاء من سفر الجامعة، أضِف إلى أنّ سليمان هو كاتب سائر أسفار الحكمة (ما عدا المزامير، مع أنه كتب مز ٧٢ و١٢٧). صحيحٌ أنّ سليمان عاش بعد أيوب بوقت طويل، إلّا أنّ هذا لا يمنع البتَّة أن يكون قد دوَّن أحداثًا كانت قد وقعت في الماضي الغابر، تمامًا كما حصل لموسى الذي أوحِيَ إليه أن يكتب عن آدم وحواء. كما أنَّ أليهو وإشعياء وحزقيّا وإرميا وعزرا، يُعدَّون أيضًا من الكتّاب المحتملين، لكن ليس لذلك من سند.
قد يرجع تاريخ كتابة السِّفر إلى ما بعد الأحداث المدوَّنة فيه بوقت طويل، وذلك بالاستناد إلى الاعتبارات التالية: ١) عمر أيوب (٤٢: ١٦)؛ ٢) سني حياته التي قاربت المئتين (٤٢: ١٦)، الأمر الذي يتوافق مع حقبة الآباء (إبراهيم عاش ١٧٥ سنة، تك ٢٥: ٧)؛ ٣) كلِّ وحدة اجتماعية كان محورها عائلة واحدة من الآباء؛ ٤) الكلدانيّين الذين قتلوا عبيد أيوب (١: ١٧) والذين كانوا من البدو الذين لم يسكنوا مُدُنًا؛ ٥) غنى أيوب الذي قيس بمقدار عدد مواشيه، وليس بما في حوزته من ذهب وفضّة (١: ٣؛ ٤٢: ١٢)؛ ٦) مهامِّ أيوب الكهنوتية في إطار عائلته (١: ٤ و٥)؛ ٧) عدم ذكر المسائل المتعلِّقة بالعهد مع إبراهيم، وكذلك المتعلِّقة بإسرائيل والخروج وشريعة موسى. ويبدو أنّ أحداث سفر أيوب ترجع إلى حقبة الآباء؛ ويبدو أيضًا أنّ أيوب كان يعرف عن آدم (٣١: ٣٣) وعن الطوفان الذي حصل في أيام نوح (١٢: ١٥). هذه المقوّمات الحضارية/التاريخية الواردة في السِّفر، توحي بأنّ التسلسل الزمني للأحداث يرجع، على الأرجح، إلى ما بعد بابل (تك ١١: ١-٩)، لكن إلى ما قبل إبراهيم أو ربما إلى وقت معاصر له (تك ١١: ٢٧ وما يلي).
يبدأ هذا السِّفر بمشهد في السماء يُطلِع القارئ على كلِّ شيء (١: ٦-٢: ١٠). فتألُّمُ أيوب ناجمٌ عن صراع دار بين الله والشيطان، لم يكن أيوب قطّ على علم به، ولا حتى أحدٌ من أصحابه. لذا، جاهدوا جميعهم لتفسير الألم من زاوية جهلهم، إلى أن اطمأنَّ أيوب أخيرًا واستراح إلى الإيمان بصلاح الله والرجاء بفدائه فحسب. ولنا في تنويه الله بثقة أيوب به، أسمى عبرة من السِّفر. فعندما تنتفي التفسيرات المنطقيَّة أو حتى اللاهوتيَّة لمحنتنا أو لمأساتنا، حسبُنا الوثوق بالله.
الملابسات التي رافقت آلام أيوب والأحداث التي تلتها، تطرح أسئلة حول إيمان المؤمنين عَبْرَ العصور. تُرى، لماذا يعبد أيوب الله؟ لقد حظي أيوب بالمديح على بِرِّه، إذ جُعِلَ في مصاف نوح ودانيال (حز ١٤: ١٤-٢٠)، كما أنه امتُدِح على مدى احتماله الروحي وصبره (يعقوب ٥: ١١). إضافةً إلى مسائل عديدة أخرى تُثار طيلة الفترة التي استغرقتها محنة أيوب، مثلًا: «لماذا يتألَّم الأبرار؟» قد تبدو الإجابة عن سؤال كهذا في غاية الأهمية، لكنّ السِّفر لا يعرض أيَّ شيء من هذا القبيل. فأيوب لم يعرف أبدًا ما هي الأسباب التي تقف وراء تألُّمه، ولا حتى أصحابه عرفوا. يبدو أنَّ المتألِّم البارَّ لم يكن قطّ على علم بأيٍّ من الأحاديث التي كانت قد دارت بين الله والشيطان والتي نجم عنها تألُّمه. وفي الواقع، إنّ أيوب وفي مواجهته أخيرًا ربَّ الكون، اكتفى بوضع يده على فمه ولم ينبس ببنت شفة. فصمتُ أيوب هذا، لا يقلِّل بأيِّ شكلٍ من الأشكال من حدَّة ما كابده واحتمله من ألم وخسارة. لقد اكتفى أيوب بتأكيد أهميَّة الوثوق بمقاصد الله في خضمِّ الألم، ذلك لأنّ الألم، وعلى غرار سائر الاختبارات البشرية، توجِّهه الحكمة الإلهيَّة الكاملة. وفي نهاية الأمر، فإنّ الدرس الذي جرى تعلُّمُهُ هو هذا: ربما لا يتسنّى للإنسان بتَّةً أن يعرف السبب وراء تألُّمِه؛ لكن ينبغي له أن يثق بالله صاحب السلطان المطلق. وهنا يكمن الجواب الحقيقي عن الألم.
يتناول السِّفر موضوعين رئيسيَّين بالإضافة إلى عدَّة مواضيع ثانويَّة أخرى، سواءٌ في سرد التمهيد (ف ١و٢) والخاتمة (٤٢: ٧-١٧)، أو في نطاق القِسم من السِّفر الواقع بينهما والذي يروي عذابات أيوب بقالب شعريّ (٣: ١-٤٢: ٦). ولعلَّ المفتاح لفهم الموضوع الأول في السِّفر هو ملاحظة النقاش الذي دار بين الله والشيطان في السماء ومدى علاقته بالمراحل الثلاث للنقاشات التي جرت في ما بعد بين أيوب وأصحابه. لقد أراد الله أن يبرهن طبيعة خُلُق المؤمنين للشيطان ولكلِّ الأبالسة والملائكة والناس. فالاتهامات مصدرها الشيطان الذي اعتبر أنّ الله يحسب أيوب بارًّا؛ إنما بِرُّه يسقط، إذا ما وُضِعَ على المحكّ. جاء الشيطان يتَّهم الأبرار بأنّ أمانتهم لله هي رهنٌ بما يأتيهم منه تعالى. وبما أنّ أيوب، في نظر الشيطان، لم يعبد الله بدوافع سليمة، فإنّ علاقته بالله كانت مجرَّد خدعة. إنّ ثقة الشيطان بأنه يستطيع أن يؤلِّب أيوب على الله، نابعة بلا شكّ، من نجاحه قبلًا في دفع الملائكة الأطهار إلى التمرُّد على الله (رج ح رؤ ١٢: ٤). كان في ظنِّ الشيطان أنه قادرٌ على تدمير إيمان أيوب بالله عبر الآلام، مظهرًا بذلك من حيث المبدأ، كيف أنَّ الإيمان المخلِّص هو عُرضةٌ للانهيار. أطلق الله يد الشيطان لكي يُتيح له أن يُثبت وجهة نظره هذه إن أمكن، لكنّ الشيطان في الواقع أخفق، إذ إنَّ الإيمان الحقيقيَّ بالله قد تبرهن أنه ثَبْتٌ لا يتزعزع. وحتى زوجة أيوب طلبت منه أن يلعنَ الله (٢: ٩)، لكنه رفض؛ وهكذا، لم يخب قطّ إيمانه بالله (رج ١٣: ١٥). هذا، وقد عاود الشيطان الكرَّة مع بطرس (رج لو ٢٢: ٣١-٣٤) ولم ينجح في زعزعة إيمانه (رج يو ٢١: ١٥-١٩). فالإيمان المخلِّص يصمد بكلِّ عزمٍ وثبات (رج رو ٨: ٣١-٣٩)، مزدريًا كلَّ إمكانات الشيطان التي سخَّرها لهدمه. وفي النهاية، حسمَ الله الأمر، إذ برهن للشيطان أنّ الإيمان المخلِّص لا تمكن زعزعته، مهما تألَّم المؤمن القديس أو مهما بدت معاناته عصيَّةً على الفهم وفي غير محلِّها.
الموضوع الثاني والمرتبط بالموضوع الأوّل، يُعنى بإظهار خُلُق الله للناس. فهل هذا الصنف من المحن الذي يشهد نزاعًا وصراعًا بين الله وخصمه الشيطان والذي يتَّخذ من أيوب البارِّ ساحةً له، يوحي بأنَّ الله لا يعامل أيوب بالشفقة والرحمة؟ حاشا؛ فإنه مكتوب: «قد سمعتم بصبر أيوب ورأيتم عاقبة الربّ؛ لأنّ الربَّ كثير الرحمة ورؤوف» (يعقوب ٥: ١١)؛ وهذا أيضًا ما برهنه سفر أيوب عينُه (٤٢: ١٠-١٧). يقول أيوب: «ألخير نقبل من عند الله والشرَّ لا نقبل» (٢: ١٠). فَعَبدُ الربِّ لا يُنكر أنه تألَّم، بل يُنكر أن يكون تألُّمُهُ نتيجةً للخطية. وكذلك، لا يفقه لماذا يتألَّم. فأيوب ببساطة استودع محنته بقلب ورِع ومفعم بالعبادة والتواضع (٤٢: ٥ و٦) إلى الخالق ذي السيادة المطلقة والحكمة الكاملة؛ وهذا ما أراد له الله أن يتعلَّم نتيجةَ هذا الصراع مع الشيطان. وفي النهاية، فاض الله على أيوب بركاتٍ وافرةً لم يعهدها من قبل.
تتناول الحقيقةُ الرئيسيَّةُ في هذا السِّفر اللغزَ المبهمَ الكامنَ وراء تألُّم الأبرياء. فالله يقضي بأن يجتاز أولاده أزمنةَ أسًى وألم، تارةً بسبب الخطيَّة (رج عد ١٢: ١٠-١٢) وطورًا بقصد تأديبهم (رج عب ١٢: ٥-١٢). وقد يكون القصد أحيانًا تقويتهم (رج ٢ كو ١٢: ٧-١٠؛ ١ بط ٥: ١٠)، أو فرصةً لكي يُعلن الله تعزيته ونعمته (٢ كو ١: ٣-٧). لكن، في بعض الأحيان، قد تتعذَّر معرفة الغرض الكامن وراء تألُّم القديسين، ذلك لأنّ الأمر ينطوي على قصدٍ إلهيٍّ، يعجز سكان الأرض عن تمييزه (رج خر ٤: ١١؛ يو ٩: ١-٣).
ابتغى أيوب وأصحابه إجراء تحليل للألم باحثين أيضًا عن الأسباب والحلول. فتّشوا عن إجابات، معتمدين في ذلك على مجمل لاهوتهم القويم ودرايتهم بالظرف الذي كان يجتازه أيوب، لكنهم لم يقعوا إلاّ على أفكار مغلوطة، وبَّخهم الله عليها في نهاية الأمر (٤٢: ٧). لم يتمكَّنوا من معرفة السبب الكامن وراء تألُّم أيوب، لأنّ ما دار في السماء بين الله والشيطان، ظلَّ خارج إطار درايتهم. ظنّوا أنهم على بيِّنة من الإجابات كلِّها، لكنَّ جهلَهم عَمِل على زيادة الأزمة تعقيدًا، ليس إلّا.
ونحن إذ نبسط بعض عناصر هذا الموضوع الهامّ، يمكننا رؤية العناصر التالية في اختبار أيوب:
١) ثمّة أمورٌ يُديرها الله في السماء، والمؤمنون يجهلونها، إنما تؤثِّر في حياتهم؛
٢) حتّى أفضل المجهودات التي تُبذل لشرح مسائل الحياة، قد تبقى بلا جدوى؛
٣) لا شكَّ أنّ شعب الله يتألَّمون، وثمّة دائمًا أمور رديئة تُصيب الصالحين. من هنا، يتعذَّر على الإنسان أن يحكم على الحالة الروحيَّة لشخص آخر، بناءً على ظروفه المؤلمة أو نجاحاته؛
٤) صحيحٌ أنَّ الله قد يبدو بعيدًا، لكنّ المثابرة في الإيمان تبقى واحدة من أنبل الفضائل، لأنّ الله صالح ويمكن للإنسانِ أن يشعر بالأمان والاطمئنان عندما يستودع حياته بين يديه تعالى؛
٥) ينبغي للمؤمن في خضمِّ الآلام، ألّا يتخلّى عن الله، بل بالحري يقترب إليه، حتى يتسنّى له الحصول على التعزية من خلال الشركة مع الله، وذلك بمعزل عن أيِّ تفسير لما يحصل؛
٦) قد يكون التألُّمُ شديدًا؛ لكن لا بُدَّ من نهايةٍ له عند الأبرار؛ وإذ ذاك تُهمى بركات الله بغنًى.
تتعلَّق العقبة الأكثر دقَّةً بجوهر رسالة السِّفر. فسبب تألُّمِ أيوب، غالبًا ما يُعتَبر الموضوع الأبرز في السِّفر، علمًا أنّ هذا الأمر بقي مخفيًّا عن أيوب؛ بَيدَ أنّ القارئ يعرف أنّ الله كان يُسجِّل موقفًا حيال الشيطان. بالطبع، كان هذا يفوق قدرة أيوب على الاستيعاب. فيعقوب، وفي معرض تعليقه على قضيّة أيوب (٥: ١١)، حسب أنها كانت ترمي إلى إظهار رأفة الله ورحمته، من دون أن يسند يعقوب طرحَه بأيِّ تفسير لمحنة أيوب. لذا يجد القرّاء أنفسهم أنهم قد أُبكِموا، ولا يحقُّ لهم التشكيك أو إلصاق التُّهم بالخالق الكليِّ الحكمة والقدرة، والذي يعمل ما يَسرُّه. إنّ الله بعمله هذا يسجِّل للملائكة والأبالسة مواقفه على النطاق الروحيّ، ويُعرِّف، من جهة أخرى، برأفته ورحمته. وكلُّ محاولة يقوم بها الإنسان بغية الدفاع عن الله في سماحه بالمآسي والآلام، تبدو ملائمة في هذه الظروف، مع أنه يتَّضح في نهاية الأمر أنّ الله ليس في حاجة إلى محامٍ بشريٍّ، ولا هو طالبٌ مثل هؤلاء. فسفر أيوب يوضح بشكل صائب حقيقة تث ٢٩: ٢٩، «السرائر للربِّ إلهنا...»
إنّ طبيعة ذنب أيوب وبراءته تُثير مسائل محيِّرة. كان الله قد وصف أيوب بأنه كامل ومستقيم، يتّقي الله ويحيد عن الشرّ (١: ١)، أمّا معزُّو أيوب فطرحوا سؤالًا دقيقًا من وحي محنة أيوب: ألم يخطئ أيوب؟ في مناسبات عدَّة اعترف أيوب صراحةً بأنه قد أخطأ (٧: ٢١؛ ١٣: ٢٦)، إلّا أنه تساءل عن مدى خطورة خطيته مقارنةً بصرامة تألُّمه. وفي النهاية، وبَّخ الله أيوب على مطالبته التبرئة من اتهامات معزِّيه (ف ٣٨-٤١). لكنه أعلن أيضًا أنّ أيوب قال الصواب، أمّا معزُّوه فكانوا على خطإٍ في ما نطقوا به (٤٢: ٧).
ثمّة عقبة أخرى تتناول التمييز بين الفهم المسبَّق الذي أنشأه أيوب، وذاك الذي أنشأه أصحابُه بشأن المحنة. ففي البداية، أجمع كلُّهم على أنّ الله يعاقب الشرَّ ويكافئ الطاعة، وليس لهذه القاعدة من استثناء. إلّا أنّ أيوب، وعلى أثر تألُّمه ظلمًا، انبغى له أن يستخلص أنه لا بُدَّ من الاستثناءات ما دام الأبرار يتألَّمون أيضًا. كما أنه لاحظ أنّ الأشرار ينجحون. لقد شكَّلت هذه الظواهر أكثر من مجرَّد استثناءات للقاعدة، الأمر الذي دفع أيوب إلى إعادة النظر في مفهومه البسيط لأسلوب تعامل الله مع شعبه على أساس سيادته المطلقة. كما أنَّ صنف الحكمة التي عاد أيوب واعتنقها لم تعتمد على مجرَّد الوعد بالمكافأة أو بالعقاب. ثمّ إنَّ الجدل الطويل والعقيم الذي دار بين أيوب ومتّهِميه، كان بمثابة محاولات لتفسير ما يبدو أنه جَورٌ في نظام العقاب والثواب الذي يعتمده الله، ولا سيّما بالنظر إلى أيوب وويلاته. إنّ محاولةً كهذه لا تخلو من الخطر. وفي النهاية، لم يقدِّم الله أيَّ تفسير لأيوب، لكنه دعا جميع الأفرقاء إلى ضرورة الوثوق ثقة ثابتة بالخالق الذي يُسيِّر عالمًا شوَّهته الخطيَّة، ويُسيِّره بكلِّ قدرة وسلطان، توجِّههما حكمةٌ ورحمةٌ كاملتان. رج ح مز ٧٣.
إن فهمَ هذا السِّفر يتطلَّب ١) فهم طبيعة الحكمة، وبالأخصِّ تمييز الفرق بين حكمة الإنسان وحكمة الله؛ ٢) التسليم بأنّ أيوب وأصحابه كانوا يفتقرون إلى الحكمة الإلهيَّة لتفسير ظروف أيوب بشكل صحيح، علمًا أنّ أصحابه ظلُّوا يحاولون، فيما أيوب تعلَّم أن يكتفي بالاتكال على سلطان الله المطلق ورحمته. إنّ نقطة التحوُّل أو الحلَّ لهذه المسألة، قد ورد في أي ٢٨، حيث يطالعنا شرحٌ للحكمة الإلهيَّة: الحكمة الإلهيَّة نادرة ولا تُقدَّر بثمن؛ وليس للإنسان أملٌ في شرائها؛ إنما الله يملكها بالكامل. ربما لا نعرف ماذا يحصل في السماء أو ما هي مقاصد الله، لكن ينبغي لنا أن نثق بالله. لذلك، فإنّ مسألة تألُّم المؤمنين، تأتي في المرتبة الثانية بعد مسألة الحكمة الإلهيَّة.
المحتوى
أوّلًا: المأزق (١: ١-٢: ١٣)
أ) التعريف بأيوب (١: ١-٥)
ب) الأحاديث التي دارت بين الله والشيطان (١: ٦-٢: ١٠)
ج) وصول الأصحاب (٢: ١١-١٣)
ثانيًا: الأحاديث (٣: ١-٣٧: ٢٤)
أ) الجولة الأولى (٣: ١-١٤: ٢٢)
١. خُطبة أيوب الأولى تنمُّ عن اليأس (٣: ١-٢٦)
٢. أليفاز، في خُطبته الأولى، يعترض بلطف ويحثُّ على التواضع والتوبة (٤: ١-٥: ٢٧)
٣. ردُّ أيوب على أليفاز يعبِّر عن كرب، ويثير تساؤلات حول التجارب، طالبًا التعاطف معه في معاناته (٦: ١-٧: ٢١)
٤. بلدد في خُطبته الأولى يتَّهم أيوب بالطعن بالله (٨: ١-٢٢)
٥. أيوب وفي معرض ردِّه على بلدد، يُقرُّ بأنه غير كامل، لكن يحقُّ له الاعتراض على ما يبدو له أنه ظلم وجور (٩: ١-١٠: ٢٢)
٦. صوفر في خُطبته الأولى يدعو أيوب إلى ضرورة تصحيح علاقته بالله (١١: ١-٢٠)
٧. أيوب يردُّ على صوفر معتبرًا أنّ كلَّ أصحابه هم على خطإ، وأنّ الله هو وحده العارف، راجيًا منه أن يكلِّمه (١٢: ١-١٤: ٢٢)
ب) الجولة الثانية (١٥: ١-٢١: ٣٤)
١. أليفاز في خُطبته الثانية يتَّهم أيوب بالوقاحة وبتجاهل حكمة الأقدمين (١٥: ١-٣٥)
٢. أيوب في ردِّه على أليفاز يستعين بالله ضدَّ متَّهِميه الظالمين (١٦: ١-١٧: ١٦)
٣. بلدد في خُطبته الثانية يُخبر أيوب بأنه يتألَّم بحقّ (١٨: ١-٢١)
٤. أيوب في ردِّه على بلدد يصرخ إلى الله ملتمسًا الرحمة (١٩: ١-٢٩)
٥. صوفر في خُطبته الثانية يتّهم أيوب برفضه الله مع التشكيك في عدله (٢٠: ١-٢٩)
٦. أيوب يردُّ على صوفر إذ يعتبره غير واقعيّ (٢١: ١-٣٤)
ج) الجولة الثالثة (٢٢: ١-٢٦: ١٤)
١. أليفاز في خُطبته الثالثة يشجب انتقاد أيوب لعدل الله (٢٢: ١-٣٠)
٢. أيوب يردُّ على أليفاز معتبرًا أنَّ الله على علم بأنه غير مذنب، إلّا أنه بموجب عنايته وبهدف التمحيص والتنقية، يسمح بنجاح موقَّت للأشرار (٢٣: ١-٢٤: ٢٥)
٣. بلدد في خُطبته الثالثة يهزأ بأيوب في مناشدته الله مباشرةً (٢٥: ١-٦)
٤. أيوب في ردِّه على بلدد يرى أنّ الله كليُّ الحكمة والسيادة، وليس بسيطًا كما ظنُّوا (٢٦: ١-١٤)
د) دفاع أيوب الأخير (٢٧: ١-٣١: ٤٠)
١. أيوب في مناجاته نفسَهُ أوّل مرّة يؤكِّد برَّه، كما يؤكِّد أنَّ الإنسان يبقى عاجزًا عن اكتشاف حكمة الله (٢٧: ١-٢٨: ٢٨)
٢. أيوب في مناجاته نفسَهُ مرّةً ثانية يتذكَّر ماضيه، ويصف حاضره، ويدافع عن براءته سائلًا الله أن يدافع عنه (٢٩: ١-٣١: ٤٠)
هـ) خُطَبُ أليهو (٣٢: ١-٣٧: ٢٤)
١. أليهو يدخل في الجدل سعيًا لإيجاد حلٍّ للأزمة (٣٢: ١-٢٢)
٢. أليهو يتَّهم أيوب بالتصرُّف بوقاحة في انتقاده الله، وبعدم إدراكه أنّ قصد الله ينمُّ عن المحبة، حتى لو سمح بآلام أيوب (٣٣: ١-٣٣)
٣. يعلن أليهو أنَّ أيوب طعن في مصداقية الله من خلال ادِّعائه أنَّ حياة التقوى بلا جدوى (٣٤: ١-٣٧)
٤. أليهو يحضُّ أيوب على انتظار الربِّ بصبر (٣٥: ١-١٦)
٥. أليهو يعتقد أنّ الله يؤدِّب أيوب (٣٦: ١-٢١)
٦. أليهو يحاجُّ في أنَّ المراقبين من الناس، يعجزون عن فهم المعاملات الإلهية بشكل صحيح، ولا سيّما في ما يتعلَّق بعدله ورحمته (٣٦: ٢٢-٣٧: ٢٤)
ثالثًا: الإنقاذ (٣٨: ١-٤٢: ١٧)
أ) الله يستجوب أيوب (٣٨: ١-٤١: ٣٤)
١. الردُّ الإلهيُّ الأول على أيوب (٣٨: ١-٤٠: ٢)
٢. جواب أيوب على كلام الله (٤٠: ٣-٥)
٣. الردُّ الإلهيُّ الثاني على أيوب (٤٠: ٦-٤١: ٣٤)
ب) أيوب يعترف لله ويتعبَّد له، فتُعلَن براءته (٤٢: ١-١٧)
١. أيوب يحكم على نفسه (٤٢: ١-٦)
٢. الله يوبِّخ أليفاز وبلدد وصوفر (٤٢: ٧-٩)
٣. الله يُعيد لأيوب عائلته وغناه ويمتِّعه بحياة مديدة (٤٢: ١٠-١٧)
إنّ عنوان مجموعة المزامير الكاملة في النصِّ العبريِّ هو «تهاليل». وفي ما بعد دعاها الحاخامون «كتاب التسابيح» أغلب الأحيان. وقد سُمِّيت في العربيَّة «المزامير» اتِّباعًا للترجمة السبعينيَّة، ترجمة العهد القديم اليونانيَّة (رج لو ٢٠: ٤٢؛ أع ١: ٢٠، حيث وردت التسمية «كتاب المزامير» أو «سِفر المزامير»). والفعل اليونانيُّ الذي اشتُقَّ منه الاسم «مزامير» يدلُّ أساسًا على «نقر الأوتار أو إرنانها»، بحيثُ يُشار ضمنًا إلى مواكبة الآلات الموسيقيَّة. وقد شكَّلت المزامير «كتاب التسبيح» القديم الموحى به من الله (٢تي ٣: ١٦) لدى بني إسرائيل، والذي حدَّد الروح الصحيحة في العبادة ومضمونها.
ثمَّة ١١٦ مزمورًا لها عناوين. والنصُّ العبريُّ يُورِد هذه العناوين مشمولةً مع آيات المزمور. ولدى دراسة العناوين فرديًّا تبرز مؤشِّرات مهمَّة إلى أنَّها أُضيفت إلى المزامير التي تتصدَّرها بُعيدَ النَّظم، وأنَّها تشتمل على معلومات يُركَن إليها (رج لو ٢٠: ٤٢).
تُفيد هذه العناوين أنواعًا شتَّى من المعلومات، مثل الكاتب والإهداء، والمناسبة التاريخيَّة، وواجب قائد العبادة من حيث الطقس الدينيّ، والتوجيهات الطقسيَّة (مثلًا: أيُّ نوع من الترنيم هو، وهل يواكبه عزف موسيقيّ، وأيُّ لحنٍ يُعتَمد)، فضلًا عن تعليمات تقنيَّة أُخرى غير مُحقَّقة المعنى بسبب قِدَمها. ويظهر في معظم عناوين المزامير حرفُ جرٍّ عبرانيٌّ صغير جدًّا يتَّصل به الاسمُ المجرور قد يؤدِّي معانيَ شتَّى، مثل «لِ»، «مِن»، «بِقَلَم»، «إلى»، «لأجل»، «بالإشارة إلى»، «عن». ويظهر هذا الحرف أحيانًا غير مرَّة، مفيدًا في الغالب معلوماتٍ «من»، أو «بقلمِ»، فُلان... «إلى»، أو «لأجلِ» علاَّن. غير أنَّ حرف الجرِّ هذا الصغيرَ يدلُّ أغلبَ الأحيان على كاتب المزمور، سواءٌ كان داود «مرنِّم إسرائيل الحلو»، أو سليمان، أو آساف، أو أبناء قورح.
من المنظور الإلهيّ، يُشير سِفر المزامير إلى الله مؤلِّفًا. ولدى مقارنة الكتابة من الجانب البشريّ، يستطيع المرء أن يحدِّد مجموعة من سبعة كُتَّاب. وقد كتب داود على الأقلِّ ٧٣ من أصل ١٥٠؛ وكانت عشرة من نظم بني قورح (مز ٧٢ و٤٤-٤٩ و٨٤ و٨٥ و٨٧)؛ وآساف نظم ١٢ (مز ٥٠ و٧٣-٨٣). ومن جملة الكَتَبة الآخرين سليمان (مز ٧٢ و١٢٧)، وموسى (مز ٩٠)، وهيمان (مز ٨٨)، وإيثان (مز ٨٩). وتبقى المزامير الخمسون الأُخرى مجهولة الكاتب، وإن كان يُعتقَد أنَّ عزرا نظم بعضها. أمَّا المدى الزمنيُّ للمزامير فيمتدُّ من موسى، حوالى ١٤١٠ ق م (مز ٩٠)، حتَّى أواخر القرن السادس أو أوائل الخامس ق م في فترة ما بعد السبي (مز ١٢٦)، ممَّا يشمل نحو ٩٠٠ سنة من تاريخ بني إسرائيل.
للمزامير من حيث الخلفيَّة شقَّان: ١) أعمال الله في الخلق والتاريخ؛ ٢) تاريخ بني إسرائيل. فتاريخيًّا، تُراوِح المزامير زمنيًّا من بدء الحياة إلى أفراح ما بعد السبي لدى اليهود المُحرَّرين من بابل. وموضوعيًّا، تشمل المزامير مجموعة واسعة من المواضيع، تُراوِح بين العبادة السماويَّة والحرب الأرضيَّة. وتُشكِّل المزامير كلُّها أكبرَ سِفر في الكتاب المقدَّس، وسفرَ العهد القديم الأكثرَ اقتباسًا في العهد الجديد. ويمثِّل مز ١١٧ الأصحاح الأوسط في الكتاب المقدَّس (من جُملة ١١٨٩ أصحاحًا). كما أنَّ مز ١١٩ هو أكبر أصحاح في الكتاب المقدَّس كلِّه. وعلى مرِّ العصور، ما برحت المزامير مُبقيةً على غرضها الأصليِّ الأساسيّ، أي إنشاء التسبيح والتعبُّد الصحيحَين لله.
إنّ الموضوعَ الأساسيَّ في المزامير هو عيشُ حياة حقيقيَّة في عالَم حقيقيّ، حيث يتواجد بُعدان في الوقت نفسِه: ١) حقيقةٌ أُفقيَّة أو وقتيَّة؛ ٢) حقيقة عموديَّة أو مُتعالية. فمن دون إنكار الألَم في البُعد الأرضيّ، ينبغي لشعب الله أن يعيشوا فَرِحين ومتوكِّلين على الشخص وعلى الوعود القائمَين خلف البُعد السماويِّ/ الأبديّ. أمّا سلسلة ضيقات البشر وانتصاراتهم فتوفِّر مناسَبات للتعبير عن تشكِّيات البشر أو ثقتهم أو صلواتهم أو تسبيحهم للسيِّد الربِّ المُهيمِن.
لذلك، تُمثِّل المزامير قطاعًا واسعًا من اللاهوتيَّات المصوغة عمليًّا في إطار الواقع اليوميّ. فخطيَّة الإنسان تتثبَّت بصورة ملموسة، ليس من خلال سلوك الأشرار فحسب، بل أيضًا من خلال تعثُّرات المؤمنين في بعض الأحيان. أمَّا سيادة الله المطلقة فباديةٌ للعِيان في كلِّ موضع، إنَّما ليس على حساب مسؤوليَّة الإنسان الأصيلة. ومع أنّ الحياة قد تبدو مُفلِتة من تحت السيطرة، فإنّ جميع الأحداث والأوضاع يتسنَّى إدراكها في ضوء العناية الإلهيَّة، إذ تسير في مجراها الصحيح حسب توقيت الله. كما أنَّ لمحاتٍ مُطَمئنة على «يومٍ لله» مستقبليٍّ تدعم الدعوة إلى المثابرة حتَّى النهاية. فإنَّ كتاب التسبيح هذا يُبدي موقفًا لاهوتيًّا عمليًّا جدًّا.
وفي المزامير ظاهرةٌ يُساء فهمُها عمومًا وهي الترابُط الذي غالبًا ما ينشأ بين «الواحد» (كاتب المزمور) و«الكثيرين» (شعبِ المُلْكِ الإلهيّ). وفي الواقع أنَّ جميع الحالات المتعلِّقةَ بهذا تقع في المزامير التي نظمها الملك داود. فقد قامت علاقة لا تنفصم بين الحاكم التوسُّطيِّ وشعبه؛ فكما هي الحياة لدى المَلِك، كذلك هي لدى الشعب. أضِف أنَّ هذا الاتِّحاد يُفسِّر أحيانًا صلة كاتب المزمور بالمسيح في المزامير المسيحانيَّة (أو في الأجزاء المسيحانيَّة من مزامير معيَّنة). حتَّى المزاميرُ التي تُعرَف بمزامير اللَّعن يمكنُ فهمُها على نحوٍ أفضل بهذا المنظور. فبوصف داود مُمَثِّلَ الله الوساطيَّ على الأرض، صلَّى طالبًا الدينونة على أعدائه، إذ إنَّ هؤلاء لم يؤذوه هو فقط، بل كانوا بالحري يؤذون شعب الله. ذلك أنَّهم جوهريًّا تحدَّوا مَلِك الملوك، إلهَ إسرائيل.
من المفيد أن نميِّز أشكالًا أو أنواعًا أدبيَّة معيَّنة تتكرَّر في سفر المزامير. ومِن أبرزها: ١) النوع الحِكَميُّ المتضمِّن توجيهات للعِيشة الصحيحة؛ ٢) نماذج الرثاء التي تتناول بلايا الحياة (الصادرةَ عادةً من الأعداء الخارجيِّين)؛ ٣) مزامير التوبة (وهي تتناول في معظمها «العدوَّ الداخليّ، أيِ الخطيَّة)؛ ٤) التشديد على المَلَكيَّة (الكونيِّة أو التوسُّطيَّة؛ المُلك الكهنوتيّ و/أو المسيحانيّ)؛ ٥) مزامير الشُّكر. فالترابط بين الأسلوب ومادَّة النصِّ يُساعِد على تمييز هذه الأنواع.
أمَّا الميزة الأدبيَّة الشاملة في المزامير فهي أنَّها جميعها شعريَّة بامتياز. وعلى خلاف الشعر العربيِّ القائم على الوزن والقافية، يتميَّز الشعر العبريُّ جوهريًّا بالتوازي المنطقيّ. ومن أهمِّ أنواع التوازي: ١) التماثُل (فكرة السطر أو الشطر الأوَّل تُكرَّر في الثاني بمفاهيم مماثلة، مثلًا مز ٢: ١)؛ ٢) التقابُل (فكرة السطر أو الشطر الثاني تُعاكِس ما في الأوَّل، مثلًا مز ١: ٦)؛ ٣) ابتغاء الذروة (السطر أو الشطر الثاني وما بعده ينتقي كلمةً أو عبارة أو فكرةً مهمَّة ويتوسَّع فيها بأُسلوب تصاعُديّ، مثلًا مز ٢٩: ١ و٢)؛ ٤) الانكفاء (الوحدات المنطقيَّة تُوسَّع في نموذج أ... ب... ب... أ...، مثلًا مز ١: ٢).
وعلى نطاقٍ أوسع، اعتُمِد في نظم بعض المزامير من الآية الأُولى حتَّى الأخيرة ترتيبٌ أكروستيٌّ أو أبجديّ. فالمزامير ٩ و١٠ و٢٥ و٣٤ و٣٧ و١١١ و١١٢ و١١٩ و١٤٥ تُميَّز بكونها أكروستيَّة كلِّيًّا أو جزئيًّا. ففي النصِّ العبريّ، تبدأ أوَّل كلمة من كلِّ آية، أو مجموعة آيات، بحرفٍ عبريٍّ ساكنٍ جديد على التوالي، حسب التسلسُل الأبجديّ بحيث تُستنفَد حروف الهجاء الاثنان والعشرون كلُّها. ولا شك أنَّ هذه الوسيلة الأدبيَّة ساعدت على استظهار المضمون، وشكَّلت مؤشِّرًا على أن الموضوع المبحوث قد عولج تمامًا «من الألِف إلى الياء». ويبرز المزمور ١١٩ أكملَ مَثَلٍ على هذه الطريقة، إذ إنَّ الحرف الأوَّل في كلٍّ من مقاطعه الاثنين والعشرين، المؤلَّف كلٌّ منها من ثماني آيات، ينتقل عبر الأبجديَّة العبريَّة كلِّها.
رُتِّبت المزامير القانونيَّة المئة والخمسون في زمنٍ باكرٍ جدًّا ضمن خمسة «كُتب». وكلٌّ من هذه الكتب ينتهي بتمجيد الله (مز ٤١: ١٣؛ ٧٢: ١٨-٢٠؛ ٨٩: ٥٢؛ ١٠٦: ٤٨؛ ١٥٠: ٦). وقد لجأ التقليد اليهوديُّ إلى العدد «٥»، مُعتَبِرًا أنَّ هذه الأقسام صدًى للتوراة، أي أسفار موسى الخمسة. ولا شكَّ أنَّ المزامير تقع في مجموعات، مثلًا: ١) تلك التي ضُمَّت بعضُها إلى بعض لارتباطها بفردٍ أو جماعة (مثلًا «بني قورح»، مز ٤٢-٤٩؛ آساف، مز ٧٣-٨٣)؛ ٢) تلك المخصَّصة لغرضٍ معيَّن (مثلًا «ترنيمات المصاعد»، مز ١٢٠-١٣٤)؛ ٣) تلك المكرَّسة صراحة للتعبُّد بالتسبيح (مز ١٤٦-١٥٠). لكنّ «اللُّغز» الذي بقي بلا حلٍّ، هو كيف تمَّ تبويب المواضيع هكذا في خمسة كتب. إذًا، فالترتيب بحسب المواضيع لمجموعة المزامير كلِّها ليس له بُنيَة محدَّدة. إنَّما ستجد ضمن الحواشي الدراسيَّة لكلِّ مزمور بمفرده مقدِّمة وجيزة وبيانًا بالمحتوى.
عنوانُ السِّفر في التوراة العبريَّة هو «أمثال سليمان» (١: ١)، وهكذا أيضًا في السبعينيَّة اليونانيَّة. ويضمُّ الأمثالُ أهمَّ ٥١٣ مثلًا بين ٣٠٠٠ مَثَل وأكثر، نظمها سليمان (١مل ٤: ٣٢؛ جا ١٢: ٩)، فضلًا عن بعض أمثالٍ لآخرين مِمَّن أثَّر سليمان فيهم على الأرجح. والكلمة «مَثَل» تعني «أن يُشابِه»، ومن ثَمَّ فالأمثال كتابُ مُقارَناتٍ بين صُوَر عامَّة مُتماسِكة، وأعمقِ حقائقِ الحياة. والأمثال عِبارات (أو توضيحات) خُلقيَّة بسيطة تُبرِز وتُعلِّم حقائق أساسيَّة بشأن الحياة. وقد طلب سليمان حكمة الله (٢أي ١: ٨-١٢) وقدَّم «أقوالًا بليغة» مَقصودٌ لها أن تدفع الناس إلى التفكير في ١) مخافة الله؛ ٢) العيش بمُوجِب حكمته (١: ٧؛ ٩: ١٠). ومُجمَل هذه الحكمة مُشخَّصٌ في الربِّ يسوع المسيح (١كو ١: ٣٠).
إن التعبير «أمثال سليمان» هو عنوان أكثر ممَّا هو تصريح يُعلِن عن كاتب السِّفر (١: ١). وبينما الملك سليمان الذي حكم إسرائيل من ٩٧١-٩٣١ ق م، ووهبه الله حكمة فائقة (رج ١مل ٤: ٢٩-٣٤)، هو كاتب القِسم التعليميّ (ف ١-٩) والأمثالِ الواردة في ١٠: ١-٢٢: ١٦، يُرجَّح أنَّه فقط جامِعُ «كلام الحكماء» في ٢٢: ١٧-٢٤: ٣٤، من أقوالٍ غير مؤكَّدة التاريخ قبلَ حُكم سليمان. والمجموعة التي تتضمَّنها ف ٢٥-٢٩ نظمها سليمان أصلًا (٢٥: ١)، إنَّما نسخها وأدرجها في ما بعد حزقيّا ملك يهوذا (حوالى ٧١٥- ٦٨٦ ق م). وف ٣٠ يتضمَّن كلام أجور، فيما يتضمَّن ف ٣١ كلام لموئيل الذي ربَّما كان سليمان. ولم يُجمَع سفر الأمثال في صورته النهائيَّة حتَّى أيَّام حزقيّا أو بعدها. وقد نظم سليمان أمثاله قبل أن يبتعد قلبُه عن الله (١مل ١١: ١-١١)، إذ إنَّ السِّفر ينمُّ عن وجهة نظر تتميَّز بالتقوى، وهو موجَّه إلى «الجهّال» كما إلى «الشباب»، مِمَّن يحتاجون إلى تعلُّم مخافة الربّ. وقد كتب سليمان أيضًا المزمورين ٧٢ و١٢٧، وسفرَي الجامعة ونشيد الأنشاد.
يُبدي السِّفر إطارًا ثُلاثيَّ العناصر بوصفه: ١) أدبَ حكمةٍ عامًّا؛ ٢) تبصُّراتٍ من البلاط المَلَكيّ؛ ٣) توجيهًا مُقدَّمًا في سياق العلاقة الرقيقة بين أبَوَينِ وأولادهما، وذلك كلُّه مُصمَّمٌ لإحداث تفكُّر في الله. وبما أنَّ الأمثال من الأدب الحِكَميِّ، فهو بطبيعته صعبُ الفهم أحيانًا (١: ٦). والأدبُ الحكميُّ جزءٌ من مُجمَل الحقِّ الذي يتضمَّنه كتابُ العهد القديم: فالكاهن أعطى الشريعة، والنبيُّ أعطى كلمةً من الربّ، والحكيم أعطى مشورته الحكيمة (إر ١٨: ١٨؛ حز ٧: ٢٦). ففي الأمثال، يُعطي سليمان الحكيم تبصُّرًا في شؤون الحياة «الشائكة» (١: ٦)، التي لا يُتطرَّق إليها مباشرةً في الناموس والأنبياء. ومع أنَّ سفر الأمثال عمليٌّ، فهو ليس سطحيًّا ولا ظاهريًّا لأنَّه يحوي عناصر أخلاقيَّة وأدبيَّة، تُشدِّد على عِيشة الاستقامة النابعة من علاقة سليمة بالله. وفي ٤: ١-٤، ربط سليمان ثلاثةَ أجيال إذِ استأمَن ابنه رحبعام على ما تعلَّمه عند أقدام داود وبثشبع. فالأمثال هو على السَّواء نموذجٌ لنقل الحقِّ برفق من جيل إلى جيل، إلى جانب كونه مصدرًا واسعًا لمضمون الحقِّ الواجبِ نقلُه. ويتضمَّن الأمثال ما أظهره أتقياءُ الكتاب المقدَّس في حياتهم من مبادئَ ومُمارساتٍ كتابيَّة.
اعتلى سليمان العرش بوعدٍ عظيم وبامتيازٍ وفُرصة. فقد منحه الله طلبته المتعلِّقة بالفهم (١مل ٣: ٩-١٢؛ ٢أي ١: ١٠-١٢)، وفاق جميع الآخرين حكمةً (١مل ٤: ٢٩-٣١). غير أنَّ الحقيقة التي تصدمنا هي أنَّه أخفق في أن يعيش بموجب الحقِّ الذي عرفه وأيضًا علَّمه لابنه رحبعام (١مل ١١: ١ و٤ و٦ و٧-١١)، الذي رفض لاحقًا تعليم أبيه (١مل ١٢: ٦-١١).
ويحتوي الأمثال منجمَ ذهبٍ من اللاهوت الكتابيّ، مُظهِرًا مواضيعَ من الأسفار المقدَّسة استُحضِرت إلى مستوى البرِّ العمليّ (١: ٣)، بالتطرُّق إلى خِيارات الإنسان الخُلقيَّة، وفحص كيفيَّة تفكيره وعَيشِه وتدبير شؤون حياته اليوميَّة في ضوء الحقِّ الإلهيّ. وعلى نحوٍ أكثر تحديدًا، يدعو الأمثالُ الإنسانَ كي يحيا كما قصد له الخالق أن يحيا حين كوَّنه (مز ٩٠: ١ و٢ و١٢).
إنَّ الوعد المُتكرِّر في الأمثال هو، أنَّ الحُكماء (الأبرار الذين يطيعون الله) عمومًا يعيشون حياةً أطول (٩: ١١) وينجحون (٢: ٢٠-٢٢) ويختبرون الفرح (٣: ١٣-١٨) وصلاح الله زمنيًّا (١٢: ٢١)، بينما يُقاسي الجهّالُ الخزي (٣: ٣٥) والموت (١٠: ٢١). وفي المقابل، يجب أن نتذكَّر أنَّ هذا المبدأ العامَّ تُكمِّله حقيقةُ كون الأشرار ينجحون أحيانًا (مز ٧٣: ٣ و١٢)، مع أنَّ ذلك وقتيٌّ فحسب (مز ٧٣: ١٧-١٩). ولنا في أيوب إيضاحٌ بأنَّ الحُكماء الأتقياء، في بعض الأحوال، يتعرَّضون للمصائب والآلام.
يتطرَّق الأمثالُ إلى عدد من المواضيع المهمَّة، معروضةً بِلا نَسَق منتظم ومُندرِجةً تحت عناوين شتَّى. وعليه، فمن المفيد أن ندرس الأمثال حسب موضوعاتها كما هو مُبيَّن تاليًا.
أوّلًا: علاقة الإنسان بالله
أ) توكُّله أم ٢٢: ١٩
ب) تواضعُه أم ٣: ٣٤
ج) مخافتُه لله أم ١: ٧
د) برُّه أم ١٠: ٢٥
هـ) خطيَّته أم ٢٨: ١٣
و) طاعته أم ٦: ٢٣
ز) توقُّع المكافأة أم ١٢: ٢٨
ح) مواجهة المِحَن أم ١٧: ٣
ط) تلقِّي البركة أم ١٠: ٢٢
ي) مواجهة الموت أم ١٥: ١١
ثانيًا: علاقة الإنسان بنفسه
أ) خُلُقه أم ٢٠: ١١
ب) حكمته أم ١: ٥
ج) حماقته أم ٢٦: ١٠ و١١
د) كلامه أم ١٨: ٢١
هـ) ضبطُه لنفسه أم ٦: ٩-١١
و) لطفه أم ٣: ٣
ز) غناه أم ١١: ٤
ح) كبرياؤه أم ٢٧: ١
ط) غضبه أم ٢٩: ١١
ي) كسله أم ١٣: ٤
ثالثًا: علاقة الإنسان بالآخرين
أ) محبَّته أم ٨: ١٧
ب) أصدقاؤه أم ١٧: ١٧
ج) أعداؤه أم ٢٤: ١٧
د) صدقُه أم ٢٣: ٢٣
هـ) اغتيابه أم ٢٠: ١٩
و) بصفته أبًا أم ٢٠: ٧؛ ٣١: ٢-٩
ز) بصفتها أُمًّا أم ٣١: ١٠-٣١
ح) بصفتهم أولادًا أم ٣: ١-٣
ط) في تربية الأولاد أم ٤: ١-٤
ي) في تأديب الأولاد أم ٢٢: ٦
أمَّا الموضوعان الرئيسيَّان المُتداخِلان والمُتمازِجان في ثنايا الأمثال كلِّه، فهما الحكمة والجهالة. فالحكمة، وهي تتضمَّن المعرفة والفهم والتوجيه والتمييز والطاعة، مَبنيَّةٌ على مخافة الربِّ وكلمة الله. والجهالة هي كلُّ ما يُناقِض الحكمة.
العقبة الأولى هي طبيعة الأدب الحِكَميِّ المحيِّرةُ في ذاتها عمومًا. فعلى غِرار الحكايات الرمزيَّة، غالبًا ما تُحجَب الحقائق المقصودة عن الفهم إذا نُظِر إليها نَظرةً خاطفة فحسب، ولذلك ينبغي التأمُّل فيها بعمق (١: ٦؛ ٢: ١-٤؛ ٤: ٤-٩).
وتكمن العقبة الثانية في استخدام التَّوازي بكثافة، وهو وضْع الحقائق جنبًا إلى جنب، بحيثُ يأتي الشَّطر الثاني مُوسِّعًا، أو مكمِّلًا، أو مُعرِّفًا، أو مُشدِّدًا، أو مُبلِّغًا النتيجةَ المنطقيَّة أوِ الغايةَ القُصوى، أو في بعض الحالات عارِضًا وجهة النظر المعاكِسة. وغالبًا ما تكون المُوازاة الفعليَّة ضمنيَّةً فقط. فإنَّ ١٢: ١٣ مثلًا يتضمَّن مُوازاةً غير مُعلَنة، ولكنَّها مُتضمَّنة بوضوح، في كون الصِّدِّيق يخرج من الضِّيق بسبب كلامه الفاضل (رج ٢٨: ٧). وفي تفسير الأمثال، ينبغي للمرء أن: ١) يُحدِّدَ التوازيَ ويُكمِّل أغلبَ الأحيان ما هو مُفترَض، لكن لم يُفصِحِ الكاتبُ عنه؛ ٢) يُميِّزَ الصُّوَر البيانيَّة ويُعيدَ صياغة الفكرة بغير تلك الصُّوَر؛ ٣) يُلخِّصَ عِبرةَ المَثل أو مبدأه بكلمات قليلة؛ ٤) يصفُ السلوك المُعلَّم؛ ٥) يجدَ أمثلةً على ذلك ضمنَ الأسفار المقدَّسة.
كذلك تشتمل سياقاتُ الأمثال المختلفة على تحدِّيات، وذلك كلُّه يؤثِّر في التفسير والفهم. فأوَّلًا، هناك الإطار الذي قيلت الأمثال فيه؛ وهو بمجمله يركِّز على مُحيط الشبَّان في الحاشية الملوكيَّة التابعة للملك. وثانيًا، هناك إطار السِّفر ككُلّ وكيف ينبغي أن تُفهَم تعاليمُه في ضوء باقي الأسفار المقدَّسة. فلا بُدَّ مثلًا أن يُجنى الكثير من مقارنة الحكمة التي علَّمها سليمان بالحكمة التي جسَّدها المسيح.
وثالثًا، هناك السِّياق التاريخيُّ الذي فيه تَستمِدُّ المبادئُ والحقائق أمثلةً إيضاحيَّة من أيَّامها بالذات.
هذا، وثمَّة عقبة أخيرة تتمثَّل في فهمنا أنَّ الأمثالَ مَنائِرُ إلهيَّة وملاحظاتٌ حِكَميَّة، أي أنَّها تُعلِّم مبادئَ أساسيَّة (٢٤: ٣ و٤) ليست دائمًا قوانينَ غير مَرِنة أو وعودًا مُطلَقة. فهذه التعبيراتُ عن الحقِّ العامّ (رج ١٠: ٢٧؛ ٢٢: ٤) لها عمومًا «استثناءاتٌ» بالفعل، تَبعًا لعدم يقينيَّة الحياة وسلوك البشر الساقطين الذي يتعذَّر التنبُّؤ به. فإنَّ الله لا يضمن الحصيلة الثابتة أو التطبيق المُطَّرِد لكلِّ مَثَل بذاته؛ ولكن حين يدرس المرءُ الأمثالَ ويُطبِّقها يُقبِل إلى التأمُّل في فكر الله وطبيعته وسجاياه وأعماله وبركاته. ثُمَّ إنَّ جميع كنوز الحكمة والعلم المعبَّر عنها في الأمثال مُذخَّرةٌ في المسيح (كو ٢: ٣).
المحتوى
أوّلًا: المقدِّمة (١: ١-٧)
أ) العنوان (١: ١)
ب) الغاية (١: ٢-٦)
ج) الموضوع (١: ٧)
ثانيًا: مَدح الحكمة أمام الشبيبة (١: ٨-٩: ١٨)
ثالثًا: أمثالٌ لكلِّ إنسان (١٠: ١-٢٩: ٢٧)
أ) من سليمان (١٠: ١-٢٢: ١٦)
ب) من الحُكَماء (٢٢: ١٧-٢٤: ٣٤)
ج) من سليمان، جمعهَا حزقيّا (٢٥: ١-٢٩: ٢٧)
رابعًا: حواشٍ شخصيَّة (٣٠: ١-٣١: ٣١)
أ) من أجور (٣٠: ١-٣٣)
ب) من لموئيل (٣١: ١-٣١)
اسمُ هذا السِّفر في اليونانيَّة واللاتينيَّة إكليزياستِس، وقد كتبه سليمان. والكلمة مُشتقَّة من إكليزيا التي تُترجم في العهد الجديد «جماعة» أو «محفل». أمَّا معنى إكليزياستِس فهو «واعظ». وعنوان السِّفر في العبريَّة هو قوهيلِث، ومعناه «مَن يدعو أن يجمع» الشعب. ولذا دُعي في العربيَّة أيضًا «الجامعة» أي «الكثير الجمع»، وتدلُّ اللفظة على مَن يُخاطِب الجماعة بصفةِ واعظٍ أو خطيب (رج ١: ١ و٢ و١٢؛ ٧: ٢٧؛ ١٢: ٨-١٠). وإلى جانب راعوث ونشيد الأنشاد وأستير والمراثي، يُشكِّل الجامعة أسفار المِجِلُّوث في العهد القديم، أو «الدُّروج الخمسة». وقدِ اعتاد الحاخامون المتأخِّرون قراءة هذه الأسفار الخمسة في المجامع في خمس مناسبات خاصَّة خلال السنة، حيث كان الجامعة يُقرأ في يوم الخمسين.
ما يتضمَّنه السِّفر من لَمَحات عن سيرة الكاتب الذاتيَّة يشيرُ بوضوحٍ إلى سليمان. والأدلَّة على ذلك وافرة، مثل: ١) الألقاب التي تُناسِب سليمان - «ابن داود، الملك في أورشليم» (١: ١) وأيضًا «ملكًا على إسرائيل في أورشليم» (١: ١٢)؛ ٢) مسيرة الكاتب الخُلقيَّة المؤرِّخة لحياة سليمان (١ مل ٢-١١)؛ ٣) دَور مَن «علَّم الشعب علمًا» وكتب «أمثالًا كثيرة» (١٢: ٩) وهو يُوافِق سيرة سليمان. فهذه كلُّها تدلُّ على أنّ سليمان ابن داود هو كاتبُ السِّفر.
وما إن يُقبَل سليمان على أنَّه الكاتب، حتَّى يصير تاريخ الكتابة ومناسبتُها واضِحَين. فقد عمد سليمان إلى الكتابة، ربَّما في سنواته الأخيرة (ليس بعد ٩٣١ ق م تقريبًا)، لتوعية شبيبة مملكته أساسًا، من دون أن يستثني الآخرين. وقد نبَّههم إلى وجوب تجنُّب السَّير في الحياة على درب الحكمة البشريَّة؛ كما حرَّضهم على أن يعيشوا بموجب حكمة الله المُعلَنة (١٢: ٩-١٤).
إنَّ شُهرة سليمان بحيازته حكمةً فائقة للعادة تُلائم الصورة الشخصيَّة التي يتضمَّنها الجامعة. وقد أقرَّ داود بحكمة ابنه (١مل ٢: ٦ و٩) قبل إعطاء الله سليمان مقدارًا إضافيَّا. فبعدما نال سليمان من عند الربّ «قلبًا حكيمًا ومُميِّزًا» (١مل ٣: ٧-١٢)، أحرز شُهرةً بكونه فائق الحكمة لإصداره أحكامًا حافلة بالتبصُّر (١مل ٣: ١٦-٢٨)، أحرز شُهرةً اجتذبت إلى بلاطه «جميع ملوك الأرض» (١مل ٤: ٣٤). ثُمَّ إنَّه نظم أناشيدَ وأمثالًا (١مل ٤: ٣٢؛ رج ١٢: ٩)، وهذا إنجاز لا يليق إلّا بأقدر الحُكماء فقط. فحكمة سليمان، مثل غِنى أيوب، فاقت حكمة «جميع بني المشرق» (١مل ٤: ٣٠؛ أي ١: ٣).
والسِّفرُ مُلائم لجميع الذين يستمعون ويستفيدون، ليس من اختبارات سليمان فحسب، بل بالأحرى من المبادئ التي استخلصها بالنتيجة. فإنَّ هدف الجامعة هو أن يُجيب عن بعضٍ من أسئلة الحياة الأكثر تحدِّيًا، وخصوصًا حين تبدو مُعاكِسةً لتوقُّعات سليمان. وقد حمل هذا بعضَهم، في عدم حكمة، على اعتناق وجهة النظر القائلة بأنَّ الجامعة كتابُ الشكّ. ولكن على الرغم من السلوك والتفكير غير الحكيمَين على نحوٍ لافت، لم يتخلَّ سليمان قطُّ عن إيمانه بالله (١٢: ١٣ و١٤).
كما يصحُّ بالنسبة إلى معظم الأدب الحِكَميِّ في الكتاب المقدَّس، يمرُّ الجامعة على القليل من السَّرد التاريخيّ، ما عدا مَسيرة سليمان الشخصيَّة الخاصَّة. فإنَّ المَلِكَ الحكيم درس الحياة بآمالٍ عالية، ولكنَّه تحسَّر تكررًا من أجل عيوبها ونقائصها التي أقرَّ بأنها حصلت من جرَّاء اللعنة (تك ٣: ١٤-١٩). ويُصوِّر الجامعة سيرة سليمان الذاتيَّة المُحزِنة، إذ تمادى مُعظَم حياته في تبديد بركات الله على متعته الشخصيَّة الخاصَّة، بدلًا من تمجيد الله بواسطتها. وقد كتب لتحذير الأجيال الآتية من ارتكاب الغلطة المأساويَّة عينها، على نحوٍ يُشبِه كثيرًا الأُسلوب الذي اعتمده بولس في كتاباته إلى أهل كورنثوس (رج ١كو ١: ١٨-٣١؛ ٢: ١٣-١٦).
والكلمة العبريَّة المترجمة «باطل» و«أباطيل» و«حياة الباطل» تُعبِّر عن المسعى العقيم للحصول على الشِّبَع بمعزلٍ عن الله. وتُستعمَل هذه الكلمة ٣٩ مرَّة، مُعبِّرةً عن الأُمور الكثيرة التي يصعب فهمُها بشأن الحياة. فإنَّ جميع الأهداف والطموحات الدنيويَّة، إذا طُلِبت كغاياتٍ بحدِّ ذاتها، لا تُنتِج إلّا الفراغ والتفاهة. وربَّما كان بولس يُردِّد صدى عدم رضى سليمان، وذلك حين كتب: «... أُخضِعت الخليقة للبُطل» (وهو «الباطلُ» الذي حكى عنه سليمان؛ رو ٨: ١٩-٢١). فإنَّ اختبار سليمان لآثار اللعنة (رج تك ٣: ١٧-١٩)، أدَّى به إلى رؤية الحياة باعتبارها «قبضَ الريح».
سأل سليمان: «ما الفائدة للإنسان من كلِّ تعبه...؟» (١: ٣)، وهو سؤال كرَّره في ٢: ٢٢ و٣: ٩. وقد خصَّص الملك الحكيم قسمًا كبيرًا من سِفره لمعالجة هذا المأزِق. كما أنَّ استحالة اكتشاف التفاعُلات الداخليَّة في خليقة الله، وأيضًا عناية الله الشخصيَّة في حياة سليمان، أقلقتا الملك في أعماق نفسه كما سبق أن أقلقتا أيوب. ولكنَّ حقيقةَ مُحاسَبة الجميع أمام الله، رُغم الكثير من الأُمور المجهولة، برزت بوصفها اليقينيَّة الكُبرى. فبالنظر إلى هذه المحاسبة من قِبَل الله، تبقى الحياة الشبعانةُ والمشبِعة الوحيدة هي تلك التي تُعاش في اعترافٍ بالله وافٍ وخدمةٍ له مُوافِقة؛ وأيُّ نوعٍ آخر من الحياة هو مُخيِّب للآمال وعديم المعنى والجدوى.
إنّ إنشاءَ توازُنٍ مناسب بين الموضوع البارز «تمتَّعْ بالحياة» وموضوع «الدينونة الإلهيَّة» من شأنه أن يشدَّ القارئ إلى إله سليمان بحبل الإيمان المتين. فقد عانى سليمان إلى حين من جرّاء عدم التوازن في محاولة التمتُّع بالحياة دونَ اعتبارٍ للخوف من دينونة الله على نحوٍ يُبقيه في مسلك الطاعة. وآخِر الأمر، بات مُدرِكًا أهميَّة الطاعة. فإنَّ النتائج المأساويَّة لاختبار سليمان الشخصيّ، مقرونةً ببصيرة الحكمة الفائقة للعادة، تجعل الجامعة سفرًا يُمكِن لجميع المؤمنين أن يتقبَّلوا منه الإنذار وينموا في إيمانهم (رج ٢: ١-٢٦). ويُبيِّن هذا السِّفر أنَّه إذا رأى المرءُ كلَّ يوم من العُمر والعمل وتدبير الأساسيّات بوصفه عطيَّةً من عند الله، وتقبَّل مهما أعطاه الله، فإنَّ ذلك المرء عندئذٍ يحيا حياةً فُضلى (رج يو ١٠: ١٠). غير أنَّ الإنسان الذي يَظهَر راضيًا وهو بعيدٌ عن الله سيعيش في عُقمٍ وبُطل بغضِّ النظر عن ممتلكاته المُكوَّمة.
إنّ تصريح الكاتب بأنَّ «الكلّ باطل» يُغلِّف الرسالة الجوهريَّة في السِّفر (رج ١: ٢؛ ١٢: ٨). فالكلمة المترجمة «باطل» مستخدمة في السِّفر بثلاث طُرق على الأقلّ. وهي في كلِّ حالة تنظر إلى طبيعة عمل الإنسان «تحت الشمس» على أنَّه: ١) «زائل» ممَّا يضع نُصبَ العيون مُشابهةَ البُخار (رج يع ٤: ١٤)، أو طبيعة الزَّواليَّة اللتين تتَّصِف بهما الحياة؛ ٢) «باطل» أو «عقيم»؛ ممّا يُركِّز على حالة اللعنة في الكون وما لها من آثار مُضعِفة على اختبار الإنسان الدنيويّ؛ ٣) «غير مُدرَك» أو «مُبهَم»، ممّا ينظر بعين الاعتبار إلى أسئلة الحياة التي تتعذَّر الإجابة عنها. وسليمان في الجامعة يغرف من جميع المعاني الثلاثة. وبينما يُحدِّد سِياق الكلام في كلِّ حالة أيُّ معنًى يُركِّز عليه سليمان، فإنَّ معنى باطل المتكرِّرَ أكثر من سواه هو «لا يُدرَك» أو «لا يُعلَم» بالإشارة إلى أسرار مقاصد الله. ثمَّ إنََّ استنتاج سليمان الختاميَّ: «اتقِّ الله واحفظ وصاياه» (١٢: ١٣ و١٤) يشكِّل أكثر من خاتمة للسِّفر؛ إذ إنَّه الرجاء الوحيد بالحياة الصالحة، والاستجابة المنطقيَّة الوحيدة بالإيمان والطاعة للإله المُطلَق السلطان والسيادة. فالله يُجري بدقَّةٍ جميع الأنشطة تحت الشمس، كُلًّا في وقته بحسب خُطَّته الكاملة، ولكنَّه أيضًا يكشف فقط بمقدار ما تُملي حكمتُه الكاملة ويضع جميع البشر في موقع المسؤوليَّة أمامه. وأولئك الذين يرفضون أن يأخذوا الله وكلمته على مَحمِل الجِدِّ محتومٌ عليهم أن يعيشوا حياةً تتَّصف بأقصى البُطل.
السِّفرُ سِجلٌّ تاريخيٌّ لأبحاث سليمان واستنتاجاته بشأن تعب الإنسان طول حياته، ممَّا يَشمل جميع أنشطته ونتائجَها المُمكِنة، بما فيها من رضًى محدود. كما أنَّ دور الحكمة في اختبار النجاح يبرز مرَّةً بعد مرَّة، ولا سيَّما حين يُضطَرُّ سليمان إلى الإقرار بأنَّ الله لم يُعلِن جميع ما لديه من تفاصيل. وهذا يؤدِّي بسليمان إلى الاستنتاج أنَّ جميع شؤون الحياة الأساسيَّة بعد السقوط في عدن تنطوي على بركاتٍ إلهيَّة يمكن التمتُّع بها، وعلى حتميَّة الدينونة الإلهيَّة التي يجب أن يستعدَّ الجميع لها.
المحتوى
أوّلًا: المقدِّمة (١: ١-١١)
أ) عنوان (١: ١)
ب) قصيدة: حياة نشاط تبدو مُتعِبة (١: ٢-١١)
ثانيًا: تَفَحُّص سليمان (١: ١٢-٦: ٩)
أ) مقدِّمة: الملك واستقصاؤه (١: ١٢-١٨)
ب) تَفَحُّص طلب اللَّذَّّات (٢: ١-١١)
ج) تَفَحُّص الحكمة والحماقة (٢: ١٢-١٧)
د) تَفَحُّص الكفاح والمكافآت (٢: ١٨-٦: ٩)
١. اضطرار المرء أن يتركها لسواه (٢: ١٨-٢٦)
٢. عجز المرء عن تمييز الوقت الصحيح للتصرُّف (٣: ١-٤: ٦)
٣. اضطرار المرء غالبًا لأنْ يعمل وحده (٤: ٧-١٦)
٤. احتمال خسارة المرء بسهولة لكلِّ ما يمتلكه (٥: ١-٦: ٩)
ثالثًا: استنتاجات سليمان (٦: ١٠-١٢: ٨)
أ) مُقدِّمة: مُعضِلة عدم العِلم (٦: ١٠-١٢)
ب) عدم قدرة الإنسان دائمًا على أن يُميِّز أيُّ طريق هو الأنجح لكي يسلك فيه، لأنّ حكمته محدودة (٧: ١-٨: ١٧)
١. في السرّاء والضرّاء (٧: ١-١٤)
٢. في البرّ والشرّ (٧: ١٥-٢٤)
٣. في النساء والحماقة (٧: ٢٥-٢٩)
٤. في الحكيم والملك (٨: ١-١٧)
ج) الإنسان لا يدري ما سيأتي بعده (٩: ١-١١: ٦)
١. يعلم أنَّه سيموت (٩: ١-٤)
٢. ليس لديه علمٌ وهو في القبر (٩: ٥-١٠)
٣. لا يعلم أوانَ وفاته (٩: ١١ و١٢)
٤. لا يعلم ما سيجري (٩: ١٣-١٠: ١٥)
٥. لا يعلم أيُّ شرٍّ سيأتي (١٠: ١٦-١١: ٢)
٦. لا يعلم أيُّ خيرٍ سيأتي (١١: ٣-٦)
د) ينبغي للإنسان أن يتمتَّع بالحياة، إنَّما ليس بالخطيَّة، لأنَّ الدينونة ستأتي على الجميع (١١: ٧-١٢: ٨)
رابعًا: نصيحة سليمان الأخيرة (١٢: ٩-١٤)
إنّ الترجمتَين السبعينيَّة اليونانيَّة والفُولغاتا اللاتينيَّة تتبعان الأصلَ العِبريَّ (النصَّ المَسُوريّ) بترجمتهما حرفيًّا أوَّل كلمتين في ١: ١، «نشيد الأنشاد». وفي بعض الترجمات الأُخرى يُقرأ «نشيدُ سليمان» لإعطاء المعنى الأوفى للآية الأُولى. وصيغة التفضيل العليا «نشيد الأنشاد» (رج «قدس الأقداس» في خر ٢٦: ٣٣ و٣٤، و«ملك الملوك» في رؤ ١٩: ١٦) تفيد أنَّ هذا النشيد هو الأفضل بين الآثار الموسيقيَّة التي أنتجها سليمان والبالغ عددُها ١٠٠٥ (١مل ٤: ٣٢). والكلمة المترجمة «نشيد» تُشير أغلب الأحيان للمنظومات الموسيقيَّة التي تُشيد بالربّ (رج ١أي ٦: ٣١ و٣٢؛ مز ٣٣: ٣؛ ٤٠: ٣؛ ١٤٤: ٩).
إنَّ سليمان الذي ملك على المملكة ٤٠ سنة (٩٧١- ٩٣١ ق م) وهي بعدُ متَّحدة، يُذكر بالاسم ٧ مَرَّات في هذا السِّفر (١: ١ و٥؛ ٣: ٧ و٩ و١١؛ ٨: ١١ و١٢). وبالنظر إلى مهاراته الكتابيَّة وموهبته الموسيقيَّة (١ مل ٤: ٣٢)، والظاهرة الدالَّة على التأليف، لا الإهداء في ١: ١، يُحتمل أنَّه كتب هذا الجزء من الكتاب المقدَّس في أيِّ وقتٍ خلال مُلكِه. وبما أنَّ مُدُنًا في الجنوب وفي الشمال مذكورةٌ في أوصاف سليمان وترحاله، فالفترة الموصوفة وتاريخ الكتابة الفعليَّة يشيران إلى المملكة قبل انقسامها، الذي حصل بعد انتهاء مُلْكِ سليمان. وبما أنَّ هذا الجزء من الأسفار المقدَّسة يشمل قصيدة واحدة نظمها كاتبٌ واحد، فالأفضل أن تُعتَبَر قطعة موحَّدة من أدب الحِكمة الشعريّ، بدلًا منِ اعتبارها سلسلة من القصائد الغَزَليَّة التي ليس لها موضوعٌ مشترك ولا ناظِمٌ واحد.
يُهيمِن على قصيدة الغَزَل الواقعيَّة هذه شخصان. فإنَّ سليمان الذي يُذكر خمس مرَّات بأنّه مَلكٌ (١: ٤ و١٢؛ ٣: ٩ و١١؛ ٧: ٥) يظهر بصفته «المحبوب». أمَّا شولَمِّيث، أو الفتاة الشولميَّة (٦: ١٣)، فتبقى غامضة، والأرجح أنَّها كانت من سكّان شونَم، الواقعة على بعد ٥ كلم تقريبًا إلى الشمال من يزرعيل في الجليل الأدنى. ويرتئي بعضُهم أنَّها ابنة فرعون (١مل ٣: ١)، رغمَ أنَّ النشيد لا يُزوِّدنا بأيِّ إثبات لهذا الاستنتاج؛ فيما يُحبِّذ آخرون أبيشج الشونميَّة التي اعتنت بالملك داود (١مل ١: ١-٤ و١٥). فإنَّ صبيَّةً مجهولة من شونَم، ربَّما كانت أُسرتُها مُوظَّفةً عند سليمان (٨: ١١)، تبدو الخِيارَ الأكثر منطقيَّة. ولعلَّها زوجة سليمان الأُولى (جا ٩: ٩)، قبل أن أخطأ بإضافة ٦٩٩ زوجةً أُخرى و٣٠٠ سُرِّيَّة (١مل ١١: ٣).
هذا، وتُسنَد في السِّفر أدوارٌ صُغرى إلى مجموعاتٍ شتَّى من الأشخاص. فأوَّلًا، لاحظ التعليق المُتكرِّر من قِبَل «بنات أورشليم» (١: ٤ ب و٨ و١١؛ ٣: ٦-١١؛ ٥: ٩؛ ٦: ١ و١٣ أ؛ ٧: ١-٥؛ ٥: ٥ أ) اللواتي رُبَّما كُنَّ في عداد مُوظَّفي بلاط سليمان (رج ٣: ١٠). وثانيًا، يُرجَّح جدًّا أنَّ التوكيد في ٥: ١ ب كان بركة الله على اقتران العروسين. وثالثًا، يَرِد كلامٌ يقوله إخوة الشولميَّة (٨: ٨ و٩).
أمّا الإطار الظَّرفيُّ فيشمل مشاهد من الرِّيف والمدينة على السَّواء. إذ تجري بعض الأجزاء في الرِّيف الجبليِّ شماليَّ أورشليم، حيث كانت الشُّولميَّة مُقيمة (٦: ١٣) وحيث حظيَ سليمان بمكانة مرموقة بوصفه صاحب كرْم وراعيًا (جا ٢: ٤-٧). أمَّا القِسم المَدَنيُّ فيشمل العُرس وما تلاه في مُقام سليمان بأُورشليم (٣: ٦-٧: ١٣).
ويظهر الربيع الأوَّل في ٢: ١١-١٣؛ أمَّا الثاني ففي ٧: ١٢. فعلى سبيل الافتراض أنّ التعاقُب التاريخيَّ كان بلا ثغرات، فقد جَرَت أحداثُ نشيد سليمان على مدى فترة زمنيَّة لا يقلُّ طولُها عن سنة، ولكنْ على الأرجح لا يتعدَّى السنتين.
جميعُ آياتِ نشيد سليمان البالغِ عددُها ١١٧ آية اعتبرها اليهود على الدَّوام جزءًا من مكتوباتهم المقدَّسة. وإلى جانب راعوث وأستير والجامعة والمراثي، يندرج نشيد الأنشاد بين أسفار العهد القديم التي يتكوَّن منها المجِلُّوث أو «الأدراج الخمسة». وكان العبرانيُّون يقرأون هذا النشيد في عيد الفصح، ويَدعُونه «قُدس الأقداس». والمُفاجئ أنَّ الله لا يُذكَر صراحة إلَّا ربّما في ٨: ٦. ولا تبرز في السِّفر أيَّةُ مواضيع لاهوتيَّة منهجيَّة. كما أنَّ العهد الجديد لا يقتبس أبدًا من نشيد الأنشاد مُباشرةً (ولا من أستير أو عوبديا أو ناحوم).
في مُفارقةٍ مع النقيضَين المُشوَّهَين المُتمثِّلَين بالتقشُّف النُّسكيِّ والانحراف الشهوانيِّ خارج الزواج، تُشيد قصيدة سليمان الغزليَّة القديمة بطهارة الحُبِّ والرومنسيَّة الزوجيَّين. فهي تُوازي وتُعزِّز أجزاءً أُخرى من الأسفار المقدَّسة تُصوِّر خطَّة الله بشأن الزواج، بما فيها ما تتميَّز به العلاقة الجنسيَّة الحميمة بين الزوج والزوجة من جمالٍ وقُدسيَّة. إذ إنَّ نشيد الأنشاد يقف إلى جانب مقاطعَ كلاسيكيَّة أُخرى من الكتاب المقدَّس تُفصِّل هذا الموضوع، مثلًا: تك ٢: ٢٤؛ مز ٤٥؛ أم ٥: ١٥-٢٣؛ ١ كو ٧: ١-٥؛ ١٣: ١-٨؛ أف ٥: ١٨-٣٣؛ كو ٣: ١٨ و١٩؛ ١بط ٣: ١-٧. وفي عبرانيِّين ١٣: ٤ تصويرٌ لقلب هذا النشيد: «ليكُن الزواج مُكرَّمًا عند كلِّ واحد، والمضجع غير نجس، وأمّا العاهرون والزُّناة فسيدينهم الله».
عانى النشيد تفسيراتٍ مُتكلِّفةً على مرِّ العصور مِن قِبَل أُولئك الذين يعتمدون الأُسلوب «المجازيَّ» في التفسير، زاعمين أن ليس لهذا النشيد أيُّ أساس تاريخيٍّ فعليّ، وقائلين بأنّه بالأحرى يُصوِّر فقط محبَّة الله لبني إسرائيل و/أو محبَّة المسيح للكنيسة. والفِكرة المغلوطة المأخوذة من الترانيم المنظومة أنَّ المسيح هو نرجس شارون وسوسنة الأودية ناجمةٌ عن هذا الأُسلوب (٢: ١). أمَّا الأُسلوب «الرمزيُّ» المختلف فيُقِرُّ بالحقيقة التاريخيَّة، ولكنَّه يخلص إلى أنَّ السِّفر يُصوِّر في نهاية الأمر محبَّة المسيح العريس لعروسه الكنيسة.
إنَّما الطريقة الأكثر إرضاءً في مُقاربة نشيد سليمان هي أن يؤخذ بمعناه الظاهريّ، ويُفسَّر بمدلوله التاريخيِّ العاديّ، مع فهم الاستعمال المُتكرِّر للتصوير البيانيِّ الشِّعريِّ في التعبير عن الحقيقة. والقيامُ بهذا يُظهِر أنّ سليمان يَحكي عن ١) أيَّام تودُّدِه الخاصَّة؛ ٢) الأيَّام الأُولى من زواجه الأوَّل؛ ٣) نُضج هذين الزوجَين الملكيَّين على مرِّ أيّام الحياة في السرّاء والضرّاء. فإنَّ نشيد سليمان يتوسَّع في توجيهات الزواج القديمة الواردة في تك ٢: ٢٤، موفِّرًا بذلك موسيقى روحيَّةً لِعُمرٍ من الوئام الزوجيّ. وقد أعطى الله هذا السِّفرَ كي يُوضح مقصده بشأن رومنسيَّة الزواج وحُسنِه، لكونه أثمنَ العلاقات البشريَّة في إطار «نعمة الحياة» (١بط ٣: ٧).
الله صَمَّم طبيعة هذا السِّفر المجازيَّة ولياقة التعبير، لكي يُغطِّي العلاقة الزوجيَّة الحميمة. فالتعابير الجميلة للحُبِّ الرومنسيّ قد سُبِكَت في قالب شعريّ، لكي يُقدِّم نظرة ثاقبة عن مباهج العاطفة والشوق والرومنسيَّة. فبهذا الأسلوب، يُعبِّر السِّفر عن روائع الحُبِّ الزوجيّ، نائيًا بنفسه عمّا هو جافٌّ أو حسيٌّ ملموس. من هنا ينبغي لمفسِّري هذا السِّفر أن يحافظوا على طبيعته الرفيعة السامية، فلا يرتأوا فوق ما هو مكتوب.
المحتوى
أوّلًا: التودُّد: «المُغادرة» (١: ٢-٣: ٥)
أ) ذكرَيات الحبيبَين (١: ٢-٢: ٧)
ب) تعبير الحبيبَين عن الحُبِّ المُتبادَل (٢: ٨-٣: ٥)
ثانيًا: العُرس: «الاقتران» (٣: ٦-٥: ١)
أ) العريس الملكيُّ (٣: ٦-١١)
ب) الزِّفاف وأوَّل ليلة معًا (٤: ١-٥أ)
ج) الاستحسانُ الإلهيّ (٥: ١ب)
ثالثًا: الزواج: «التَّذبذُب» (٥: ٢-٨: ١٤)
أ) أوَّل خلاف كبير (٥: ٢-٦: ٣)
ب) المصالحة (٦: ٤-٨: ٤)
ج) النمُّو في النعمة (٨: ٥-١٤)
عنوان السِّفر مُستمدٌّ من اسم كاتبه، ومعناه «الربُّ خلاص»، وهو يُشبِه أسماء يشوع وأليشع ويسوع. ويُقتَبس إشعياء مباشرةً في العهد الجديد فوقَ ٦٥ مرَّة، أكثرَ بكثيرٍ من أيِّ نبيٍّ آخر في العهد القديم، كما أنَّه مذكورٌ بالاسم فوق ٢٠ مرَّة.
أدَّى إشعياءُ بنُ آموص خدمته في أورشليم وما حولَها بصفته نبيًّا ليهوذا في أثناء مُلك أربعةٍ من ملوك يهوذا: عُزيّا (ويُدعى «عزريا» في ٢ مل) ويوثام وآحاز وحزقيّا (١: ١)، من ٧٣٩ إلى ٦٨٦ ق م تقريبًا. ومن الواضح أنَّه كان ينتمي إلى عائلة رفيعة المقام، إذ كان له قُدومٌ مَيسور إلى الملك (٧: ٣). وكان متزوِّجًا وله ابنان لاسمَيهما معنًى رمزيٌّ: «شآرباشوب» («بقيَّةٌ ستعود»، ٧: ٣) و«مهير شلال حاش بز» («مُسرِعٌ إلى الغنيمة، مُعجِّلٌ في النَّهب»، ٨: ٣). ولمّا دعاه الله إلى النبوَّة، في سنة وفاة الملك عُزيّا (حوالى ٧٣٩ ق م)، لبَّى الدعوة باستعدادٍ حماسيّ، رُغم علمه من البداية أنَّ نُبوَّته ستكون حافلةً بالإنذار والتحريض العقيمَين (٦: ٩-١٣). ولمَّا كان قد نشأ في أورشليم، فإنَّ اختياره لدور مُستشارٍ سياسيٍّ ودينيٍّ في الأُمَّة كان مُلائمًا.
عاصر إشعياءُ هوشعَ وميخا. وليس لأُسلوبه في الكتابة نظيرٌ من حيث بلاغتُه في التعبير، وبراعتُه في التصوير، وغناه في المفردات. وقد شبَّهه جيروم، أحدُ آباء الكنيسة الأوَّلين، بديموستين، الخطيبِ اليونانيِّ البارِع جدًّا. فإنَّ كتابته اشتملت على استخدام ٢١٨٦ كلمة مختلفة، مُقارنةً بالعدد ١٥٣٥ في حزقيال، و١٦٥٣ في إرميا، و٢١٧٠ في المزامير. ويُذكَر في ٢ أي ٣٢: ٣٢ أنَّه دوَّن سيرة الملك حزقيّا أيضًا. وقد عاش النبيُّ إشعياء حتَّى ٦٨١ ق م، حينَ كتب خَبَر موت سنحاريب (رج ٣٧: ٣٨). ويذهب التقليد إلى أنَّه لقي مصرعه بأمرٍ من الملك منسَّى (حوالى ٦٩٥-٦٤٢ ق م) بنشره شطرَين بمنشارِ خشب (رج عب ١١: ٣٧).
في أثناء مُلك عُزيّا المزدهر الذي دام ٥٢ سنة (حوالى ٧٩٠-٧٣٩ ق م)، تحوَّلت مملكة يهوذا إلى دولة قويَّة تجاريًّا وعسكريًّا، لديها مرفأ للتجارة على ساحل البحر الأحمر، وقد أُنشئت لها أسوارٌ وأبراج وحُصون (٢ أي ٢٦: ٣-٥ و٨-١٠ و١٣-١٥). ومع ذلك فقد شهدت تلك الفترة انحطاطًا في حالة يهوذا الروحيَّة. وقد كان سقوط عُزيّا نتيجةً لمحاولته انتِحال امتيازاتِ الكاهن وإيقاد البَخور على المذبح (٢ مل ١٥: ٣ و٤؛ ٢ أي ٢٦: ١٦-١٩). فعُوقِب بالبَرَص الذي لم يَبرأ منه قطّ (٢ مل ١٥: ٥؛ ٢ أي ٢٦: ٢٠ و٢١).
وقد وجب على يوثام بن عُزِّيّا (حوالى ٧٥٠-٧٣١ ق م) أن يتولَّى مهامَّ مَلِكٍ قبل موت أبيه. وبدأت أشُّور تبرز كقوَّة دُوَلية جديدة في عهد تِغلَث فلاسر (حوالى ٧٤٥-٧٢٧ ق م)، فيما كان يوثام ملكًا (٢ مل ١٥: ١٩). وبدأت يهوذا أيضًا تلقى المقاومة من قِبَل إسرائيل وسوريَّة إلى شمالها في أثناء مُلكه (٢ مل ١٥: ٣٧). وقد كان يوثام بنّاءً ومحاربًا مثل أبيه، ولكنَّ الفساد الروحيَّ بقيَ منتشرًا في البَلَد (٢ مل ١٥: ٣٤ و٣٥؛ ٢ أي ٢٧: ١ و٢).
وكان آحاز في الخامسة والعشرين عندما باشر المُلك في يهوذا، حيث ملك حتَّى عُمر الحادية والأربعين (٢ أي ٢٨: ١ و٨؛ حوالى ٧٣٥- ٧١٥ ق م). وقد شكَّلت إسرائيل وسوريَّة تحالُفًا لمحاربة الخطر الأشُّوريَّ الصاعد من الشرق، ولكنّ آحاز رفض إدخال يهوذا في التحالُف (٢ مل ١٦: ٥؛ إش ٧: ٦). من أجل ذلك هدَّدت الجارتان الشماليَّتان بخلعه عن العرش ونشبت الحرب من جرّاء ذلك (٧٣٤ ق م). وإذ ذُعِر آحاز، أرسل يستنجد بالملك الأشُّوريّ (٢ مل ١٦: ٧) فلبَّى الملك الأشُّوريُّ بسُرور، إذ غزا غَزَّة ونهبَها، وساق إلى السَّبي أهل الجليل وجلعاد جميعًا، واستولى أخيرًا على دمشق (٧٣٢ ق م). وقد أدَّى تحالُف آحاز مع أشُّور إلى إدخاله مذبحًا وثنيًّا أقامه في هيكل سليمان (٢ مل ١٦: ١٠-١٦؛ ٢ أي ٢٨: ٣). وفي أثناء مُلكِه (٧٢٢ ق م) استولت أشُّور على السامرة، عاصمةِ المملكة الشماليَّة، وسَبَت مُعظم أهل إسرائيل الأكثر قدرةً (٢ مل ١٧: ٦ و٢٤).
وباشر حزقيَّا مُلكه على يهوذا في ٧١٥ ق م، وقد دام ٢٩ سنة حتّى ٦٨٦ ق م (٢ مل ١٨: ١ و٢). وكان الإصلاح أولويَّةً عنده حين صار مَلِكًا (٢ مل ١٨: ٤ و٢٢؛ ٢ أي ٣٠: ١). أمّا خطرُ الغزو الأشوريِّ، فقد أرغم يهوذا على التعهُّد بدفع جزية لتلك القوَّة الشرقيَّة. وفي ٧٠١ ق م، مرض حزقيّا مرضًا شديدًا هدَّد حياته، ولكنَّه صلَّى فأنعم الله عليه بإطالة عمره ١٥ سنة (٢ مل ٢٠؛ إش ٣٨) حتّى ٦٨٦ ق م. وانتهز حاكِم بابل فرصة مرض حزقيّا وشفائه، فبعث إليه بالتهاني، مبتغيًا ربّما إقامةَ تحالُفٍ مع يهوذا ضدَّ أشُّور في الوقت عينِه (٢ مل ٢٠: ١٢ وما يلي؛ إش ٣٩). ولمّا ضعفت أشُّور من جرّاء النزاع الداخليّ، رفض حزقيّا دفع أيَّة جزية إضافيَّة لتلك القوَّة (٢ مل ١٨: ٧). وهكذا ففي ٧٠١ ق م قام سنحاريب، الملك الأشُّوريُّ، بغزو المناطق الساحليَّة من إسرائيل، زاحفًا على مصر من خاصرة إسرائيل الجنوبيَّة. وفي تلك العمليَّة اجتاح مُدنًا كثيرة من يهوذا ناهبًا، وآخذًا معه أناسًا كثيرين إلى أشُّور. وفي أثناء محاصرة لَخيش، أرسل فِرقةً من قوّاته لمحاصرة أورشليم (٢ مل ١٨: ١٧-١٩: ٨؛ إش ٣٦: ٢-٣٧: ٨). غير أنَّ هذه الحملة الجانبيَّة فشلت، ومن ثمَّ لجأ إلى محاولة ثانية فأرسل إلى أورشليم رُسُلًا، طالبًا تسليم المدينة حالًا (٢ مل ١٩: ٩ وما يلي؛ إش ٣٧: ٩ وما يلي). وبتشجيع من إشعياء، رفض حزقيّا الاستسلام، ووقع جيش سنحاريب فريسةَ كارثة مفاجئة، فانكفأ إلى بابل ولم يُهدِّد يهوذا ثانيةً قطّ.
تنبَّأ إشعياء في أثناء فترة انقسام المملكة، موجِّهًا تيَّار رسالته الرئيسيَّ نحو مملكة يهوذا الجنوبيَّة. وقد دان التمسُّك الفارغ بالطقوس في زمانه (مثلًا ١: ١٠-١٥) والوثنيَّة التي انحدر إليها كثيرون من الشعب (مثلًا ٤٠: ١٨-٢٠). وهو رأى مُسبَّقًا السَّبي البابليَّ القادم على يهوذا من جرّاء هذا الابتعاد عن الربّ (٣٩: ٦ و٧).
إنّ إتمام قِسمٍ من نبوَّات إشعياء في أثناء حياته ثبَّت صدقيَّتَه كنبيّ. فقد أخفق مسعى سنحاريب للاستيلاء على أورشليم، على حدِّ ما أنبأ به إشعياء (٣٧: ٦ و٧ و٣٦-٣٨). وشفى الربُّ حزقيّا من مرضه المُميت، وفقًا لما تنبّأ به إشعياء (٣٨: ٥؛ ٢ مل ٢٠: ٧). وقبل ظهور كورش على مسرح الأحداث بزمَنٍ طويل، ذكره إشعياء بِاسْمِه على أنَّه مُنقِذ يهوذا من السَّبي البابليّ (٤٤: ٢٨؛ ٤٥: ١). كما أنَّ إتمام نبوَّات إشعياء بمجيء المسيح أوَّل مرَّة أضفى عليه تزكيةً مُضاعَفة (مثلًا ٧: ١٤). ونموذجُ الإتمام الحرفيِّ لنبوَّاته التي تمَّت فعلًا، يؤتي اليقين بأنّ النبوَّات المتعلِّقة بمجيء المسيح ثانيةً سوف تَلقى أيضًا إتمامها الحرفيّ.
ويُزوِّدنا إشعياء بمعلومات تخصُّ يومَ الربِّ المُستقبليَّ والزمانَ الذي يليه. وهو يُفصِّل نواحيَ كثيرةً من مُلكِ المسيح المُستقبليِّ على الأرض، لا نجدها في أيِّ مكان آخر من العهد القديم أو الجديد، بما فيها التغيُّراتُ التي ستجري في الطبيعة وعالم الحيوانات، ومكانةُ أورشليم بين الأُمم، ورئاسة العبد المتألِّم، وغيرُ ذلك.
وبواسطة أسلوبٍ أدبيٍّ يُدعى «الاختصار النبويّ»، تنبَّأ إشعياء بأحداثٍ مُستقبليَّة دون تخطيطٍ لتعاقُبِها الدَّقيق أو للفترات الزمنيَّة الفاصلة بينَها. فليس في سفر إشعياء مثلًا ما يكشف المرحلة الطويلة الفاصلة بين مجيئَي المسيح أوّل مرَّة وثاني مرَّة. وهو لا يزوِّدنا بأيِّ تمايُز واضح بين المُلكِ المستقبليِّ الزمنيِّ والملكوت الأبديّ، كما يفعل يوحنا في رؤ ٢٠: ١-١٠؛ ٢١: ١-٢٢: ٥. ففي برنامج الله الذي يلحظ الإعلانَ التدريجيّ، كانت التفاصيل المختصَّة بهذه العلاقات تنتظر ناطقًا نبويًّا يأتي في زمنٍ لاحِق.
وقد تكلَّم إشعياء، ويُقال له أيضًا «النبيُّ الإنجيليُّ»، كثيرًا عن نعمة الله نحو بني إسرائيل، خصوصًا في آخر ٢٧ أصحاحًا من سِفره. أمَّا جوهرة العِقد الكُبرى فهي الأصحاح ٥٣ المُنقطِعُ النظير، وهو يُصوِّر المسيح بصفته حَمَل الله الذَّبيح.
إنّ العقبات التفسيريَّة في سفرٍ طويل وجليل مثل إشعياء عديدةٌ فعلًا، وأكثرها حَسميَّةً تُركِّز على كون نبوَّات إشعياء ستلقى إتمامها الحرفيَّ أم لا، وهل تخلَّى الربُّ في برنامجه عن إسرائيل كاُّمَّة، وأحلَّ الكنيسة محلَّها بصورةٍ دائمة بحيث لا يكون مُستقبَلٌ لإسرائيل بصفتها أُمَّة.
وفي ما خصَّ المسألة الأخيرة، فإنَّ أجزاءً عديدة من إشعياء تدعم الرأيَ القائل إنّ الله لم يستبدِل بإسرائيلَ القوميَّة «إسرائيلَ جديدةً» مزعومة. فلدى إشعياء كثيرٌ جدًّا ممَّا يقوله بشأنِ أمانة الله تجاه الأُمَّة القديمة، إذ إنّه ما كان ليرفض الشعب الذي قد خلقه واختاره (٤٣: ١). كما أنَّ الأُمَّة على كفَّي يدَيه، وأسوارُ أورشليم دائمًا أمام عَينَيه (٤٩: ١٦). وهو مرتبطٌ بكلمته عينِِِِِِِِها بإتمام وعوده التي قطعها، بأن يردَّهم إلى ذاته ويُباركهم في ذلك اليوم الآتي (٥٥: ١٠-١٢).
أمَّا في ما خصَّ المسألة الأُولى، فإنَّ الإتمام الحرفيَّ لكثيرٍ من نبوَّات إشعياء قد حصل فعلًا، كما هو مُبيَّن في المقدِّمة: المواضيعُ التاريخيَّة واللاهوتيَّة. فأن يُحاجَّ المرءُ بأنَّ تلك النبوّاتِ التي لم تتمَّ بَعد ستَشهد إتمامًا غير حرفيّ، أمرٌ لا أساسَ له في الكتاب المقدَّس. وهذه الحقيقة تُسقِط حجَّةَ مَن يَفترِضون أنَّ الكنيسة تنال بعض الوعود المقطوعة أصلًا لإسرائيل. فالمملكة التي وُعِد بها داود تخصُّ إسرائيل لا الكنيسة. وتمجيد الأُمَّة القديمة في المستقبل سيكون على الأرض، لا في السماء. والمسيح سوف يملك شخصيًّا على هذه الأرض كما نعرفُها، مثلما سيملك أيضًا في السماوات الجديدة والأرض الجديدة (رؤ ٢٢: ١ و٣).
المحتوى
أوّلًا: الدَّينونة (١: ١-٣٥: ١٠)
أ) نُبوَّات تتعلَّق بيهوذا وأورشليم (١: ١-١٢: ٦)
١. خطايا يهوذا الاجتماعيَّة (١: ١-٦: ١٣)
٢. أشراكُ يهوذا السياسيَّة (٧: ١-١٢: ٦)
ب) أقوالٌ تتناول الدينونة والخلاص (١٣: ١-٢٣: ١٨)
١. بابل وأشُّور (١٣: ١-١٤: ٢٧)
٢. فلسطين (١٤: ٢٨-٣٢)
٣. موآب (١٥: ١-١٦: ١٤)
٤. سوريَّة وإسرائيل (١٧: ١-١٤)
٥. الحبشة (١٨: ١-٧)
٦. مصر (١٩: ١-٢٠: ٦)
٧. بابل، تَتِمَّة (٢١: ١-١٠)
٨. أدوم (٢١: ١١ و١٢)
٩. العربيَّة (٢١: ١٣-١٧)
١٠. صور (٢٣: ١-١٨)
ج) فداء إسرائيل عبرَ دينونة العالم (٢٤: ١-٢٧: ١٣)
١. تدمير الله للأرض (٢٤: ١-٢٣)
٢. أوَّل ترنيمة حمدٍ على الفداء (٢٥: ١-١٢)
٣. ثاني ترنيمة حمدٍ على الفداء (٢٦: ١-١٩)
٤. تأديباتُ إسرائيل وازدهارُها النهائيُّ (٢٦: ٢٠-٢٧: ١٣)
د) تحذيراتٌ من التحالُف مع مصر (٢٨: ١-٣٥: ١٠)
١. ويلٌ للسِّياسيِّين السكارى (٢٨: ١-٢٩)
٢. ويلٌ للشَّكليِّين دينيًّا (٢٩: ١-١٤)
٣. ويلٌ للذين يكتمون الخُطط الصادرة عنِ الله (٢٩: ١٥-٢٤)
٤. ويلٌ للفئة المُناصِرة لمصر (٣٠: ١-٣٣)
٥. ويلٌ للمتَّكلين على الخيول والمركبات (٣١: ١-٣٢: ٢٠)
٦. ويلٌ للمُخرِّب الأشُّوريّ (٣٣: ١-٢٤)
٧. صرخةُ مُطالَبةٍ بالعدالة ضدَّ الأُمم، ولا سيَّما أدوم (٣٤: ١-٣٥: ١٠)
ثانيًا: فَصلٌ تاريخيٌّ مُعترِض (٣٦: ١-٣٩: ٨)
أ) محاولة سنحاريب الاستيلاء على أورشليم (٣٦: ١-٣٧: ٣٨)
ب) مرض حزقيّا وشفاؤه (٣٨: ١-٢٢)
ج) مبعوثو بابل إلى أورشليم (٣٩: ١-٨)
ثالثًا: الخلاص (٤٠: ١-٦٦: ٢٤)
أ) التحرير من السَّبي (٤٠: ١-٤٨: ٢٢)
١. عزاءٌ لمسبيِّي بابل (٤٠: ١-٣١)
٢. انتهاء شقاء إسرائيل (٤١: ١-٤٨: ٢٢)
ب) آلام عبد الربّ (٤٩: ١-٥٧: ٢١)
١. إرساليَّة العبد (٤٩: ١-٥٢: ١٢)
٢. الفداء بواسطة آلام العبد (٥٢: ١٣-٥٣: ١٢)
٣. نتائج فداء العبد المتألِّم (٥٤: ١-٥٧: ٢١)
ج) مجدُ شعبِ الله المستقبليُّ (٥٨: ١-٦٦: ٢٤)
١. نوعان من الدِّيانة (٥٨: ١-١٤)
٢. مناشدة لإسرائيل بالإقلاع عن خطاياهم (٥٩: ١-١٩)
٣. سعادة صِهيَون المستقبليَّة (٥٩: ٢٠-٦١: ١١)
٤. اقترابُ نجاةِ صِهيَون (٦٢: ١-٦٣: ٦)
٥. صلاةٌ لأجل النجاة القوميَّة (٦٣: ٧-٦٤: ١٢)
٦. استجابة الربِّ لطلبة إسرائيل (٦٥: ١-٦٦: ٢٤)
يَكتَسِبُ هذا السِّفرُ عنوانَه من الكاتب البشريّ الذي يستهل الكلام بالقول: «كلامُ إرميا» (١: ١). ويروي إرميا في هذا السِّفر حوادث عن حياته الشخصيَّة أكثر من أيِّ نبيٍّ آخر، فيُخبر عن خدمته، وعن ردود فعل جمهوره، وعن تجاربه، وعن مشاعره الشخصيَّة. أمَّا اسمه، فيعني «الله يَضَعُ»، بمعنى وضع الأساس، أو «الربُّ يُقيمُ، أو يُعَيِّنُ، أو يُرسِل».
ثمَّة في الكتاب المقدَّس سبعةٌ آخرون بهذا الإسم «إرميا»: (٢مل ٢٣: ٣١؛ ١أي ٥: ٢٤؛ ١٢: ٤؛ ١٢: ١٠؛ ١٢: ١٣؛ نح ١٠: ٢؛ ١٢: ١)، كما أنَّ إرميا النبيَّ مذكور على الأقلِّ تسع مرَّاتٍ خارج سفره (رج ٢أي ٣٥: ٢٥؛ ٣٦: ١٢؛ ٣٦: ٢١ و٢٢؛ عز ١: ١؛ دا ٩: ٢؛ مت ٢: ١٧؛ ١٦: ١٤؛ ٢٧: ٩). هذا، ويقتبس العهدان، القديم والجديد، من إرميا، على الأقلِّ سبعة اقتباسات: ١) دا ٩: ٢ (٢٥: ١١ و١٢؛ ٢٩: ١٠)؛ ٢) مت ٢: ١٨ (٣١: ١٥)؛ ٣) مت ٢٧: ٩ (١٨: ٢؛ ١٩: ٢ و١١؛ ٣٢: ٦-٩)؛ ٤) ١كو ١: ٣١ (٩: ٢٤)؛ ٥) ٢كو ١٠: ١٧ (٩: ٢٤)؛ ٦) عب ٨: ٨-١٢ (٣١: ٣١-٣٤)؛ ٧) عب ١٠: ١٦ و١٧ (٣١: ٣٣ و٣٤).
إنَّ إرميا الذي خَدَمَ ككاهن، وكنبيٍّ، هو ابن كاهنٍ يُدعى حَلقِيَّا، علمًا أنّ حَلقِيَّا هذا ليس هو رئيس الكهنة المذكور في ٢مل ٢٢: ٨، والذي اكتشف سفر الشريعة. كان إرميا من قريةٍ صغيرة تدعى عَنَاثوث (١: ١)، وتُدعى اليوم عناتا، في تخم سبط بنيامين، وعلى بعد حوالى ٥كلم شمال شرق أورشليم. وقد ظلَّ إرميا عازبًا كأُمثولة ليهوذا (١٦: ١-٤). وكان يعاونه في خدمته كاتبٌ يُدعى باروخ، حيث كان إرميا يُملي عليه ما يكتب، وهو كان ينسخ الكتابات ويصونها، مُقيَّدًا بدقَّة برسائل ذلك النبيّ (٣٦: ٤ و٣٢؛ ٤٥: ١). وقد عُرِفَ إرميا «بالنبيِّ الباكي» (رج ٩: ١؛ ١٣: ١٧؛ ١٤: ١٧)، وعاش حياة صراع بسبب نبوَّاته بالدينونة التي تمثَّلت بالغزو البابليِّ. وقد هُدِّد وجُرِّب طَوالَ حياته ووُضِع في المقطرة، وأُجبِر على الهرب من يهوياكيم، وأهانه علنًا نبيٌّ كاذب، وطُرح في الجُبّ.
كانت خدمة إرميا موجَّهة في معظمها إلى شعبه في يهوذا، ولكنها اتّسعت أحيانًا لتطال أُممًا أُخرى. وقد رجا رؤساءَ شعبه أن يتوبوا، ويتجنّبوا عقاب الله الذي سوف يجريه بواسطة أحد الغزاة الفاتحين (ف ٧ و٢٦). وحين أصبح الغزو أمرًا مؤكَّدًا، بعدما رفض يهوذا التوبة، رجاهم مرَّة أخرى أن لا يقاوموا الفاتح البابليَّ تجنُّبًا للهلاك الشامل (ف ٢٧). وقد طلب أيضًا من مُمَثِّلي بعض الأمم الأخرى أن يستمعوا إلى مشورته، ويخضعوا لبابل (ف ٢٧)، كما تنبَّأ عن دينونات من الله على أُممٍ مختلفة (٢٥: ١٢-٣٨؛ ف ٤٦-٥١).
أمَّا مُدَّة خدمته التي بلغت خمسة عقود، فقد امتدَّت من السنة الثالثة عشرة للمَلِك يوشيَّا، ملِك يهوذا، والمذكورة في ١: ٢ (٦٢٧ ق م)، إلى ما بعد سبي أورشليم إلى بابل في ٥٨٦ ق م (إر ٣٩ و٤٠ و٥٢). بعد سنة ٥٨٦ ق م، أُجبِر إرميا على الرحيل مع البقيَّة الهاربة من يهوذا إلى مصر (إر ٤٣ و٤٤). وربّما كان لا يزال يخدم في ٥٧٠ ق م (رج ح ٤٤: ٢٩ و٣٠). ثمَّة ملحوظة وردت بقلم معلِّمي الناموس تقول إنه حين غَزَتْ بابلُ مصرَ حوالى ٥٦٨/ ٦٧ ق م، أُخذ إرميا أسيرًا إلى بابل. وقد عاش ليَخُطَّ آخر مشهد من سِفره حوالى ٥٦١ ق م في بابل، حين سُمِحَ لملك يهوذا يهوياكين، المأسور في بابل منذ ٥٩٧ ق م، أن يستعيد حرِّيته في أيامه الأخيرة (٥٢: ٣١-٣٤). فإن كان إرميا لا يزال حيًّا في ذلك الوقت، يكون له من العمر ما بين ٨٥ و٩٠ سنة.
وردت التفاصيل حول خلفيَّة زمن إرميا في ٢مل ٢٢-٢٥ وفي ٢أي ٣٤-٣٦. فرسائل إرميا ترسم إطارًا: ١) لخطيَّة شعبه؛ ٢) للفاتح الذي سيرسله الله؛ ٣) لقسوة الحصار؛ ٤) لكوارث الخراب والدمار. وقد استمرَّ إرميا يعظ ويحذِّر منَ الدينونة الوشيكة بسبب خطيَّة الوثنيَّة، وبسبب خطايا أخرى، فترةً تزيد على ٤٠ سنةً (حوالى ٦٢٧-٥٨٦ ق م، وربما أكثر). وقد حصلت نُبُوَّاته خلال حكم آخر خمسة ملوك على مملكة يهوذا: يوشيَّا ٦٤٠-٦٠٩ ق م؛ يهوآحاز ٦٠٩ ق م؛ يهوياقيم ٦٠٩-٥٩٨ ق م؛ يهوياكين ٥٩٨-٥٩٧ ق م؛ صدقيَّا ٥٩٧-٥٨٦ ق م.
كانت حالة يهوذا الروحيَّة متردِّية بسبب العبادة الوثنيَّة السَّافرة (رج ف ٢). فالملك آحاز الذي سَبَقَ ابنَه حزقيَّا في أيام إشعياء، وقبل إرميا بمدة طويلة، أقام نظام ذبائح، حيث يُقَدَّم الأطفال إلى الإله مولك في وادي ابن هِنُّوم خارج أورشليم (٧٣٥-٧١٥ ق م). لكنَّ حزقيَّا ابنه، قام بحملة إصلاحات، وتطهير (إش ٣٦: ٧)، إلّا أنّ ابنه مَنَسَّى، عاد يشجِّع ذبائح الأطفال إلى جانب ترويجه العبادة الوثنيَّة، التي استمرَّت إلى أيام إرميا (٧: ٣١؛ ١٩: ٥؛ ٣٢: ٣٥). كما أنَّ كثيرين أيضًا، قد عبدوا «مَلِكَةَ السماء» (٧: ١٨؛ ٤٤: ١٩). أمَّا إصلاحات يوشيَّا، التي بلغت أوجَها سنة ٦٢٢ ق م، فقد فرضت كَبْحًا لأسوإ الممارسات، إنما من الخارج، إلّا أنَّ داءَ الخطيَّة القاتل كان عميقًا، وقد عاد مجدَّدًا لينمو بسرعة، بعد فترةٍ من الانتعاش ضحلة. فعدم الإخلاص، وعدم الأمانة والزِّنا والظُّلم واضطهاد الضعفاء والنميمة، كانت هي السائدة باعتبارها القاعدة وليست الشَّواذ.
حصلت حوادث سياسيَّة خطيرة في أيام إرميا. فقد رأت أَشور أنَّ قوَّتها تتراجع تدريجيًّا؛ من ثَمَّ مات أشور بانيبال سنة ٦٢٦ ق م. فأصبحت أشور سنة ٦١٢ ق م في منتهى الضَّعف. وعاصمتها نينوى التي بدت ذات يوم لا تُقهَر، قد تمَّ خرابُها (رج سفر ناحوم). وبدأت الإمبراطوريَّة البابليَّة الجديدة بقيادة نبوبلاسَّر (٦٢٥-٦٠٥ ق م) تسيطر عسكريًّا، مُحقِّقةً الانتصارات على أشور (٦١٢ ق م)، وعلى مصر (٦٠٩-٦٠٥ ق م)، وعلى إسرائيل في ثلاث مراحل (٦٠٥ ق م، كما ورد في دا ١؛ ٥٩٧ ق م كما ورد في ٢مل ٢٤: ١٠-١٦؛ و٥٨٦ ق م، كما ورد في إر ٣٩ و٤٠ و٥٢).
ففي حين أنَّ يوئيل وميخا سبق أن تنبَّآ عن دينونة يهوذا خلال حكم يوشيَّا، إلّا أنَّ أنبياء الله البارزين كانوا: إرميا وحبقوق وصفنيا. وفي ما بعد، مارَسَ كلٌّ من حزقيال ودانيال، مُعَاصِرَي إرميا، دورًا نَبَويًّا بارزًا.
إنَّ موضوع سفر إرميا الرئيسيَّ هو دينونة يهوذا (ف ١-٢٩)، إضافةً إلى الافتقاد في المُلْكِ المسيحاني الآتي (٢٣: ٣-٨؛ ٣٠-٣٣). ففي حين خصَّص إشعياء العديد من الأصحاحات للتحدُّث عن مجد إسرائيل في المستقبل (إش ٤٠-٦٦)، فإنّ إرميا قلَّص فسحة هذا الموضوع. وبما أنَّ دينونة الله كانت عتيدة أن تحصل، فقد ركَّز إرميا على المشاكل الآنيَّة ساعيًا إلى إرجاع الأُمَّة من نقطة اللاّعودة.
وفي السِّفر أيضًا موضوع آخر تمثَّل باستعداد الله للصَّفح عن الأُمَّة، ومَنحِه البَرَكة في حال تابَ الشَّعب. ومع أنّ هذا التَّشديد غالبًا ما يتكرَّر، فقد تبدَّت أبهى صوره في مَثَلِ بيت الفخَّاري (١٨: ١-١١). ثمَّ إنّ خطَّةً من الله لحياة إرميا، قد وردت سواءٌ في إعلانه رسالة الله، أو في التزامه تتميم إرادته (١: ٥-١٩؛ ١٥: ١٩-٢١). كما يحتوي السِّفر على مواضيع أُخرى: ١) شوق الله أن يرى إسرائيل مُحبًّا له، كما في أيام المحبَّة الأولى (٢: ١-٣)؛ ٢) دموع إرميا الخادم، باعتباره «النبيَّ الباكي» (٩: ١؛ ١٤: ١٧)؛ ٣) علاقة الله الحميمة بإسرائيل، التي تاق أن تستمرَّ (١٣: ١١)؛ ٤) الألم، كما في تجارب إرميا (١١: ١٨-٢٣؛ ٢٠: ١-١٨)، وكفاية الله في كلِّ ضيق (٢٠: ١١-١٣)؛ ٥) الدَّور الحيويّ الذي يمكن أن تمارسه كلمة الله في الحياة (١٥: ١٦)؛ ٦) مكانة الإيمان في توقُّع رجوع الشعب، بيد الله الذي لا يعسر عليه أمر (ف ٣٢؛ ولاسيّما ع ١٧ و٢٧)؛ ٧) الصلاة لأجل توافق إرادة الله مع عمل الله لردِّ بني إسرائيل إلى أرضهم (٣٣: ٣ و٦-١٨).
يواجهنا عددٌ مِنَ الأسئلة مثل: ١) كيف يمكن لأحدنا أن يُفسِّرَ مَنْعَ الله الصَّلاة لأجل اليهود (٧: ١٦)، والقول إنه حتَّى شفاعة موسى وصموئيل لن تمنع الدينونة (١٥: ١)؟ ٢) هل فعلًا، قام إرميا بتلك الرِّحلة البالغة عدة مئات من الكيلومترات إلى نهر الفرات لِطَمْرِ منطقته، أم أنه طمرها في مكان قريب (١٣: ٤-٧)؟ ٣) كيف استطاع إرميا أن يتلفَّظ بكلماتٍ قاسية إلى هذا الحدِّ، عن الرَّجُل الذي أعلن ولادته (٢٠: ١٤-١٨)؟ ٤) هل اللعنة التي حلَّت على نسل يكنيا الملكيِّ تتَّصل بالمسيح (٢٢: ٣٠)؟ ٥) كيف يُفسِّر الإنسانُ الوعود بإرجاع بني إسرائيل إلى أرضهم القديمة (ف ٣٠-٣٣)؟ ٦) كيف سيتمِّم الله الميثاق الجديد في ما يخصُّ إسرائيل والكنيسة (٣١: ٣١-٣٤)؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تَرِدُ في الحواشي، وفي أمكنتها الملائمة.
ثمَّة تحدٍّ متكرِّرٍ، وهو قدرتنا على فهم رسائل النبيِّ في ترتيبها الزمنيِّ الصحيح، ولا سيّما أنّ سفر إرميا ليس دائمًا متسلسل التواريخ الزمنيَّة، بل متحرِّر في ترتيبه، بحيث يتقدَّم ويتأخَّر زمنيًّا بحسب المواضيع. أمّا حزقيال، وبالمفارقة مع إرميا، فيتبع دائمًا التسلسل الزمنيَّ في ترتيب مادَّة كتابته.
المحتوى
أوّلًا: تحضير إرميا (١: ١-١٩)
أ) مُحيط إرميا (١: ١-٣)
ب) اختيار إرميا (١: ٤-١٠)
ج) مهمَّة إرميا (١: ١١-١٩)
ثانيًا: إعلانات ليهوذا (٢: ١-٤٥: ٥)
أ) الحُكم على يهوذا (٢: ١-٢٩: ٣٢)
١. الرسالة الأولى (٢: ١-٣: ٥)
٢. الرسالة الثانية (٣: ٦-٦: ٣٠)
٣. الرسالة الثالثة (٧: ١-١٠: ٢٥)
٤. الرسالة الرابعة (١١: ١-١٣: ٢٧)
٥. الرسالة الخامسة (١٤: ١-١٧: ١٨)
٦. الرسالة السادسة (١٧: ١٩-٢٧)
٧. الرسالة السابعة (١٨: ١-٢٠: ١٨)
٨. الرسالة الثامنة (٢١: ١-١٤)
٩. الرسالة التاسعة (٢٢: ١-٢٣: ٤٠)
١٠. الرسالة العاشرة (٢٤: ١-١٠)
١١. الرسالة الحادية عشرة (٢٥: ١-٣٨)
١٢. الرسالة الثانية عشرة (٢٦: ١-٢٤)
١٣. الرسالة الثالثة عشرة (٢٧: ١-٢٨: ١٧)
١٤. الرسالة الرابعة عشرة (٢٩: ١-٣٢)
ب) مواساة يهوذا- عهد جديد (٣٠: ١-٣٣: ٢٦)
١. نبوَّة عن الرجوع (٣٠: ١-٣١: ٤٠)
٢. الإيمان بالرجوع (٣٢: ١-٤٤)
٣. نبوَّة عن الرجوع - القسم الثاني (٣٣: ١-٢٦)
ج) نكبة يهوذا (٣٤: ١-٤٥: ٥)
١. قبل سقوط يهوذا (٣٤: ١-٣٨: ٢٨)
٢. أثناء سقوط يهوذا (٣٩: ١-١٨)
٣. بعد سقوط يهوذا (٤٠: ١-٤٥: ٥)
ثالثًا: إعلانات عن دينونة الأمم (٤٦: ١-٥١: ٦٤)
أ) المقدِّمة (٤٦: ١؛ رج ٢٥: ١٥-٢٦)
ب) دينونة مصر (٤٦: ٢-٢٨)
ج) دينونة فلسطين (٤٧: ١-٧)
د) دينونة موآب (٤٨: ١-٤٧)
هـ) دينونة بني عمّون (٤٩: ١-٦)
و) دينونة أدوم (٤٩: ٧-٢٢)
ز) دينونة دمشق (٤٩: ٢٣-٢٧)
ح) دينونة قيدار وحاصور (العربية) (٤٩: ٢٨-٣٣)
ط) دينونة عيلام (٤٩: ٣٤-٣٩)
ي) دينونة بابل (٥٠: ١-٥١: ٦٤)
رابعًا: سقوط أورشليم (٥٢: ١-٣٤)
أ) خراب أورشليم (٥٢: ١-٢٣)
ب) نَقْلُ اليهود (٥٢: ٢٤-٣٠)
ج) نجاة يهوياكين (٥٢: ٣١-٣٤)
يَستَمِدُّ «مراثي إرميا» تسميته هذه من صورة العنوان كما وردت في الترجمة اللاتينية للعهد القديم المعروفة بالترجمة السَّبعينيَّة (الفولغاتا)، والتي تُعبِّر عن فكرة «النحيب». فَصِيغة التعجُّب العبريَّة (إيكَه)، المترجمة «كيف» والتي تدلُّ على «الهَلَع»، وردت في ١: ١؛ ٢: ١؛ ٤: ١، فأعطتِ السِّفر عنوانه العبريَّ. على أنّ الرابيّين بدأوا منذ عهد بعيد يُسَمُّون السِّفر «النحيب» أو «المراثي» (رج إر ٧: ٢٩). وليس ثمَّة سِفر في العهد القديم كلِّه، يحوي في مجموعه مراثي، كما تَحوي هذه الشجويَّة الكئيبة، صانعةً جنازة لأورشليم، المدينة التي كانت ذات يوم جميلة (رج ٢: ١٥). وهذا السِّفر يُبقي ذكرى ذلك السقوط حيَّة، ويُعلِّم جميع المؤمنين كيف يواجهون الألم.
لم يُذكَرِ اسم كاتب «المراثي» في السفر، لكن ثمَّة إشارات داخليَّة وتاريخيَّة تدلُّ على أنه كان إرميا بالذات. هذا وتبدأ الترجمة السَّبعينيَّة مرا ١: ١ على الشكل التالي: «وحَدَثَ أنه بعد سبي إسرائيل... قَعَدَ إرميا يبكي (رج ٣: ٤٨ و٤٩)... ويرثي... ويقول...». وكان الله قد أخبر إرميا بأن يجعل يهوذا «يرفع مرثاةً» (إر ٧: ٢٩)، كما أنّ إرميا كتب أيضًا مراثيَ ليوشيَّا (٢أي ٣٥: ٢٥).
لقد كتب إرميا المراثي كشاهد عِيان (رج ١: ١٣-١٥؛ ٢: ٦ و٩؛ ٤: ١-١٢)، ولربَّما تَمَّ بمساعدة باروخ، أمين سِرِّه (رج إر ٣٦: ٤؛ ٤٥: ١)، أثناء سقوط أورشليم في ٥٨٦ ق م، أو بعد ذلك بوقت قصير. كان سقوط المدينة في أواسط شهر تموز، وأمَّا إحراق الهيكل فَحَدَثَ في أواسط شهر آب. ويُرَجَّحُ أنّ إرميا رأى بأُمِّ العين سقوط الأسوار والأبراج والمنازل والقصور والهيكل؛ وقد سَجَّل ما رآه بينما المَشاهد لا تزال حديثة العهد في ذاكرته، ولكن قبل رحيله القسري إلى مصر حوالى ٥٨٣ ق م (رج إر ٤٣: ١-٧). من جهةٍ أخرى نجد اللُّغة المستعملة في المراثي تقترب كثيرًا من تلك التي يستعملها إرميا في سفره النبويِّ الواسع جدًّا (رج ١: ٢ مع إر ٣٠: ١٤؛ ١: ١٥ مع إر ٨: ٢١؛ ١: ٦ و٢: ١١ مع إر ٩: ١ و١٨؛ ٢: ٢٢ مع إر ٦: ٢٥؛ ٤: ٢١ مع إر ٤٩: ١٢).
إنّ البُذور النبويَّة لخراب أورشليم كانت قد بُذِرَتْ أصلًا على يد يشوع قبل ٨٠٠ عام (يش ٢٣: ١٥ و١٦). وها إرميا يتنبَّأ على مدى أكثر من أربعين سنة، مُحَذِّرًا من الدينونة الآتية، ولكنّ الشعب يحتقره بسبب وعظه المنذر بالهلاك (حوالى ٦٤٥-٦٠٥ ق م). وعندما جاءت الدينونة على ذلك الشعب غير المؤمن، بقدوم نبوخذنصَّر على رأس الجيش البابليّ، لم يكن موقف إرميا إلّا مزيدًا من الأسى العميق والشَّفقة على شعبه المتألِّم والعنيد. فالمراثي تَتَّصل اتصالًا وثيقًا بسفر إرميا حيث تصف الحزن على أورشليم بسبب دينونة الله لها، لأنها لم تتب عن خطاياها. ففي السِّفر الذي يحمل اسمه، تنبَّأ إرميا عن الكارثة في ف ١ إلى ٢٩. أمّا في المراثي فَيُركِّز بمزيد من التَّفصيل على المعاناة المُرَّة، والوجع القلبي الذي أصابه بسبب نكبة أورشليم (رج مز ٤٦: ٤ و٥). كان خراب أورشليم عصيبًا إلى حدِّ أنّ الوقائع دُوِّنَتْ في أربعة أصحاحات متفرِّقة من العهد القديم: ٢مل ٢٥؛ إر ٣٩: ١-١١؛ ٥٢؛ ٢أي ٣٦: ١١-٢١.
هذا وإنّ الأعداد المئة والأربعة والخمسين المكوَّنة منها تلك الأصحاحات الآنفة الذكر، كان اليهود يعتبرونها جزءًا من شريعتهم المقدَّسة. وإلى جانب راعوث وأستير ونشيد الأنشاد والجامعة، يُعتبر مراثي إرميا من بين الأسفار الخمسة في العهد القديم المُسمَّاة مَجِلُّوث أو «الدُّروج الخمسة»، والتي كانت تُقْرأُ في المجمع في مناسبات خاصَّة. على أنّ المراثي كانت تُقرأُ في التاسع من آب (تموز/ آب) إحياءً لذكرى خراب أورشليم على يد نبوخذنصَّر. والجدير بالذكر أنّه في هذا التاريخ عينه، تمَّ خراب هيكل هيرودس على يد الرومان سنة ٧٠ ب م.
يدور التركيز الرئيسيُّ في المراثي حول دينونة الله كردٍّ على خطيَّة يهوذا. وبالإمكان تتبُّع أثر هذا الموضوع في ثنايا السِّفر كلِّه (١: ٥ و٨ و١٨ و٢٠؛ ٣: ٤٢؛ ٤: ٦ و١٣ و٢٢؛ ٥: ١٦). أمّا الموضوع الثاني الذي يطفو على السَّطح فهو الرجاء الكامن وراءَ رأفةِ الله (كما في ٣: ٢٢-٢٤ و٣١-٣٣؛ رج مز ٣٠: ٣-٥). وعلى الرغم من أنّ السِّفر يعالج مسألة الذُّل والهوان، فإنه يلتفت نحو أمانة الله العظيمة (٣: ٢٢-٢٥)، وينتهي بالنعمة إذ ينتقل إرميا من الرثاء إلى العزاء (٥: ١٩-٢٢).
تُمثِّل الدينونة الإلهيَّة الموضوع الثالث في السِّفر. فقد امتُهِنَت قداسة الله بسبب خطيَّة يهوذا، حتى إنّ الله جلب عليهم في النهاية كارثةً مُدَمِّرة. وقد اختيرت بابل لتكون أداة غضبه البشريَّة (١: ٥ و١٢ و١٥؛ ٢: ١ و١٧؛ ٣: ٣٧ و٣٨؛ رج إر ٥٠: ٢٣). هذا ويذكر إرميا بابل أكثر من ١٥٠ مرَّةً، من إر ٢٠: ٤ إلى ٥٢: ٣٤، بينما في مراثي إرميا لا يذكر اسم بابل أو ملكها نبوخذنصَّر ولو مرَّةً واحدةً بشكل صريح. وحدَه الربُّ يواجه خطيَّة يهوذا.
رابعًا، بما أنّ الدينونة الماحقة بَدَتْ وكأنها نهاية كلِّ رجاءٍ بخلاص إسرائيل، وإتمام مواعيد الله (رج ٣: ١٨)، فإنّ السواد الأعظم من السِّفر ورد على شكل صلاة: ١) ١: ١١، حيث يُمَثِّل اعترافًا مُنكسِرًا بالخطيّة (رج ع ١٨)؛ ٢) ٣: ٨، حيث الكَرْبُ لأنّ الله «يصُدُّ صلاتي» (رج ٣: ٤٣-٥٤؛ إر ٧: ١٦)؛ ٣) ٣: ٥٥-٥٩، حين يصرخ إرميا إلى الله لأجل الشِّفاء، أو ٣: ٦٠-٦٦، حين يطلب مجازاة الأعداء (والتي يضمنها إر ٥٠ و٥١)؛ ٤) ٥: ١-٢٢، حيث يتضرَّع إلى السَّماء من أجل استرداد الرحمة (والتي يضمنها إر ٣٠-٣٣)، والمبنيَّة على الثقة بأنّ الله أمين (٣: ٢٣).
ثمَّة موضوعٌ خامسٌ في هذا السفر يتعلَّق بالمسيح. فدموع إرميا (٣: ٤٨ و٤٩) تلتقي دموعَ يسوع انسكابًا على المدينة نفسها، أورشليم (مت ٢٣: ٣٧-٣٩؛ لو ١٩: ٤١-٤٤). ومع أنّ الله كان القاضيَ والجلاَّد في آن، فإنه تأسَّف لحصول هذه الكارثة. وما أصدق قول الوحي في (إش ٦٣: ٩) حين قال: «في كلِّ ضيقهم تضايق (الله)». فذات يوم سوف يمسح الله كلَّ دمعةٍ (إش ٢٥: ٨؛ رؤ ٧: ١٧؛ ٢١: ٤)، حين لا يعود ثمَّة خطيّة.
يبقى أنّ ثمَّة موضوعًا سادسًا هو بمثابة تحذير ضمنيٍّ لكلِّ مَنْ يقرأ هذا السِّفر. وهو أنه إذا كان الله لم يتردَّدْ في الإقتصاص من شعبه المحبوب (تث ٣٢: ١٠) فماذا سيفعل بأمم العالم الذين يرفضون كلمته؟
تُثير بعضُ التفاصيل صعوبات من حيث المبدأ. منها مثلًا: ١) صلوات استنزال الدينونة على الخطاة الآخرين (١: ٢١ و٢٢؛ ٣: ٦٤-٦٦)؛ ٢) السبب وراء صَدِّ الله صلاةَ إرميا (٣: ٨)؛ ٣) الحاجة إلى دينونة بهذه القسوة (رج ١: ١ و١٤؛ ٣: ٨).
قد اتَّخذ هذا السِّفر اسم كاتبه حزقيال عنوانًا له من دون منازع (١: ٣؛ ٢٤: ٢٤)، ولم يُذكر اسمه في أيِّ مكان آخر في الكتاب المقدَّس. أمّا معنى الاسم فهو «الله يُقَوّي»، وهذا بالفعل ما كان حزقيال عليه استعدادًا للخدمة النبويَّة التي دعاه الله إليها (٣: ٨ و٩). وقد استخدم حزقيال الرؤى والنبوَّات والأمثال والعلامات والرموز لإعلان كلمة الله لشعبه المسبيِّ بأسلوب عمليّ.
إذا كانت السنةُ الثلاثون في ١: ١ تُشير إلى عُمْرِ حزقيال، فقد كان في الخامسة والعشرين حين سُبِيَ، وفي الثلاثين حين دُعيَ إلى الخدمة. فَسِنُّ الثلاثين، كانت سنَّ ابتداء الكهنة وظيفتهم، وعليه، فقد كانت سنةً مميّزة بالنسبة إلى حزقيال. وكان ابتداء خدمته في سنة ٥٩٣ /٩٢ ق م، ودامت على الأقلِّ ٢٢ سنةً حتى سنة ٥٧١ /٧٠ ق م (رج ٢٥: ١٧). عاصَرَ حزقيال كلًّا من إرميا الذي يكبره بحوالى ٢٠ سنةً، ودانيال الذي كان في مثل سنِّه والذي يعتبره في ١٤: ١٤ و٢٠؛ ٢٨: ٣٠ أنه نبيٌّ معروفٌ جيِّدًا. وكما كان إرميا نبيًّا وكاهنًا (إر ١: ١)، وكذلك زكرّيا (رج زك ١: ١؛ نح ١٢: ١٦)، هكذا أيضًا كان حزقيال، نبيًّا وكاهنًا في آن (١: ٣). وبناءً على خلفيَّته الكهنوتيَّة، كان مهتمًّا بشؤون الهيكل وعارفًا تفاصيله؛ لهذا استخدمه الله ليكتب عنه بإسهاب (٨: ١-١١: ٢٥؛ ٤٠: ١-٤٧: ١٢).
كان حزقيال وزوجته (ذُكِرت في ٢٤: ١٥-٢٧) من بين العشرة آلاف يهودي الذين اقتيدوا أسرى إلى بابل سنة ٥٩٧ ق م (٢ مل ٢٤: ١١-١٨). وقد عاشوا في تل أَبيبَ (٣: ١٥) على ضفة نهر خابور الذي ربّما يقع جنوب شرق بابل. ويكتب حزقيال عن موت زوجته في السبي (حز ٢٤: ١٨)، لكنّ السِّفر لا يأتي على ذِكر موت حزقيال نفسه، الذي يزعم التقليد الحاخاميِّ أنّ موته حصل على يد رئيس إسرائيليّ، كان النبيُّ قد وبَّخه بسبب عبادته الوثنيّة، وكان هذا في حدود سنة ٥٦٠ ق م.
تلقّى الكاتب دعوته النبويَّة سنة ٥٩٣ ق م (١: ٢)، في بابل («أرض الكلدانيِّين»)، وذلك خلال السنة الخامسة لسبي الملك يهوياكين، الذي بدأ سنة ٥٩٧ ق م. وكثيرًا ما كان حزقيال يؤَرِّخ نبوَّاته انطلاقًا من سنة ٥٩٧ ق م (٨: ١؛ ٢٠: ١؛ ٢٤: ١؛ ٢٦: ١؛ ٢٩: ١؛ ٣٠: ٢٠؛ ٣١: ١؛ ٣٢: ١ و١٧؛ ٣٣: ٢١؛ ٤٠: ١). كما أنه يؤرِّخ الرسالة التي في ٤٠: ١ باعتبارها سنة ٥٧٣ /٧٢، أي السنة الرابعة عشرة بعد ٥٨٦ ق م، وهي سنة سقوط أورشليم النهائي. هذا، وإنّ آخر تاريخ تكلّم فيه حزقيال كان سنة ٥٧١ /٧٠ ق م (٢٩: ١٧).
إنّ النبوَّات الواردة في الأصحاحات من ١-٢٨، تتبع الترتيب الزمني، لكنّ النبيَّ في ٢٩: ١ يعود أدراجه إلى سنةٍ قبل ٢٦: ١. أمّا من ٣٠: ١ وما يتبع (رج ٣١: ١؛ ٣٢: ١ و١٧)، فيعود إلى التسلسل الزمني بدقَّة.
تاريخيًّا، إنّ مملكة إسرائيل الموحَّدة دامت أكثر من ١١٠ سنين (حوالى ١٠٤٣-٩٣١ ق م)، وذلك أثناء مُلْكِ شاول وداود وسليمان. بعدئذٍ، دامت المملكة المنقسمة، مملكة إسرائيل (في الشمال) ومملكة يهوذا (في الجنوب) من ٩٣١ ق م حتى ٧٢٢ /٢١ ق م. وقد سقطت مملكة إسرائيل في أيدي الأشوريِّين سنة ٧٢٢ /٢١ ق م، أمّا مملكة يهوذا فقد ظلَّت قائمة ١٣٥ سنة، قبل أن تسقط في أيدي البابليِّين سنة ٦٠٥-٥٨٦ ق م.
أمّا من حيث الأوضاع المحيطة، فقد تبدَّت بعض المعالم الاستراتيجيَّة. فعلى الصعيد السياسيّ، تقهقرت قوة أشور العسكرية المتغطرسة بعد سنة ٦٢٦ ق م، ودَمَّرَ البابليُّون والماديُّون عاصمتها نينوى سنة ٦١٢ ق م (رج ناحوم). وعليه، راحت الإمبراطورية البابليَّة الجديدة تعرض عضلاتها من حين تسلُّم نبوبلاسَّر العرش سنة ٦٢٥ ق م. كما أنّ مصر في ظلِّ فرعون نخو الثاني، عقدت العزم على احتلال ما أمكنها احتلاله. ولم يمضِ وقت طويل حتى سَحَقَتْ بابلُ أشورَ سنة ٦١٢-٦٠٥ ق م، كما سجَّلت انتصارًا حاسمًا على مصر سنة ٦٠٥ ق م في كركميش، ولم يَنْجُ أحد في تلك المعركة، حسبما جاء في التاريخ البابليّ. كذلك، بدأت بابل سنة ٦٠٥ ق م احتلالها لأورشليم بقيادة نبوخذناصر وترحيل الأسرى الذين كان في عدادهم دانيال (دا ١: ٢). وقد عاد نبوخذناصر في كانون الأول سنة ٥٩٨ ق م وحاصر أورشليم مرَّةً ثانية، واحتلَّها في ١٦ آذار سنة ٥٩٧ ق م. لكنه أَسَرَ هذه المرَّة يهوياكين مع مجموعة قوامها ١٠ آلاف، من بينهم حزقيال (٢ مل ٢٤: ١١-١٨). أَمّا خراب أورشليم النهائيُّ واحتلال يهوذا، وحصول الدفعة الثالثة من السبي، فقد تمَّ سنة ٥٨٦ ق م.
وعلى الصعيد الدينيّ، قام الملِك يوشيّا (حوالى ٦٤٠-٦٠٩ ق م) بإصلاحات في يهوذا (رج ٢ أي ٣٤). لكنْ، من المؤسف، أنه على الرغم من جهوده، كانت العبادة الوثنيَّة قد بلَّدت إِحساس اليهود لدرجة أنّ يقظتهم كانت مجرَّد يقظةٍ سطحيَّة. وقد قتل الجيش المصريُّ يوشيّا حين اجتازوا في فلسطين سنة ٦٠٩ ق م، كما أنّ اليهود انغمسوا في الخطيّة فقاسوا إذ ذاك العقاب في مُلْكِ يهوآحاز (٦٠٩ ق م) ويهوياقيم (ألياقيم) (٦٠٩-٥٩٨ ق م) ويهوياكين (٥٩٨-٥٩٧ ق م) وصدقيّا (٥٩٧-٥٨٦ ق م).
وعلى الصعيد الاجتماعي، عاش حزقيال والعشرة آلاف الذين في السّبي في بابل (٢ مل ٢٤: ١٤)، أقرب إلى المستعمِرين منهم إلى المسبيِّين. حيث سُمِحَ لهم باستغلال قطعٍ منَ الأرض زراعيًّا، في ظلِّ ظروف مقبولة نسبيًّا (إر ٢٩). حتى إنّ حزقيال كان له منزله الخاصّ (٣: ٢٤؛ ٢٠: ١).
أمّا على الصعيد النَّبويّ، فقد خدع الأنبياءُ الكذبةُ المسبيِّين إذ أكَّدوا لهم العودةَ السريعة إلى يهوذا (١٣: ٣ و١٦؛ إر ٢٩: ١). لكنّ حزقيال استمرَّ من سنة ٥٩٣ إلى ٥٨٥ ق م يحذِّرهم من أنّ مدينتهم المحبوبة أورشليم سوف تُخرَب وأنّ سبيهم سيطول، وأنّ الرجاء بالعودة السريعة مفقود. وفي سنة ٥٨٥ ق م، وصل أحد الفارِّين من أورشليم، إذ استطاع أن يُفلِت من البابليِّين، وقد حمل معه الأنباء الأولى بأنّ المدينة قد سقطت سنة ٥٨٦ ق م، أي قبل ستة أشهر (٣٣: ٢١). هذا الأمر، قَطَعَ الرجاء الكاذب بأيّة نجاة فوريَّة للمسبيِّين، وهكذا فإنّ ما تبقّى من نبوَّات حزقيال تناول رجوع إسرائيل في المستقبل إلى أرضه، والبركات النهائيَّة في الملكوت المسيحانيّ.
إنّ «مجدَ الربّ» محوريٌّ بالنسبة إلى حزقيال، ويظهر ذلك في ١: ٢٨؛ ٣: ١٢ و٢٣؛ ١٠: ٤ و١٨؛ ١١: ٢٣؛ ٤٣: ٤ و٥؛ ٤٤: ٤. كما أنّ السِّفر يتضمَّن أوصافًا حيَّةً عن عصيان إسرائيل ويهوذا على الرغم من لطف الله (ف ٢٣؛ رج ف ١٦). فالسِّفر يُظهِر رغبة الله في رؤية بني إسرائيل يحملونَ ثمرًا يستطيع أن يباركه؛ إلّا أنّ إطلاق يهوذا العِنان لأنانيَّته جعله يواجه الدينونة مثل كرمة محترقة (ف ١٥). كثيرةٌ هي الأدلَّة على ذهاب إسرائيل وراء العبادة الوثنيَّة وما نتج عنها، مثل سقوط فَلَطْيا ميتًا (١١: ١٣)، وهو إيضاحٌ رمزيٌّ حول الكارثة الشاملة التي ستحلُّ بالشعب.
ثمّة العديد من المشاهد التصويريَّة الرائعة التي توضح المبادئ الروحيَّة. من بين تلك المشاهد، صورة حزقيال وهو يأكل الدَّرْجَ (ف ٢)؛ وصورة وجوه الملائكة الأربعة مُمَثِّلةً مظاهر الخليقة التي يسود عليها الله (١: ١٠)؛ وصورة «موسى الحلاّق» (٥: ١-٤)؛ وصورة الأشكال المرسومة على جدران الهيكل لتُذكِّر القُرّاء بما يريده الله حقًّا في مكان سُكناه، أي القداسة لا القباحة (٨: ١٠)؛ وصورة جمر النار التي تصوِّر الدينونة (١٠: ٢ و٧).
من بين المواضيع اللاهوتيَّة الرئيسيَّة، ثمّة موضوعان أساسيان هما قداسة الله وسلطانه المطلق. هذان يُظهِران بشكل متكرِّر لمعان مجد الربّ، في مقابل تَرَدّي خطايا يهوذا المُزرِية (١: ٢٦-٢٨ يتكرَّر ذلك في ف ٨-١١؛ و٤٣: ١-٧). والموضوع الآخر الوثيق الصِّلة بما تقدّم هو قصد الله بالنصر المجيد لكي يعلم الجميع، «أني أنا الرب». هذه العلامة الإلهيَّة الفارقة، أي ختم الله لتوثيق أعماله، وردت أكثر من ٦٠ مرَّة، وغالبًا ما تَرِدُ مع الدينونة (٦: ٧؛ ٧: ٤)، وأحيانًا تَرِدُ بعد رجوعهم الموعود (٣٤: ٢٧؛ ٣٦: ١١ و٣٨؛ ٣٩: ٢٨).
ميزة أُخرى، تُظهر ملائكة الله وراء هذه الصور، وهم يحملون خطَّة الله (١: ٥-٢٥؛ ١٠: ١-٢٢). ثمّة موضوع آخر مهمٌّ وهو أنّ الله يعتبر الفَرْدَ مسؤولًا بمفرده عن السَّعي في أثر البِرّ (١٨: ٣-٣٢).
كذلك، يُنَبِّر حزقيال على وجود الخطيّة في إسرائيل (٢: ٣-٧؛ ٨: ٩ و١٠) وفي الأمم الأُخرى (ف ٢٥-٣٢). كما يتناول الحاجة إلى غضب الله في معالجة الخطيّة (٧: ١-٨؛ ١٥: ٨)؛ ويتحدَّث عن الله الذي ضاق ذرعًا بالوسائل البشريَّة للنجاة من أورشليم المحاصرة (١٢: ١-٣؛ رج إر ٣٩: ٤-٧)؛ وعن نعمة الله التي يتعهَّد بها في ميثاقه مع إبراهيم (تك ١٢: ١-٣) والتي تحقَّقت برجوع شعب إبراهيم إلى أرض الموعد (ف ٣٤ و٣٦-٤٨؛ رج تك ١٢: ٧). هذا، ويَعِدُ الله بإبقاء بقيَّةٍ من بني إسرائيل، الذين بواسطتهم سوف يتمِّم وعوده بإرجاعهم، ويفي بكلمته التي لا تتغيَّر.
يستخدم حزقيال اللغة الرمزيَّة بإسهاب، على غرار إشعياء وإرميا، ممّا يُثير هذا التساؤل: هل بعض المقاطع من كتابات حزقيال تؤخذ بمعناها الحرفيِّ أو المجازيّ، مِثل تقييده بالرُّبُط، ٣: ٢٥؛ أو هل نُقِل النبيُّ بجسده فعلًا إلى أورشليم، ٨: ١-٣؟ ثمّ كيف تتمُّ الدينونة الفرديَّة بحسب ف ١٨ حين ينجو الشرِّير من الموت في ١٤: ٢٢ و٢٣ وعدد من الأتقياء يموتون في الغزو، ٢١: ٣ و٤؛ كيف يسمح الله بموت زوجة نبيٍّ تقيّة، ٢٤: ١٥-٢٧؛ متى ستحصل الدينونة على بعض الأمم (ف ٢٥-٣٢)؛ هل الهيكل في ف ٤٠-٤٦ هو حرفيٌّ وبأيِّ شكل؛ وما هي الصِّلة بين مواعيد مستقبل إسرائيل وخطّة الله للكنيسة؟ هذه المسائل تعالجها دراسة الحواشي.
قد يُقسم هذا السفر، بوجهٍ عامّ، إلى عدّة أقسام، تتناول العقاب والثواب، والتعزية والرجوع. أمّا التقسيم المُفَصَّل فيقع في أربعة أقسام. أوّلًا، نبوَّات عن خراب أورشليم (ف ١-٢٤). ثانيًا، نبوَّات عن عقاب ينزل بالأمم المجاورة (ف ٢٥-٣٢)، إضافة إلى لمحة خاطفة عن إرجاع الله لإسرائيل في المستقبل (٢٨: ٢٥ و٢٦). ثالثًا، أصحاحٌ انتقاليٌّ (٣٣) يعطي توجيهات تتعلَّق بالدعوة الأخيرة لإسرائيل إلى التوبة. أخيرًا، يحتوي القسم الرابع على توقُّعات غنيَّة تتعلَّق بإرجاع الله لإسرائيل في المستقبل (ف ٣٤-٤٨).
المحتوى
أوّلًا: نبوَّات عن خراب أورشليم (١: ١-٢٤: ٢٧)
أ) تهيئة حزقيال وتكليفه (١: ١-٣: ٢٧)
١. ظهورٌ إلهيٌّ لحزقيال (١: ١-٢٨)
٢. مهمَّةٌ إلهيَّةٌ لحزقيال (٢: ١-٣: ٢٧)
ب) إعلانٌ عن دينونة أورشليم (٤: ١-٢٤: ٢٧)
١. علامات الدينونة الآتية (٤: ١-٥: ٤)
٢. رسائل تتعلَّق بالدينونة (٥: ٥-٧: ٢٧)
٣. رؤى تتعلَّق بالرَّجاسة في المدينة وفي الهيكل (٨: ١-١١: ٢٥)
٤. شروح عن الدينونة (١٢: ١-٢٤: ٢٧)
ثانيًا: نبوَّاتٌ تتعلَّق بالعقاب الذي سيحلُّ بالأمم (٢٥: ١-٣٢: ٣٢)
أ) عَمُّون (٢٥: ١-٧)
ب) موآب (٢٥: ٨-١١)
ج) أَدوم (٢٥: ١٢-١٤)
د) فلسطين (٢٥: ١٥-١٧)
هـ) صور (٢٦: ١-٢٨: ١٩)
و) صيدون (٢٨: ٢٠-٢٤)
ملحق: إرجاع إسرائيل (٢٨: ٢٥ و٢٦)
ز) مصر (٢٩: ١-٣٢: ٣٢)
ثالثًا: تدابير مسبقة لتوبة إسرائيل (٣٣: ١-٣٣)
رابعًا: نبوَّات عن إرجاع إسرائيل (٣٤: ١-٤٨: ٣٥)
أ) إعادة جمع إسرائيل في الأرض (٣٤: ١-٣٧: ٢٨)
١. الوعد براعٍ حقيقيٍّ (٣٤: ١-٣١)
٢. مُعاقبة الأُمم (٣٥: ١-٣٦: ٧)
٣. الهدف من إرجاع الشعب (٣٦: ٨-٣٨)
٤. صور عن الإرجاع - العظام اليابسة والعَصَوَان (٣٧: ١ -٢٨)
ب) إزالة أعداء إسرائيل من الأرض (٣٨: ١-٢٩: ٣٩)
١. غزو جوج لسَلْب إسرائيل (٣٨: ١-١٦)
٢. تَدَخُّل الله لحماية إسرائيل (٣٨: ١٧-٣٩: ٢٩)
ج) عودة العبادة الحقيقيَّة إلى إسرائيل (٤٠: ١-٤٦: ٢٤)
١. هيكل جديد (٤٠: ١-٤٣: ١٢)
٢. عبادة جديدة (٤٣: ١٣-٤٦: ٢٤)
د) إعادة توزيع الأرض في إسرائيل (٤٧: ١-٤٨: ٣٥)
١. موقع النَّهر (٤٧: ١-١٢)
٢. حصص الأَسباط (٤٧: ١٣-٤٨: ٣٥)
إنّ عنوان هذا السِّفر مستَمَدٌّ، بحسب العُرف العبريِّ، من النبيِّ نفسِه الذي تلقَّى الإعلانات من الله على مدى السِّفر كلِّه. وقد عايش دانيال سنوات السبي البابليِّ السبعين كلَّها (حوالى ٦٠٥-٥٣٦ ق م؛ رج ١: ١ و٩: ١-٣). هذا، وإنّ تسعةً من أصل الأصحاحات الاثني عشر تروي الإعلان من خلال الأحلام والرؤى. ولقد كان دانيال فَمَ الله إلى عالم الأُمم واليهود معلنًا خطط الله للحاضر وللمستقبل. فما يُمثِّله سفر الرؤيا بالنسبة إلى العهد الجديد نبويًّا ورؤيويًّا، يُمثِّله سفر دانيال بالنسبة إلى العهد القديم.
ثمّة الكثير من الأعداد التي تؤكِّد أنّ دانيال هو الكاتب (٨: ١٥ و٢٧؛ ٩: ٢؛ ١٠: ٢ و٧؛ ١٢: ٤ و٥)، والذي اسمه يعني «الله قاضيَّ». ولم يستخدم الضمير الشخصيَّ في كتابة سيرته إلّا ابتداءً من ٧: ٢، كما ينبغي أنْ يُمَيَّز بينه وبين ثلاثة آخرين تسمَّوا بهذا الاسم في العهد القديم (رج ١ أي ٣: ١؛ عز ٨: ٢؛ نح ١٠: ٦). وحين كان دانيال يافعًا يناهز الخامسة عشرة من عمره، اختُطف من عائلته الشريفة في يهوذا، وتمَّ ترحيله إلى بابل حيث جرى غسل دماغه، ليصار بعدها إلى تثقيفه بالحضارة البابليَّة، وإعداده لمهمَّة المساعدة في التعامل مع اليهود الوافدين إلى السبي. وهناك أمضى ما تبقى من عمره الطويل (٨٥ سنة أو أكثر). وقد أفلح في توجيه المسبيِّين إلى تمجيد الله بفضل أخلاقه الحميدة وخدمته. وقد ترقَّى في غضون وقت قصير ليمارس دور رجُل الدولة بتكليف ملكيٍّ رسميٍّ، كما كان مؤتَمنًا على أسرار الملوك، إضافة إلى كونه نبيًّا، وذلك في إمبراطوريَّتَين عالميَّتَين، أي بابل (٢: ٤٨) ومادي وفارس (٦: ١ و٢). وقد أكَّد المسيح أنّ دانيال هو كاتب هذا السِّفر (رج مت ٢٤: ١٥).
لقد عاش دانيال إلى ما بعد الزمن المذكور في دا ١٠: ١ (حوالى ٥٣٦ ق م). ويبدو أنّ الاحتمال الأكبر أنه كتب السِّفر بعد هذا التاريخ بوقت قصير، ولكنْ قبل حوالى ٥٣٠ ق م. هذا، وإنّ دا ٢: ٤ب-٧: ٢٨، الذي يصف نبويًّا مسار تاريخ العالم الأمميِّ، كُتب أصلًا وبحقٍّ بالآرامية، وهي اللغة المعاصرة آنذاك، ولغة التجارة العالمية كذلك. علمًا أنّ حزقيال وحبقوق وإرميا وصفنيا كانوا الأنبياء المعاصرين لدانيال.
يبدأ هذا السِّفر سنة ٦٠٥ ق م، يومَ احتلَّت بابل مدينة أورشليم وسَبَتْ دانيال ورفاقه الثلاثة وآخرين أيضًا. ويستمرُّ السفر ليشهد أفول نجم التسلُّط البابليِّ سنة ٥٣٩ ق م، باستيلاء مادي وفارس على بابل (٥: ٣٠ و٣١)، ويبقى حتّى إلى ما بعد ذلك، أي إلى سنة ٥٣٦ ق م (١٠: ١). وبعد أن أُخِذ دانيال إلى بابل، احتلَّ البابليُّون المنتصرون أورشليم على مرحلتين متتاليتين (٥٩٧ ق م و٥٨٦ ق م). وقد نقلوا في كلتا المرحلتين مزيدًا من الأسرى اليهود. وكان دانيال يتذكَّر وطنه بحسرة، ولا سيَّما هيكل أورشليم، ولم تغب عنه تلك الذكرى على مدى سبعين سنةً، منذ أن أُبعد عن أرضه (٦: ١٠).
يشير إرميا باقتضاب إلى خلفيَّة دانيال، وقد ذكر إرميا ثلاثةً من آخِر خمسة ملوك في يهوذا قبل السبي (رج إر ١: ١-٣) وهم: يوشيّا (حوالى ٦٤١-٦٠٩ ق م) ويهوياكيم (حوالى ٦٠٩-٥٩٧ ق م) وصدقيّا (٥٩٧-٥٨٦ ق م)؛ أمّا يهوآحاز (حوالى ٦٠٩ ق م) ويهوياكين (حوالى ٥٩٨-٥٩٧ ق م) فلم يُذكرا (رج مقدِّمة إرميا: الكاتب والتاريخ). كما أنّ حزقيال أيضًا قد جاء على ذكر دانيال (رج ١٤: ١٤ و٢٠؛ ٢٨: ٣) ووصفه بأنه صدِّيق وحكيم. وقد أشار إليه كاتب الرسالة إلى العبرانيِّين باعتباره واحدًا من «الأنبياء... الذين بالإيمان سدُّوا أفواه أسود» (عب ١١: ٣٢ و٣٣).
إنّ خطيَّة يهوذا التي طال عليها الزمن دون توبة الشعب أفضت في آخر الأمر إلى دينونة الله لهم، والتي حذَّر منها بحقٍّ كلٌّ من إرميا وحبقوق وصفنيا. وقبل هؤلاء، كان إشعياء وأنبياءُ آخرون، أُمناءُ لله قد نبَّهوا إلى الخطر. وحين انحسرت قوة أشور بحدود سنة ٦٢٥ ق م، احتلَّت البابليَّة الجديدة: ١) أشور وعاصمتها نينوى سنة ٦١٢ ق م؛ ٢) مصر في سنوات لاحقة؛ ٣) يهوذا سنة ٦٠٥ ق م حين دمَّروا أورشليم في المرحلة الأولى من مراحل ثلاث (أيضًا سنة ٥٩٧ ق م و٥٨٦ ق م). وكان دانيال من بين المجموعات الأولى التي سُبِيَت، وتبعه حزقيال سنة ٥٩٧ ق م.
أمّا إسرائيل، المملكة الشماليَّة، فقد سقطت في يد أشور في وقت سابق، أي سنة ٧٢٢ ق م. وبسبي يهوذا تكون الدينونة قد اكتملت. وقد تَلَقَّى دانيال في بابل، كلمة الله بشأن المراحل المتتابعة لسيطرة الأمم على العالم عبر العصور إلى حين مجيء المسيّا، الفاتح الأعظم، الذي سوف يَدُكُّ سيادة الأُمم. فهو إذ ذاك سوف يهزم جميع الأعداء، وسيُقيم شعبه لنيل البركة في مُلكِه الألفيِّ المجيد.
لقد كُتِب سفر دانيال لتشجيع يهود السبي، وذلك بإعلان برنامج الله لهم أثناء سيطرة الأمم على العالم وبعدها. والموضوع الأهمُّ في السفر هو سيادة الله المطلقة على شؤون جميع الحكَّام والأُمم، والاستيعاض عنهم بالمَلِك الحقيقيّ. والأعداد الرئيسيَّة هي: ٢: ٢٠-٢٢ و٤٤ (رج ٢: ٢٨ و٣٧؛ ٤: ٣٤ و٣٥؛ ٦: ٢٥-٢٧). وإنّ سماح الله بسقوط إسرائيل لا يعني أنّ الله كابَدَ الهزيمة (دا ١)، بل كان في عنايته الإلهيَّة يُجري مقاصده الأكيدة في اتِّجاه الظهور النهائيِّ الكامل لمَلِكِهِ، المسيح العظيم. ولقد سمح تعالى للأُمم، بسلطانه المطلق، أن يُخضِعوا إسرائيل، أي: لبابل (٦٠٥-٥٣٩ ق م)، ولمادي وفارس (٥٣٩-٣٣١ ق م) ولليونان (٣٣١-١٤٦ ق م) وللرومان (١٤٦ ق م-٤٧٦ ب م)، وعلى طول الزمان حتى مجيء المسيح ثانيةً. وهذه المراحل التي تتحدَّث عن سُلطة الأُمم وردت في ف ٢ و٧. والموضوع نفسه يشمل اختبار إسرائيل للهزيمة، ولبَرَكَة الملكوت أخيرًا في ف ٨-١٢ (رج ٢: ٣٥ و٤٥؛ ٧: ٢٧). ثمّة أمر أساسيٌّ أيضًا إلى جانب الموضوع الشامل المهيمِن، والمتعلِّق بسيادة الله الملكيَّة المطلقة، هو مجيء المسيح ليحكم العالم بمجد على جميع بني البشر (٢: ٣٥ و٤٥؛ ٧: ١٣ و١٤ و٢٧). فهو مشبَّه بحجر في ف ٩: ٢٦. هذا، ويُقدِّم الأصحاح التاسع الإطار للتسلسل التاريخيِّ من زمن دانيال إلى ملكوت المسيح.
ثمّة موضوع ثانٍ في نسيج سفر دانيال، هو إظهار قدرة الله المطلقة من خلال المعجزات. فحقبة دانيال هي واحدة من ستٍّ في الكتاب المقدس تركِّز على المعجزات التي بواسطتها يتمِّم الله مقاصده. والحقبات الأخرى تتضمَّن: ١) الخلق والطوفان (تك ١-١١)؛ ٢) الآباء وموسى (تك ١٢-تث)؛ ٣) إيليا وأليشع (١مل ١٧-٢مل ١٣)؛ ٤) يسوع والرسُل (الأناجيل وسفر الأعمال)؛ ٥) زمن المجيء الثاني (سفر الرؤيا). الله الذي له السيطرة الدائمة، والقدرة على العمل بحسب إرادته (٤: ٣٤ و٣٥)، هو قادر على صنع المعجزات التي هي مجتمعةً، تبدو أقلَّ إظهارًا للقدرة ممّا بدا حين عمل خالقًا في تك ١: ١. هذا، ويؤرِّخ دانيال سرد الأحلام وتفسيرها بقدرة الله، والتي استخدمها الله لإعلان مشيئته (ف ٢ و٤ و٧). وقد تضمَّنت المعجزات الأخرى: ١) كتابة الله على الحائط، وتفسير دانيال لها (ف ٥)؛ ٢) حفظه للرجال الثلاثة في أتون النار الملتهبة (ف ٣)؛ ٣) تأمينه سلامة دانيال في جب الأسود (ف ٦)؛ ٤) نبوَّات خارقة (ف ٢ و٧ و٨؛ ٩: ٢٤-١٢: ١٣).
تتمحور العقبات الرئيسيَّة حول تفسير بعض المقاطع عن الضيقة العظيمة ووعود الملكوت. فعلى الرغم من أنّ استخدام اللغة الآرامية الملكيَّة وعلم الآثار قد أثبتا بالدليل القاطع، التاريخ المبكر لكتابة السفر، فإنّ بعض المفسِّرين المشكِّكين، الذين يرفضون الاعتراف بالنبوَّات الخارقة التي حدثت (ثمّة ما زاد على المئة في ف ١١ وحده قد تحقَّقت)، يضعون هذه التفاصيل في أزمنة ما بين العهدين. فهؤلاء ينظرون إلى هذه النبوَّات، ليس على أساس أنها تُنبِئ بالمستقبل بطريقة معجزيَّة، بل باعتبارها بكلِّ بساطة، ملاحظات كاتب متأخِّر يُسجِّل أحداثًا جرت في عصره. وعليه فهم يؤرِّخون سفر دانيال في أيام أنطيوخس الرابع أبيفانس (١٧٥-١٦٤ ق م، ف ٨؛ ١١: ٢١-٤٢). فبحسب هذا البيان، فإنّ ما يُتَوقَّع من الحجر (الحجر الذي ضرب تمثال نبوخذناصَّر) ومن ابن الإنسان (ف ٢ و٧) تَبَيَّن أنه تَوَقُّعٌ مغلوط لم يحصل فعليًّا، أو أنّ الكاتب قد تعمَّد التضليل. في الواقع، يُعَلِّم الكتاب عن سبع سنين الدينونة الآتية (رج ٧: ٢١ و٢٢؛ ١١: ٣٦-٤٥؛ ١٢: ١)، وعن الحقيقة الحرفيَّة للمُلكِ الألفيِّ (رج رؤ ٢٠) بعد مجيء المسيح ثانيةً حين سيملك على إسرائيل وعلى الأُمم (٧: ٢٧). سوف تكون هذه حقبة، استبقت الحالة النهائيَّة والكاملة، وتميَّزت عنها، أي حالة السماء الجديدة والأرض الجديدة، التي ستكون عاصمتها أورشليم الجديدة (رؤ ٢١ و٢٢). إنّ التفسير الحرفيَّ للنبوَّة، بما في ذلك سفر دانيال، يقودنا إلى التركيز على ما قبل المُلْكِ الألفيّ.
ثمّة مواقف تفسيريَّة أخرى عديدة تواجه القُرّاءَ مثل تفسير الأرقام (١: ١٢ و٢٠، ٣: ١٩؛ ٩: ٢٤-٢٧)؛ وتعريف ذاك الذي يشبه ابن إنسان (٧: ١٣ و١٤)؛ ومعرفة إن كان أنطيوخس الذي من الماضي أو ضدُّ المسيح الذي في المستقبل البعيد جدًّا بحسب ٨: ١٩-٢٣؛ وتفسير «السبعين أسبوعًا» في ٩: ٢٤-٢٧؛ وأخيرًا، معرفة إن كان أنطيوخس الوارد في ١١: ٢١-٣٥ ما زال هو المقصود في ١١: ٣٦-٤٥، أو إنه ضدُّ المسيح العتيد.
المحتوى
أوّلًا: خلفيَّة دانيال الشخصيَّة (١: ١-٢١)
أ) احتلال أورشليم (١: ١ و٢)
ب) تسخير اليهود بغية تدريبهم (١: ٣-٧)
ج) شجاعة الرجال الأربعة في الاختبار (١: ٨-١٦)
د) اختيار الرجال الأربعة للمراكز الملكيَّة (١: ١٧-٢١)
ثانيًا: المسار النبويُّ المتعلِّق بسيطرة الأُمم (٢: ١-٧: ٢٨)
أ) مُعضِلات نبوخذناصَّر (٢: ١-٤: ٣٧)
ب) فسوق بيلشاصَّر ومصرعه (٥: ١-٣١)
ج) إنقاذ دانيال (٦: ١-٢٨)
د) حُلم دانيال (٧: ١-٢٨)
ثالثًا: المسار النبويُّ لمصير إسرائيل (٨: ١-١٢: ١٣)
أ) نبوَّة عن الكَبْش والتَّيس (٨: ١-٢٧)
ب) نبوَّة عن السبعين أُسبوعًا (٩: ١-٢٧)
ج) نبوَّة عن إذلال بني إسرائيل وردِّهم (١٠: ١-١٢: ١٣)
إنّ عنوان السِّفر مستمدٌّ من شخصيّة السِّفر الرئيسيَّة، ومن كاتب السِّفر بالذات. ومعنى اسم الكاتب: «خلاص»، وهو المعنى نفسه الذي ليشوع (رج عد ١٣: ٨ و١٦)، وليسوع (مت ١: ٢١). وهوشع هو الأول بين الأنبياء الصغار الاثني عشر. والكلمة «صغار»، يُقصد بها قِصَر النبوّات مقارنةً بطول نبوّات إشعياء وإرميا وحزقيال.
سفر هوشع هو مصدر المعلومات الوحيد عن الكاتب الذي لا يُعرف عنه سوى القليل، وأقلّ منه حتى عن والده بِئيري (١: ١). وكان هوشع، على الأرجح، من مواطني مملكة إسرائيل الشماليَّة، باعتبار أنه يُبدي معرفة بتاريخ الشمال وظروفه وطبيعة أرضه (رج ٤: ١٥؛ ٥: ١ و١٣؛ ٦: ٨ و٩؛ ١٠: ٥؛ ١٢: ١١ و١٢؛ ١٤: ٦). وهذا الأمر يجعله مع يونان، النبيَّين الشماليَّين من بين الذين كتبوا أسفارًا في الكتاب المقدَّس. وعلى الرغم من أنّه يخاطب كلًّا من إسرائيل (المملكة الشماليَّة) ويهوذا (المملكة الجنوبيَّة)، فقد عَرَّف عن مَلِك إسرائيل بقوله: «ملكنا» (٧: ٥).
تنبَّأ هوشع على مدى فترة طويلة، إذ امتدَّت من حوالى سنة ٧٥٥ إلى ٧١٠ ق م، وذلك خلال مُلْكِ عُزِّيا (٧٩٠-٧٣٩ ق م)، ويوثام (٧٥٠-٧٣١ ق م)، وآحاز (٧٣٥-٧١٥ ق م)، وحزقيَّا (٧١٥-٦٨٦ ق م) في يهوذا، وخلال مُلْك يرُبعام الثاني (٧٩٣-٧٥٣ ق م) في إسرائيل (١: ١). إلى ذلك، فإنّ خدمته امتدَّت لتعاصر آخر ستَّة ملوك في إسرائيل من زكريا (٧٥٣-٧٥٢ ق م) إلى يوشيّا (٧٣٢-٧٢٢ ق م). وإنّ خَلْعَ زكريّا (آخر مَلِك في أُسرة ياهو الحاكمة) سنة ٧٥٢ ق م، موصوف باعتباره سوف يتمُّ في المستقبل (١: ٤). وهكذا يكون هوشع قد جاء بعد عاموس واعظًا في الشمال، وكان معاصرًا لإشعياء وميخا اللذين تنبَّآ كلاهما في يهوذا. هذا، وإنّ سفر الملوك الثاني ١٤-٢٠ وسفر أخبار الأيام الثاني ٢٦-٣٢ يُسجِّلان الحِقبَة التاريخيَّة لخدمة هوشع.
بدأ هوشع خدمته في إسرائيل (وتُدعى أيضًا أفرايم باعتباره السبط الأكبر) في آخر أيام يربعام الثاني الذي نَعِم إسرائيل في ظلِّ حكمه بالسلام السياسيِّ والازدهار الماديِّ، إلى جانب الفساد الأخلاقيِّ والإفلاس الروحيِّ. لكن، على أثر موت يربعام الثاني (٧٥٣ ق م)، عمَّت الفوضى وتداعت مملكة إسرائيل بسرعة. وإلى حين سقوطها بيد أشور بعد ٣٠ سنةً، فإنّ أربعة من أصل ملوكها الستة اغتالهم الذين خلفوهم على العرش. وقد ركَّز هوشع في الفترة التي سبقت سقوط السامرة، على عصيان إسرائيل الأخلاقيّ (رج سفر عاموس) ونقضها علاقة العهد مع الربّ، مُعْلنًا أنّ الدينونة أمست وشيكة.
إنّ موضوع سفر هوشع هو محبة الله الصادقة لإسرائيل، شعب ميثاقه، على الرغم من جنوحه نحو العبادة الوثنيَّة. ولهذا دُعيَ هوشع، يوحنا، أي (رسول المحبَّة)، قديس العهد القديم. فمحبة الربِّ الصادقة لشعبه لن يكون لها نهاية، ولا تحتمل أيّة منافسة. وتحتوي رسالة هوشع على الكثير من التوبيخ للشعب، أمَّةً وأفرادًا، ولكنه يصوِّر في الوقت نفسه، محبة الله الشديدة نحو شعبه بانفعال عاطفيّ. وقد طلب الله إلى هوشع بأن يتزوَّج بامرأة ويعيش معها حياة عائلية، كانت بمثابة فصلٍ مسرحيٍّ عن خطيَّة إسرائيل وخيانتها. فالحياة الزوجيَّة التي عاشها هوشع وزوجته جومر، تُقدِّم تعبيرًا مجازيًّا غنيًّا يوضح موضوع السِّفر: الخطيَّة والدينونة والمحبة الغافرة.
لا شكَّ أنّ جومر، الزوجة غير الأمينة، كانت رمزًا لعدم أمانة إسرائيل؛ لكن، ثمّة تساؤلات ما زالت ماثلة. أوّلًا، يفترض البعض أنّ مشاهد الزواج في ف ١-٣ ينبغي أن يُنظر إليها على أنها مجرَّد حكاية رمزيَّة. بَيدَ أنّ السرد في القصّة لم يَرِد بلغة واضحة بسيطة، ممّا يطرح تساؤلًا حول حدوثها حرفيًّا؛ علمًا أنّها قد تفقد الكثير من تأثيرها إن لم يكن السرد حرفيًّا. وحين تدخل في السِّفر عناصر غير حرفيَّة، يُقَدَّمُ لها بالكلمة: «رَأى» (٥: ١٣؛ ٩: ١٠ و١٣)، وهي الوسيلة العبريّة العادية في إدخال المشاهد غير الحَرفيَّة. ثمّ إنّه لم يُسجَّل قطُّ عن نبيٍّ أنه جعل من نفسه موضوع حكاية رمزيَّةٍ أو مَثَل.
ثانيًا، ما هي المضامين الأخلاقيَّة الكامنة وراء طلب الله إلى هوشع أن يتزوَّج بزانية؟ إنّ أقرب تفسيرٍ هنا، هو اعتبار جومر عفيفة إبّان الزواج من هوشع، وصيرورتها فيما بعد زانية. أمّا الكلمات القائلة: «اذهَب خُذ لنفسِكَ امرأة زنًى»، فينبغي النظر إليها من باب التوقُّع، أي النظر إلى المستقبل. فلا يمكن لامرأة زانية أن تَصلُح صورةً لإسرائيل الخارجة من مصر (٢: ١٥؛ ٩: ١٠)، التي زاغت في ما بعد بعيدًا عن إلهها (١١: ١). ويُبيِّن الأصحاح الثالث أنّ هوشع أرجع زوجته التي كانت قد رُفِضَت بسبب الزنى، وهو رَفضٌ ليس مُبرَّرًا لو كان هوشع قد تزوَّج بزانية مع معرفته الكاملة لصفاتها.
ثالثًا، ثمّة سؤال يبرز هنا في شأن العلاقة بين الأصحاح الأول والأصحاح الثالث، وما إذا كانت المرأة في ف ٣ هي جومر أو امرأة أخرى. ثمّة عدد من العناصر التي تفترض أنّ المرأة في ف ٣ هي جومر. ففي ١: ٢ كان أَمرُ الله «اذهَب خُذ»، بينما أَمرُ الله في ٣: ١ كان: «اذهَب أيضًا أَحبِب»، مفترضًا أنّ محبّة هوشع للمرأة ذاتها ينبغي أن تتجدَّد. ثمّ إنّ التشبيه الوارد في ف ١ يعتبر أنّ جومر تُمثِّل إسرائيل. فكما جدَّد الله محبَّته نحو إسرائيل الخائنة، هكذا انبغى لهوشع أن يجدِّد محبَّته لجومر الخائنة. أمّا إذا كان هوشع ٣ يدلُّ على امرأة ثانية، فذاك يُزعزِع التشبيه القائم بين جومر وإسرائيل.
إنّ كلتا الترجمتَين، اليونانيَّة السبعينيَّة والفولغاتا اللاتينية، للكتاب المقدَّس تتَّفقان مع النصِّ العبريِّ المسوريِّ، فتُعنوِنان هذا السِّفر باسم النبيِّ يوئيل الذي تلقّى رسالة الله (١: ١). واسمه يعني «الربُّ هو الله»، ويُطلَق، على الأَقلّ، على اثني عشر رجلًا في العهد القديم. وقد أُشير إلى اسم يوئيل مرَّةً واحدة في العهد الجديد (أع ٢: ١٦-٢١).
عَرَّف الكاتب عن نفسه بالقول إنه «يوئيلُ بنُ فثوئيلَ» (١: ١). كما أنّ النبوَّة تُقدِّم القليل عن الرجُل. وحتى اسم أبيه ليس مذكورًا في أيِّ مكان في العهد القديم. ومع أنّه أظهر غيرةً شديدة على ذبائح الهيكل (١: ٩؛ ٢: ١٣-١٦)، فإنّ تَضَلُّعَه مِنْ الحياة الريفيَّة والزراعيَّة، وابتعاده عن الكهنة (١: ١٣ و١٤؛ ٢: ١٧) يفترضان أنّه لم يكن لاويًّا. ثمَّة تقليدٌ من خارج الكتاب المقدَّس يذكر أنّه كان من سبط رَأوبَين، ومن مدينة بيت هارام، الواقعة شمالَ شرقيِّ البحر الميت عند تُخم رَأوبَين وجاد. بَيدَ أنّ السياق النبويَّ يُلمِح إلى أنّه كان ساكنًا في اليهوديَّة بالقرب من أورشليم، إذ إنّ لهجته ليست غريبة.
لقد قامت كلٌّ من صور وصيدون وفلسطين بحملات عسكريَّة عديدة على إسرائيل (٣: ٢ وما يلي). كما أنّ فترةً طويلةً من القحط، وزحفًا هائلًا من الجراد كانا قد أتيا على كل ورقةٍ خضراءَ في الأرض، وأَدَّيا إلى كوارث اقتصاديَّة (١: ٧-٢٠)، جعلت المملكة الشماليَّة ضعيفة. هذه الكارثة الماديَّة أعطت يوئيل تفسيرًا لدينونة الله. فكما أنّ الجراد كان دينونةً على الخطيَّة، كذلك فإنّ دينونة الله الآتية في يوم الربِّ سوف تكون أعظم من ذلك بكثير. في ذلك اليوم، سيدين اللهُ أعداءَه وسيبارك الأمناء، علمًا أنْ ليس ثمّة ذِكرٌ لخطايا محدَّدة، كما أنّ يهوذا ليس في معرض التوبيخ على العبادة الوثنيَّة. ولكن، ربما بسبب الإهمال المتمادي، يدعوهم النبيُّ إلى توبة صادقة، ناصحًا إياهم بالقول: «مزِّقوا قلوبَكم لا ثيابَكم» (٢: ١٣).
إنّ موضوع سفر يوئيل هو يوم الربِّ، وهو موضوع يتغلغل في جميع أقسام رسالة يوئيل، جاعلًا منها الرسالة الأثبت في معالجة هذا الموضوع في العهد القديم كلِّه (١: ١٥؛ ٢: ١؛ ٢: ١١؛ ٢: ٣١؛ ٣: ١٤). وقد استَخدَم ثمانيةُ كُتَّاب مختلفين العبارة (يوم الربِّ) ١٩ مرَّةً، في العهد القديم (إش ٢: ١٢؛ ١٣: ٦ و٩؛ حز ١٣: ٥؛ ٣٠: ٣؛ يؤ ١: ١٥؛ ٢: ١ و١١ و٣١؛ ٣: ١٤؛ عا ٥: ١٨ (مرَّتَين) و٢٠؛ عو ١٥؛ صف ١: ٧ و١٤(مرَّتَين)؛ زك ١٤: ١؛ مل ٤: ٥). على أنّ هذه العبارة لا تشير إلى فترة زمنيَّة محدَّدة، بل إلى فترة عامَّة من الغضب والدينونة تخصُّ الربَّ وحده. إنّه اليوم المقصور على الربِّ حين يكشف عن شخصيَّته - القدير والقوي والقدوس الذي يَرعَبُ أعداءَه. ويوم الربِّ لا يٌشير دائمًا إلى الأحداث الأُخرويَّة، إذ في إحدى المناسبات يكون تحقيقه قريبًا من الناحية التاريخيَّة كما يُرى في حز ١٣: ٥، حيث يتكلَّم عن احتلال البابليِّين لأورشليم وخرابها. وكما هو مألوف عادةً في النبوَّة، فتحقيقها القريب هو حَدَثٌ تاريخيٌّ يُشير إلى إتمامٍ بعيدٍ مرتبطٍ بالأخرويّات.
يترافق يوم الربِّ غالبًا مع زلازل (مثلًا: ٢: ١-١١؛ ٢: ٣١؛ ٣: ١٦)، وطقس عاصف (حز ١٣: ٥ وما يلي)، وغيم وظلام دامس (مثلًا: ٢: ٢؛ صف ١: ٧ وما يلي)، وفورانٍ كونيٍّ (٢: ٣ و٣٠)، و«يوم... عظيم ومخوف» (٢: ١١) «يأتي كخرابٍ منَ القادر على كلِّ شيءٍ» (١: ١٥). بَيدَ أنّ النصف الأخير من سِفر يوئيل يصف الوقت الذي يسبق يوم الربِّ ويتبعه مباشرةً، وما يواكبه من وَعدٍ ورجاء. فسوف يكون ثمّة انسكاب للروح القدس على كلِّ بَشَرٍ، مصحوبًا بكلام نبويٍّ وأحلام ورؤًى (٢: ٢٨ و٢٩)، إضافةً إلى مجيء إيليا، الذي هو ظهور من شأنه أن يَرُدَّ القلوب ويمنح الرجاء (مل ٤: ٥ و٦). وكنتيجة ليوم الربِّ سوف تكون ثمَّة بركات ماديَّة وخصب وازدهار (٢: ٢١ وما يلي؛ ٣: ١٦-٢١). إنّه يوم، فيه تنسكب الدينونة على الخطاة، والبركات على التائبين، ومن ثمّ تثبيت الله لميثاقه مع شعبه. رج ح ١تس ٥: ٢.
إنه لَمِنَ المفضَّل النظر إلى الأصحاح الأول باعتباره يصف اجتياحًا حقيقيًّا للجراد الذي أخربَ الأرض. أمّا في الأصحاح الثاني، فثمَّة مستوى جديد من الوصف يواجه المفسِّر. فهنا يُبَيِّن النبيُّ أمرًا أبعد من ضربة الجراد الواردة في الأصحاح الأول، مرتفعًا بمستوى الوصف إلى مشارف جديدة بزخم متزايد، ومُرَكِّزًا على الضربة وعلى الحاجة الفوريَّة إلى توبةٍ حقيقيَّة. كما أنّ اختيار النبيِّ للتشابيه من مثل: «كمنظر الخيل» (٢: ٤) و«كأبطالٍ» (٢: ٧)، يفترض أنّه لا يزال يستخدم الجراد فعلًا، لكي يوضح غزوًا لا يُمثِّل إلّا يوم الربِّ الأخير الهائل والمباغت.
بعد ١: ١، ينتظم محتوى السِّفر في ثلاث فئات أساسيَّة. ففي القسم الأوّل (١: ٢-٢٠) يصف النبيُّ يومَ الربِّ المعاصر له. فالأرض تعاني خرابًا هائلًا سبَبُه ضربة الجراد والقحط. من ثَمَّ تتبع تفاصيل الكارثة (١: ٢-١٢) دعواتٌ إلى توبةٍ جماعيَّة وإصلاح (١: ١٣-٢٠).
ويبسط القِسم الثاني (٢: ١-١٧) انتقالًا من ضربة الجراد التاريخيَّة الموصوفة في الأصحاح الأول إلى يوم الربِّ الأُخرويّ في ٢: ١٨-٣: ٢١. وإذ يستخدم النبيُّ اجتياح الجراد المعاصر كخلفيَّة، يقوم، عبر زخمٍ متزايد، برسم صورة حيَّة وفاعلة لزيارة الربِّ الوشيكة (٢: ١-١١)، وبعبارات قويَّة وواضحة ومتماسكة، يجدِّد الدعوة إلى التوبة (٢: ١٢-١٧).
أمّا في القِسم الثالث (٢: ١٨-٣: ٢١) فيتكلَّم الربُّ بطريقة مباشرة، مؤكِّدًا لشعبه حضورَه في ما بينهم (٢: ٢٧؛ ٣: ١٧ و٢١). هذا القِسم من السفر يفترض أنّ التوبة المنشودة (٢: ١٢-١٧) قد حصلت، ويصف غيرة الربِّ في استجابته لصلاتهم (٢: ١٨ و١٩أ). هذا، ويُشكِّل يؤ ٢: ١٨-٢٠ الانتقال بالرسالة من الرثاء والكَرب إلى التأكيد الإلهيِّ لحضور الله واستبدال الكوارث بما ورد في ٢: ١٩ب و٢٠، مُعَرِّفًا بجوهر ذلك التبدُّل وطبيعته. وعندئذٍ يعطي الربُّ ثلاثة وعود ليؤكِّد انسحاق القلوب بحضوره: استردادٌ ماديٌّ من خلال الشفاء الإلهيِّ للأرض (٢: ٢١-٢٧)، استردادٌ روحيٌّ من خلال الانسكاب الإلهيِّ لروحه (٢: ٢٨-٣٢)، استردادٌ وطنيٌّ من خلال الدينونة الإلهيَّة على الأشرار (٣: ١-٢١).
يأتي عنوان السِّفر، كما هي الحال مع كلِّ الأنبياء الصغار، من اسم النبيِّ الذي أعطاه الله رسالته (١: ١). ويعني اسم عاموس «حِمْل» أو «حامِل الحِمْل». وينبغي ألّا يحصل التباس بين اسمه واسم آموص (أي الجريء أو القويّ) والد إشعياء (إش ١: ١).
كان عاموس من تَقُوع، وهي قرية صغيرة على بعد ١٦كلم إلى الجنوب من أورشليم. وكان النبيَّ الوحيد الذي صرَّح بمهنته قبل أن يعلن تفويض الله له. ولم يكن من السلالة الكهنوتيَّة، ولا كان من رفعة المقام، بل كان راعيًا (١: ١؛ رج ٢مل ٣: ٤) و«جانِيَ جُمَّيز» (٧: ١٤)، وقد عاصر كلًّا من يونان (٢مل ١٤: ٢٥)، وهوشع (هو ١: ١)، وإشعياء (إش ١: ١). ويرجع تاريخ كتابة السِّفر إلى أواسط القرن الثامن ق. م، خلال مُلكِ عُزيّا، مَلِكِ يهوذا (حوالى ٧٩٠-٧٣٩ ق م)، ويربعام الثاني، مَلِك إسرائيل (حوالى ٧٩٣-٧٥٣ ق م)، قبل حصول زلزلة شهيرة بسنتين (١: ١؛ رج زك ١٤: ٥).
كان عاموس نبيًّا من يهوذا، دُعيَ مبدئيًّا لتسليم رسالة إلى أسباط إسرائيل الشماليَّة (٧: ١٥). وقد نعِمَت تلك الحقبة بازدهار من الناحية السياسيَّة، في ظلِّ مُلكٍ طويل وآمن، مُلكِ يربعام الثاني، الذي في اتِّباعه مثال أبيه يوآش (٢مل ١٣: ٢٥) «ردَّ تُخم إسرائيل» (٢مل ١٤: ٢٥). ولقد كانت أيضًا حقبة سلام مع كلٍّ من يهوذا (رج ٥: ٥)، والجيران البعيدين. إنّ خطر أشور المستمرّ، كان ساكنًا آنذاك، ربما بسبب توبة نينوى بعد مناداة يونان (يون ٣: ١٠). أمّا من الناحية الروحيَّة، فكان الفساد في إسرائيل مستشريًا، والانحلال الأخلاقيُّ شاملًا (٤: ١؛ ٥: ١٠-١٣؛ ٢مل ١٤: ٢٤).
يخاطب سفر عاموس خطيَّتَي إسرائيل الرئيسيَّتَين: ١) انعدام العبادة الحقيقيَّة؛ ٢) غياب العدالة. فالشعب لم يطلبوا الربَّ بقلوبهم في عبادتهم الشعائريَّة (٤: ٤ و٥؛ ٥: ٤-٦)، ولا اتَّبعوا مع جيرانهم مقاييس عدله (٥: ١٠-١٣؛ ٦: ١٢). هذا الارتداد، الذي يُثبِتُه رفضُهُمُ المتعمَّدُ والمستمرُّ لرسالة عاموس النبويَّة، هو على موعد مع دينونة إلهيَّة. ولكنّ الربَّ، بسبب ميثاقه، لن يترك إسرائيل بالكامل، بل سيفتقد في المستقبل البقيَّةَ الأمينة (٩: ٧-١٥).
وعد الربُّ في ٩: ١١ بأنه سيُقيم «مظلَّة داود الساقطة». لكن، في مجمع أورشليم المنعقد لمناقشة مسألة قبول الأمم في الكنيسة من دون اختتان، يقتبس يعقوب هذه الفقرة (أع ١٥: ١٥ و١٦) ليدعم تقرير بطرس الذي كان قد أخبر «كيف افتقد الله أوّلًا الأمم ليأخذَ منهم شعبًا على اسمه» (أع ١٥: ١٤). وقد استخلص البعض أنّ هذه الفقرة قد تحقَّقَت في يسوع، الابن الأعظم لداود، الذي به قد أُعيد تأسيس السلالة المالكة. بَيدَ أنه من الأفضل رؤية المرجع الوارد في سفر الأعمال باعتباره توضيحًا لكلام عاموس وليس إتمامًا للنبوَّة. فالتلميحات الزمنيَّة إلى أيامٍ ستأتي («في ذلك اليوم»، ٩: ١١)، حين ترث إسرائيل «بقيَّة أدوم وجميع الأُمم» (٩: ١٢)، وحين سيغرسهم الربُّ «في أرضهم ولن يُقلعوا بعدُ من أرضهم التي أعطيتُهم» (٩: ١٥)، كلُّ ذلك يجعل من الواضح أنّ النبيَّ يتكلَّم عن عودة المسيح في مجيئه الثاني لكي يجلس على عرش داود (رج إش ٩: ٧)، لا عن تأسيس الكنيسة في عهد الرسُل.
المحتوى
أوّلًا: الدينونة على الأُمم (١: ١-٢: ١٦)
أ) مقدِّمة (١: ١ و٢)
ب) الدينونة على أعداء إسرائيل (١: ٣-٢: ٣)
ج) الدينونة على يهوذا (٢: ٤ و٥)
د) الدينونة على إسرائيل (٢: ٦-١٦)
ثانيًا: أحكام على إسرائيل (٣: ١-٦: ١٤)
أ) خطيَّة عدم تحمُّل المسؤولية (٣: ١-١٥)
ب) خطيَّة عبادة الأوثان (٤: ١-١٣)
ج) خطيَّة الفساد الأدبيّ والأخلاقيّ (٥: ١-٦: ١٤)
ثالثًا: رؤى عن الدينونة والافتقاد (٧: ١-٩: ١٥)
أ) الربُّ سوف يحفظ (٧: ١-٦)
١. رؤيا الجراد (٧: ١-٣)
٢. رؤيا النار (٧: ٤-٦)
ب) الربُّ لن يحفظ في ما بعد (٧: ٧-٩: ١٠)
١. رؤيا الزيج (٧: ٧-٩)
٢. فترة تاريخيَّة فاصلة (٧: ١٠-١٧)
٣. رؤيا سلَّة القطاف (٨: ١-١٤)
٤. رؤيا المذبح (٩: ١-١٠)
ج) الربُّ سوف يردُّ الشعب (٩: ١١-١٥)
دُعيَ هذا السِّفر باسم النبيِّ الذي تلقّى الرؤيا (١: ١). ويعني عوبديا «عبد الربّ»، ويتكرَّر عشرين مرَّةً في العهد القديم، مشيرًا إلى أناسٍ كثيرين تَسَمَّوا بهذا الاسم. كما أنّه السِّفر الأقصر في العهد القديم، والعهد الجديد لم يقتبس منه أيَّ اقتباس.
لا يُعرف شيءٌ أكيد عن هذا الكاتب، أمّا الشواهد الأخرى في العهد القديم التي تشير إلى رجال تسمَّوا بهذا الاسم، فلا تبدو أنّها تشير إلى هذا النبيّ. وإنّ تكرار ذِكرِه لأورشليم ويهوذا وصهيون يفترض أنّه كان ينتمي إلى المملكة الجنوبيَّة (رج ع ١٠-١٢ و١٧ و٢١). ويُرجَّح أنّ عوبديا كان من معاصري إيليّا وأليشع.
كذلك، لا يخلو تاريخ كتابة السِّفر من الصعوبة في تحديده، مع العلم أنّه مرتبط بغزوة الأدوميِّين لأورشليم، والموصوفة في ع ١٠-١٤. ويبدو أنّ عوبديا كتب السِّفر بعد الغزو بوقت قصير. هذا، ويتحدَّث تاريخ العهد القديم عن أربع غزوات بارزة لأورشليم: ١) غزوة شِيشق ملك مصر، حوالى ٩٢٥ ق م خلال مُلكِ رحبعام (١مل ١٤: ٢٥ و٢٦؛ ٢أي ١٢)؛ ٢) غزوة الفلسطينيِّين والعرب بين ٨٤٨ و٨٤١ ق م أثناء مُلكِ يهورام في يهوذا (٢أي ٢١: ٨-٢٠)؛ ٣) غزوة يهوآش، مَلِكِ إسرائيل، حوالى ٧٩٠ ق م (٢مل ١٤؛ ٢أي ٢٥)؛ ٤) غزوة نبوخذناصّر ملك بابل وسقوط أورشليم سنة ٥٨٦ ق م. ومن بين هذه الغزوات الأربع لا يبدو ملائمًا لتاريخ السفر سوى الثانية والرابعة. وتبقى الثانية هي الأفضل، إذ إنّ وصف عوبديا لا يشير إلى خراب المدينة خرابًا كاملًا، والذي حصل أثناء هجوم نبوخذناصّر. كذلك، وعلى الرغم من اشتراك الأدوميِّين مع نبوخذناصّر في خراب أورشليم (مز ١٣٧؛ مرا ٤: ٢١)، فمن البارز أنّ عوبديا لا يذكر البابليِّين بالاسم (كما هي الحال مع جميع الأنبياء الآخرين الذين كتبوا عن سقوط أورشليم)، كما لا توجد أيّة إشارة إلى خراب الهيكل أو إلى ترحيل الشعب؛ والواقع أنّ الأسرى كانوا قد أُخذوا على ما يبدو إلى الجنوب الغربيّ، لا إلى الشرق، أي إلى بابل (رج ع ٢٠).
يرجع أصل الأدوميِّين إلى عيسو، الابن البكر (التوأم) لإسحق ورفقة (تك ٢٥: ٢٤-٢٦)، الذي زاحَمَ يعقوب أخاه وهما لا يزالان حتى في أحشاء أمِّهما (تك ٢٥: ٢٢). ويعني اسم عيسو «الأَشعَر» لأنه كان «كلُّه كفروةِ شَعرٍ» (تك ٢٥: ٢٥). كما دُعيَ كذلك أدوم، ويعني «أحمر»، بسبب بَيعه بكوريَّته مقابل القليل من «هذا الأحمرِ» (تك ٢٥: ٣٠). وقد أظهر استخفافًا بمواعيد الميثاق بزواجه من امرأتين كنعانيَّتين (تك ٢٦: ٣٤)، كما تزوَّج في ما بعد بابنة إسماعيل (تك ٢٨: ٩). أحبَّ عيسو العراء، وبعد أن سَرَقَ أخوه يعقوب بَرَكَةَ أبيه منه، أمسى قَدَرُه أن يظلَّ إنسان البراري (تك ٢٥: ٢٧؛ ٢٧: ٣٨-٤٠). من ثمَّ استقرَّ في بقعةٍ، يؤلِّف معظمُها جبالًا وعرة جنوب البحر الميت (تك ٣٣: ١٦؛ ٣٦: ٨ و٩؛ تث ٢: ٤ و٥)، تُدعى أدوم (باليونانيَّة: إدوميا)، وتمتدُّ عرضًا على مسافة ٦٤ كلم، وطولًا، ١٦٠ كلم لجهة الجنوب وصولًا إلى خليج العقبة. هذا، وإنّ الطريق الشهير، طريق المَلِك، الذي يمرُّ عبر الهضبة الشرقيَّة، هو خطُّ القوافل الرئيسيُّ الذي يربط شمال أفريقيا بأوروبا وآسيا (عد ٢٠: ١٧). ثمّ إنّ التزاحم بين يعقوب وعيسو وولادتهما (تك ٢٥)، يشكِّلان الخلفيَّة النهائيَّة للنبوَّة الواردة في تك ٢٥: ٢٣ والقائلة: «في بطنكِ أُمَّتان». وكان النسلان الخارجان منهما، أي إسرائيل وأدوم، عدوَّين دائِمَين. وحين خرج بنو إسرائيل من مصر، رفض أدوم أن يسمح لأخيه يعقوب بالمرور في أرضه الواقعة جنوب البحر الميت (عد ٢٠: ١٤-٢١). مع ذلك، أوعز الله إلى إسرائيل أن يكون متسامحًا مع أدوم (تث ٢٣: ٧ و٨). وإذ تلقّى عوبديا رؤيا من الله، أُرسِل ليَصِف جرائم أدوم، وينطق بالهلاك الكامل عليهم بسبب معاملتهم لإسرائيل.
قاوم الأدوميُّون شاول (حوالى ١٠٤٣-١٠١١ ق م)، ولكنّ قَمْعَهُم تمَّ على يد داود (حوالى ١٠١١-٩٧١ ق م)، وسليمان (حوالى ٩٧١-٩٣١ ق م). وقد حاربوا يهوشافاط (حوالى ٨٧٣-٨٤٨ ق م)، ونجحوا في عصيانهم على يهورام (حوالى ٨٥٣-٨٤١ ق م). وقد أخضعتهم مملكة يهوذا ثانيةً بقيادة أَمصيا (حوالى ٧٩٦-٧٦٧ ق م)، لكنّهم استعادوا حريَّتَهم إبّانَ مُلكِ آحاز (حوالى ٧٣٥-٧١٥ ق م). في ما بعد، سيطرت أشور وبابل على أدوم؛ وقد أكرَهَت مملكةُ الأنباطُ الأدوميِّين في القرن الخامس ق م على مغادرة أرضهم، فانتقلوا إلى المنطقة الواقعة جنوب فلسطين وباتوا يُعرَفون هناك بالأدوميِّين. وكان هيرودس الكبير أدوميًّا، وأصبح مَلكًا على اليهوديَّة من قِبَل روما سنة ٣٧ ق م. وبمعنى ما، استمرَّت العداوة بين عيسو ويعقوب في محاولة هيرودس قتلَ يسوع. وشارك الأدوميُّون في ثورة أورشليم ضدَّ روما، لكنهم هُزموا مع اليهود على يد تيطس سنة ٧٠ ب م. وما يثير السخرية، أنّ الأدوميِّين صفَّقوا فرحًا لخراب أورشليم سنة ٥٨٦ ق م (رج مز ١٣٧: ٧). ولكنّهم قَضَوا وهم يحاولون الدفاع عنها سنة ٧٠ ب م. بعد ذلك الزمان لم يَعُد يُسمَع بهم ثانيةً. وكما تنبَّأَ عوبديا قائلًا: «وتنقرضُ إلى الأبد» (ع ١٠)؛ «ولا يكون باقٍ من بيت عيسو» (ع ١٨)، هكذا صار.
إنّ سفر عوبديا هو عبارة عن دراسة للَّعنات والبركات الواردة في تك ١٢: ١-٣، انطلاقًا من موضوعَين متداخلَين: ١) دينونة الله لأدوم بسبب لعنه إسرائيل. وقد أُخبر يهوذا بذلك على ما يبدو، وحصل على تأكيد أنّ الربَّ سوف يجلب دينونة على أدوم بسبب كبريائه، واشتراكه في سقوط يهوذا؛ ٢) استرداد يهوذا. وهذا سوف يشمل بلاد الأدوميِّين أيضًا (ع ١٩-٢١؛ إش ١١: ١٤). وتشمل بركة عوبديا ليهوذا التتميم القريب للنبوَّة بخراب أدوم (ع ١-١٤)، والتتميم البعيد لدينونة الأمم، وامتلاك إسرائيل النهائيَّ لأدوم (ع ١٥-٢١).
إنّ التشابه الشديد بين عو ١-٩ وإر ٤٩: ٧-٢٢ يثير السؤال التالي: مَن استعار مِن الآخر؟ وعلى افتراض أن ليس ثمّة مصدر ثالث مُشتَرَك، فيبدو أنّ إرميا هو المستعير من عوبديا حيث لزم الأمر، باعتبار أنّ الأعداد المشتركة، تُشكِّل لدى عوبديا وحدةً متكاملة، بينما نجدها لدى إرميا، متناثرة بين الأعداد الأخرى.
المحتوى
أوّلًا: دينونة الله على أدوم (١-١٤)
أ) عقاب أدوم (١-٩)
ب) جرائم أدوم (١٠-١٤)
ثانيًا: دينونة الله على الأمم (١٥ و١٦)
ثالثًا: استرداد الله لإسرائيل (١٧-٢١)
انسجامًا مع مقدِّمة النصِّ العبريِّ المسوريِّ، يكون عنوان السِّفر مستَمدًّا من الشخصيَّة الرئيسيَّة الذي هو يونان (ويعني «حمامة»)، ابنُ أَمِتَّاي (١: ١). فالترجمة السبعينيَّة، والترجمة اللاتينيَّة (الفولغاتا)، كلاهما تطلقان عليه الاسم نفسَه.
لا يعلن السِّفر عن الكاتب بصورة مباشرة، لكنّ تكرار الإشارة إلى يونان في ثنايا السفر بصيغة الضمير الغائب، حدا البعض أن يُفتِّشوا عن كاتب آخر، علمًا أنّه لم يكن أمرًا غريبًا في العهد القديم، أن تكون الكتابة بصيغة الغائب (مثلًا، خر ١١: ٣؛ ١صم ١٢: ١١). علاوةً على ذلك، فإنّ المعلومات التي تتعلَّق بالسيرة الذاتيَّة المعلَنة طيَّ الصفحات، تشير بوضوح إلى يونان بصفته الكاتب. كما أنَّ التقارير المباشرة عن أحداث واختبارات غير عاديَّة كهذه، لا شكَّ أنّ يونان نفسَه هو أفضل من يسردها. وكذلك لا ينبغي للعدد الاستهلالي أن يفترض شيئًا بخلاف ذلك، باعتبار أنّ أنبياءَ آخرين مثل هوشع ويوئيل وميخا وصفنيا وحجَّي وزكريّا لديهم افتتاحيات مشابهة.
بالاستناد إلى ٢مل ١٤: ٢٥ يكون يونان من جتّ حافِرَ قرب الناصرة. ويَعتبِر سياق الكلام أنّه عاش إبّانَ مُلكِ يربعام الثاني الطويل والمزدهر (حوالى ٧٩٣-٧٥٣ ق م)، وهكذا كان نبيًّا للأسباط الشماليَّة، قبل عاموس مباشرةً، أي خلال النصف الأول من القرن الثامن ق م، وبحدود ٧٦٠ ق م. وقد ارتكب الفريسيُّون خطأً حين قالوا: «إنه لم يقم نبيٌّ من الجليل» (يوحنا ٧: ٥٢)، لأنّ يونان كان جليليًّا. هذا، وثمّة تقليد يهوديٌّ يتعذَّر إثباته، يَعتَبر أنّ يونان كان ابن أرملة صرفة صيداء، الذي أقامه إيليّا من الموت (١مل ١٧: ٨-٢٤).
إنّ يونان، باعتباره نبيًّا لأسباط إسرائيل العشرة الشماليَّة، يشترك مع عاموس في موضوع الخلفيَّة والإطار. فقد نعمت الأُمَّةُ بفترةٍ من السلام والازدهار النسبيَّين. وبما أنّ آرام وأشور كانتا ضعيفتَين، فقد أعطى ضعفهما فرصةً ليربعام الثاني لتوسيع حدود إسرائيل الشماليَّة إلى حيث كانت في أيام داود وسليمان (٢مل ١٤: ٢٣-٢٧). أمّا من الناحية الروحيَّة، فكان زَمَنَ بؤس. فالديانة أَمست مجرَّد طقوس، وكانت تزداد وثنيَّةً، والقضاء كان معوَّجًا. كما أنّ فترة السِّلْم والثراء جعلت الأُمَّة مفلسة روحيًّا وأدبيًّا وأخلاقيًّا (رج ٢مل ١٤: ٢٤؛ عا ٤: ١ وما يلي؛ ٥: ١٠-١٣). ونتيجةً لذلك، عاقب الله تلك الأُمَّة على يد الأشوريِّين الذين جلبوا عليها الخراب والسبي سنة ٧٢٢ ق م. ولربّما كانت الضربتان (٧٦٥ و٧٥٩ ق م)، وكسوف الشمس (٧٦٣ ق م) قد ساهمتا في توبة نينوى، وهيَّأتا الشعب لقبول رسالة الدينونة التي حملها يونان إليهم.
مع أنّ يونان كان نبيًّا في مملكة إسرائيل، لكنّ الشعب في تلك المملكة لم يحسبوا لخدمته حسابًا، ممّا يُفسِّر ربّما زَعْمَ الفريسيِّين الخاطئ، في أيام يسوع، أنه لم يَقُم قطُّ نبيٌّ من الجليل (رج يو ٧: ٥٢). بالمقابل، يسرد السِّفر أحداث دعوة يونان للكرازة بالتوبة في نينوى، ورفضه الذهاب إلى هناك. ونينوى هذه، عاصمة أشور الشائنة بسبب شرورها، نَصَبَت عداءً تاريخيًّا لإسرائيل ويهوذا. ويركِّز السِّفر على تلك المدينة الأمميَّة، التي أسَّسها نمرود، ابن حفيد نوح البكر (تك ١٠: ٦-١٢). وربّما كانت أكبر مدينة في العالم القديم (١: ٢؛ ٣: ٢ و٣؛ ٤: ١١)، على أنها أُخربت بعد ١٥٠ سنة من توبة ذلك الجيل الذي عاصر زيارة يونان (٦١٢ ق م)، كما تنبَّأَ ناحوم (نا ١: ١). هذا، وإنّ اشمئزازَ بني إسرائيل السياسيَّ من أشور، وشعورهم بالتفوُّق الروحيِّ بوصفهم حاملي بَرَكة ميثاق الله، هذه الأمور أدَّت إلى رفض يونان لطلب الله بأن يقوم بتلك الخدمة التبشيريَّة. ثمّ إنّ إرسال يونان إلى نينوى كان في جزءٍ منه لكي يُخجِل إسرائيل، إذ إنّ مدينةً وثنيَّةً تابت بمناداة نبيٍّ غريب، فيما لم تَتُب إسرائيل بمناداة أنبياء كثيرين. وكان على يونان أن يتعلَّم بسرعة أنّ محبّة الله ورحمته تصلان إلى جميع خلائقه (٤: ٢ و١٠ و١١)، وليس لشعب ميثاقه فحسب (رج تك ٩: ٢٧؛ ١٢: ٣؛ لا ١٩: ٣٣ و٣٤؛ ١صم ٢: ١٠؛ إش ٢: ٢؛ يؤ ٢: ٢٨-٣٢).
إنّ سفر يونان يُعلن سلطان الله المطلق على الإنسان وعلى كلِّ الخليقة. فهو الذي أَبدع الخليقة (١: ٩) وهي تُطيع كلَّ أمره (١: ٤ و١٧؛ ٢: ١٠؛ ٤: ٦ و٧؛ رج مر ٤: ٤١). وقد استخدم يسوع توبة أهل نينوى لكي يوبِّخ الفريسيِّين، مُظهرًا بذلك قسوة قلوبهم ورفضهم التوبة (مت ١٢: ٣٨-٤١؛ لو ١١: ٢٩-٣٢). فقد تابت نينوى بمناداة نبيٍّ ذهب إليها رغم أنفه، لكنّ الفريسيِّين لم يريدوا أن يتوبوا بكرازة من هو أعظم من كلِّ الأنبياء بما لا يقاس، وعلى الرغم من الدليل القاطع على أنه كان فعلًا، ربَّهم ومسيحَهم. إنّ سفر يونان يمثِّل بني إسرائيل الذين اختارهم الله وأرسلهم ليكونوا شهودًا له (إش ٤٣: ١٠-١٢؛ ٤٤: ٨)، والذين قاوموا مشيئة الله (خر ٣٢: ١-٤؛ قض ٢: ١١-١٩؛ حز ٦: ١-٥؛ مر ٧: ٦-٩)، ولكنّ الله حفظهم بطريقة معجزيَّة عبر عصور من السبي والتشتُّت، لكي يكرزوا بالحقِّ الإلهيِّ في ملءِ الزمان. (إر ٣٠: ١١؛ ٣١: ٣٥-٣٧؛ هو ٣: ٣-٥؛ رؤ ٧: ١-٨؛ ١٤: ١-٣).
تدور العقبة الأولى حول التساؤل التالي: أينبغي أن يُفسَّر سفر يونان كسردٍ تاريخيٍّ أم كمثلٍ مجازيّ. إنّ جسامة المعجزات التي يحويها السِّفر، مثل بقاء يونان حيًّا في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، قادت بعض المشكِّكين والنقَّاد إلى نفي حقيقتها التاريخيَّة، واستعاضت عن ذلك بالدروس الروحيَّة، إمّا للأقسام الأساسيَّة (مجازيَّة)، أو للسِّفر ككلّ (مَثَل). لكن، ومهما كانت الأحداث عظيمة ومعجزيَّة، ينبغي النظر إلى القصَّة من الناحية التاريخيَّة. وبالاستناد إلى نبيٍّ من العهد القديم معروف الهويَّة تاريخيًّا، وعاش في القرن الثامن ق م، والذي ورد التقرير عنه بأسلوب قصصيٍّ، ليس ثمة بديل عن فهم سفر يونان تاريخيًّا. أضِف أنّ يسوع لم يُعلِّم قصَّة يونان كمَثَل، بل كحدثٍ فعليٍّ متجذِّرٍ بقوّة في التاريخ (مت ١٢: ٣٨-٤١؛ ١٦: ٤؛ لو ١١: ٢٩-٣٢).
المحتوى
أوّلًا: الهرب بعيدًا عن إرادة الله (١: ١-١٧)
أ) تكليف يونان (١: ١ و٢)
ب) هرب يونان (١: ٣)
ج) ملاحقة يونان (١: ٤-١٦)
د) حفظ يونان (١: ١٧)
ثانيًا: الخضوع لإرادة الله (٢: ١-١٠)
أ) اعتراف يونان بعجزه (٢: ١-٣)
ب) صلاة يونان (٢: ٤-٧)
ج) توبة يونان (٢: ٨ و٩)
ثالثًا: تتميم إرادة الله (٣: ١-١٠)
أ) إعادة التكليف (٣: ١ و٢)
ب) النبيُّ يبدي طاعةً (٣: ٣ و٤)
ج) توبة المدينة (٣: ٥-٩)
د) الربُّ يتراءف (٣: ١٠)
رابعًا: الشكُّ في إرادة الله (٤: ١-١١)
أ) النبيُّ يُبدي امتعاضًا (٤: ١-٥)
ب) النبيُّ يلقى توبيخًا (٤: ٦-١١)
استمدَّ السِّفرُ تسميتَه من النبيِّ الذي إذ تلقّى كلمة الربِّ، انبرى لإعلانها. فميخا، الذي يُطلَق اسمه على عدد آخر من الرجال في العهد القديم (مثلاً: قض ١٧: ١؛ ٢أي ١٣: ٢؛ إر ٣٦: ١١)، هو تصغير لميخايا، ويعني، «من مثلُ الربّ؟» كما أنّ ميخا في ٧: ١٨ استخدم اسمَه بتغيير طفيف حين قال: «من هو إلهٌ مثلُك؟»
يُقدِّم العدد الأول ميخا باعتباره الكاتب. بعد ذلك لا يُعْرَف عنه سوى القليل. كما لم يقدِّم الكتاب شيئًا عن نَسَبه، لكنّ اسمه يفترض تحدُّره من عائلة تقيَّة. أمّا جذوره فترجع إلى مدينة مورَشَةَ (١: ١ و١٤) الواقعةِ على سفوح هضاب يهوذا، وتبعد حوالى ٤٠كلم جنوب غرب أورشليم، على الحدود بين يهوذا وفلسطين، وعلى مقربةٍ من جتَّ. وميخا، شأنه شأن عاموس، هو مواطن ريفيٌّ من منطقة زراعيَّة خصبة، ابتعد عن السياسة والدِّين، لكنّ الله اختاره (٣: ٨) لتسليم رسالة الدينونة إلى الرؤساء والشعب في أورشليم.
حَصَلَت نبوَّة ميخا أثناء مُلْكِ يوثام (٧٥٠-٧٣١ ق م)، وآحاز (٧٣١-٧١٥ ق م)، وحزقيّا (٧١٥-٦٨٦ ق م). هذا، وإنّ حُكمَه على الظلم الاجتماعيِّ والفساد الدينيِّ، يُجدِّد موضوع عاموس (منتصف القرن الثامن ق م)، ومعاصِرَيه، هوشع في الشمال (حوالى ٧٥٥-٧١٠ ق م)، وإشعياء في الجنوب (حوالى ٧٣٩-٦٩٠ ق م). وهذا يلائم ما عُرِف عن شخصيّة آحاز (٢مل ١٦: ١٠-١٨) وابنه حزقيّا قبل إصلاحاته الروحيَّة الجذريَّة (٢أي ٢٩؛ ٣١: ١). وإنّ إشاراته إلى سقوط السامرة الوشيك (١: ٦) تضعه بوضوح قبل ٧٢٢ ق م، أي حوالى ٧٣٥-٧١٠ ق م.
بما أنّ المملكة الشماليَّة كانت على وشك السقوط بيد أشور خلال خدمة ميخا سنة ٧٢٢ ق م، فقد أَرّخ ميخا رسالته ذاكرًا ملوك يهوذا فقط. وبما أنّ مملكة إسرائيل لم تتلقَّ كلام ميخا إلّا عَرَضًا (رج ١: ٥-٧)، فقد وجَّه اهتمامه الأساسيَّ نحو المملكة الجنوبيَّة حيث كان يُقيم. ثمَّ إنّ الازدهار الاقتصاديَّ وغياب الأزمات العالميَّة، اللذَين تميَّزت بهما أيام يربعام الثاني (٧٩٣-٧٥٣ ق م)، إذ وصلت حدود يهوذا وإسرائيل إلى المدى الذي فاق ما وصلت إليه أيام داود وسليمان (رج ٢مل ١٤: ٢٣-٢٧)، بَدَآ بالزوال. فقد هاجمت آرام وإسرائيل يهوذا وأخذتا آحاز الشرِّير أسيرًا لوقت قصير (رج ٢أي ٢٨: ٥-١٦؛ إش ٧: ١ و٢). وبعد أن هزمت أشور كلًّا من آرام وإسرائيل، نَقَضَ المَلكُ الصالحُ حزقيّا ولاءَه لأشور، ممّا جعل سنحاريب يُقيم حصارًا حول أورشليم سنة ٧٠١ ق م (رج ٢مل ١٨ و١٩؛ ٢أي ٣٢). عندئذٍ أرسل الربُّ ملاكه ليخلِّص يهوذا (٢أي ٣٢: ٢١). وقد استخدم الله حزقيّا ليعود بيهوذا إلى العبادة الصحيحة.
بعد ازدهار مُلْكِ عُزيّا، الذي مات سنة ٧٣٩ ق م، اتَّبع ابنُه يوثام السياسةَ نفسَها، لكنه فشِل في إزالة مراكز العبادة الوثنيَّة. بَيْدَ أنّ النجاح الخارجيَّ لم يكن سوى مظهر كاذب، يُخفي وراءه فسادًا اجتماعيًّا مستفحلًا وحركةً دينيَّةً توافقيَّة. فعبادة إله الخصب الكنعانيّ، بعل، كانت تندمج أكثر فأكثر في نظام ذبائح العهد القديم، حتى تفشَّت على نطاق واسع أثناء مُلْكِ آحاز (رج ٢أي ٢٨: ١-٤). وحين سقطت السامرة، اندفع آلاف اللاجئين إلى يهوذا جالبين معهم دياناتهم التوافقيَّة. ولكن، فيما تناول ميخا (مثله مثل هوشع) هذه المسألة، كانت القيم الشخصيَّة والاجتماعيَّة قد بلغت شأوًا بعيدًا من التفسُّخ ممّا جعله يُسلِّط نحوها توبيخًا لاذعًا وتحذيرًا صارمًا (مثلًا، ٧: ٥ و٦). هذا، وكانت أشور القوَّة المسيطرة، والتهديد الدائم ليهوذا، لذلك، فإنّ تنبُّؤ ميخا بأنّ بابل التي كانت آنذاك تحت سلطة الأشوريِّين، سوف تحتلُّ يهوذا (٤: ١٠)، بدا نبوَّةً بعيدة. وهكذا، وكما كان النبيُّ عاموس لإسرائيل، كذلك كان ميخا ليهوذا.
مبدئيًّا، أعلن ميخا رسالة دينونةٍ لشعب يسعى بإصرار وراء الشرّ. ونظير الأنبياء الآخرين (رج هو ٤: ١؛ عا ٣: ١)، فقد عَرَض ميخا رسالته مستخدمًا مصطلحات دعوى قضائيَّة (١: ٢؛ ٦: ١ و٢). وقد انتظمت النبوَّة ضمن ثلاث حلقات نبويَّة، حيث كلُّ واحدة تبدأ بالكلمة التحذيريَّة، «اسمعوا» (١: ٢؛ ٣: ١؛ ٦: ١). فكان في كلِّ حلقةٍ، ينتقل من الهلاك إلى الرجاء، أمّا بالنسبة إلى الهلاك، فلأنهم قد تعدَّوا ناموس الله المُعطى في سيناء؛ وأمّا الرجاء، فبسبب عهد الله مع آبائهم، ذاك العهد الذي لا يتغيَّر (٧: ٢٠). إلى ذلك، فإنّ ثُلث السِّفر يشير إلى خطايا شعبه؛ والثلث الثاني يشير إلى عقاب الله الآتي؛ أمّا الثلث الأخير فَيَعِدُ بالرجاء للأمناء بعد الدينونة. وعليه، فإنّ موضوع حتميَّة الدينونة على الخطيَّة مرتبط بمحافظة الله الثابتة على مواعيد ميثاقه. وإنّ الجمع بين ثبات الله المطلق في إدانته للخطيَّة، ومحافظته الراسخة على ميثاقه مع البقيَّة الباقية من شعبه، يمدّان السامعين بإيضاح جليٍّ عن شخصيَّة صاحب السلطان المطلق على الكون. فمن خلال تدخُّله الإلهيِّ سوف يحقِّق الاثنين: الدينونة على الخطاة، والبَرَكة على أولئك الذين يتوبون.
إنّ التشابه اللغويَّ بين مي ٤: ١-٣ وإش ٢: ٢-٤ يُثير السؤال حول من اقتبس من الآخر. وقد اختلف المفسِّرون من دون أن يصلوا إلى جواب حاسم في ذلك. ولأنّ النبيَّين عاشا في فترة زمنيَّة متقاربة، وتنبَّآ خلال الفترة عينها، يصبح هذا التشابه سهل الفهم. فإنّ الله قد أعطى الرسالة نفسها بواسطة كارزَين اثنين. وإنّ العبارة التمهيديَّة القائلة: «ويكون في آخر الأيام» (٤: ١)، تستثني هذه الأعداد من أيِّ تتميم يحصل بعد السبي، وتتطلَّب إطارًا زمنيًّا يتعلَّق بالأُخرويات، وتحيط بمجيء المسيح ثانيةً وابتداء المُلْكِ الألفيّ.
باستثناء إش ٢: ٢-٤، ثمَّة ثلاث فقرات أخرى في سفر ميخا، مقتبسة في الكتاب المقدَّس: مي ٣: ١٢ مقتَبَس في إر ٢٦: ١٨، وقد أنقذ هذا الاقتباس حياة إرميا من يد الملِك يهوياقيم الذي أصدر حكم الموت بحقِّه. ومي ٥: ٢، اقتبسه رؤساء الكهنة والكتبة (مت ٢: ٦) ردًّا على سؤال هيرودس عن مكان ولادة المسيح. أمّا مي ٧: ٦، فقد استخدمه يسوع في مت ١٠: ٣٥ و٣٦ عندما أرسل تلاميذه للكرازة.
المحتوى
أوّلًا: العنوان (١: ١)
ثانيًا: يجمع الله ليحاكم ويخلِّص (١: ٢-٢: ١٣)
أ) عقاب السامرة ويهوذا (١: ٢-١٦)
ب) دينونة الظالمين (٢: ١-٥)
ج) شَجْبُ الأنبياء الكذبة (٢: ٦-١١)
د) الوعد بالنجاة (٢: ١٢ و١٣)
ثالثًا: الله يدين الحكّام ويأتي ليُخلِّص (٣: ١-٥: ١٥)
أ) الرؤساء المعاصرون مذنبون (٣: ١-١٢)
ب) الرئيس الآتي سوف يخلِّص ويستردُّ (٤: ١-٥: ١٥)
رابعًا: الله يُصدر قراراتٍ اتهاميَّةً وخلاصًا نهائيًّا (٦: ١-٧: ٢٠)
أ) رسائل توبيخ ورثاء (٦: ١-٧: ٦)
ب) رسائل ثقة وغلبة (٧: ٧-٢٠)
عنوان السِّفر مُستَمَدٌّ من وحي نبيِّ الله على نينوى، عاصمة أشور. والاسم «ناحوم» يعني «تعزية»، وهو اختصار للاسم «نحميا» «تعزية الربِّ». وليس في العهد الجديد أيُّ اقتباس من ناحوم، ما خلا تلميحًا من نا ١: ١٥، في رو ١٠: ١٥ (رج إش ٥٢: ٧).
إنّ الأنبياء الذين خلَّفوا نبوَّات مكتوبة، لم تكن أهميَّتُهم في حياتهم الشخصيَّة، بل في رسالتهم. لذلك، نَدَرَت المعلومات التي تتعلَّق بحياة النبيِّ في سياق نبوَّته، لكن، أحيانًا، قد يُلقي أحدُ الأسفار التاريخيَّة مزيدًا من الضوء. ففي حالة سفر ناحوم، لم يُذكَر عن الكاتب سوى أنه كان ألقوشيًّ ا (١: ١)، إشارةً إمّا إلى مسقط رأسه، وإمّا إلى مكان خدمته، علمًا أنّ أيّة محاولات لتحديد مكان أَلقوش، باءت بالفشل. هذا، وثمّة افتراضات تقول إِنها ألقوش التي تقع في شمال العراق، فيكون ناحوم إذ ذاك سليل المسبيِّين الذين رُحِّلوا إلى أشور سنة ٧٢٢ ق م، أو كفرناحوم التي تعني «قرية ناحوم»، أو موقع في جنوب يهوذا (رج ١: ١٥). إذًا، إنّ مكان ولادة ناحوم ليس بذات أهميَّة بالنسبة إلى أداء السِّفر.
وبما أنَّ السِّفر لا يأتي على ذكر أحدٍ من الملوك في مقدِّمته، فإنّ تاريخ نبوَّة ناحوم يقتضي الرجوع إلى الحقائق التاريخيَّة. فرسالة الدينونة على نينوى تصوِّر أُمَّةً قوية، مُلمِحَةً إلى زمنٍ ليس فقط قبل سقوطها سنة ٦١٢ ق م، بل ربَّما قبل موت أشور بانيبال سنة ٦٢٦ ق م، والذي بعده ما لبثت أنِ انهارت قوَّة أشور. هذا، وإنّ ذِكْرَ ناحوم لسقوط نو أمون سنة ٦٦٣ ق م، والتي تدعى أيضًا «طيبة» (٣: ٨-١٠)، (سقطت على يد أشور بانيبال)، يبدو حديث العهد في أذهانهم، وليس ثمة ذِكْرٌ لإضرام نار الحرب من جديد، والذي حدث بعد عشر سنوات، ممّا يفترض تاريخ منتصف القرن السابع ق م خلال مُلْكِ منسّى (حوالى ٦٩٥-٦٤٢ ق م؛ رج ٢مل ٢١: ١-١٨).
بعد انقضاء مئة عام على توبة نينوى نتيجةً لكرازة يونان فيها، عادت إلى عبادة الأوثان والعنف والاستكبار (٣: ١-٤). وكانت أشور في ذروة قوَّتها، إذِ استردَّت عافيتها بعد هزيمة سنحاريب (٧٠١ ق م) في أورشليم (رج إش ٣٧: ٣٦-٣٨). وقد اتسعت حدودها إلى مصر. وكان أسرحدُّون منذ فترة قصيرة قد جاء بالشعوب المقهورة وأسكنهم في السامرة والجليل سنة ٦٧٠ ق م (رج ٢مل ١٧: ٢٤؛ عز ٤: ٢)، وقد ترك آرام وفلسطين في حالة من الهزال. ولكنّ الله أَحْدَرَ نينوى إلى الحضيض أمام قوَّة ملك بابل نبوبولاسر، الصاعدة، وابنه نبوخذناصَّر (حوالى ٦١٢ ق م). وقد جاءت نهاية أشور تمامًا كما أنبأ الله بها.
يُشَكِّل سِفر ناحوم تتمَّةً لسِفر يونان الذي تنبَّأَ قبل هذا الوقت بمئة سنة. فيونان يَروي كيف صفح الله عن نينوى بعد أن كان قد أصدر بحقِّها حكم الدينونة، وذلك نتيجةً لتوبة نينوى، بينما يصوِّر ناحوم في ما بعد تنفيذ دينونة الله. فلقد كانت نينوى مزهوَّةً بمدينتها المنيعة ذات الأسوار التي يصل ارتفاعها إلى ٣٠ م، وبخندقها المائي الذي يصل عرضه إلى ٤٥ م، وعمقه إلى ١٨ م؛ لكنّ ناحوم عَرَض الحقيقة، وهي أنّ الإله الكليَّ القدرة (١: ٢-٥) سوف ينتقم من الذين يتعدَّون شريعته (١: ٨ و١٤؛ ٣: ٥-٧). فالإله نفسُه الذي كان يُنزِل الدينونة ضدَّ الشرّ، كان يعطي فداءً، واهبًا لطفه ومحبَّته للأمناء (رج ١: ٧ و١٢ و١٣ و١٥؛ ٢: ٢). وقد جلبت النبوَّة تعزيةً ليهوذا، ولكلِّ الذين ارتاعوا من الأشوريِّين الأشرار. قال ناحوم إنّ نهاية نينوى قد اقتربت «بطوفانٍ عابر» (١: ٨)؛ وقد حصل ذلك حين فاض نهر دجلة ودمَّر ما يكفي من الأسوار لدخول البابليِّين. كما تنبَّأَ ناحوم أيضًا بأنّ المدينة سوف تختفي (٣: ١١). وبعد هلاك نينوى سنة ٦١٢ ق م، لم يُكتشف موقعها إلّا سنة ١٨٤٢ ب م.
باستثناء هويَّة ألقوش غير المؤكَّدة (رج المقدِّمة: الكاتب والتاريخ)، ليس ثمّة عقبات تفسيريَّة بارزة. فالسِّفر عبارة عن إعلان نبويٍّ صريح بالدينونة على أشور وعاصمتها نينوى بسبب فظاعاتها الشرِّيرة وممارساتها للعبادة الوثنيَّة.
المحتوى
أوّلًا: العنوان (١: ١)
ثانيًا: إعلان بهلاك نينوى (١: ٢-١٥)
أ) إيضاح قوة الله (١: ٢-٨)
ب) تحديد عقاب الله (١: ٩-١٥)
ثالثًا: تفاصيل هلاك نينوى (٢: ١-١٣)
أ) مهاجمة المدينة (٢: ١-١٠)
ب) إذلال المدينة (٢: ١١-١٣)
رابعًا: هلاك نينوى أمسى مطلبًا (٣: ١-١٩)
أ) التُّهمة الأولى (٣: ١-٣)
ب) التُّهمة الثانية (٣: ٤-٧)
ج) التُّهمة الثالثة (٣: ٨-١٩)
يستمِدُّ هذا السِّفرُ النبويُّ تسميتَه من كاتبه، والتي قد تعني «المُعانِق» (١: ١؛ ٣: ١). على أنَّ هذا الاسم يصبح في نهاية النبوَّة أكثر ملاءَمةً، إذ يلتصق النبيُّ بالله (يُعانِقه)، بِصَرفِ النظر عن ارتباكه بسبب خُطَط الله لشعبه.
لا يُعرف شيء عن النبيِّ، شأن معظم الأنبياء الصغار، باستثناء ما يمكن استنتاجه من السفر نفسه. لكن، في حالة حَبَقُّوق، ليست المعلومات في الواقع متوافرة، ممّا يجعل الاستنتاجات حول هويَّته وحياته من باب التخمين ليس إلّا. بَيْدَ أنّ مقدِّمته البسيطة، كقوله: «حَبَقُّوق النبيُّ»، تفترض أنه لم يكن في حاجة إلى مقدِّمة، باعتبار أنه كان نبيًّا معروفًا جيِّدًا في زمانه. ومن المؤكَّد أنه كان معاصرًا لإرميا وحزقيال ودانيال وصفنيا.
إنَّ ذِكْرَ الكلدانيِّين (١: ٦) يجعل تلك الفترة في أواخر القرن السابع ق م، قُبَيل بدء نبوخذناصَّر حملته العسكريَّة على نينوى (٦١٢ ق م) وعلى حاران (٦٠٩ ق م) وعلى قرقميش (٦٠٥ ق م)، وهو في طريقه إلى أورشليم (٦٠٥ ق م). هذا، وإنّ مرثاة حَبَقُّوق المُرَّة (١: ٢-٤) قد تُظهِر فترةً زمنية، هي بعد موت يوشيّا بوقت قصير (٦٠٩ ق م)، وهي حِقبَةٌ اتَّسمت بإصلاحات قام بها يوشيّا الملكُ التقيّ (رج ٢مل ٢٣)، والتي سرعان ما نقضها خليفتُه يهوياقيم (إر ٢٢: ١٣-١٩).
لقد تنبَّأَ حَبَقُّوق خلال الأيام الأخيرة المتبقِّية للإمبراطورية الأشوريَّة، وفي بداية السلطان البابليِّ على العالم على يد نبوبلاسَّر وابنه نبوخذناصَّر. فعندما ارتقى نبوبلاسَّر سدَّة العرش سنة ٦٢٦ ق م، بدأ فورًا بتوسيع نفوذه إلى الشمال والغرب. وقد استطاع الجيش البابليُّ بقيادة ابنه، أن يجتاح نينوى سنة ٦١٢ ق م، وأن يُجبِر طبقة النبلاء الأشوريَّة على اللجوء أوّلًا إلى حاران، ومن ثَمَّ إلى قرقميش. ولكنّ نبوخذناصَّر طاردهم، فاستولى على حاران سنة ٦٠٩ ق م، ثُمَّ على قرقميش سنة ٦٠٥ ق م.
وبينما كان الملك نَخو يعبر يهوذا سنة ٦٠٩ ق م ليساعد الملك الأشوريَّ الهارب، اعترضه الملك يوشيّا في بقعة مجِدُّو (٢أي ٣٥: ٢٠-٢٤). وعلى أثر تلك المواجهة قُتِل الملك يوشيّا، مخلِّفًا العرش ليتعاقب عليه ثلاثة أبناء وحفيد. وكان يوشيّا في ما مضى، وعَقِبَ اكتشاف سفر الشريعة في الهيكل (٦٢٢ ق م)، قد قام بإصلاحات روحيَّة بارزة في يهوذا (٢مل ٢٢ و٢٣)، مُبطِلًا العديد من الممارسات الوثنيَّة التي فرضها والده أمنون (٢مل ٢١: ٢٠-٢٢) وجدُّه منسّى (٢مل ٢١: ١١-١٣). لكن، بعد وفاته، عادت الأُمَّةُ إلى طرقها الشرِّيرة (رج إر ٢٢: ١٣-١٩)، الأمر الذي حدا حَبَقُّوق على التساؤل عن صمت الله، وعدم إجراء التأديب على ما يبدو (١: ٢-٤)، لأجل تطهير شعب ميثاقه.
تُظهِر الأعداد الأولى وضعًا تاريخيًّا مشابهًا لأيام عاموس وميخا. ففي الواقع، اختفى العدل من الأرض، وسيطر العنف والشرّ، ولا مَن يسأل. وسط هذه الأيام السوداء، صرخ النبيُّ لأجل تدخُّلٍ إلهيّ (١: ٢-٤)، فكان ردُّ الله، بأنه سيُرسل الكلدانيِّين لإدانة يهوذا (١: ٥-١١)، الأمر الذي سبَّب لحَبَقُّوق معضلةً لاهوتيَّةً أكبر: لماذا لم يُطهِّرِ اللهُ شعبَه، ويستردَّ برَّهم؟ وكيف يمكن الله أن يستخدم الكلدانيِّين ليدين شعبًا أَبرَّ منهم (١: ١٢-٢: ١)؟ لكنّ ردَّ الله بأنه سوف يدين الكلدانيِّين أيضًا (٢: ٢-٢٠)، لم يَأتِ بالحلِّ الوافي لورطة النبيِّ اللاهوتيَّة، بل زادها تَفاقُمًا. ففي فكر حَبَقُّوق، لم يَعُدِ الموضوعُ الذي يَنشُد الحلَّ، موضوعَ ردِّ الله العادل على الشرّ، بل تزكية مزايا الله وميثاقه مع شعبه (١: ١٣). فالنبيُّ، شأنُه هنا شأنُ أيوب، راح يحاجُّ الله، وقد حَصَلَ من خلال ذلك الاختبار على فهمٍ أعمق لشخصيَّة الله القادر على كلِّ شيء، وإيمانٍ أكثر ثباتًا به (رج أي ٤٢: ٥ و٦؛ إش ٥٥: ٨ و٩). وفي النهاية، تأكَّد لحَبَقُّوق أنّ الله لا يُعبَدُ لأجل بركاته الوقتيَّة التي يهبها فحسب، بل لأجل شخصه بالذَّات (٣: ١٧-١).
تُمثِّل تساؤلات النبيِّ بعضًا من أهم الأسئلة الأساسيَّة في نواحي الحياة كلِّها، حيث أجوبتها تُرسي أساسًا متينًا لفهم شخصيَّة الله وطرقه المُهَيمِنَة عبر التاريخ. هذا، وإنّ لُبَّ رسالة النبيِّ يكمن في الدعوة إلى الثقة بالله (٢: ٤): «البارُّ بإيمانه يحيا». ثمَّ إنَّ مراجع العهد الجديد تُضفي على سفر حَبَقُّوق أهميَّةً لاهوتيَّةً مُمَيَّزَة. فكاتب الرسالة إلى العبرانيِّين يقتبس حب ٢: ٤ ليزيد من حاجة المؤمن إلى الثبات قويًّا وأمينًا في وسط الضيقات والتجارب (عب ١٠: ٣٨). وها هو الرسول بولس من جهة أخرى، يستخدم العدد مرَّتَين (رو ١: ١٧؛ غل ٣: ١١) للتشديد على عقيدة التبرير بالإيمان. وعلى كلِّ حال، ليس من حاجة إلى أيِّ نزاع تفسيريٍّ، لأنّ التشديد في كلٍّ من حَبَقُّوق والعهد الجديد، يتخطّى فعل الإيمان ليشمل استمرار الإيمان. فالإيمان ليس مجرَّد حَدَثٍ يحصل مرَّةً واحدةً فحسب، بل هو نمط حياة. والمؤمن الحقيقيُّ الذي حسبه اللهُ بارًّا، يثابر على إيمانه تلقائيًّا، طَوالَ حياته (رج كو ١: ٢٢ و٢٣؛ عب ٣: ١٢-١٤)، ويثق بالله القادر على كلِّ شيء، والذي لا يعمل إلّا الصلاح.
المحتوى
أوّلًا: العنوان (١: ١)
ثانيًا: ارتباك النبيّ (١: ٢-٢: ٢٠)
أ) شكواه الأولى (١: ٢-٤)
ب) ردُّ الله الأول (١: ٥-١١)
ج) شكواه الثانية (١: ١٢-٢: ١)
د) ردُّ الله الثاني (٢: ٢-٢٠)
ثالثًا: صلاةُ النبيّ (٣: ١-١٩)
أ) التضرُّع لأجل رحمة الله (٣: ١ و٢)
ب) تمجيد الله على قوَّته (٣: ٣-١٥)
ج) الوعد بكفاية الله (٣: ١٦-١٩)
إنّ الاسم «صَفَنيا» يعني على الأرجح «الربُّ يَسْتُر»، وهذه النبوَّة تحمل اسم كاتبها، كما هي الحال مع كلِّ واحدٍ من الأنبياء الصغار الاثني عشر (رج ٢: ٣).
قليلٌ هو ما يُعرف عن الكاتب صَفَنيا. وثمَّة ثلاثة آخرون في العهد القديم يحملون هذا الاسم. وصَفَنيا هذا يعود بِنَسَبِه أربعة أجيال إلى الوراء، إلى الملك حزقيَّا (حوالى ٧١٥-٦٨٦ ق م)، وهو الوحيد بين الأنبياء الذي يتحدَّر من دمٍ ملكيّ (١: ١). وقد يكون نَسَبُه الملكيُّ هو الذي جعل يوشيَّا ملك يهوذا، يُعيره أذنًا صاغيةً، إذ كان النبيُّ يعظ إبّانَ فترة مُلكِه.
وها هو النبيُّ نفسُه، يؤرِّخ رسالته أثناء مُلكِ يوشيَّا (٦٤٠-٦٠٩ ق م). لكن، يبدو أنّ الأحوال الأخلاقيَّة والروحيَّة المفصَّلة في السِّفر (رج ١: ٤-٦؛ ٣: ١-٧) تميل إلى وضع النبوَّة قبل إصلاحات يوشيَّا، حين كانت يهوذا لا تزال متراخية إزاءَ العبادة الوثنيَّة والشرّ. وكانت سنة ٦٢٨ ق م، فهدم يوشيَّا كلَّ مذابح البعل، وأحرق عظام الأنبياء الكذبة وكسَّر الأوثان المنحوتة (٢ أي ٣٤: ٣-٧)؛ وفي سنة ٦٢٢ ق م عُثِر على سِفر الشريعة (٢ أي ٣٤: ٨-٣٥: ١٩). وبالنتيجة، يُرجَّح أنّ صَفَنيا تنبَّأ من ٦٣٥-٦٢٥ ق م، وكان معاصرًا لإرميا.
يبدو من الناحية السياسيَّة أنّ الانتقال الوشيك لقوّة أشور العالميَّة إلى البابليِّين، أَضعف قبضة نينوى على يهوذا، الأمر الذي منح يهوذا فُسحةً من الاستقلال للمرة الأولى منذ ٥٠ سنة. ولا شكَّ أنّ رغبة المَلِك يوشيَّا في الاحتفاظ بهذا التحرُّر الجديد من الضرائب والتبعيَّة، قادته في ما بعد لمواجهة مصر أثناء محاولتها إيقاف مَلِك نينوى الهارب سنة ٦٠٩ ق م (رج ٢ أي ٣٥: ٢٠-٢٧). أمّا من الناحية الروحيَّة، فقد اتَّسم بالشرِّ والارتداد عهدُ مَنَسّى بن حزقيَّا (حوالى ٦٩٥-٦٤٢ ق م)، الذي دام مُلكُه أكثر من أربعة عقود، وعهدُ حفيده آمون (حوالى ٦٤٢-٦٤٠ ق م) الذي لم يدم مُلكُه أكثر من سنتين (٢ مل ٢١؛ ٢ أي ٣٣). كما أنّ السنوات الأولى من مُلكِ يوشيَّا قد تميَّزت أيضًا بالشرِّ الذي كان مصدره والده (٢ مل ٢٣: ٤). لكن، في سنة ٦٢٢ ق م، وفيما كان حِلقيَّا الكاهن العظيم، يُرمِّم بيت الربّ، وجد سِفر الشريعة (٢ مل ٢٢: ٨) الذي حين قرأه يوشيَّا، بدأ بحملة إصلاحٍ واسعة (٢مل ٢٣). وكان في السنوات الأولى من مُلكِ يوشيَّا، قبل النهضة الكبرى، أن تنبَّأَ صَفَنيا هذا، نبيُّ الساعة الأخيرة، الذي بالطبع كان لنبوَّته أثرٌ فعّالٌ في الإصلاحات الواسعة التي أحدثها يوشيَّا على مستوى الأُمَّة كلِّها. لكنّ الملوك الأشرار قبل يوشيَّا (كان عمره ٥٥ سنة) كانوا قد تركوا تأثيرًا كبيرًا في يهوذا دام طويلًا. فقد أتت إصلاحات يوشيَّا متأخِّرة جدًّا، ولم تدم أكثر من الفترة التي عاشها.
إنَّ رسالة صَفَنيا بخصوص يوم الربِّ حذَّرت يهوذا من أنّ الأيام الأخيرة قد اقتربت جالبةً معها دينونةً إلهيَّةً على يدي نبوخذناصَّر، حوالى ٦٠٥-٥٨٦ ق م (١: ٤-١٣). بَيْدَ أنّ رسالة صَفَنيا تستشرف مدًى أبعد، إذ تتطلَّع إلى الإتمام البعيد الوارد في دينونات الأسبوع السبعين في سفر دانيال (١: ١٨؛ ٣: ٨). وقد ورد التعبير «يوم الربِّ» بوصفه يومًا قريبًا (١: ٧)، ويومَ غضبٍ وضيقٍ وشدَّةٍ وخرابٍ ودمار، يومَ ظلامٍ وقتامٍ وسحابٍ وضبابٍ وبوقٍ وهتاف (١: ١٥ و١٦ و١٨). وحتى في وسط هذه النبوَّات بالغضب الإلهيّ، حثَّ النبيُّ الشعبَ على طَلَبِ الربّ، مُقدِّمًا سِترًا وسط الدينونة (٢: ٣)، ومعلنًا الوعد بخلاصٍ آتٍ للبقيَّة المؤمنة بالربّ (٢: ٧، ٣: ٩-٢٠).
يُقَدِّم السِّفر إدانةً للخطيَّة لا لُبْسَ فيها، وتحذيرًا من دينونةٍ وشيكةٍ على يهوذا. لكنّ بعضهم قد ردَّ معنى العبارة القائلة: «أُحوِّل الشعوبَ إلى لغةٍ نقيَّة» (٣: ٩) إلى إرجاع الأرض إلى لغة واحدة كما كان في أيام ما قبل برج بابل، يومَ كانت الأرض لسانًا واحدًا (تك ١١: ١-٩). فأصحاب هذا الرأي يشيرون إلى أنّ الكلمة «لغة» أو لسان، هي أيضًا مستعملة في تك ١١: ٧. لكن، يُستَحسَن فهم الفقرة على أنها تشير إلى تطهير القلب والحياة. وهذا ما تؤكِّده القرينة (رج ٣: ١٣)، وتدعمه حقيقة كون الكلمة «لغة» تترجم عمومًا «شفة». وحين تترافق هذه الأخيرة والكلمة «نقيَّة»، يفيد سياق الكلام عندئذٍ معنى تطهير الداخل من الخطيَّة (إش ٦: ٥) والذي يُبَيِّنه الكلام الوارد في (مت ١٢: ٣٤)، كما يشتمل أيضًا على عدم ذِكْرِ أسماء الآلهة الكاذبة على شفاههم (هو ٢: ١٧). وهذا الأمر لا ينطوي على لغة عالميَّة واحدة.
المحتوى
أوّلًا: العنوان (١: ١)
ثانيًا: دينونة الربّ (١: ٢-٣: ٨)
أ) على كلِّ الأرض (١: ٢ و٣)
ب) على يهوذا (١: ٤-٢: ٣)
ج) على الأُمم المجاورة (٢: ٤-١٥)
١. فلسطين (٢: ٤-٧)
٢. موآب / عمون (٢: ٨-١١)
٣. كوش (٢: ١٢)
٤. أشور (٢: ١٣-١٥)
د) على أورشليم (٣: ١-٧)
هـ) على جميع الأمم (٣: ٨)
ثالثًا: بَرَكة الربّ (٣: ٩-٢٠)
أ) على الأُمم (٣: ٩ و١٠)
ب) على يهوذا (٣: ١١-٢٠)
تَحمِل النبوَّةُ اسمَ كاتبها. وبما أنَّ اسمه يعني «المُعَيِّد»، فيُفتَرض أنّ حَجَّي وُلد في يوم عيد. وحَجَّي هو ثاني أَقصر سفر في العهد القديم، بعد عوبديا. وقد اقتبس منه العهد الجديد مرَّةً واحدة (رج عب ١٢: ٢٦).
لا يُعرف عن حَجَّي باستثناء هذه النبوَّة القصيرة، سوى القليل. فقد ذُكر باقتضاب في عز ٥: ١ و٦: ١٤، وفي المناسبتَين كلتيهما ذُكر اسمه مقترنًا باسم النبيِّ زكريَّا. هذا، ولا تَذكُر جداول اللاجئين في عزرا شيئًا عن حَجَّي؛ وليس ثمّة أيُّ تلميح عن والديه ولا عن نَسَبِه أو عشيرته. وحتى التاريخ، لا يُقدِّم أيَّ تدوين عن صنعته. وهو الوحيد في العهد القديم، الذي يحمل هذا الاسم، مع أنّ ثمّة أسماءً تُشبِهه (رج تك ٤٦: ١٦؛ عد ٢٦: ١٥؛ ٢ صم ٣: ٤؛ ١ أي ٦: ٣٠). ثمَّ إنَّ حج ٢: ٣ قد يفترض أنّ حَجَّي كان قد عاين مجد هيكل سليمان قبل خرابه، ممّا يجعل عمره يقارب السبعين سنة على الأقلِّ حين كتب نبوَّته.
أمّا بالنسبة إلى تاريخ النبوَّة، فليس ثمّة أيُّ غموضٍ أو خلاف حول ذلك. فمناسبة كلِّ واحدةٍ من نبوَّاته الأَربع محدَّدة بوضوح (١: ١؛ ٢: ١؛ ٢: ١٠؛ ٢: ٢٠)، وقد حدثت هذه النبوَّات على امتداد أربعة أشهر من الزمن، في السنة الثانية (حوالى ٥٢٠ ق م) للمَلِك الفارسيِّ داريوس هيستاسبِس (حوالى ٥٢١-٤٨٦ ق م). ويرجَّح أنّ حَجَّي كان قد رجع من بابل إلى أورشليم مع زَرُبَّابل، قبل ذلك بثماني عشرة سنة، أي سنة ٥٣٨ ق م.
في سنة ٥٣٨ ق م، ونتيجةً لنداء كورش الفارسيِّ (رج عز ١: ١-٤)، سُمحَ لبني إسرائيل بالرجوع من بابل إلى أرضهم، بقيادة زربَّابل المدنيَّة، وبالتوجيه الروحيِّ مِن قِبَل يشوع الكاهن العظيم (رج عز ٣: ٢). وقد رجع حوالى خمسين ألف يهوديّ. وفي سنة ٥٣٦ ق م، شرعوا في بناء الهيكل (رج عز ٣: ١-٤: ٥). لكنّ المقاومة التي أبداها جيرانهم، وعدم مبالاة اليهود، تسببت بتوقُّف العمل (رج عز ٤: ١-٢٤). وبعد مضي ستَّ عشرة سنةً انتَدَب الربُّ حَجَّي وزكريَّا لحثِّ الشعب ليس على إعادة بناء الهيكل فحسب، بل على إعادة تنظيم أولويّاتهم الروحيَّة أيضًا (رج عز ٥: ١-٦: ٢٢). ونتيجةً لذلك أُكمِل العمل في الهيكل بعد أربع سنوات (حوالى ٥١٦ ق م؛ رج عز ٦: ١٥).
الموضوع الرئيسيُّ لهذا السِّفر هو إعادة بناء هيكل الله الذي ظلَّ على خرابه منذ أن دمَّره نبوخذناصَّر سنة ٥٨٦ ق م. وبناءً على خمس رسائلَ من الربّ، حثَّ حَجَّي الشعبَ على تجديد جهودهم لبناء بيت الربّ. وقد حضَّهم على ذلك مُبَيِّنًا لهم أنّ سبب القحط وبوار المحاصيل مَرَدُّه عدم وضع الأولويَّات الروحيَّة في مواضعها (١: ٩-١١).
إنّ العقبة الأكثر بروزًا وغموضًا في هذه النبوَّة، قوله: «مُشتهى كُلِّ الأُمم» (٢: ٧). وعلى الرغم من وجود ترجمات متعدِّدة، فإنّ ثمّة تفسيرَين أساسيَّين لا ثالثَ لهما. فبالإشارة إلى قوله: «لي الفِضَّةُ ولي الذهبُ» (٢: ٨)، إضافةً إلى قول إش ٦٠: ٥ وزك ١٤: ١٤، يزعم البعض أنّ العبارة تشير إلى أورشليم التي سوف يُؤتى إليها بثروة الأُمم الأُخرى إبّانَ المُلك الألفيّ (رج إش ٦٠: ١١؛ ٦١: ٦). لكن، يبدو من الأفضل اعتبار الإشارة هنا أنها تدلُّ على عمل المسيح، المخلِّص الذي إليه في النهاية تتوق كلُّ الأُمم. وهذا التفسير، لا يدعمه علماء اليهود القدامى والكنيسة الأولى فحسب، بل إنّ ذِكرَ «المجد» في القسم الأخير من العدد يفترض وجود إشارة شخصيَّة إلى المسيح (رج إش ٤٠: ٥؛ ٦٠: ١؛ لو ٢: ٣٢).
المحتوى والتسلسل الزمنيّ
السنة الشهر اليوم
أوَّلًا: توبيخ لعدم الطاعة ١: ١-١١ ٢ ٦ ١
ثانيًا: البقيَّة تتجاوب وتبني ١: ١٢-١٥ ٢ ٦ ٢٤
ثالثًا: عودة مجد الله ٢: ١-٩ ٢ ٧ ٢١
رابعًا: أسئلة دينيَّة ٢: ١٠-١٩ ٢ ٩ ٢٤
خامسًا: مُلكُ الربّ ٢: ٢٠-٢٣ ٢ ٩ ٢٤
إنّ التقليد الشائع لدى كلٍّ من اليهود والمسيحيِّين يتَّفق على أنّ النبيَّ زكريَّا هو كاتب هذا السِّفر. واسمه الذي يشاركه فيه أكثر من ٢٩ رجلًا في العهد القديم، يعني «الربُّ قد ذَكَر». ولا يتقدَّم على هذا السِّفر من حيث غنى النبوَّات عن المسيح، سوى سفر إشعياء.
كان زكريَّا أيضًا كاهنًا، شأنه في ذلك شأن إرميا وحزقيال (نح ١٢: ١٢-١٦). وكان بحسب التقليد عضوًا في المجمع العظيم، وهو مجلس مؤلَّف من ١٢٠ عضوًا، أسَّسه نحميا وترأَّسه عزرا. وقد تطوَّر هذا المجلس في ما بعد، فأصبح يضمُّ رؤساء الأُمَّة الذين يديرون شؤونها وبات يُعرف بالسنهدريم. وقد وُلد زكريَّا في بابل، وكان مع جدِّه عِدُّو بين جماعة المسبيِّين الذين شكَّلوا طليعة الراجعين إلى أورشليم تحت قيادة زربَّابل ويهوشع الكاهن العظيم (رج نح ١٢: ٤). وبما أنه يُذكَر تكرارًا باعتباره ابن جَدِّه (رج عز ٥: ١؛ ٦: ١٤؛ نح ١٢: ١٦)، فقد يُظَنُّ أنّ والده بَرَخيا تُوفِّي في سنٍّ مبكرة، قبل أن يتمكَّن من أن يخلف والده في الكهنوت.
إنّ الخلفيَّة التاريخيَّة والإطار لسفر زكريَّا هما ذاتهما لمعاصِره حجَّي (رج مقدِّمة حجَّي). ففي سنة ٥٣٨ ق م، حرَّر كورش الفارسيُّ المسبيِّين من بني إسرائيل ليعودوا ويسكنوا أرضهم (رج عز ١: ١-٤). وقد رجع من بابل حوالى ٥٠.٠٠٠ يهودي، وشرعوا على الفور في إعادة بناء الهيكل (رج عز ٣: ١-٤: ٥)، لكنّ مقاومة جيرانهم، مشفوعةً باستهتار من داخل، أسفرتا عن توقُّف العمل (رج عز ٤: ٢٤). إلّا أنه بعد انقضاء ستَّ عشرة سنةً (رج عز ٥: ١ و٢) فوَّضَ الربُّ إلى زكريَّا وحجَّي أمر استنهاض الشعب لأجل إعادة بناء الهيكل. ونتيجةً لذلك أُكمِل الهيكل بعد أربع سنوات، أي في سنة ٥١٦ ق م (عز ٦: ١٥).
لقد انضمَّ زكريَّا إلى حجَّي في إيقاظ الشعب من لامبالاته، دافعًا به إلى استئناف بناء الهيكل. كان هدف حجَّي الأول أن يُعيد بناء الهيكل؛ وقد تضمَّن وعظه نبرةً زاجرةً بسبب لامبالاة الشعب وخطيَّتهم وافتقارهم إلى الثقة بالله. لقد دَأَبَ حجَّي على بَدءِ النهضة، فيما دَأَبَ زكريَّا على إبقائها مستمرَّةً بزخم، وبنبرةٍ أكثر إيجابيَّةً، داعيًا الشعب إلى التوبة، ومؤكِّدًا لهم صحَّة ما يتعلَّق بالبركات الآنيَّة. لقد سعى زكريَّا لتشجيع الشعب على بناء الهيكل نظرًا إلى الوعد بأنّ المسيح سوف يأتي ذات يوم ليسكن فيه. فالشعب لم يكن فقط يبني للحاضر، بل كان في فكره الرجاءُ بالمسيح الآتي. فقد شجَّع الشعبَ الذي كان لا يزال مدوسًا من سلطة الأمم (١: ٨-١٢)، بالحقيقة التي مفادها أنّ الربَّ يذكر لهم مواعيد ميثاقه، وأنه سوف يُرجِعهم ويباركهم. وهكذا، يكون اسم السِّفر (الذي يعني «الرب قد ذَكَرَ») قد حَمَلَ نواته من موضوع النبوَّة.
إنّ «سِفر رؤيا العهد القديم» هذا، كما يُسمَّى غالبًا، ذو صلة بجمهور زكريَّا المباشر، كما بالمستقبل. ويَظهَر ذلك في هيكليَّة النبوَّة نفسِها، إذ في كلِّ قسم من الأقسام الرئيسيَّة الثلاثة (ف ١-٦ و٧ و٨ و٩-١٤)، يبدأ النبيُّ من حدث تاريخيٍّ، ثُم ينتقل متقدِّمًا إلى زمن المجيء الثاني، حين يرجع المسيح إلى هيكله ليقيم ملكوته الأرضيّ. ولم ينسَ النبيُّ أن يُذَكِّر الشعبَ بأنّ المسيح له التزامان مع شعبه، واحد آنيٌّ، وآخر بعيد. وهكذا كان كلام النبيِّ «طيِّبًا وكلامَ تعزية» (١: ١٣) لكلٍّ من المسبيِّين في زمن زكريَّا، كما للبقيَّة من شعب الله المختار في ذلك اليوم العتيد.
يُعتَبَر هذا السِّفر أغزر أسفار العهد القديم التي تكلَّمت عن المسيح الآتي، وأكثرها إنباءً بالرؤيويَّات وأمور الآخرة. فهو في المقام الأول، نبوَّة عن يسوع المسيح، حيث يركِّز على مجده الآتي، بهدف تعزية إسرائيل (رج ١: ١٣ و١٧). وفي حين يبدو السِّفر مليئًا بالرؤى والنبوَّات والآيات والضيوف السماويِّين وصوت الله، يبدو من جهة أخرى عمليًّا، حيث يتناول مسائل مثل التوبة والرعاية الإلهيَّة والخلاص والحياة المقدَّسة. وبما أنّ النبوَّات كانت على وشك الصَّمت لأكثر من ٤٠٠ سنة وصولًا إلى يوحنا المعمدان، فقد استخدم الله زكريَّا، ليُقدِّم هذا الدَّفق الغنيَّ والوافر من المواعيد العتيدة، لكي يثبِّت البقيَّة الأمينة عبر تلك السنين الصامتة.
بينما تواجه القارئَ تحدياتٌ لا حصر لها، فإنّ فِقرتين من النبوَّة تُبديان صعوبة تفسيريَّة لافتة. ففي ١١: ٨ طَرَدَ الراعي الصالح «الرعاة الثلاثة في شهر واحدٍ». فوجود «أل التعريف» يدلُّ على الألفة وقرب الصِّلة، ممّا يعني أنّ اليهود لا بُدَّ أنهم عرفوا هويَّة هؤلاء الرعاة من دون مزيد من التعريف. لكنّ فَهمَ هذا الأمر بالنسبة إلى قُرَّاء اليوم، ليس بتلك السهولة. وقد طُرحت احتمالات عدَّة بشأن هويَّتهم. فأحد أقدم تلك الاقتراحات، وربَّما أصلحها، يُعرِّفهم بأنهم ثلاث مجموعات من الرؤساء: الكهنة والشيوخ وكتبة إسرائيل. ولا يَغِب عن البال أنّ يسوع أيضًا، خلال خدمته الأرضيَّة واجه رياءَ قادة إسرائيل الدينيِّين (رج مت ٢٣)، وَرَشَقَهُم بأعنف هجومٍ شاجب، وقد تبع ذلك هلاك الأُمّة بأسرها سنة ٧٠ ب م. ومن وقت مجيئه لم يعد الشعبُ اليهوديُّ يعرف نبيًّا آخر أو كاهنًا أو مَلِكًا.
كذلك، جرى نقاش مُعَمَّق حول هويَّة ذلك الشخص الذي سُئل: «ما هذه الجروحُ في يديكَ» (١٣: ٦). البعض عرَّفه بالقول، إنه المسيح، مُفترضًا أنّ الجروح تشير إلى صلبه. ولكنّ المسيح لم ينفِ أنه نبيٌّ، ولا ادَّعى أنه فلاّح، أو أنه جُرِح في بيت أحبَّائه. واضحٌ أنّ هذا يشير إلى نبيٍّ كذّاب (رج ع ٤ و٥) جرَّح نفسه أثناء عبادته الوثنيَّة. وسوف تكون الغَيرة للربِّ في ملكوت المسيح عظيمة المقدار، لدرجة أنّ عبدة الأوثان سوف يبذلون كلَّ جهدٍ لإخفاء هويَّتهم الحقيقيَّة، إلّا أنّ آثار جروحهم سوف تكون الدليل الفاضح، على شرِّهم.
المحتوى
أوّلًا: دعوة إلى التوبة (١: ١-٦)
ثانيًا: رؤى الليالي الثماني التي رآها زكريَّا (١: ٧-٦: ١٥)
أ) رَجُلٌ واقفٌ بين شجر الآس (١: ٧-١٧)
ب) أربعة قرون وأربعة صُنَّاع (١: ١٨-٢١)
ج) رَجُلٌ بيده حَبْلُ قياس (٢: ١-١٣)
د) تطهير الكاهن العظيم (٣: ١-١٠)
هـ) منارة من ذهب وزيتونتان (٤: ١-١٤)
و) دَرْجٌ طائر (٥: ١-٤)
ز) امرأة في إيفة (٥: ٥-١١)
ح) أربع مركبات (٦: ١-٨)
ط) مُلحق: تتويج يهوشع الكاهن العظيم (٦: ٩-١٥)
ثالثًا: أربع رسائل لزكريَّا (٧: ١-٨: ٢٣)
أ) سؤال عن الصوم (٧: ١-٣)
ب) أربعة أجوبة (٧: ٤-٨: ٢٣)
١. توبيخ على الدوافع الخاطئة (٧: ٤-٧)
٢. التوبة المطلوبة (٧: ٨-١٤)
٣. استرداد الإحسان (٨: ١-١٧)
٤. الصوم يتحول إلى ولائم (٨: ١٨-٢٣)
رابعًا: حِمْلان على كاهل زكريَّا (٩: ١-١٤: ٢١)
أ) رَفْضُ المسيح في مجيئه الأول (٩: ١-١١: ١٧)
ب) قبول المسيح في مجيئه الثاني (١٢: ١-١٤: ٢١)
إنّ عنوان هذا السِّفر مُستَمَدٌّ من كاتب النبوَّة نفسِه، ألا وهو ملاخي. وبهذه النبوَّة الأخيرة من نبوَّات الأنبياء الصغار، يضع الله نهايةً لأسفار العهد القديم من الناحيتَين التاريخيَّة والنبويَّة.
لقد افترض البعض أنّ كاتب السِّفر غير معروف، مشيرًا إلى أنّ الاسم، ومعناه «رسولي»، أو «رسول الربِّ»، قد يكون لقبًا أكثر منه اسم عَلَمٍ. ويُشار في هذا الصدد إلى أنّ التسمية لا تُذكَر في أيِّ مكان آخر في العهد القديم، كما أنه لا يوجد أيُّ مرجع حسيٍّ حول الكاتب. لكن، بما أنّ جميع الأسفار النبويَّة تُعَرَّف بِكُتَّابها تاريخيًّا في بداية مقدِّماتها، يَفتَرض هذا أنّ ملاخي كان بالفعل اسم آخِر نبيٍّ كتب سفرًا في إسرائيل في العهد القديم. ثمَّ إنّ التقليد اليهوديَّ يُعَرِّفه بأنه كان عضوًا في المجمع الأعلى الذي جَمَعَ الأسفار المقدَّسة وحفظها سالمةً.
بالاعتماد على دليل من داخل السِّفر، يُشير تاريخ النبوَّة إلى أواخر القرن الخامس ق م، وعلى الأرجح أثناء عودة نحميا إلى بلاد فارس حوالى ٤٣٣-٤٢٤ ق م (رج نح ٥: ١٤؛ ١٣: ٦). وكانت الذبائح في ذلك الحين تُقام في الهيكل الثاني (١: ٧-١٠؛ ٣: ٨)، الذي تمَّ بناؤه سنة ٥١٦ ق م (رج عز ٦: ١٣-١٥). وقد انقضت سنون عديدة منذ ذلك الحين، والكهنة يزدادون فسادًا ودناءَة (١: ٦-٢: ٩). هذا، وإنّ إشارة ملاخي «للوالي» (١: ٨) إنما تتكلَّم عن التسلُّط الفارسيِّ على يهوذا، يوم كان نحميا يزور فارس مرَّةً أُخرى (نح ١٣: ٦)، فيما تشديده على الشريعة (٤: ٤) يتَّفق مع تنبير مشابه أورده عزرا ونحميا (رج عز ٧: ١٤ و٢٥ و٢٦؛ نح ٨: ١٨). كما أنهم عملوا معًا على مقاربة مسائل أخرى، مثل الزواج من نساء أجنبيَّات (٢: ١١-١٥؛ رج عز ٩ و١٠؛ نح ١٣: ٢٣-٢٧)، والامتناع عن دفع العشور (٣: ٨-١٠؛ رج نح ١٣: ١٠-١٤)، والظلم الاجتماعيّ (٣: ٥؛ رج نح ٥: ١-١٣). وكان نحميا قد جاء إلى أورشليم سنة ٤٤٥ ق م ليُعِيد بناء السور، وعاد إلى فارس سنة ٤٣٣ ق م. ثمَّ عاد في ما بعد إلى إسرائيل (حوالى ٤٢٤ ق م) ليعالج الخطايا التي وصفها ملاخي (نح ١٣: ٦). إذًا، يُرجَّح أنّ سفر ملاخي كُتِب أثناء غياب نحميا، أي بعد انقضاء قرنٍ تقريبًا على بدء حجَّي وزكريَّا بالتنبُّؤ. وثمّة شَبَهٌ بين ما جاء في رؤ ف ٢ و٣، حيث يكتب المسيح ما يراه عن أحوال الكنائس، وبين ما يكتب الله هنا بِقَلَم ملاخي، ليجعل أفكاره حول الأُمَّة تؤثِّر في إسرائيل.
لم يرجع من بابل إلى يهوذا (٥٣٨-٥٣٦ ق م) سوى ٥٠٠٠٠ من المسبيِّين. وكان الهيكل قد أُعيد بناؤُه تحت قيادة زَرُبَّابل (٥١٦ ق م) وتجدَّد نظام الذبائح. وكان عزرا قد رجع سنة ٤٥٨ ق م، ثمَّ تبعه نحميا سنة ٤٤٥ ق م. ولم يكن قد مضى على عودة اليهود إلى أرض فلسطين أكثر من قرن، حتى أَدَّت رتابة شعائرهم الدينيَّة إلى قسوة قلوبهم نحو محبَّة الله العظيمة لهم، وإلى ابتعاد واسع عن شريعته، سواء من قِبَل الشعب أو الكاهن. وقد شجب ملاخي هذه التعدِّيات، مُبكِّتًا الشعب بشدَّة، وداعيًا إياهم إلى التوبة. وحين عاد نحميا من بلاد فارس المرة الثانية (حوالى ٤٢٤ ق م)، وبَّخهم بصرامة على هذه التعدِّيات على الهيكل وعلى الكهنوت، وعلى تدنيس السبت وطلاقهم غير القانونيِّ لزوجاتهم اليهوديّات، ليتمكَّنوا من الزواج بنساء أُمميّات (رج نح ١٣).
على مدى ما يزيد على أَلفي سنة من تاريخ العهد القديم، منذ وَضْعِ الميثاق مع إبراهيم، لم يتحقَّق وعدٌ واحد من المواعيد المجيدة بصورته النهائيَّة سواء كان ميثاق الله مع إبراهيم، أو مع داود، أو المواثيق الجديدة. وعلى الرغم من وجود محطّات هامَّة في تاريخ إسرائيل، مع يشوع مثلًا، وداود ويوشيَّا، فإنّ اليهود كانوا على ما يبدو، قد فقدوا كلَّ سانحةٍ لقبول إحسان الله، إذ بعد مضيِّ أقلَّ من مئة سنة على رجوعهم من السَّبي، غرقوا في حمأة الخطيَّة لدرجة أنهم زادوا عن شرورهم السابقة التي جلبت عليهم السبي الأشوريَّ والبابليّ. وإلى هذا، فإنّ المسيح الذي طال انتظاره لم يصل، ولا يبدو أنّ مجيئه هو في المدى المنظور.
وهكذا، فقد كتب ملاخي ما يصحّ اعتباره المدماك الأَخير في نبوَّات العهد القديم، والذي سَلَّم فيه رسالة دينونة الله على إسرائيل بسبب استمرارهم في خطيَّتهم، إلى جانب وعد الله أيضًا، أنه ذات يوم في المستقبل، حين يتوب اليهود، سوف يُستَعلن المسيح، وسوف تتحقَّق وعود ميثاق الله. وكان ثمّة صَمْتٌ إلهيٌّ دام أكثر من ٤٠٠ سنة، ولم يكن يُسمع سوى كلمات ملاخي تَطِنُّ بالدينونة في آذانهم، قبل أن يصل نبيٌّ آخر حاملًا رسالة من الله. ذاك كان يوحنا المعمدان الذي كَرَزَ قائلًا: «توبوا لأنه قد اقتربَ ملكوتُ السماوات» (مت ٣: ٢). لقد جاء المسيح.
لقد أشار الربُّ إلى ميثاقه مع إسرائيل تكرارًا (رج ٢: ٤ و٥ و٨ و١٠ و١٤؛ ٣: ١)، وذكَّرَهم من بداية كلامه معهم، بعدم أمانتهم لعلاقة محبَّته لهم واقترانه بهم (رج ١: ٢-٥). فإنّ محبَّة الله لشعبه تتخلَّل السِّفر كلَّه. والظاهر أنّ وعود الأنبياء السابقين، بمجيء المسيح الذي سوف يأتي بخلاص نهائيٍّ وبركات دائمة، إضافة إلى التشجيع الناتج عن الوعود الحاليَّة (حوالى ٥٠٠ ق م) التي نطق بها كلٌّ من حجَّي وزكريَّا، قد جعلت الشعب ورؤساءَه أكثر تصميمًا على التمادي في رخاوتهم. وقد ظنَّ هؤلاء، أنّ علاقة المحبَّة تلك، يمكن الحفاظ عليها بالطقوس الشكليَّة فقط، وليس لأسلوب عِيشتهم أيُّ تأثير. وفي توبيخ لاذع، لكلٍّ من الكهنة (١: ٦-٢: ٩) والشعب (٢: ١٠-١٦)، يُذكِّرهم النبيُّ بأنّ مجيءَ الربِّ الذي كانوا ينتظرونه (٣: ١)، سوف يكون دينونةً ترمي إلى التمحيص والتنقية والتطهير (٣: ٢ و٣). فالربُّ لم يطلب فقط خضوعًا خارجيًّا للشريعة، بل طَلَبَ كذلك خضوعًا داخليًّا (رج مت ٢٣: ٢٣). وقد هاجم النبيُّ الفساد والشرَّ والأمان الزائف، موجِّهًا حُكْمَه صَوبَ ريائهم وزندقتهم ومساومتهم وطلاقهم وعبادتهم الباطلة وعجرفتهم.
لقد وضع ملاخي نبوَّته على شكل جدلٍ، مستخدمًا طريقة السؤال والجواب. ولكن، يبدو أنّ اتِّهامات الربِّ ضدَّ شعبه كانت غالبًا ما تقابلها أسئلة ساخرة من الشعب (١: ٢ و٦ و٧؛ ٢: ١٧؛ ٣: ٧ و٨ و١٣). وأحيانًا، كان النبيُّ يُقَدِّم نفسه كمُمثِّل لله في دعوى قضائيَّة، طارحًا على الشعب أسئلة بليغة، انطلاقًا من انتقاداتهم الوقحة (١: ٦ و٨ و٩؛ ٢: ١٠ و١٥؛ ٣: ٢).
لقد قاضى ملاخي الكهنة والشعب بِسِتِّ فقرات اتِّهاميَّة على الأقلّ، حول الخطيَّة المتعمَّدة: ١) عدم الاعتراف بمحبَّة الله لهم (١: ٢-٥)؛ ٢) رفضهم موافاة الله بما يستحقُّه من كرامة (١: ٦-٢: ٩)؛ ٣) رفضهم وفاءَ الله (٢: ١٠-١٦)؛ ٤) إعادة النظر ببرِّ الله (٢: ١٧-٣: ٦)؛ ٥) سرقتهم أموال الله (٣: ٧-١٢)؛ ٦) ذَمُّهم نعمة الله (٣: ١٣-١٥). هذا، وثمّة ثلاثة فصول يَعرِض فيها ملاخي دينونة الله: ١) على الكهنة (٢: ١-٩)؛ ٢) على الأُمَّة (٣: ١-٦)؛ ٣) على البقيَّة (٣: ١٦-٤: ٦).
لقد حَصَلَ أخذٌ وردٌّ حول قوله إنّ إيليَّا سيُرسَل «قبل مجيءِ يوم الربِّ العظيم والمخوف» (٤: ٥). هل تمَّ ذلك في شخص يوحنا المعمدان، أم إنّ تحقيقه لا يزال طَيَّ المستقبل؟ وهل إيليَّا سوف يتجسَّد ثانيةً؟ يبدو من الأفضل النظر إلى نبوَّة ملاخي كإشارة إلى يوحنا المعمدان، وليس إلى إيليَّا العائد بالمعنى الحرفيِّ للكلمة. وليس الملاك وحده مَنْ أعلن أنّ يوحنا المعمدان سوف «يتقدَّم أمامَه بِروحِ إيليَّا وقُوَّته» (لو ١: ١٧)، بل إنّ يوحنا المعمدان نفسه قال إنه لم يكن إيليَّا (يو ١: ٢١). وهكذا كان يوحنا مثل إيليَّا من الداخل، أي «بروح إيليَّا وقوَّته»، ومن الخارج بحريَّته واستقلاله الصارمَين. فإن كان اليهود سيَقبلون المسيح، فحينئذٍ سيكون إيليَّا هو نفسه المنطوق عنه (رج مت ١١: ١٤؛ ١٧: ٩-١٣)؛ أمّا إذا رفضوا المَلِك فحينئذٍ سوف يُرسَل في المستقبل نبيٌّ يشبه إيليَّا، وربما هو أحد الشاهدَين (رج رؤ ١١: ١-١٩).
المحتوى
أوّلًا: شجب خطايا إسرائيل (١: ١-٢: ١٦)
أ) التذكير بمحبَّة الله لإسرائيل (١: ١-٥)
ب) توبيخ الكهنة (١: ٦-٢: ٩)
١. احتقار مذبح الله (١: ٦-١٤)
٢. احتقار مجد الله (٢: ١-٣)
٣. احتقار شريعة الله (٢: ٤-٩)
ج) توبيخ الشعب (٢: ١٠-١٦)
ثانيًا: إعلان دينونة إسرائيل وبَرَكَته (٢: ١٧-٤: ٦)
أ) مجيء رسول (٢: ١٧-٣: ٥)
ب) مطالبتهم بالتوبة (٣: ٦-١٢)
ج) انتقاد إسرائيل للربّ (٣: ١٣-١٥)
د) تعزية للبقيَّة الأمينة (٣: ١٦-٤: ٦)
متّى الذي يعني «عطيَّة الربِّ»، كان اسمًا آخر للاوي (٩: ٩)، العشّار الذي ترك كلَّ شيءٍ ليتبع المسيح (لو ٥: ٢٧ و٢٨). وكان متّى واحدًا من الاثني عشر رسولًا (١٠: ٣؛ مر ٣: ١٨؛ لو ٦: ١٥؛ أع ١: ١٣). وها هو، حين يضع قائمة بالاثني عشر رسولًا، يدعو نفسه بكلِّ صراحة «متّى العشّار» (١٠: ٣). ولا يَرِدُ اسم متّى في أيِّ مكان آخر من الكتاب المقدَّس مقترنًا بالكلمة «عشّار». فكُتَّابُ الأناجيل الآخرون، يستخدمون دائمًا اسمه السابق، لاوي، حين يتناولون ماضيه الخاطئ. إنه موقف متواضع من جهة متّى. وكما هي الحال بالنسبة إلى الأناجيل الثلاثة الأُخر، فإنّ هذا الإنجيل أيضًا يُعرَف باسم كاتبه.
لم تكن قانونيَّة تأليف هذا الإنجيل وانتمائه إلى متّى موضع شكٍّ في الكنيسة الأولى. فيوسيبيوس (حوالى ٢٦٥-٣٣٩ ب م) اقتبس من أوريجانوس (حوالى ١٨٥-٢٥٤ ب م) ما يلي: «لقد عرفتُ من التقليد، أنه من بين الأناجيل الأربعة التي تُعتَبَر غير قابلة للجدل في كنيسة الله، تحت السماء، أنّ الإنجيل الأوَّل كتبه متّى، الذي كان عشّارًا وأصبح في ما بعد تلميذًا ليسوع المسيح، وأنّ هذا الإنجيل كان موجَّهًا إلى المهتدين من اليهود (التاريخ الكنسيّ ٦: ٢٥).»
تظهر النفحة اليهوديَّة في إنجيل متّى بشكل لافت. وهذا يبدو واضحًا حتى في سلسلة نسب المسيح في أوَّل الإنجيل، حيث لا يذهب متّى إلى أبعد من إبراهيم. بينما نجد لوقا بالمقابل، يعود إلى الوراء وصولًا إلى آدم، وغايته في ذلك أن يُظهِر المسيح، فاديًا للإنسانيَّة جمعاء. ويبدو أنّ غاية متّى كانت إلى حدٍّ ما أَضيَق: فهو أراد أن يُبَيِّن أنّ المسيح هو ملك إسرائيل ومسيحه. ولا غرابة إذ ذاك، أن يقتبس هذا الإنجيل أكثر من ستّين مرَّةً من فقرات العهد القديم النبويَّة، مُبَيِّنًا كيف أنّ المسيح هو الذي فيه تحقَّقت كلُّ هذه المواعيد.
أمّا أن تكون غالبيَّة جمهور متّى من اليهود، فذاك احتمال ممكن، بناءً على الحقائق التالية: يُصوِّر متّى غالبًا العادات اليهوديَّة دون تفسيرها، على نقيض الأناجيل الأخرى (رج مر ٧: ٣؛ يو ١٩: ٤٠). كما أنه يشير إلى المسيح باستمرار بالقول: «ابن داود» (١: ١؛ ٩: ٢٧؛ ١٢: ٢٣؛ ١٥: ٢٢؛ ٢٠: ٣٠؛ ٢١: ٩ و١٥؛ ٢٢: ٤٢ و٤٥). هذا، ويراعي متّى مشاعر اليهود في ما يخصُّ اسم الله، في إشارته إلى «ملكوت السماوات» فيما يتحدَّث البشيرون الآخرون عن ذلك بالقول: «ملكوت الله». وأخيرًا، فإنّ كلَّ مواضيع هذا السِّفر الرئيسيَّة تأخذ أصولها من العهد القديم ويبسطها البشير في ضوء توقُّعات إسرائيل المسيحانيَّة.
أمّا استخدام متّى للُّغة اليونانيَّة فيفترض أنه كان يكتب كيهوديٍّ فلسطينيٍّ إلى اليهود الهيلينيِّين (أي الإغريق) في أصقاع الدنيا كلِّها. وقد كتَبَ باعتباره شاهدَ عِيانٍ للعديد من الأحداث التي وصفها، مقدِّمًا شهادة شخصيَّة مباشرة عن أقوال يسوع الناصريِّ وأفعاله.
كان قصد متّى واضحًا: لقد أراد أن يُظهِر أنّ يسوع هو المسيح الذي طالما انتَظَرَته الأُمَّةُ اليهوديَّة. وإنّ اقتباسه الغزير من العهد القديم مُصَمَّمٌ تحديدًا لإظهار الرابط بين المسيح الموعود به، والمسيح الذي دَخَلَ التاريخ. هذا الهدف لم يَغِبْ قطُّ عن رؤية متّى، كما أنه يورد العديد من تفاصيل الأحداث في نبوَّات العهد القديم كبراهين على حقيقة يسوع المسيحانيَّة (مثلاً: ٢: ١٧ و١٨؛ ٤: ١٣-١٥؛ ١٣: ٣٥؛ ٢١: ٤ و٥؛ ٢٧: ٩ و١٠).
بما أنّ اهتمام متّى مُنصَبٌ على يسوع باعتباره المسيَّا، ملك اليهود، لذلك فإنّ الاهتمام بمواعيد ملكوت العهد القديم يبرز في ثنايا هذا الإنجيل برُمَّته. وها هي عبارة متّى البارزة: «ملكوت السماوات»، تتكرَّر ٣٢ مرَّةً في هذا الإنجيل (ولا تُذكَر في أيِّ مكان آخر في الكتاب المقدَّس).
وقد استهلَّ متّى إنجيله بسلسلة نسب المسيح توثيقًا له كملك إسرائيل، وإنّ كلَّ ما يَرِدُ في الإنجيل لاحقًا يكمِّل هذا الموضوع. وقد بَيَّن متّى أنّ المسيح هو وريث النَّسَبِ الملوكيِّ. كما أشار إلى أنه في المسيح، قد تحقَّقَت عشرات النبوَّات الواردة في العهد القديم، والمتعلِّقة بالمَلِك الآتي. كما يورد متّى الدليل تلو الدليل إظهارًا لحقِّ المسيح المطلق في المُلْك. يبقى أنّ جميع المواضيع التاريخيَّة واللاهوتيَّة الأُخرى في هذا الإنجيل، تدور حول ذاك الموضوع بالذات.
يُسَجِّل إنجيل متّى خمس مقالات رئيسيَّة: الموعظة على الجبل (ف ٥-٧)؛ دعوة التلاميذ وإرسالهم (ف ١٠)؛ أمثال عن الملكوت (ف ١٣)؛ مقالة عن تشبيه المؤمن بالولد الصغير (ف ١٨)؛ والمقالة عن مجيء المسيح مرَّةً ثانية (ف ٢٤ و٢٥). وتنتهي كلُّ مقالة بقليل من التغيير في العبارة التالية: «فلما أكمل يسوع هذه الأقوال» (٧: ٢٨؛ ١١: ١؛ ١٣: ٥٣؛ ١٩: ١؛ ٢٦: ١). وقد أصبحت هذه العبارة مؤشِّرًا على وجود مقطع قصصيٍّ جديد. إذًا، ثمَّة قِسمٌ استهلاليٌّ طويل (ف ١-٤) وخاتمة مقتضبة (٢٨: ١٦-٢٠)، يضمَّان بينهما ما تبقّى من الإنجيل الذي يُقسَم بطبيعة الحال، إلى خمسة أقسام، وكل قسم يتضمَّن مقالةً ونصًّا قصصيًّا. وقد رأى البعض توازيًا بين هذه الأقسام الخمسة، وأسفار موسى الخمسة في العهد القديم.
أمّا الصراع بين المسيح والفريسيِّين فهو موضوع عامٌّ آخر في إنجيل متّى. لكنّ متّى يحرص على إظهار خطإ الفريسيِّين لأجل فائدة جمهوره من اليهود، وليس لأجل أسباب شخصيَّة أو تبجيل لنفسه. فهو على سبيل المثال، قد حَذَفَ مَثَلَ الفرِّيسيِّ والعشّار، مع أنّ ذاك المثل كان ليضعه في موضع ممتاز.
كذلك، يأتي متّى على ذكر الصدُّوقيِّين أكثر من أيِّ إنجيلٍ آخر. وقد أعطى متّى باستمرار صورةً سلبيَّةً عن الفريسيِّين والصدُّقيِّين، جاعلًا منهم عبرةً لمن يعتبر. فتعليمهم هو خمير ينبغي الابتعاد عنه (١٦: ١١ و١٢). وعلى الرغم من أنّ أفراد هاتين الجماعتين كانوا من حيث العقيدة على طرفَي نقيض، فقد اتَّفقوا في كرههم للمسيح. فهم في نظر متّى كانوا يمثِّلون كلَّ إسرائيليٍّ يرفض المسيح كَمَلِك.
إنّ رَفْضَ مسيح إسرائيل هو موضوع أساسيٌّ آخر في هذا الإنجيل. فليس في أيٍّ من الأناجيل الأخرى، هجمةٌ بهذه القسوة على يسوع، كما هي مصوَّرة هنا. فمن لحظة الهرب إلى مصر، إلى مشهد الصليب، يصوِّر متّى صورةً حيَّةً عن رفض المسيح، أبعد أثرًا ممّا للبشيرين الآخرين. ففي كلام متّى عن الصَّلب مثلًا، لا وجود لِلِصٍّ يتوب، ولا أصدقاء أو أحبَّاء يقفون عند قاعدة الصليب. ولحظة موت المسيح، تراه متروكًا حتى من الله (٢٧: ٤٦). فَظِلُّ الرفض لا يفارق القصَّة مطلقًا.
بَيْدَ أنّ متّى يعود ليُصَوِّره مَلِكًا ظافرًا، سوف يرجع ذات يومٍ «آتيًا على سحاب السَّماء بقوةٍ ومجدٍ كثير» (٢٤: ٣٠).
كما مرَّ أعلاه، فإنّ متّى يحصر مادَّة سرده في خمس مقالات كبرى. وهو لا يحاول أن يتبع تسلسلًا زمنيًّا دقيقًا، لذلك، فإنّ المقارنة بين الأناجيل تبيِّن أنّ متّى يضع الأمور بحريَّة ومن دون ترتيب. فَهَمُّه أن يعالج المواضيع والمفاهيم الواسعة، وليس الانشغال بالخط الزمنيّ.
يواجه القارئُ في الفقرات النبويَّة عقباتٍ تفسيريةً دقيقة. فحديث يسوع على جبل الزيتون مثلًا، يتضمَّن بعض التفاصيل التي توقظ صورًا عن الخراب الشديد الذي سيحلُّ بأورشليم سنة ٧٠ ب م. فكلام يسوع في ٢٤: ٣٤ قد حدا البعض على الاستنتاج أنّ كلَّ هذه الأمور قد تمَّتْ، ولو بشكل غير حرفيٍّ، عبر الاجتياح الرومانيِّ آنذاك. هذا الرأي هو المسمّى «سَبْقُ الإتمام»، (الاعتقاد أنّ رموز سفر الرؤيا قد تمَّت) لكنّه خطأ تفسيريٌّ فاضح، يُجبِر المفسِّر على قراءة هذه الفقرات بمعانيَ «مُرَوْحَنة» ومجازيَّة غير معترف بها بالطرائق التفسيريَّة العادية. فالمقاربة النحويَّة / التاريخيَّة في أصول التفسير الكتابيِّ لهذه الفقرات هي المقاربة التي يُفتَرَض اتِّباعها، وهي تُقَدِّم تفسيرًا مُستَقبليًّا مترابطًا لنبوَّات حاسمة.
رج مقدِّمة إنجيل مرقس: عقبات تفسيريَّة، لمزيد من البحث حول قضيَّة التشابه بين الأناجيل.
المحتوى
أوّلًا: (التمهيد) المجيء الأول للمسيح المَلِك (١: ١-٤: ٢٥)
أ) ولادته (١: ١-٢: ٢٣)
١. سلسلة نسبه (١: ١-١٧)
٢. وصوله (١: ١٨-٢٥)
٣. السجود له (٢: ١-١٢)
٤. خصومه (٢: ١٣-٢٣)
ب) بدءُ خدمته العلنيَّة (٣: ١-٤: ٢٥)
١. المُمَهِّد لمجيئه (٣: ١-١٢)
٢. معموديَّته (٣: ١٣-١٧)
٣. تجربته (٤: ١-١١)
٤. باكورة خدمته (٤: ١٢-٢٥)
ثانيًا: سلطان المَلِك (٥: ١-٩: ٣٨)
أ) الكلام الأوَّل: الموعظة على الجبل (٥: ١-٧: ٢٩)
١. البرُّ والفَرَح (٥: ١-١٢)
٢. البرُّ والتلمذة (٥: ١٣-١٦)
٣. البرُّ وكلمة الله (٥: ١٧-٢٠)
٤. البرُّ والأخلاق (٥: ٢١-٤٨)
٥. البرُّ والديانة العمليَّة (٦: ١-١٨)
٦. البرُّ والأمور الدنيويَّة (٦: ١٩-٣٤)
٧. البرُّ والعلاقات الإنسانيَّة (٧: ١-١٢)
٨. البرُّ والخلاص (٧: ١٣-٢٩)
ب) السَّرد الأوَّل: المعجزات المؤَيِّدة (٨: ١-٩: ٣٨)
١. تطهير أبرص (٨: ١-٤)
٢. شفاء غُلام قائد المئة (٨: ٥-١٣)
٣. شفاء حماة بطرس (٨: ١٤ و١٥)
٤. شفاء الجموع (٨: ١٦-٢٢)
٥. انتهاره الرياح والبحر (٨: ٢٣-٢٧)
٦. إخراجه الشياطين من إنسانَين (٨: ٢٨-٣٤)
٧. غفران وشفاء للمفلوج (٩: ١-٨)
٨. دعوة عشّار (٩: ٩-١٣)
٩. إجابته عن سؤال (٩: ١٤-١٧)
١٠. إقامة فتاة من الموت (٩: ١٨-٢٦)
١١. إعطاءُ البَصَر لأعميَين (٩: ٢٧-٣١)
١٢. أَخرس يتكلَّم (٩: ٣٢-٣٤)
١٣. نظرة حنان إلى الجموع (٩: ٣٥-٣٨)
ثالثًا: جدول أَعمال المَلِك (١٠: ١-١٢: ٥٠)
أ) الكلام الثاني: إرسال الإثني عشر في مأموريَّة (١٠: ١-٤٢)
١. رجال المعلِّم (١٠: ١-٤)
٢. إرسال التلاميذ (١٠: ٥-٢٣)
٣. علامات التلمذة (١٠: ٢٤-٤٢)
ب) السَّردُ الثاني: مُهمَّة الملك (١١: ١-١٢: ٥٠)
١. تأكيد هويَّة يسوع لتلاميذ يوحنا (١١: ١-١٩)
٢. النطق بالويلات على غير التائبين (١١: ٢٠-٢٤)
٣. الراحة للمتعبين (١١: ٢٥-٣٠)
٤. تأكيد سيادة الربِّ على السبت (١٢: ١-١٣)
٥. رؤساء اليهود يُحَرِّضون ضدَّه (١٢: ١٤-٤٥)
٦. تعريف العلاقة الأزليَّة بالسلالة الروحيَّة (١٢: ٤٦-٥٠)
رابعًا: أعداء المَلِك (١٣: ١-١٧: ٢٧)
أ) الكلام الثالث: أمثال الملكوت (١٣: ١-٥٢)
١. الأرض (١٣: ١-٢٣)
٢. الحنطة والزِّوان (١٣: ٢٤-٣٠ و٣٤-٤٣)
٣. حبَّة الخردل (١٣: ٣١ و٣٢)
٤. الخميرة (١٣: ٣٣)
٥. الكنز المُخفى (١٣: ٤٤)
٦. اللؤلؤة الكثيرة الثمن (١٣: ٤٥ و٤٦)
٧. شبكة الصيد (١٣: ٤٧-٥٠)
٨. ربُّ البيت (١٣: ٥١ و٥٢)
ب) السَّرد الثالث: التنازع حول الملكوت (١٣: ٥٣-١٧: ٢٧)
١. الناصرة ترفض المَلِك (١٣: ٥٣-٥٨)
٢. هيرودس يُعدِم يوحنا المعمدان (١٤: ١-١٢)
٣. يسوع يُطعِم الخَمَسة آلاف (١٤: ١٣-٢١)
٤. يسوع يمشي على الماء (١٤: ٢٢-٣٣)
٥. الجموع تطلب الشفاء (١٤: ٣٤-٣٦)
٦. الكتبة والفريسيُّون يقاومون يسوع (١٥: ١-٢٠)
٧. امرأة كنعانيَّة تؤمن (١٥: ٢١-٢٨)
٨. يسوع يشفي الجموع (١٥: ٢٩-٣١)
٩. يسوع يُطعِم الأربعة آلاف (١٥: ٣٢-٣٩)
١٠. الفريسيُّون والصدُّوقيُّون يطلبون آية (١٦: ١-١٢)
١١. اعتراف بطرس بالمسيح (١٦: ١٣-٢٠)
١٢. يسوع يُنبِئ بموته (١٦: ٢١-٢٨)
١٣. يسوع يُظهِر مجده (١٧: ١-١٣)
١٤. يسوع يشفي غلامًا (١٧: ١٤-٢١)
١٥. يسوع يُنبئ بخيانة أحد تلاميذه (١٧: ٢٢ و٢٣)
١٦. يسوع يدفع جباية الهيكل (١٧: ٢٤-٢٧)
خامسًا: إدارة الملك (١٨: ١-٢٣: ٣٩)
أ) الكلام الرابع: تشبيه المؤمن بالولد (١٨: ١-٣٥)
١. دعوة إلى إيمان الولد (١٨: ١-٦)
٢. التحذير من العثرات (١٨: ٧-٩)
٣. مَثَل الخروف الضالّ (١٨: ١٠-١٤)
٤. نموذج عن تأديب الكنيسة (١٨: ١٥-٢٠)
٥. درس عن الغفران (١٨: ٢١-٣٥)
ب) السَّرد الرابع: الخدمة في أورشليم (١٩: ١-٢٣: ٣٩)
١. بعض الدروس الملكيَّة (١٩: ١-٢٠: ٢٨)
أ) حول الطلاق (١٩: ١-١٠)
ب) حول العزوبة (١٩: ١١ و١٢)
ج) حول الأولاد (١٩: ١٣-١٥)
د) حول التخلِّي عن سائر الأمور (١٩: ١٦-٢٢)
هـ) حول الذين يَخلُصون (١٩: ٢٣-٣٠)
و) حول المساواة في الملكوت (٢٠: ١-١٦)
ز) حول موته (٢٠: ١٧-١٩)
ح) حول العَظَمَة الحقيقيَّة (٢٠: ٢٠-٢٨)
٢. بعض الأعمال الملكيَّة (٢٠: ٢٩-٢١: ٢٧)
أ) يشفي أعميَين (٢٠: ٢٩-٣٤)
ب) يقبل أن تُقَدَّم له العبادة (٢١: ١-١١)
ج) يُطَهِّر الهيكل (٢١: ١٢-١٧)
د) يَلعَن شجرة التين (٢١: ١٨-٢٢)
هـ) ردُّه على التحدِّي (٢١: ٢٣-٢٧)
٣. بعض الأمثال الملكيَّة (٢١: ٢٨-٢٢: ١٤)
أ) الابنان (٢١: ٢٨-٣٢)
ب) الكرَّامون الأشرار (٢١: ٣٣-٤٦)
ج) وليمة العرس (٢٢: ١-١٤)
٤. بعض الأجوبة الملكيَّة (٢٢: ١٥-٤٦)
أ) الهيرودسيُّون: مسألة دفع الجزية (٢٢: ١٥-٢٢)
ب) الصدُّوقيُّون: حول مسألة القيامة (٢٢: ٢٣-٣٣)
ج) الكتبة: حول الوصية الأولى والعُظمى (٢٢: ٣٤-٤٠)
د) الفريسيُّون: حول مسألة ابن داود العظيم (٢٢: ٤١-٤٦)
هـ) بعض الأَحكام الملكيَّة (٢٣: ١-٣٩)
و) وَيلٌ للكتبة والفريسيِّين (٢٣: ١-٣٦)
ز) ويل لأورشليم (٢٣: ٣٧-٣٩)
سادسًا: كفّارة الملك (٢٤: ١-٢٨: ١٥)
أ) الكلام الخامس: المقالة على جبل الزيتون (٢٤: ١-٢٥: ٤٦)
١. خراب الهيكل (٢٤: ١ و٢)
٢. علامات الأزمنة (٢٤: ٣-٣١)
٣. مثل شجرة التين (٢٤: ٣٢: ٣٥)
٤. الأمثولة من نوح (٢٤: ٣٦-٤٤)
٥. مثل العَبدَين (٢٤: ٤٥-٥١)
٦. مثل العذارى العشر (٢٥: ١-١٣)
٧. مثل الوزنات (٢٥: ١٤-٣٠)
٨. دينونة الأمم (٢٥: ٣١-٤٦)
ب) السَّرد الخامس: الصَّلب والقيامة (٢٦: ١-٢٨: ١٥)
١. التآمر لقتل المَلِك (٢٦: ١-٥)
٢. دَهنُ مريم له (٢٦: ٦-١٣)
٣. خيانة يهوذا (٢٦: ١٤-١٦)
٤. الفصح (٢٦: ١٧-٣٠)
٥. التنبُّؤ بإنكار بطرس (٢٦: ٣١-٣٥)
٦. اكتئاب يسوع (٢٦: ٣٦-٤٦)
٧. القبض على يسوع (٢٦: ٤٧-٥٦)
٨. المحاكمة أمام المجمع (٢٦: ٥٧-٦٨)
٩. إنكار بطرس (٢٦: ٦٩-٧٥)
١٠. انتحار يهوذا (٢٧: ١-١٠)
١١. المحاكمة أمام بيلاطس (٢٧: ١١-٢٦)
١٢. استهزاء العسكر به (٢٧: ٢٧-٣١)
١٣. الصَّلب (٢٧: ٣٢-٥٦)
١٤. الدفن (٢٧: ٥٧-٦٦)
١٥. القيامة (٢٨: ١-١٥)
سابعًا: (الخاتمة) المأموريَّة الملكيَّة (٢٨: ١٦-٢٠)
مرقس، الذي يُسَمَّى هذا الإنجيل باسمه، كان رفيقًا مقرَّبًا من الرسول بطرس، وشخصيَّة يتكرَّر الحديث عنها في سفر الأعمال، حيث كان يُعرف باسم «يوحنا الملقَّب مرقس» (أع ١٢: ١٢ و٢٥؛ ١٥: ٣٧ و٣٩). وحين أُخرج بطرس من السِّجن (أع ١٢: ١٢)، جاء إلى بيت أُمّ يوحنا مرقس في أورشليم.
كان يوحنا مرقس، ابن أخت برنابا (كو ٤: ١٠)، هو الذي رافق بولس وبرنابا في رحلة بولس التبشيريَّة الأولى (أع ١٢: ٢٥؛ ١٣: ٥). لكنه تركهما في الطريق إلى بَرْجَة، ورجع إلى أورشليم (أع ١٣: ١٣). وعندما طلب برنابا من بولس أن يأخذ يوحنا مرقس في الرحلة التبشيريَّة الثانية، رفض بولس ذلك. وقد أدَّى الخلاف بين بولس وبرنابا إلى افتراقهما (أع ١٥: ٣٨ ٤٠).
لكن يبدو أنّ تردُّد يوحنا مرقس السابق، مهَّد لقوَّة عظيمة ونضج، ومع مرور الوقت أثبت جدارته، حتى للرسول بولس نفسه. وحين كتب بولس إلى أهل كولوسي، أوصاهم بأن يقبلوا يوحنا مرقس، عند مجيئه إليهم (كو ٤: ١٠). وكذلك لم يتوانَ بولس عن إدراج مرقس في قائمة العاملين معه (فل ٢٤). ثمّ لاحقًا، طلب بولس من تيموثاوس قائلًا: «خُذْ مرقس وأحضِره مَعَك لأنه نافع لي للخدمة» (٢تي ٤: ١١).
إنّ إعادة يوحنا مرقس إلى الخدمة النافعة، ربما يعود الفضل في قسم منه إلى خدمة بطرس. فعلاقة بطرس الوثيقة بمرقس ظهرت في قول بطرس عنه: «مرقس ابني» (١ بط ٥: ١٣). وممّا لا شكّ فيه، أنّ بطرس نفسه لم يكن في منأًى عن الفشل، وأنّ تأثيره في هذا الشاب كان بلا ريب، مفيدًا في مساعدته على التخلُّص من ذلك التردُّد بسبب حداثة سِنِّه، والدخول في مرحلة القوَّة والنضج اللذين يحتاج إليهما لمتابعة العمل الذي دعاه إليه الله.
الأناجيل لا تذكر كتّابها، وهي بذلك على نقيض الرسائل. بَيْدَ أنّ آباء الكنيسة الأوائل، يؤكِّدون بالإجماع أنّ مرقس هو الذي كتب الإنجيل الثاني. فقد كتب بابياس، أُسقف هيرابوليس، حوالى سنة ١٤٠ ب م ما يلي:
فقد قال الشيخ (أي الرسول يوحنا) ما يلي: بما أنّ مرقس كان يُسجِّل أقوال بطرس، فقد كتب بكلِّ دقّةٍ جميعَ ما تذكَّره. لكن، على كلِّ حال، لم يكن ما رواه من أقوال أو أفعال عن المسيح، ضمن ترتيب دقيق. فهو لم يسمع الربَّ مباشرةً، ولا رافقه. لكنه في ما بعد، كما قلتُ، رافق بطرس، الذي وَجَّهَ تعاليم مرقس بحسب حاجة سامعيه، ولكن من دون قصد منه أن يرويَ أقوال الربِّ بشكل منتظم. لذلك، لم يرتكب مرقس أيَّ خطإٍ في كتابة بعض الأمور كما تَذَكَّرها. وقد بذل اهتمامًا خاصًّا لكيلا يحذف أيَّ شيءٍ سمِعَه، أو يضيف أمرًا مُختلَقًا إلى النصّ.
وكتبَ يوستينوس الشهيد حوالى سنة ١٥٠ ب م، مشيرًا إلى إنجيل مرقس باعتباره «مذكَّرات بطرس»، وافترض أنّ مرقس بدأ كتابة إنجيله حين كان في إيطاليا. وهذا الأمر يتَّفق مع صيغة الفعل المتشابهة في تصوير العادات القديمة، التي اعتَبرت أنّ هذا الإنجيل قد كُتِبَ في روما لفائدة المسيحيِّين هناك. كما أنّ إِيرينايوس الذي أَرَّخ سنة ١٨٥ ب م، يدعو مرقس «تلميذ بطرس وترجمانه»، ونقلَ أنّ الإنجيل الثاني يحتوي على ما كرز به بطرس عن المسيح. إلّا أنّ ثمّة اختلافًا في شهادة آباء الكنيسة، إن كان هذا الإنجيل قد كُتب قبل موت بطرس أو بعده (حوالى ٦٧-٦٨ ب م).
لقد اقترح الباحثون الإنجيليُّون تواريخ لكتابة إنجيل مرقس، تتراوح بين سنة ٥٠ و٧٠ ب م. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا الإنجيل كُتب قبل خراب أورشليم والهيكل سنة ٧٠ ب م، بدليل كلام يسوع في ١٣: ٢. أمّا إنجيل لوقا فقد كُتب قبل سفر أعمال الرسل من دون شكّ (أع ١: ١-٣). ويمكن تأريخ كتابة سفر الأعمال حوالى ٦٣ ب م، لأنّ ذلك حصل بعد انتهاء لوقا من كتابة إنجيله بوقت قصير (رج المقدِّمة لسفر الأعمال: الكاتب والتاريخ). لذلك، من المحتمل، مع أنه من غير الموثوق، أنّ مرقس كُتب في تاريخ مبكر، ربما في الخمسينيّات من القرن الأوّل.
في حين أنّ إنجيل متّى قد كُتِبَ إلى القرّاء اليهود، فيبدو أنّ إنجيل مرقس توجَّه إلى المؤمنين الذين في روما، ولا سيّما الأُمميِّين منهم. وعندما كانت تَرِدُ تعابير آراميَّة، كان مرقس يترجمها لقرّائه (٣: ١٧؛ ٥: ٤١؛ ٧: ١١ و٣٤؛ ١٠: ٤٦؛ ١٤: ٣٦؛ ١٥: ٢٢ و٣٤). من جهة أخرى، تَراه في بعض المواضع يستخدم التعابير اللاتينيَّة بدل نظائرها في اللغة اليونانيَّة (٥: ٩؛ ٦: ٢٧؛ ١٢: ١٥ و٤٢؛ ١٥: ١٦ و٣٩). كما أنه احتسب الزمن تبعًا للنظام الرومانيّ (٦: ٤٨؛ ١٣: ٣٥)، وشَرَحَ بعنايةٍ العادات اليهوديَّة (٧: ٣ و٤؛ ١٤: ١٢؛ ٥: ٤٢). وقد حذف مرقس بعض المبادئ اليهوديَّة مثل سلسلة النسب الواردة في متّى ولوقا. كذلك، يُقَلِّل هذا الإنجيل من شواهد العهد القديم، كما يتضمَّن موادَّ قليلة، قد تكون ذات اهتمام معيَّن لدى القُرَّاء اليهود، كتلك المتعلِّقة بالفريسيِّين والصدوقيِّين (ذَكَرَ الصدوقيِّين مرَّةً واحدة فقط في ١٢: ١٨). وحين ذَكَر مرقس سمعان القيروانيَّ (١٥: ٢١)، عَرَّفه باعتباره أبا رُوفُس، العضو البارز في كنيسة روما (رو ١٦: ١٣). إنّ كلَّ ما تقدَّم، يؤيِّد النظرة التقليديَّة القائلة بأنّ إنجيل مرقس كُتِب مبدئيًّا للجمهور الأمميِّ الذي في روما.
يُعَرِّف مرقس عن يسوع باعتباره عبدَ الربِّ المتألِّم (١٠: ٤٥). كما يوجِّه الاهتمام إلى أعمال يسوع أكثر من تعليمه، مُشدِّدًا بصورة خاصّة على خدمته وتضحيته. كما يحذف مرقس المقالات المُسهَبَة الواردة في الأناجيل الأخرى، ويروي في الغالب المقتطفات الموجزة فقط، ليقدِّم عصارة تعليم يسوع. كذلك حذف مرقس كلَّ ما يتعلَّق بِنَسَبِ يسوع وولادته، مبتدئًا من بداية خدمة يسوع العلنيَّة، انطلاقًا من معموديَّته على يد يوحنا في البريَّة.
ثمّة ثلاثة أسئلة بارزة تُواجه المتتبِّع لإنجيل مرقس: ١) ما هي العلاقة بين مرقس ولوقا ومتّى؟ (راجع لاحقًا مسألة الأناجيل المتشابهة)؛ ٢) كيف يتمُّ تفسير النصوص الدالَّة على الأُخرويّات (رج ح ف ٤ و١٣)؛ ٣) هل كانت الأعداد الاثنا عشر من ف ١٦، جزءًا من إنجيل مرقس فعلًا؟ (رج ح ١٦: ٩-٢٠).
إنّ قراءةً لمتّى ومرقس ولوقا، حتى لو كانت خاطفة، تُظهِر تشابهًا قويًّا من جهة (رج ٢: ٣-١٢؛ مت ٩: ٢-٨؛ لو ٥: ١٨-٢٦)، كما تُظهر اختلافًا بارزًا من جهة أُخرى، بحسب ما يرى كلُّ واحد منهم حياة يسوع وخدمته وتعليمه. والسؤال حول كيفيَّة تفسير ذلك التشابه وتلك الفوارق هو ما يُعرَف «بمسألة الأناجيل المتشابهة».
أمّا الحلُّ الحديث، حتىّ بين الإنجيليِّين، فكان افتراض وجود شكل معيَّن من أشكال التبعيَّة الأدبيَّة بين الأناجيل المتشابهة. والنظريَّة الأكثر قبولًا في شرح هذه التبعيَّة الأدبيَّة الظاهريَّة تُعرف بنظريَّة «المَصدَرَين». وبحسب تلك الفَرَضيَّة، يكون مرقس أوّل إنجيل كُتِبَ، ومن ثَمَّ يكون متّى ولوقا قد استخدما مرقس كمصدر لكتابة إنجيليهما. فالمؤَيدون لهذا الرأي، لا يتصوَّرون وجود مصدرٍ ثانٍ مُعلَمٍ بالحرف «م» نسبةًً إلى الكلمة «مصدر»، ويقولون إنّ هذا حسب الظاهر يبيِّن سبب الموادَّ في متّى ولوقا، التي لا تظهر في مرقس. وهؤلاء يقدِّمون عددًا من الأدلَّة ليدعموا مزاعمهم:
أوّلًا، إنّ معظم ما جاء في مرقس يتوازى مع متّى ولوقا. وبما أنّ مرقس أقصر بكثير من متّى ولوقا، فإنّ هذا الأخير ينبغي أن يكون توسيعًا لمرقس.
ثانيًا، إنّ الأناجيل الثلاثة تتبع التسلسل الزمنيَّ نفسه للنقاط الرئيسيَّة في المحتوى، ولكن حين يخرج، إمّا متّى وإمّا لوقا عن تسلسل مرقس الزمنيّ، فإنّ الآخَرَ يتَّفق مع مرقس. وبكلامٍ آخر، إنّ متّى ولوقا لا يبتعدان عن تسلسل مرقس الزمنيِّ في الأماكن ذاتها، وذاك حسب زعمهم، يُظهِر أنّ متّى ولوقا استخدما مرقس لإطارهما التاريخيّ.
ثالثًا، حين تكون المقاطع مشتركة بين الأناجيل الثلاثة، فإنّ تعابير متّى ولوقا نادرًا ما تتَّفق في ما بينها حين تختلف عن تعابير مرقس. وعليه، فإنّ مؤيِّدي نظريَّة «المَصدَرَين» يرون ذلك وكأنه تأكيد أنّ متّى ولوقا اتَّخذا من مرقس مصدرًا لهما.
لكنّ ذلك النقاش لا يبرهن أنّ متّى ولوقا استخدما إنجيل مرقس مصدرًا لهما. ففي الواقع، ثمّة دلائل دامغة ضدَّ نظرية كهذه:
١) إنّ شهادة الكنيسة في شبه إجماع كليّ، حتّى القرن التاسع عشر، هي أنّ متّى هو الإنجيل الذي كُتِبَ أوّلًا. فهذا الدليل الفعَّال لا يمكن تجاهله.
٢) لماذا يمكن لِمتّى، وهو رسولٌ وشاهدُ عِيان على أحداث حياة المسيح، أن يعتمد على مرقس (الذي لم يكن شاهدَ عِيان)، حتىّ في سرد وقائع اهتداء متّى بالذات؟
٣) أَظهَرَ تحليلٌ إحصائيٌّ هامٌّ حول الأناجيل المتشابهة، أنّ النقاط المشتركة بينها هي أقلُّ بكثير ممّا يصوِّرها البعض، بينما الفوارق هي أكثر بروزًا ممّا هو مُعتَرَفٌ به عادةً. فتلك الفوارق بصورة خاصَّة، تشهد ضدَّ التبعيَّة الأدبيَّة بين كُتَّاب الأناجيل.
٤) بما أنّ الأناجيل تُسَجِّل أحداثًا تاريخيَّة فعليَّة، فمن الغرابة أن لا تتبع التسلسل التاريخيَّ العامَّ نفسَه. فعلى سبيل المثل، إذا صدرت ثلاثةُ كتُب عن التاريخ الأَميركيّ، تتناول جميعُها حرب الثورة، والحرب الأهليَّة، والحرب العالميَّة الأولى والثانية، وحرب فيتنام، وحرب الخليج، وتندرج جميعُها ضمن التسلسل التاريخيِّ المنتظم، فهذا لا يدلُّ على أنّ المؤلفين قد قرأوا بعضُهم كتُبَ بعض. فالتوافق العامُّ في المحتوى لا يدلُّ بالضرورة على تبعيَّةٍ أدبيَّة.
٥) إنّ المقاطع التي يتَّفق فيها متّى ولوقا حول مرقس (رج المناقشة تحت رقم ٣ المؤيِّدة لنظريَّة «المصدَرَين») توازي حوالى سدس إنجيل متّى وسدس إنجيل لوقا. فلو كانا فعلًا قد استخدما إنجيل مرقس كمصدر لهما، فلن يكون ثمّة تفسير مقبول حول السؤال، لماذا كان على متّى ولوقا باستمرار، أن يغيِّرا أسلوب مرقس بالطريقة عينها؟
٦) لا تستطيع نظريَّة «المصدَرَين» أن تعطي تعليلًا للمقطع المهمِّ في إنجيل مرقس (٦: ٤٥-٨: ٢٦) والذي يحذفه لوقا. فذاك الحذف يفترض أنّ لوقا لم يكن قد رأى إنجيل مرقس حين كَتَبَ إنجيله.
٧) لا يوجد أيُّ دليل تاريخيٍّ أو مخطوطة تدلُّ على أنّ ما يُسمَّى «وثيقة المَصدَر» كان لها أيُّ وجود؛ إنها محض اختراع للفلسفة الشكوكيَّة الحديثة، ومحاولة لِنَزْعِ صفة الوحي عن الأناجيل.
٨) إنّ أيَّ نظريَّة تتعلَّق بالتبعيَّة الأدبيَّة بين كُتَّاب الأناجيل، إنما تُغفِلُ الدَّورَ البارز للتواصل الشخصيِّ في ما بينهم. فمرقس ولوقا كانا كلاهما رفيقَي بولس (رج فل ٢٤)؛ والكنيسة الأولى (بمن فيها متّى) كانت في وقت من الأوقات تجتمع في بيت أُمِّ مرقس (أع ١٢: ١٢)؛ وكان يَسهُل على لوقا أن يقابل متّى طيلة فترة سنتي سجن بولس في قيصريَّة (رج ح أع ٢٧: ١). وعليه، فإنّ تواصلًا من هذا النوع يجعل من نظريّات التبعيَّة الأدبيَّة المتبادلة أمرًا غير ضروريّ. إنّ أبسط حلٍّ لمشكلة التشابه هو أنّ هذه المشكلة ليست موجودة أصلًا. وبما أنّ النقاد لا يمكنهم أن يبرهنوا التبعيَّة الأدبيَّة بين كُتَّاب الأناجيل، فلا حاجة إذًا لتفسير ذلك. وإنّ النظرة التقليديَّة إلى كون كُتَّاب الأناجيل قد انقادوا بإلهام الله، وكتبوا مُستقلِّين عن بعضهم، ما خلا أنّ ثلاثتهم كانوا منقادين من الروح القدس ذاته (٢بط ١: ٢١)، تبقى هي النظرة الوحيدة المعقولة. وبينما يُجري القارئ مقارنةً بين وجهات النظر المتعدِّدة في الأناجيل، يتَّضح له مدى انسجامها، ويقوده ذلك إلى صورة أكمل للحدث أو للرسالة بمجملها. فما هو مكتوب لا تناقض فيه، بل يُكمِّل بعضه بعضًا ليُقَدِّم فهمًا أشمل حين يُجمَع بعضه إلى بعض. وإنّ الصعوبات الظاهرة، تتمُّ معالجتها في حواشي كلِّ إنجيل.
المحتوى
أوّلًا: توطئة: في البريَّة (١: ١-١٣)
أ) رسالة يوحنا (١: ١-٨)
ب) معموديَّة يسوع (١: ٩-١١)
ج) تجربة يسوع (١: ١٢ و١٣)
ثانيًا: بَدءُ خدمته: في الجليل، وفي المناطق المجاورة (١: ٤-٧: ٢٣)
أ) يسوع يُعلِن رسالته (١: ١٤ و١٥)
ب) يسوع يدعو تلاميذه (١: ١٦-٢٠)
ج) يخدم في كفرناحوم (١: ٢١-٣٤)
د) يوسِّع خدمته في الجليل (١: ٣٥-٤٥)
هـ) يدافع عن خدمته (٢: ١-٣: ٦)
و) يعظ الجموع (٣: ٧-١٢)
ز) يعطي المأموريَّة للاثني عشر (٣: ١٣-١٩)
ح) يوبِّخ الكتبة والفريسيِّين (٣: ٢٠-٣٠)
ط) يُعَرِّف بعائلته الروحيَّة (٣: ٣١-٣٥)
ي) يعظ بأمثال (٤: ١-٣٤)
١. مَثَلُ الزارع (٤: ١-٩)
٢. سبب تكلُّمه بأمثال (٤: ١٠-١٢)
٣. تفسير مَثَلِ الزارع (٤: ١٣-٢٠)
٤. مَثَلُ السِّراج (٤: ٢١-٢٥)
٥. مَثَلُ البذار (٤: ٢٦-٢٩)
٦. مَثَلُ حبَّة الخردل (٤: ٣٠-٣٤)
ك) يُظهِر سلطانه (٤: ٣٥-٥: ٤٣)
١. إسكاتُه البحر (٤: ٣٥-٤١)
٢. إخراجُه الشياطين (٥: ١-٢٠)
٣. شفاؤه المرضى (٥: ٢١-٣٤)
٤. إقامتُه الموتى (٥: ٣٥-٤٣)
ل) عودتُه إلى وطنه (٦: ١-٦)
م) إرساله تلاميذه (٦: ٧-١٣)
ن) يقهر عدوًّا قويًّا (٦: ١٤-٢٩)
س) يجتمع بالتلاميذ من جديد (٦: ٣٠-٣٢)
ع) يُطعِم الخمسة آلاف (٦: ٣٣-٤٤)
ف) يمشي على الماء (٦: ٤٥-٥٢)
ص) يشفي كثيرين (٦: ٥٣-٥٦)
ق) جوابُه للفريسيِّين (٧: ١-٢٣)
ثالثًا: توسيعه خدمته، إلى مناطق أُمميَّة عدَّة (٧: ٢٤-٩: ٥٠)
أ) صور وصيداء: شفاؤه ابنة امرأة أُمميَّة (٧: ٢٤-٣٠)
ب) المدن العشر: يشفي الأَصمَّ الأَعقد (٧: ٣١-٣٧)
ج) شاطئ الجليل الشرقيُّ: يُطعِم الأربعة آلاف (٨: ١-٩)
د) دَلْمانوثَة: محاورتُه مع الفريسيِّين (٨: ١٠-١٢)
هـ) جانب البحيرة الآخر: يوبِّخ التلاميذ (٨: ١٣-٢١)
و) بيت صيدا: يشفي الأعمى (٨: ٢٢-٢٦)
ز) قيصريَّة فيلبُّس وكَفْرَناحوم: يرشد التلاميذ (٨: ٢٧-٩: ٥٠)
١. بطرس يعترف بأنّ يسوع هو المسيح (٨: ٢٧-٣٠)
٢. يُنبئُ بموته (٨: ٣١-٣٣)
٣. يوضح كلفة التلمذة (٨: ٣٤-٣٨)
٤. يُظهِر مجدَه (٩: ١-١٠)
٥. يوضح دور إيليا (٩: ١١-١٣)
٦. يُخرِج روحًا نجسًا (٩: ١٤-٢٩)
٧. مرةً ثانية يُنبئُ بموته وقيامته (٩: ٣٠-٣٢)
٨. تعريفه بعظمة الملكوت (٩: ٣٣-٣٧)
٩. تعريفه بالثمر الروحيِّ الحقيقيّ (٩: ٣٨-٤١)
١٠. تحذيرُه للذي سيكون حجر عثرة (٩: ٤٢-٥٠)
رابعًا: خاتمة خدمته: الطريق نحو أورشليم (١٠: ١-٥٢)
أ) يُعَلِّم عن الطلاق (١٠: ١-١٢)
ب) يبارك الأولاد (١٠: ١٣-١٦)
ج) يواجه الشابَّ الغنيّ (١٠: ١٧-٢٧)
د) يؤكِّد مكافآت التلاميذ (١٠: ٢٨-٣١)
هـ) يُحَضِّر التلاميذ لموته (١٠: ٣٢-٣٤)
و) يطالب التلاميذ بالخدمة المتواضعة (١٠: ٣٥-٤٥)
ز) يشفي الأعمى (١٠: ٤٦-٥٢)
خامسًا: يُتَمِّم خدمته: أورشليم (١١: ١-١٦: ٢٠)
أ) دخوله الظافر (١١: ١-١١)
ب) التطهير (١١: ١٢-١٩)
١. لعنُهُ شجرة التين (١١: ١٢-١٤)
٢. تطهيرُه الهيكل (١١: ١٥-١٩)
ج) تعليمُه في السرِّ والعلن (١١: ٢٠-١٣: ٣٧)
١. في العلن: في الهيكل (١١: ٢٠-١٢: ٤٤)
أ) مقدِّمة: المغزى من شجرة التين (١١: ٢٠-٢٦)
ب) مسألة سلطانه (١١: ٢٧-٣٣)
ج) مسألة رفضه (١٢: ١-١٢)
د) مسألة دفع الجزية (١٢: ١٣-١٧)
هـ) مسألة القيامة (١٢: ١٨-٢٧)
و) مسألة الوصية العظمى (١٢: ٢٨-٣٤)
ز) مسألة بنوَّة المسيح الحقيقيَّة (١٢: ٣٥-٣٧)
ح) مسألة الكتبة (١٢: ٣٨-٤٠)
ط) مسألة العطاء الحقيقيّ (١٢: ٤١-٤٤)
٢. في السرّ: على جبل الزيتون (١٣: ١-٣٧)
أ) سؤال التلاميذ عن نهاية الأزمنة (١٣: ١)
ب) جواب الربّ (١٣: ٢-٣٧)
د) تدابير الخيانة (١٤: ١ و٢ و١٠ و١١)
هـ) دهنه بالطيب، العشاء الأخير، الخيانة، الاعتقال، المحاكمة (الشقُّ اليهوديّ) (١٤: ٣-٩ و١٢-٧٢)
١. دهنه بالطيب: في بيت عنيا (١٤: ٣-٩)
٢. العشاء الأخير: أورشليم (١٤: ١٢-٣١)
٣. صلاته: في جثسيماني (١٤: ٣٢-٤٢)
٤. الخيانة: في جثسيماني (١٤: ٤٣-٥٢)
٥. المحاكمة اليهوديَّة: في بيت قيافا (١٤: ٥٣-٧٢)
و) المحاكمة (المرحلة الرومانيَّة)، والصَّلب (١٥: ١-٤١)
١. المحاكمة الرومانية: قضاء بيلاطس (١٥: ١-١٥)
٢. الصَّلب: الجلجثة (١٥: ١٦-٤١)
ز) الدفن في قبر يوسفَ الراميّ (١٥: ٤٢-٤٧)
ح) القيامة (١٦: ١-١٨)
ط) حاشية (١٦: ٩-٢٠)
هذا الإنجيل، كما الأناجيل الثلاثة الأُخر، يستمدُّ اسمه من كاتبه. فلوقا بحسب التقليد، كان أُمميًّا. ويبدو أنّ الرسول بولس يؤكِّد ذلك، مميِّزًا لوقا عن أولئك الذين كانوا «من الختان» (كو ٤: ١١ و١٤). وبهذا يكون لوقا الأُمميَّ الوحيد من بين الذين كتبوا جميع أسفار الكتاب المقدس. فهو مسؤول عن جزء بارز من العهد الجديد، إذ كتب كلًّا من هذا الإنجيل، وسِفر أعمال الرسل (رج الكاتب والتاريخ).
لا يُعرَف الكثير عن لوقا، كما أنه قلّما يَذكُر في كتاباته تفاصيل عن نفسه، ولا شيء محدَّدًا يُعرف عن خلفيَّته واهتدائه. هذا، ويُعَرِّف به كلٌّ من يوسيبيوس وجيروم باعتباره أنطاكيًّا (وهذا يمكن أن يفسِّر لماذا يُركِّز سفر أعمال الرسل بهذه الكثرة على أنطاكية، رج أع ١١: ١٩-٢٧؛ ١٣: ١-٣؛ ١٤: ٢٦؛ ١٥: ٢٢ و٢٣ و٣٠-٣٥؛ ١٨: ٢٢ و٢٣). وكان لوقا رفيقًا دائمًا للرسول بولس، على الأقلِّ من حين حصول الرؤيا لبولس عن مكدونيَّة (أع ١٦: ٩ و١٠)، إلى حين استشهاد بولس (٢ تي ٤: ١١).
لقد ذكر الرسول بولس أنّ لوقا طبيب (كو ٤: ١٤)، علمًا أنّ اهتمام لوقا بالمسائل الطبيَّة ظاهر من خلال تصويره الدقيق لأعمال الشفاء التي قام بها يسوع (مثلًا ٤: ٣٨-٤٠؛ ٥: ١٥-٢٥؛ ٦: ١٧-١٩؛ ٧: ١١-١٥؛ ٨: ٤٣-٤٧ و٤٩-٥٦؛ ٩: ٢ و٦ و١١؛ ١٣: ١١-١٣؛ ١٤: ٢-٤؛ ١٧: ١٢-١٤؛ ٢٢: ٥٠ و٥١). وتجدر الإشارة إلى أنّ الأطبَّاء في أيام لوقا لم يكن لديهم معجم خاصٌّ بالمصطلحات الطبيَّة، لذلك حين يناقش لوقا أعمال الشفاء، ومسائل طبيَّة أخرى، فإنّ لغته لا تبدو مختلفة عن باقي كتبة الأناجيل.
واضحٌ بجلاء أنّ إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل كتبهما كاتبٌ واحد (رج ١: ١-٤؛ أع ١: ١). وعلى الرغم من أنه لم يُعرِّف قطُّ بنفسه بالاسم، فالأمر واضح من استخدامه الضمير «نحن» في أجزاء عديدة من سفر الأعمال، كلَّما ذكر أنه رفيق مُقرَّبٌ من الرسول بولس (أع ١٦: ١٠-١٧؛ ٢٠: ٥-١٥؛ ٢١: ١-١٨؛ ٢٧: ١-٢٨: ١٦). ولوقا هو الشخص الوحيد من بين رفاق بولس، الذي يذكره هذا الأخير في رسائله الخاصَّة (كو ٤: ١٤؛ ٢ تي ٤: ١١؛ فل ٢٤)، والذي يوافق صورة كاتب هذين السِّفرين. وهذا الأمر ينسجم تمامًا مع تقاليد الكنيسة التي من البدء أَجمَعَت على نسبة هذا الإنجيل إلى لوقا.
يبدو أنّ إنجيل لوقا وسفر الأعمال قد كُتبا في ذات الوقت تقريبًا، إنما إنجيل لوقا أوّلًا، ثمّ سفر الأعمال. فهما يشكِّلان مجتمعَين، مُجلَّدًا من جزئَين، موجَّهًا إلى «ثاوفيلُس» (١: ٣؛ أع ١: ١؛ رج الخلفيَّة والإطار) ومقدِّمًا تاريخًا شاملًا عن تأسيس المسيحيَّة من وقت ولادة المسيح إلى حين وُضِعَ بولس تحت الإقامة الجبريَّة في بيته بروما (أع ٢٨: ٣٠ و٣١).
ينتهي سفر الأعمال، حيث بولس كان بعدُ في روما، وهذا يوصِل إلى خُلاصة، مفادها أنّ لوقا كتب هذين السِّفرين من روما أثناء سجن بولس هناك (حوالى ٦٠-٦٢ ب م). ويسجِّل لوقا نبوَّة يسوع عن خراب أورشليم سنة ٧٠ ب م (١٩: ٤٢-٤٤؛ ٢١: ٢٠-٢٤)، ولكنه لا يذكر شيئًا عن تحقيق تلك النبوَّة لا هنا ولا في سفر الأعمال. وقد قصَدَ لوقا أن يسجِّل هذه التحقيقات النبويَّة (رج أع ١١: ٢٨)، لهذا يبدو من غير الممكن البتَّة أنه كتب هذين السِّفرين بعد الغزو الرومانيِّ إلى أورشليم. كذلك لا يذكر سفر الأعمال شيئًا عن الاضطهاد العظيم الذي بدأ إبّانَ حكم نيرون سنة ٦٤ ب م. أضِف أنّ العديد من الدارسين يُعيِّنون زمن استشهاد يعقوب سنة ٦٢ ب م، فلو كان ذلك قبل إنهاء لوقا تأريخه، لكان من المؤكَّد أنه ذكر ذلك. وعليه، فإنّ التاريخ الأقرب احتمالًا لكتابة الإنجيل هو ٦٠ أو ٦١ ب م.
لقد أهدى لوقا أعماله هذه إلى «العزيز ثاوفيلُس» (ويعني الاسم، «محبوبٌ من الله»، ١: ٣؛ رج أع ١: ١). وهذا التعريف الذي قد يكون لقبًا أو اسمًا مستعارًا، كان مصحوبًا بمخاطبة رسميَّة («العزيز»)، ربما للدلالة على أنّ «ثاوفيلُس» كان شخصيَّة رومانيَّة رفيعة المستوى، ويُحتمل أنه كان من الذين رجعوا إلى المسيح «من بيت قيصر» (في ٤: ٢٢).
لكن يُرجَّح أنّ لوقا تصوَّر أن يكون قرّاؤه أكثر بكثير من مجرَّد إنسانٍ بمفرده. فالإهداءُ في مُستهلِّ الإنجيل وسفر الأعمال، يشبه الإهداء التقليديَّ في كتاب حديث اليوم. وهو دون شكٍّ ليس مثل التحيَّة التي تتضمَّنها مقدِّمة الرسائل.
ويؤكِّد لوقا أنّ معلوماته حول الأحداث المسجَّلة في إنجيله، استقاها من تقارير الذين كانوا شُهودَ عِيان (١: ١ و٢)، ممّا يفترض بقوَّة أنه هو نفسه لم يكن شاهدَ عِيان. ويبدو واضحًا من مقدِّمته أنّ هدفه كان تقديم تقرير منظَّم لأحداث حياة يسوع، ولكن هذا لا يعني أنه كان دائمًا يتبع جدولًا زمنيًّا دقيقًا في جميع الحالات (مثلًا، رج ح ٣: ٢٠).
أمّا اعتراف لوقا بأنه جمَعَ تقاريره من مصادر متعدِّدة كانت بعدُ على قيد الحياة، (رج ح ١: ١)، فذلك لا يعني أنه ينفي صفة الوحي الإلهيِّ عن عمله. فعمليَّة الوحي لا تُغفِل قطُّ أو تتجاوز شخصيَّة كُتَّاب الوحي البشريِّين، أو مفرداتهم أو أساليبهم في التعبير. فخصائص الكُتَّاب البشريِّين الفريدة تترك دائمًا بصماتها التي لا تُمحى على أسفار الكتاب المقدس كلِّها. وبحثُ لوقا هذا، ليس استثناءً للقاعدة. فالبحث نفسه كان مرتَّبًا بعناية إلهيَّة. وكان لوقا في كتابته، يُسَيَّر بروح الله (٢ بط ١: ٢١). لذلك فإنّ ما دوَّنه معصوم من الخطأ (رج ح ١: ٣).
يستطيع القارئ أن يلاحظ بسهولة أنّ أسلوب لوقا في التعبير هو أسلوبُ كاتبٍ مثقَّفٍ واسع الاطِّلاع (رج ح ١: ١-٤). فقد كتب كمؤرِّخٍ مُدَقِّق، مقدِّمًا في الغالب تفاصيل تساعد على التعرُّف بالسياق التاريخيِّ للأحداث التي يصفها (١: ٥؛ ٢: ١ و٢؛ ٣: ١ و٢؛ ١٣: ١-٤).
أمّا تقريره عن ميلاد المسيح، فهو الأَكمل بين كلِّ تقارير الأناجيل، وهو (مثل باقي أعمال لوقا) الأكثر أناقةً في التعبير الإنشائيّ. وقد ضمَّن قصَّة الولادة سلسلة من مزامير الحمد (١: ٤٦-٥٥؛ ١: ٦٨-٧٩؛ ٢: ١٤؛ ٢: ٢٩-٣٢ و٣٤ و٣٥). وهو وحده، سجَّل الظروف غير العاديَّة التي أحاطت بولادة يوحنا المعمدان وبشارة الملاك لمريم والمذود والرُّعاة وسمعان وحنَّة (٢: ٢٥-٣٨).
ثمّة موضوع يتناوله إنجيل لوقا باستمرار، هو إشفاق يسوع على الأُمميِّين والسامريِّين والنساء والأطفال والعشّارين والخطاة وغيرهم ممّن يُعتبَرون من المنبوذين في إسرائيل. ففي كلِّ مرَّةٍ يأتي لوقا على ذكر أحد العشّارين (٣: ١٢؛ ٥: ٢٧؛ ٧: ٢٩؛ ١٥: ١؛ ١٨: ١٠-١٣؛ ١٩: ٢)، يُظهِره بصورةٍ إيجابيَّة. بَيْدَ أنّ لوقا لم يتجاهل خلاص أولئك الذين كانوا أغنياء ومحترمين، مثلًا، ٢٣: ٥٠-٥٣. فمن حين ابتداء خدمة يسوع العلنيَّة (٤: ١٨) وإلى آخر كلمة نطق بها الربُّ على الصليب (٢٣: ٤٠-٤٣)، فَهِمَ لوقا هذا الموضوع عن خدمة المسيح لمنبوذي المجتمع. ومرَّةً تلو الأخرى كان يُبيِّن كيف أنّ الطبيب العظيم كان يخدم أولئك الذين يُدركون جيِّدًا حاجتهم (رج ٥: ٣١ و٣٢؛ ١٥: ٤-٧ و٣١ و٣٢؛ ١٩: ١٠).
يُقدِّم لوقا عن النساء صورة واضحة الدلالة. فمِن وقت ولادة المسيح، حيث تُعطى مريم وأليصابات وحنَّة أهميَّة خاصَّة (ف ١ و٢)، إلى أحداث صبيحة القيامة حيث النساء هُنَّ مرَّةً أخرى الشخصيات الرئيسيَّة (٢٤: ١ و١٠)، شدَّد لوقا على دور النساء المحوريِّ في حياة ربِّنا وخدمته (مثلًا ٧: ١٢-١٥ و٣٧-٥٠؛ ٨: ٢ و٣ و٤٣-٤٨؛ ١٠: ٣٨-٤٢؛ ١٣: ١١-١٣؛ ٢١: ٢-٤؛ ٢٣: ٢٧-٢٩ و٤٩ و٥٥ و٥٦).
ثمّة مواضيع أخرى متكرِّرة تُشكِّل نسيجًا في ثنايا إنجيل لوقا؛ مثلًا، الخوف البشريُّ في حضرة الله (رج ح ١: ١٢)؛ الغفران (٣: ٣؛ ٥: ٢٠-٢٥؛ ٦: ٣٧؛ ٧: ٤١-٥٠؛ ١١: ٤؛ ١٢: ١٠؛ ١٧: ٣ و٤؛ ٢٣: ٣٤؛ ٢٤: ٤٧)؛ الفرح (رج ح ١: ١٤)؛ التعجُّب حول أسرار الحقِّ الإلهيّ (رج ح ٢: ١٨)؛ عمل الروح القدس (١: ١٥ و٣٥ و٤١ و٦٧؛ ٢: ٢٥-٢٧؛ ٣: ١٦ و٢٢؛ ٤: ١ و١٤ و١٨؛ ١٠: ٢١؛ ١١: ١٣؛ ١٢: ١٠ و١٢)؛ هيكل أورشليم (١: ٩-٢٢؛ ٢: ٢٧-٣٨ و٤٦-٤٩؛ ٤: ٩-١٣؛ ١٨: ١٠-١٤؛ ١٩: ٤٥-٤٨؛ ٢٠: ١-٢١: ٦؛ ٢١: ٣٧ و٣٨؛ ٢٤: ٥٣)؛ صلوات يسوع (رج ح ٦: ١٢).
ابتداءً من ٩: ٥١ يخصِّص لوقا عشرة أصحاحات من سَرده ليَصِف رحلة يسوع الأخيرة إلى أورشليم، علمًا أنّ الكثير ممّا ورد في هذا النصّ يتفرَّد به لوقا. إنه لُبُّ إنجيل لوقا، وهو يصوِّر موضوعًا نبَّر عليه لوقا باستمرار: إنه تَوَجُّه يسوع الثابت نحو الصليب. فلقد كان هذا هدف المسيح الذي لأجله جاء إلى العالم (رج ٩: ٢٢ و٢٣؛ ١٧: ٢٥؛ ١٨: ٣١-٣٣؛ ٢٤: ٢٥ و٢٦ و٤٦)، ولن يُعيقه عائق. فخلاص الخطاة كان كلَّ غايته (١٩: ١٠).
لوقا، على غرار مرقس، ولكن على نقيض متّى، يبدو أنه يتوجَّه إلى قُرَّاء من الأُمم (رج مقدِّمة مرقس: عقبات تفسيريَّة، لأجل البحث في مسألة الأناجيل المتشابهة). فهو يُعرِّف بأماكن كانت مألوفة لدى اليهود (مثلًا، ٤: ٣١؛ ٢٣: ٥١؛ ٢٤: ١٣)، مفترِضًا أنّ جمهوره الذي يكتب إليه، هو أبعد من أولئك الذين يعرفون جغرافيَّة فلسطين. وكان عادةً، يُفضِّل المصطلحات اليونانيَّة على العبريَّة (مثلًا، «جمجمة» بدلًا من «جلجثة» في ٢٣: ٣٣). أَضِفْ أنّ الأناجيل الأخرى كلَّها، تستخدم أحيانًا تعابير ساميَّة من مثل «أَبّا» (مر ١٤: ٣٦)، و«ربّي» (مت ٢٣: ٧ و٨؛ يو ١: ٣٨ و٤٩)، و«أُوصَنّا» (مت ٢١: ٩؛ مر ١١: ٩ و١٠؛ يو ١٢: ١٣) أمّا لوقا، فهو إمّا قد حَذفَها وإمّا استخدم ما يقابلها في اليونانيَّة.
أمّا اقتباسات لوقا من العهد القديم، فتبدو شحيحةً أكثر من متّى، وحين كان يستقي من فقرات العهد القديم، كان إجمالًا يستند إلى الترجمة السبعينيَّة، وهي ترجمة يونانيَّة للأسفار المقدسة العبريَّة. ثمّ إنّ معظم اقتباسات لوقا من العهد القديم تأتي بشكل تلميحات أكثر منها اقتباسات مباشرة، وأكثرها يظهر في كلام يسوع بدلًا من سَرْد لوقا (٢: ٢٣ و٢٤؛ ٣: ٤-٦؛ ٤: ٤ و٨ و١٠-١٢ و١٨ و١٩؛ ٧: ٢٧؛ ١٠: ٢٧؛ ١٨: ٢٠؛ ١٩: ٤٦؛ ٢٠: ١٧ و١٨ و٣٧ و٤٢ و٤٣؛ ٢٢: ٣٧).
وقد أبرز لوقا، أكثر من أيِّ واحد من كَتَبة الأناجيل الآخرين، الغاية الكونيَّة من الدعوة التي يوجِّهها الإنجيل. فقد صوَّر يسوع كابن الإنسان المرفوض من إسرائيل، والمقدَّم من ثَمَّ إلى العالم. وكما هو ملحوظ أعلاه (رج المواضيع التاريخيَّة واللاهوتيَّة)، فقد حرص لوقا تكرارًا على نقل أخبار الأُمميِّين والسامريِّين وغيرهم من المنبوذين الذين وجدوا نعمة في عيني يسوع. وهذا التشديد هو بالضبط ما نتوقَّعه من رفيق ملازمٍ «لرسول الأُمم» (رو ١١: ١٣).
بَيْد أنّ بعض النُقَّاد يزعمون أنهم يرون فجوة واسعة بين لاهوت لوقا ولاهوت بولس. صحيح أنّ إنجيل لوقا هو عمليًّا خِلْوٌ من المصطلحات التي يتميَّز بها بولس وحده. فلوقا كتب بأُسلوبه التعبيريِّ الخاصّ. إلّا أنّ اللاهوت الكامن وراء ذلك هو في انسجام تامٍّ مع ذاك الذي للرسول بولس. فالغاية المحوريَّة من تعليم بولس كانت التبرير بالإيمان (رج ح رو ٣: ٢٤). ولوقا أيضًا، شدَّد على التبرير بالإيمان، وقدَّم إيضاحات على ذلك في العديد من الأحداث والأمثال التي سردها، ولا سيّما مَثل الفريسيِّ والعشّار (١٨: ٩-١٤)؛ والقصة الشهيرة عن الابن الضالّ (١٥: ١١-٣٢)؛ والحادثة في بيت سمعان الفريسيّ (٧: ٣٦-٥٠)؛ وخلاص زكّا (١٩: ١-١٠).
المحتوى
أوّلًا: توطئة لخدمة المسيح (١: ١-٤: ١٣)
أ) تمهيد (١: ١-٤)
ب) ولادة يسوع (١: ٥-٢: ٣٨)
١. الإعلان لزكريّا (١: ٥-٢٥)
٢. الإعلان لمريم (١: ٢٦-٣٨)
٣. الزيارة (١: ٣٩-٤٥)
٤. التعظيم (١: ٤٦-٥٦)
٥. ولادة السابق (١: ٥٧-٨٠)
٦. ميلاد المسيح (٢: ١-٣٨)
ج) فُتُوَّة يسوع (٢: ٣٩-٥٢)
١. في الناصرة (٢: ٣٩ و٤٠)
٢. في الهيكل (٢: ٤١-٥٠)
٣. في عائلته (٢: ٥١ و٥٢)
د) معموديَّة يسوع (٣: ١-٤: ١٣)
١. كرازة يوحنا المعمدان (٣: ١-٢٠)
٢. شهادة المسيح (٣: ٢١ و٢٢)
٣. سلسلة نسب ابن الإنسان (٣: ٢٣-٣٨)
٤. تجربة ابن الله (٤: ١-١٣)
ثانيًا: الخدمة في الجليل (٤: ١٤-٩: ٥٠)
أ) ابتداء خدمته (٤: ١٤-٤٤)
١. في الناصرة (٤: ١٤-٣٠)
٢. في كفرناحوم (٤: ٣١-٤٢)
أ) إخراج شياطين (٤: ٣١-٣٧)
ب) شفاء جموع كثيرة (٤: ٣٨-٤٢)
٣. مدن الجليل (٤: ٢٣ و٤٤)
ب) دعوة تلاميذه (٥: ١-٦: ١٦)
١. أربعة صيَّادي سمك (٥: ١-٢٦)
أ) اصطياد الناس (٥: ١-١١)
ب) شفاء الأمراض (٥: ١٢-١٦)
ج) غفران الخطايا (٥: ١٧-٢٦)
٢. لاوي (٥: ٢٧-٦: ١١)
أ) الإنجيل: ليس للأبرار بل للخطاة (٥: ٢٧-٣٢)
ب) الزقاق: ليس العتيقة بل الجديدة (٥: ٣٣-٣٩)
ج) السبت: ليس للعبوديَّة بل لفعل الخير (٦: ١-١١)
٣. الاثنا عشر (٦: ١٢-١٦)
ج) إتمام عمله (٦: ١٧-٩: ٥٠)
١. وعظه في موضع سهل (٦: ١٧-٤٩)
أ) التطويبات (٦: ١٧-٤٩)
ب) الويلات (٦: ٢٤-٢٦)
ج) الوصايا (٦: ٢٧-٤٩)
٢. خدمته في المدن (٧: ١-٨: ٢٥)
أ) شفاؤه عبد قائد المئة (٧: ١-١٠)
ب) إقامته ابن الأرملة (٧: ١١-١٧)
ج) تشجيعه تلاميذ يوحنا المعمدان (٧: ١٨-٣٥)
د) غفرانه لاِمرأة خاطئة (٧: ٣٦-٥٠)
هـ) يجمع تلاميذ مُحبِّين (٨: ١-٣)
و) يُعلِّم الجموع بأمثال (٨: ٤-٢١)
ز) يُسكِتُ الريح والموج (٨: ٢٢-٢٥)
٣. يُسافر في الجليل (٨: ٢٦-٩: ٥٠)
أ) يشفي المجنون (٨: ٢٦-٣٩)
ب) يشفي امرأة (٨: ٤٠-٤٨)
ج) يُقيم صَبيَّة (٨: ٤٩-٥٦)
د) يُرسل الاثني عشر (٩: ١-٦)
هـ) يُحَيِّر هيرودس (٩: ٧-٩)
و) يُطعِم الجموع (٩: ١٠-١٧)
ز) يتنبَّأ عن صلبه (٩: ١٨-٢٦)
ح) يُظهِر مجده (٩: ٢٧-٣٦)
ط) يطرد روحًا نجسًا (٩: ٣٧-٤٢)
ي) يعطي توجيهاته لتلاميذه (٩: ٤٣-٥٠)
ثالثًا: الرحلة إلى أورشليم (٩: ٥١-١٩: ٢٧)
أ) السامرة (٩: ٥١-١٠: ٣٧)
١. إحدى القرى لا تقبله (٩: ٥١-٥٦)
٢. يرفض صاحب القلب المُجَّزأ (٩: ٥٧-٦٢)
٣. يرسل السَّبعين (١٠: ١-٢٤)
٤. يُقَدِّم مثَل السامري الصالح (١٠: ٢٥-٣٧)
ب) بيت عنيا واليهوديَّة (١٠: ٣٨-١٣: ٣٥)
١. مريم ومرثا (١٠: ٣٨-٤٢)
٢. الصلاة الربانيَّة (١١: ١-٤)
٣. أهميَّة اللَّجاجة (١١: ٥-١٣)
٤. يستحيل أن يكون الإنسان محايدًا (١١: ١٤-٣٦)
٥. ويلات على الفريسيِّين والناموسيِّين (١١: ٣٧-٥٤)
٦. دروس على الطريق (١٢: ١-٥٩)
أ) ضدَّ الرياء (١٢: ١-١٢)
ب) ضدَّ محبَّة الأشياء التي في العالم (١٢: ١٣-٢١)
ج) ضدَّ الهَمّ (١٢: ٢٢-٣٤)
د) ضدَّ عدم الأمانة (١٢: ٣٥-٤٨)
هـ) ضدَّ محبَّة الرفاهية (١٢: ٤٩-٥٣)
و) ضدَّ عدم الاستعداد (١٢: ٥٤-٥٦)
ز) ضدَّ الخلاف (١٢: ٥٧-٥٩)
٧. إجابته عن بعض الأسئلة (١٣: ١-٣٠)
أ) عن عدالة الله (١٣: ١-٩)
ب) عن السبت (١٣: ١٠-١٧)
ج) عن الملكوت (١٣: ١٨-٢١)
د) عن القليلين الذين يخلصون (١٣: ٢٢-٣٠)
٨. حزن المسيح (١٣: ٣١-٣٥)
ج) بيريَّة (١٤: ١-١٩: ٢٧)
١. أحد الفريسيِّين يستضيفه (١٤: ١-٢٤)
أ) يمتحنهم بخصوص السبت (١٤: ١-٦)
ب) يُعلِّمهم عن التواضع (١٤: ٧-١٤)
ج) يخبرهم عن الوليمة السماويَّة (١٤: ١٥-٢٤)
٢. مُعَلِّم للجموع (١٤: ٢٥-١٨: ٣٤)
أ) كلفة التلمذة (١٤: ٢٥-٣٥)
ب) مَثل الخروف المفقود (١٥: ١-٧)
ج) مَثل الدرهم المفقود (١٥: ٨-١٠)
د) مَثل الابن الضالّ (١٥: ١١-٣٢)
هـ) مَثل وكيل الظلم (١٦: ١-١٨)
و) مَثل الغني ولعازر (١٦: ١٩-٣١)
ز) درسٌ عن الغفران (١٧: ١-٤)
ح) درسٌ عن الأمانة (١٧: ٥-١٠)
ط) درسٌ عن الشكر (١٧: ١١-١٩)
ي) درسٌ عن الاستعداد (١٧: ٢٠-٣٧)
ك) مَثل الأرملة اللجوجة (١٨: ١-٨)
ل) مَثل الفريسيِّ والعشّار (١٨: ٩-١٤)
م) درسٌ عن التشبُّه بالأطفال (١٨: ١٥-١٧)
ن) درسٌ عن التكريس (١٨: ١٨-٣٠)
س) درسٌ عن خطَّة الفداء (١٨: ٣١-٣٤)
٣. صديق الخطاة (١٨: ٣٥-١٩: ١٠)
أ) يفتح عيون العُمي (١٨: ٣٥-٤٣)
ب) يطلب ويخلِّص ما قد هلك (١٩: ١-١٠)
٤. ديَّان كلِّ الأرض (١٩: ١١-٢٧)
أ) نهاية رحلة طويلة (١٩: ١١)
ب) مثل الأَمْناء (١٩: ١٢-٢٧)
رابعًا: أسبوع الآلام (١٩: ٢٨-٢٣: ٥٦)
أ) الاثنين (١٩: ٢٨-٤٤)
١. الدخول الظافر (١٩: ٢٨-٤٠)
٢. المسيح يبكي على المدينة (١٩: ٤١-٤٤)
ب) الثلاثاء (١٩: ٤٥-٤٨)
١. يُطهِّر الهيكل (١٩: ٤٥ و٤٦)
٢. يُعلِّم جماهير الفصح (١٩: ٤٧ و٤٨)
ج) الأربعاء (٢٠: ١-٢٢: ٦)
١. مواجهته رؤساء اليهود (٢٠: ١-٨)
٢. يُعلِّم جماهير الفصح (٢٠: ٩-٢١: ٣٨)
أ) مَثل الكرّامين الأشرار (٢٠: ٩-١٩)
ب) جوابه للفريسيِّين حول دفع الجزية (٢٠: ٢٠-٢٦)
ج) جوابه للصدوقيِّين عن القيامة (٢٠: ٢٧-٤٠)
د) سؤالُهُ الكَتَبَةَ عن النبوَّة المتعلِّقة بالمسيح (٢٠: ٤١-٤٧)
هـ) درسٌ عن فَلْسَي الأرملة (٢١: ١-٤)
و) نبوَّة عن خراب أورشليم (٢١: ٥-٢٤)
ز) بعض علامات الأزمنة (٢١: ٢٥-٣٨)
٣. المؤامرة ضدَّ يسوع (٢٢: ١ و٢)
٤. يهوذا ينضمُّ إلى المؤامرة (٢٢: ٣-٦)
د) الخميس (٢٢: ٧-٥٣)
١. الاستعداد للفصح (٢٢: ٧-١٣)
٢. عشاءُ الربّ (٢٢: ١٤-٣٨)
أ) تأسيس العهد الجديد (٢٢: ١٤-٢٢)
ب) مشاجرات بين التلاميذ (٢٢: ٢٣-٣٠)
ج) التنبُّؤ بإنكار بطرس (٢٢: ٣١-٣٤)
د) الوعد بالدعم الإلهيّ (٢٢: ٣٥-٣٨)
٣. الجهاد في البستان (٢٢: ٣٩-٤٦)
٤. القبض على يسوع (٢٢: ٤٧-٥٣)
هـ) الجمعة (٢٢: ٥٤-٢٣: ٥٥)
١. إنكار بطرس (٢٢: ٥٤-٦٢)
٢. الاستهزاء بيسوع وجلده (٢٢: ٦٣-٦٥)
٣. المحاكمة أمام السنهدريم (٢٢: ٦٦-٧١)
٤. المحاكمة أمام بيلاطس (٢٣: ١-٢٥)
أ) التُّهمة (٢٣: ١-٥)
ب) الاستجواب أمام هيرودس (٢٣: ٦-١٢)
ج) قرار بيلاطس (٢٣: ١٣-٢٥)
٥. الصَّلب (٢٣: ٢٦-٤٩)
٦. الدَّفن (٢٣: ٥٠-٥٥)
و) السَّبت (٢٣: ٥٦)
خامسًا: اكتمال خدمة المسيح (٢٤: ١-٥٣)
أ) القيامة (٢٤: ١-١٢)
ب) الطريق إلى عِمْواس (٢٤: ١٣-٤٥)
ج) الصعود (٢٤: ٤٦-٥٣)
يتبع عنوان الإنجيل الرابع نموذج الأناجيل الأخرى، حيثُ يُعَرَّفُ أصلًا بالقول: «بحَسَب يوحنا». ومثل باقي الأناجيل، فإنّ الكلمة «إنجيل» زيدت لاحقًا.
مع أنّ اسم الكاتب لا يظهر في الإنجيل، فإنّ التقليد في الكنيسة الأولى عرَّف به بثبات على أنه الرسول يوحنا. وكان إيرينايُس، أحد آباء الكنيسة الأولى (حوالى ١٣٠-٢٠٠ ب م)، تلميذًا لبوليكاربوس (حوالى ٧٠-١٦٠ ب م)، والذي بدوره، كان تلميذًا للرسول يوحنا، وقد شَهِد بناءً على سلطان بوليكاربوس، أنّ يوحنا كتب الإنجيل إبّانَ إقامته في أفسس، آسيا الصغرى، حين كان قد شاخ. وفضلًا عن إيرينايُس فقد أجمع آباء الكنيسة كلُّهم على أنّ يوحنا هو كاتب الإنجيل. وقد كتب أكليمندُس أسقف الإسكندرية (حوالى ١٥٠-٢١٥ ب م) أنّ يوحنا، وهو العالم بالحقائق التي كُتِبَت في الأناجيل الأخرى، وإذ كان مَسوقًا بالروح القدس، وضع «إنجيلًا روحيًّا» (رج يوسيبيوس: التاريخ الكنسيّ).
وممّا يزيد من دعم التقليد في الكنيسة الأولى، وجود ميزات داخليَّة بارزة في الإنجيل. ففي حين تذكر الأناجيل المتشابهة (متّى ومرقس ولوقا) الرسول يوحنا بالاسم حوالى عشرين مرَّةً (بما في ذلك المتوازيات)، فإنه لا يُذكَر مباشرةً بالاسم في إنجيل يوحنا. وبدلًا من ذلك يفضِّل الكاتب أن يُعرِّف عن نفسه بالقول «التلميذ الذي كان يسوع يحبُّه» (١٣: ٢٣؛ ١٩: ٢٦؛ ٢٠: ٢؛ ٢١: ٧ و٢٠). وإنّ غياب أيِّ ذِكرٍ لاسم يوحنا مباشرةً يبدو لافتًا حين يأخذ الإنسان بعين الاعتبار الدور الرئيسيَّ الذي يُمارسه تلاميذ آخرون ورد ذكرهم في هذا الإنجيل. بَيدَ أنّ تكرار تسمية نفسه بصفته «التلميذ الذي كان يسوع يحبُّه»، متجنِّبًا باستمرار ذكر اسمه، إنما يُظهِر تواضعه ويُشيد بعلاقته بسيِّده يسوع. ولم يكن ذكر اسمه ضروريًّا باعتبار أن قرَّاءَه الأوائل فهموا بوضوح أنه كان كاتب الإنجيل. كذلك ومن خلال عمليَّة حذف مبنيَّة أساسًا على تحليل النصِّ في ف ٢٠ و٢١، فإنّ هذا التلميذ، «الذي كان يسوع يحبُّه» ينحَصِرُ ليكون الرسول يوحنا (مثلًا ٢١: ٢٤؛ رج ٢١: ٢). وبما أنّ كاتب الإنجيل حريص على ذكر أسماء الشخصيَّات الأخرى في السِّفر، فلو كان الكاتب شخصًا آخر غير يوحنا الرسول، لما كان حَذَفَ اسم يوحنا.
إنّ كون هذا الإنجيل مجهول الكاتب، يُعزِّز بقوةٍ، الجدلَ حول أرجحيَّة يوحنا ككاتبٍ له، لأن ليس ثمّة أحد بهذه الشهرة والسلطان البارز كرسول، سيكون في وسعه أن يكتب إنجيلًا اختلف بصورة ملحوظة جدًّا، في الشكل والمضمون، عن سائر الأناجيل، ويحوز هذا القبول الشامل في الكنيسة الأولى. وعلى نقيض ذلك، فإنّ أناجيل الأبوكريفا التي شرعت في الظهور ابتداءً من أواسط القرن الثاني فُجائيًا، قد نُسبَت خطأً إلى رسُلٍ أو أشخاص مهمِّين آخرين يرتبطون ارتباطًا وثيقًا بيسوع، ولكنّ تلك الأناجيل رفضتها الكنيسة على المستوى المسكونيّ.
لقد عُرِف يوحنا ويعقوب، أخوه الأكبر (أع ١٢: ٢)، بأنهما «ابنا زَبْدي» (مت ١٠: ٢-٤)، وقد أَطلَقَ عليهما يسوع اسمَ «ابنَي الرعد» (مر ٣: ١٧). وكان يوحنا رسولًا (لو ٦: ١٢-١٦)، وواحدًا من الثلاثة المُقرَّبين من يسوع، إلى جانب بطرس ويعقوب (رج مت ١٧: ١؛ ٢٦: ٣٧)، كما كان شاهدَ عِيان على خدمة يسوع الأرضيَّة، ومشاركًا فيها (١ يو ١: ١-٤). وبعد صعود المسيح، أصبح يوحنا «عمودًا» في كنيسة أورشليم (غل ٢: ٩). وقد خدم مع بطرس (أع ٣: ١؛ ٤: ١٣؛ ٨: ١٤) إلى أن ذهب إلى أفسس (يقول التقليد إنه ذهب قبل خراب أورشليم) حيث كتب هناك هذا الإنجيل، ومن هناك أيضًا نفاه الرومان إلى بطمس (رؤ ١: ٩). وإلى جانب الإنجيل الذي يحمل اسمه، كتب يوحنا أيضًا رسائله الثلاث وسفر الرؤيا (رؤ ١: ١).
وبما أنّ كتابات بعض آباء الكنيسة تُشير إلى أنّ يوحنا كان يكتب بحيويَّةٍ وهو في سنٍّ متقدِّمة، وأنه كان قد اطَّلع على الأناجيل الأخرى المتشابهة، لذلك، فإنّ كثيرين يؤرِّخون إنجيله بعد كتابة تلك الأناجيل، ولكن قبل رسائل يوحنا أو سفر الرؤيا. فقد كتب يوحنا إنجيله حوالى سنة ٨٠-٩٠ ب م، أي بعد حوالى ٥٠ سنة من معاينته لخدمة يسوع الأرضيَّة.
ثمّة حقيقة استراتيجيَّة بالنسبة إلى الخلفيَّة والإطار، وهي أنه بحسب التقليد فإنّ يوحنا كان مُطَّلعًا على الأناجيل المتشابهة. ويبدو أنه كتب إنجيله ليُساهم بفاعليَّة في سِجلِّ حياة الربِّ («أي إنجيلًا روحيًّا»)، وليكون من جهة أخرى مُكمِّلًا لمتّى ومرقس ولوقا.
إنّ ميزات هذا الإنجيل الفريدة تعزِّز الغاية من كتابته: أوّلًا، أضاف يوحنا كَمًّا من الموادِّ الفريدة غير المذكورة في الأناجيل الأخرى. ثانيًا، كان غالبًا ما يُقدِّم معلومات تساعد على فهم الأحداث في الأناجيل المتشابهة. ففي حين مثلًا، تبدأ الأناجيل المتشابهة بخدمة يسوع في الجليل، فإنها تُلمِح من جهة أخرى إلى أنّ يسوع سبق أن كانت له خدمة قبل تلك (مثلًا مت ٤: ١٢؛ مر ١: ١٤). وهنا يدعم يوحنا الجواب بمعلومات عن خدمة يسوع السابقة في اليهوديَّة (ف ٣) والسامرة (ف ٤). وفي مر ٦: ٤٥، وبعد أن أشبع يسوع الخمسة آلاف، ألزم تلاميذه أن يعبروا بحر الجليل إلى بيت صيدا. وها هو يوحنا يُقدِّم السبب. فالناس أرادوا أن يجعلوا يسوع مَلكًا بسبب معجزة الطعام، لكنّ يسوع تحاشى جهودهم ذات الدافع المغلوط (٦: ٢٦). ثالثًا، إنّ إنجيل يوحنا هو الأكثر لاهوتًا بين الأناجيل الأخرى، إذ يحتوي على سبيل المثال مقدِّمةً لاهوتيَّةً مرموقة (١: ١-١٨)، وكميّات كبيرة من الموادِّ التعليميَّة والأحاديث مقارنةً بالسرد (مثلًا ٣: ١٣-١٧)، وأكبر كميَّة تعليم عن الروح القدس (مثلًا ١٤: ١٦ و١٧ و٢٦؛ ١٦: ٧-١٤). وعلى الرغم من كون يوحنا عارفًا بالأناجيل المتشابهة، وكَيَّفَ إنجيله معها في ذهنه، لكنه لم يعتمد على تلك الأناجيل لتحصيل المعلومات، بل بالحريّ، وبوحيٍ من الروح القدس، استخدم ذاكرته في كتابة الإنجيل، بصفته شاهدَ عِيان (١: ١٤؛ ١٩: ٣٥؛ ٢١: ٢٤).
إنّ إنجيل يوحنا هو الثاني (رج لو ١: ١-٤) الذي يتضمَّن عبارة مُحدَّدة بخصوص غاية الكاتب من وضع هذا الإنجيل (٢٠: ٣٠ و٣١). فهو يُعلن قائلًا: «أمّا هذه فقد كُتِبَت لتؤمنوا أنّ يسوعَ هو المسيح ابنُ الله ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياةٌ باسمه» (٢٠: ٣١). لذلك، فإنّ الهدف الأول هو ذو شِقَّين: تبشيريٌّ ودفاعيٌّ عن العقيدة. وممّا يُظهِر تعزيز الهدف التبشيريّ، كون الكلمة «يؤمن» ومشتقّاتها تتكرَّر حوالى مئة مرَّة في الإنجيل (بينما تَستَخدِم الأناجيل المتشابهة، الكلمة ذاتها، أقلَّ من نصف ذلك العدد). وقد كتب يوحنا إنجيله ليُقدِّم أسبابًا للإيمان المُخَلِّص لدى قُرَّائه، وليؤكِّد لهم بالنتيجة أنهم سوف ينالون الهِبَة الإلهيَّة التي هي حياة أبديَّة (١: ١٢).
أمّا الغاية التي تشمل الدفاع عن العقيدة، فهي قريبة الصِّلة بالغاية التبشيريَّة. فقد كتب يوحنا ليُقنِع قُرَّاءَه بهُويَّة يسوع الحقيقيَّة، أي إنه الإله الإنسان المتجسِّد الذي اتّحدت طبيعته الإلهيَّة وطبيعته البشريَّة كاملتَين في أُقنوم واحد هو المسيح المُنبأُ به («المسيّا»)، ومخلِّص العالم (مثلًا ١: ٤١؛ ٣: ١٦؛ ٤: ٢٥ و٢٦؛ ٨: ٥٨). وقد أرسى يوحنا إنجيله كلَّه على أساس ثماني «آيات» أو براهين تدعم هويَّة يسوع الحقيقيَّة التي تُوصِل إلى الإيمان. فالنصف الأول من إنجيل يوحنا يتمحور حول سبع معجزات، منتقاة لتعلن شخص المسيح وتُولِّد الإيمان: ١) الماء المتحوِّل خمرًا (٢: ١-١١)؛ ٢) شفاء ابن خادم المَلِك (٤: ٤٦-٥٤)؛ ٣) شفاء المُقعَد (٥: ١-١٨)؛ ٤) إطعام الجموع (٦: ١-١٥)؛ ٥) المشي على الماء (٦: ١٦-٢١)؛ ٦) شفاء الأعمى (٩: ١-٤١)؛ ٧) إقامة لعازر (١١: ١-٥٧). وأمّا الآية الثامنة، فهي معجزة صيد السمك (٢١: ٦-١١)، وقد حصلت بعد قيامة يسوع.
انسجامًا مع غاية يوحنا التبشيريَّة والدفاعيَّة عن العقيدة، فإنّ رسالة الإنجيل العامَّة وردت في ٢٠: ٣١: «يسوع هو المسيح ابن الله». لذلك فإنّ الإنجيل يتمحور حول شخص المسيح وعمله. إذًا، ثمّة ثلاث كلمات بارزة («آيات»، «لتؤمنوا»، «حياة») في ٢٠: ٣٠ و٣١ تحظى بتشديد ثابت ومتكرِّر في ثنايا الإنجيل كلِّه لتُقوِّي موضوع الخلاص بيسوع، وقد بدأت في مقدِّمة الإنجيل (١: ١-١٨؛ رج ١يو ١: ١-٤) والتي تتكرَّر في الإنجيل كلِّه وبأساليب مختلفة (مثلًا ٦: ٣٥ و٤٨؛ ٨: ١٢؛ ١٠: ٧ و٩؛ ١٠: ١١-١٤؛ ١١: ٢٥؛ ١٤: ٦؛ ١٧: ٣). ثمّ إنّ يوحنا يُقدِّم سِجلًّا حول موقف الناس من يسوع المسيح ومن الخلاص الذي قدَّمه. وبالإجمال، فإنّ الإنجيل يُركِّز على: ١) يسوع بصفته الكلمة والمسيّا وابن الله، ٢) الذي أتى بعطيَّة الخلاص لبني البشر، ٣) الذين لهم أن يقبلوا أو يرفضوا تلك العطيَّة.
كذلك يُقدِّم يوحنا بعض المواضيع الإضافية المتباينة التي تدعم غايته الأساسيَّة. فهو يستخدم الثُّنائيَّة (الحياة والموت، الظلمة والنور، المحبة والبغضة، من أعلى ومن أسفل) لتوصيل المعلومات الحيويَّة عن شخص المسيح وعمله، والحاجة إلى الإيمان به (مثلًا ١: ٤ و٥ و١٢ و١٣؛ ٣: ١٦-٢١؛ ١٢: ٤٤-٤٦؛ ١٥: ١٧-٢٠).
وثمّة أيضًا سبع عبارات «أنا هو» توكيديَّة تُعرِّف بيسوع بصفته الله والمسيّا (٦: ٣٥؛ ٨: ١٢؛ ١٠: ٧ و٩؛ ١٠: ١١ و١٤؛ ١١: ٢٥؛ ١٤: ٦؛ ١٥: ١ و٥).
بما أنّ يوحنا كتب إنجيله هذا بأسلوب واضح وبسيط، فقد يميل المرءُ إلى التقليل من قيمة عُمقه. وبما أنّ إنجيل يوحنا هو إنجيل «روحيٌّ» (رج الكاتب والتاريخ)، فإنّ الحقائق التي يُبلِّغُها هي عميقة الغور. وعلى القارئ أن يسبر غور هذا الكتاب بروح الصلاة والتدقيق، ليكتشف الغنى الواسع للكنوز الروحيَّة التي أودعها الرسولُ إنجيلَه بمحبَّةٍ وبإرشاد الروح القدس (١٤: ٢٦؛ ١٦: ١٣).
إنّ الحساب الزمنيَّ بين إنجيل يوحنا والأناجيل المتشابهة، يقدِّم تحدِّيًا، ولا سيّما في ما يتعلَّق بموعد العشاء الأخير (١٣: ٢). فبينما الأناجيل المتشابهة تصوِّر التلاميذ والربَّ في العشاء الأخير يأكلون الفصح مساء الخميس (١٤ نيسان) كما تُصوِّرُ صَلبَ يسوع يوم الجمعة، يُبيِّن إنجيل يوحنا أنّ اليهود لم يدخلوا إلى دار الولاية «لكيلا يتنجَّسوا فيأكلونَ الفصح» (١٨: ٢٨). إذًا، كان التلاميذ قد أكلوا الفصح مساء الخميس، وأمّا اليهود فلم يأكلوه بعد. وفي الواقع، يُبيِّن يوحنا (١٩: ١٤) أنّ محاكمة يسوع وصلبه حصلا يوم الاستعداد للفصح، وليس بعد أكل الفصح، وعليه يكون المسيح في محاكمته وصلبه يوم الجمعة، قد قُدِّم ذبيحة في ذات الوقت الذي فيه تُذبَح خراف الفصح (١٩: ١٤). أمّا السؤال فهو: «لماذا أكل التلاميذُ الفصحَ يوم الخميس؟»
يكمن الجواب في الفرق لدى اليهود في طريقة حساب بدء الأيام وانتهائها. فمن يوسيفوس والمشنا وغيرهما من المصادر اليهوديَّة القديمة نتعلَّم أنّ اليهود في شمال فلسطين كانوا يحسبون الأيام من الشروق إلى الشروق. وقد ضمَّت تلك البقعة منطقة الجليل، حيث نشأ يسوع وسائر التلاميذ ما عدا يهوذا. والظاهر أنَّ معظم الفريسيِّين، إن لم يكونوا جميعًا، استخدموا ذلك النظام في حسابهم. أمّا اليهود في القسم الجنوبيِّ الذين تمركزوا في أورشليم، فقد حسبوا الأيام من الغروب إلى الغروب. وبما أنّ جميع الكهنة عاشوا بالضرورة قرب أورشليم، كما فعل معظم الصدوقيِّين، فإنّ هذه الفِرَق تَبِعَت الجدول الجنوبيّ.
لا شكَّ أنّ هذا الاختلاف سبَّب إرباكًا في التوقيت، ولكن كان له أيضًا بعض الفوائد العمليَّة. فخلال وقت الفصح مثلًا سمح هذا الاختلاف في الوقت، أن يُحتَفلَ بالعيد شرعيًّا في يومين متلازمين، مُفسِحًا في المجال لإقامة ذبائح الهيكل في مدَّة إجماليَّة من الوقت قوامها أربع ساعات بدلًا من ساعتين. وذلك الفصل بين اليومين، ربما كان له أثر في تقليص الصدامات الإقليميَّة والدينيَّة بين المجموعتين.
على هذا الأساس تُصبح التناقضات الظاهريَّة في نصوص الإنجيل سهلة التوضيح. فبما أنّ يسوع والتلاميذ كانوا جليليِّين، فقد اعتبروا أنّ الفصح قد بدأ يوم الخميس مع شروق الشمس، لينتهي عند شروق شمس يوم الجمعة. أمّا رؤساء اليهود الذين قبضوا على يسوع وحاكموه، والذين كانوا في معظمهم من الكهنة والصدوقيِّين، فاعتبروا أنّ الفصح يبدأ عند غروب يوم الخميس، وينتهي عند غروب يوم الجمعة. بذلك الاختلاف المُعَدِّ مُسبقًا بالعناية الإلهيَّة الكليَّة السيادة، استطاع يسوع شرعيًّا أن يحتفل مع تلاميذه بآخر فصح ويظلَّ مع ذلك قادرًا أن يُقدِّم نفسَه ذبيحةً في يوم الفصح.
مرَّةً أخرى يستطيع الإنسان أن يرى كيف أنّ الله بسيادته المطلقة وقدرته العجيبة رتَّب التتميم الدقيق لخطَّته الفدائيَّة. فيسوع لم يكن سوى ضحيَّة لمخطَّطات الناس الأشرار، وليس ضحيَّة ظرف عشوائيّ. فكلُّ كلمة قالها وكلُّ عمل قام به كان موجَّهًا من الله ومضمونًا. وحتى كلمات وأفعال الآخرين ضدَّه كانت تحت السيطرة الإلهيَّة. رج مثلًا ١١: ٤٩-٥٢؛ ١٩: ١١.
المحتوى
أوّلًا: تَجَسُّدُ ابن الله (١: ١-١٨)
أ) أزليَّتُه (١: ١ و٢)
ب) عمله قبل التجسُّد (١: ٣-٥)
ج) الذي هيَّأَ الطريق له (١: ٦-٨)
د) رفضُه (١: ٩-١١)
هـ) قبولُه (١: ١٢ و١٣)
و) ألوهيَّتُه (١: ١٤-١٨)
ثانيًا: تقديمُ ابن الله (١: ١٩-٤: ٥٤)
أ) تقديمه مِن قِبَلِ يوحنا المعمدان (١: ١٩-٣٤)
١. إلى القادة الدينيِّين (١: ١٩-٢٨)
٢. عند معموديَّة المسيح (١: ٢٩-٣٤)
ب) تقديمه لتلاميذ يوحنا (١: ٣٥-٥١)
١. لأندراوس وبطرس (١: ٣٥-٤٢)
٢. لفيلبُّس ونثنائيل (١: ٤٣-٥١)
ج) تقديمه في الجليل (٢: ١-١٢)
١. المعجزة الأولى: تحوُّل الماء خمرًا (٢: ١-١٠)
٢. التلاميذ يؤمنون (٢: ١١ و١٢)
د) تقديمه في اليهوديَّة (٢: ١٣-٣: ٣٦)
١. تطهيره الهيكل (٢: ١٣-٢٥)
٢. تعليمه لنيقوديموس (٣: ١-٢١)
٣. كرازة يوحنا المعمدان (٣: ٢٢-٣٦)
هـ) تقديمه في السامرة (٤: ١-٤٢)
١. يشهد للمرأة في السامرة (٤: ١-٢٦)
٢. يشهد للتلاميذ (٤: ٢٧-٣٨)
٣. يشهد للسامريِّين (٤: ٣٩-٤٢)
و) تقديمه في الجليل (٤: ٤٣-٥٤)
١. استقباله من قِبَل الجليليِّين (٤: ٤٣-٤٥)
٢. المعجزة الثانية: شفاء ابن خادم الملك (٤: ٤٦-٥٤)
ثالثًا: مقاومةُ ابنِ الله (٥: ١-١٢: ٥٠)
أ) مقاومته في العيد في أورشليم (٥: ١-٤٧)
١. المعجزة الثالثة: شفاء المفلوج (٥: ١-٩)
٢. رفض اليهود له (٥: ١٠-٤٧)
ب) مقاومته خلال الفصح (٦: ١-٧١)
١. المعجزة الرابعة: إشباع الخمسة آلاف (٦: ١-١٤)
٢. المعجزة الخامسة: المشي على الماء (٦: ١٥-٢١)
٣. الكلام عن خبز الحياة (٦: ٢٢-٧١)
ج) مقاومته في عيد المظالّ (٧: ١-١٠: ٢١)
١. المقاومة (٧: ١-٨: ٥٩)
٢. المعجزة السادسة (٩: ١-١٠: ٢١)
د) مقاومته في عيد التجديد (١٠: ٢٢-٤٢)
هـ) مقاومته في بيت عنيا (١١: ١-١٢: ١١)
١. المعجزة السابعة: إقامة لعازر (١١: ١-٤٤)
٢. تآمُرُ الفريسيِّين لقتل المسيح (١١: ٤٥-٥٧)
٣. مريم تدهن المسيح بالطِّيب (١٢: ١-١١)
و) مقاومته في أورشليم (١٢: ١٢-٥٠)
١. الدخول الظافر (١٢: ١٢-٢٢)
٢. الكلام حول الإيمان والرفض (١٢: ٢٣-٥٠)
رابعًا: ابن الله يقوم بإعداد التلاميذ (١٣: ١-١٧: ٢٦)
أ) في العُليَّة (١٣: ١-١٤: ٣١)
١. غسل الأرجل (١٣: ١-٢٠)
٢. الإعلان عن الخيانة (١٣: ٢١-٣٠)
٣. الكلام عن مغادرة المسيح (١٣: ٣١-١٤: ٣١)
ب) في الطريق إلى البستان (١٥: ١-١٧: ٢٦)
١. إرشاد التلاميذ (١٥: ١-١٦: ٣٣)
٢. الشفاعة لدى الآب (١٧: ١-٢٦)
خامسًا: قَتلُ ابنِ الله (١٨: ١-١٩: ٣٧)
أ) رفض المسيح (١٨: ١-١٩: ١٦)
١. إلقاء القبض عليه (١٨: ١-١١)
٢. محاكمته (١٨: ١٢-١٩: ١٦)
ب) صَلبُ المسيح (١٩: ١٧-٣٧)
سادسًا: قيامة ابن الله (١٩: ٣٨-٢١: ٢٣)
أ) دفن المسيح (١٩: ٣٨-٤٢)
ب) قيامة المسيح (٢٠: ١-٥)
ج) ظهورات المسيح (٢٠: ١١-٢١: ٢٣)
١. لمريم المجدليَّة (٢٠: ١١-١٨)
٢. للتلاميذ من دون توما (٢٠: ١٩-٢٥)
٣. للتلاميذ ومعهم توما (٢٠: ٢٦-٢٩)
٤. تبيان غاية الإنجيل (٢٠: ٣٠ و٣١)
٥. ظهوره للتلاميذ (٢١: ١-١٤)
٦. ظهوره لبطرس (٢١: ١٥-٢٣)
سابعًا: الخاتمة (٢١: ٢٤ و٢٥)
بما أنّ لوقا يُوجِّه سفرًا ثانيًا إلى ثاوفيلُس (رج لو ١: ٣)، فقد بات سفر الأعمال في الأصل بلا عنوان. أمّا المخطوطات اليونانيَّة فتُعنونه بالكلمة «الأَعمال»، وكثيرون يُضيفون إليها «التي للرسُل». والكلمة اليونانيَّة «براكسيس»، المترجمة «أعمال»، كانت تُستَخدَم غالبًا لوصف إنجازات الرجال العظام. ومع أنّ سفر الأعمال يُصوِّر الشخصيّات البارزة في السنوات الأولى للكنيسة، ولا سيّما بطرس (ف ١-١٢) وبولس (ف ١٣-٢٨)، فقد يُسمَّى السِّفر بصورة أدقَّ «أعمال الروح القدس بواسطة الرسل»، باعتبار أنّ عمل الروح الكليَّ السيادة والإشراف، كان ذا دلالة أبعد بما لا يقاس، من عمل أيِّ إنسان. من هنا، كان عمل الروح الموجِّه والمهيمِن والمقوِّي، هو الذي شدَّد الكنيسة وجعلها تتكاثر في العدد والقوَّة الروحيَّة والتأثير.
بما أنّ إنجيل لوقا كان السِّفر الأوَّل الموجَّه إلى ثاوفيلُس (لو ١: ٣)، فمن المنطقيِّ الاستنتاج أنّ لوقا هو أيضًا كاتب سِفر الأعمال، مع أنه لم يُذكَر بالاسم في أيٍّ من السِّفرين. هذا، وإنّ كتابات آباء الكنيسة الأوائل، مثل إيرينايُس وإكليمندس الإسكندريِّ وترتليانوس وأوريجانوس ويوسيبيوس وجيروم يؤكِّدون كتابة لوقا لهذين السِّفرين، وكذلك فعل القانون الكنسيُّ الموراتوريُّ (حوالى ١٧٠ ب م). ولمّا كان لوقا شخصيَّة مغمورة نسبيًّا، ولم يُذكَر سوى ثلاث مرّات فقط في العهد الجديد (كو ٤: ١٤؛ ٢تي ٤: ١١؛ فل ٢٤)، فإنه ليس من المعقول أن يُلفِّق أحد ما عملًا كهذا، ويجعله يبدو عَمَلَ لوقا. فالمُلفِّق كان لِيَعزو عمله لإنسان أكثر شهرةً وأهميَّة.
كان لوقا الصديق المقرَّب من بولس، ورفيق السَّفَر والطبيب الشخصيَّ له (كو ٤: ١٤). ولقد كان باحثًا مُدقِّقًا (لو ١: ١-٤) ومؤرِّخًا أَمينًا، وقد أظهر اطِّلاعًا واسعًا على القوانين والعادات الرومانيَّة، إضافةً إلى جغرافية فلسطين وآسيا الصغرى وإيطاليا. وقد اعتمد لوقا على المصادر المكتوبة (١٥: ٢٣-٢٩؛ ٢٣: ٢٦-٣٠)، كما قابل دون شكٍّ شخصيّات رئيسيَّة مثل بطرس ويوحنا وآخرين في كنيسة أورشليم. ولقد أعطى سَجْنُ بولس سنتين في قيصريَّة (٢٤: ٢٧) فرصةً كافية للوقا لمقابلة فيلبُّس وبناته (الذين اعتُبروا مصادر هامَّة للمعلومات حول الأيام الأولى للكنيسة). أخيرًا، إنّ استخدام لوقا المتكرِّر لضمير الجمع المتكلِّم (منفصِلًا ومتَّصلًا) (١٦: ١٠-١٧؛ ٢٠: ٥-٢١: ١٨؛ ٢٧: ١-٢٨: ١٦) يُظهِر أنه كان شاهدَ عِيان للعديد من الأحداث المدوَّنة في سِفر الأعمال.
يعتقد البعض أنّ لوقا كتب سِفر الأعمال بعد سقوط أورشليم (٧٠ ب م؛ كانت وفاة لوقا ربّما في أواسط الثمانينيّات). لكن يُرجَّح أنه كتب قبل ذلك بكثير، وقبل نهاية سَجْن بولس أوَّل مرَّة على يد الرومان (حوالى ٦٠-٦٢ ب م). فذلك التاريخ هو التفسير الأكثر ملاءمةً لنهاية سفر الأعمال المفاجئة، والتي تترك بولس ينتظر محاكمته أمام قيصر. ومن المؤكَّد أنّ لوقا الذي خصَّص أكثر من نصف سِفر الأعمال لخدمة بولس، كان سيُدوِّن خلاصة المحاكمة، وكان سيصف خدمة بولس التالية، وسَجْن بولس المرَّة الثانية (رج ٢تي ٤: ١١)، وموته، لو أنّ هذه الأحداث كانت قد حصلت قبل أن يكتب سِفر الأعمال. فَصَمْتُ لوقا أمام أحداث هامَّة كهذه مثل استشهاد يعقوب، راعي كنيسة أورشليم (٦٢ ب م بحسب المؤرِّخ اليهوديِّ يوسيفوس)، والاضطهاد على يد نيرون (٦٤ ب م)، وسقوط أورشليم (٧٠ ب م)، يفترض كذلك أنّ لوقا كتب سفر الأعمال قبل وقوع هذه الأحداث.
كما أوضح لوقا في مقدِّمة إنجيله، فقد كتب إلى ثاوفيلُس (وإلى الآخرين الذين سوف يقرأون كتابه) «قصَّةً في الأُمور المتيقَّنة» (لو ١: ١) التي أنجزها يسوع خلال خدمته على الأرض. وعليه، فإنّ لوقا كتب في إنجيله «على التوالي» (١: ٣) عن تلك الأحداث الخطيرة. وقد تابع سفر الأعمال السرد، مُبيِّنًا ما قد أتمَّه يسوع من خلال الكنيسة الأولى. فابتداءً بصعود يسوع، مرورًا بولادة الكنيسة في يوم الخمسين، وانتهاءً بكرازة بولس في روما، يُخبر سفر الأعمال عن انتشار الإنجيل، وعن نموِّ الكنيسة (رج ١: ١٥؛ ٢: ٤١ و٤٧؛ ٤: ٤؛ ٥: ١٤؛ ٦: ٧؛ ٩: ٣١؛ ١٢: ٢٤؛ ١٣: ٤٩؛ ١٦: ٥؛ ١٩: ٢٠). كما يروي هذا السِّفر أيضًا تصاعد المعارضة في وجه الإنجيل (رج ٢: ١٣؛ ٤: ١-٢٢؛ ٥: ١٧-٤٢؛ ٦: ٩-٨: ٤؛ ١٢: ١-٥؛ ١٣: ٦-١٢ و٤٥-٥٠؛ ١٤: ٢-٦ و١٩ و٢٠؛ ١٦: ١٩-٢٤؛ ١٧: ٥-٩؛ ١٩: ٢٣-٤١؛ ٢١: ٢٧-٣٦؛ ٢٣: ١٢-٢١؛ ٢٨: ٢٤).
إنّ ثاوفيلُس الذي يعني اسمه «محبوب من الله»، غير معروف تاريخيًّا، في ما عدا ورود اسمه في لوقا وسفر الأعمال. كما لا يُعرَف، إذا كان مؤمنًا تحت رعاية وإرشاد لوقا، أو وثنيًّا حاول لوقا تغييره. وتفترض مخاطبة لوقا له بالقول: «أيها العزيز ثاوفيلُس» (لو ١: ٣) أنه كان مسؤولًا رسميًّا في الدولة الرومانيَّة، يتمتَّع ببعض النفوذ (رج ٢٤: ٣؛ ٢٦: ٢٥).
من بدء كتابة الأعمال الأولى في تاريخ الكنيسة، يُسجِّل سفر الأعمال الاستجابة الأولى للمأموريَّة العظمى (مت ٢٨: ١٩ و٢٠). كما يُقدِّم معلومات حول العقود الثلاثة الأُول من وجود الكنيسة، وهي المادة التي لن تجدها في أيِّ مكان آخر من العهد الجديد. وعلى الرغم من أنّ سفر الأعمال ليس في الأساس عملًا يتناول العقيدة، فإنه يؤكِّد أنّ يسوع الناصريَّ كان المسيَّا الذي طال انتظاره، كما يُبيِّن أنّ الإنجيل هو لجميع الناس (وليس للشعب اليهوديِّ فقط)، ويشدِّد على عمل الروح القدس الذي ذُكِر أكثر من ٥٠ مرَّة. كذلك فقد اقتبس سفر الأعمال مرارًا من العهد القديم: مثلًا: ٢: ١٧-٢١ (يؤ ٢: ٢٨-٣٢)؛ ٢: ٢٥-٢٨ (مز ١٦: ٨-١١)؛ ٢: ٣٥ (مز ١١٠: ١)؛ ٤: ١١ (مز ١١٨: ٢٢)؛ ٤: ٢٥ و٢٦ (مز ٢: ١ و٢)؛ ٧: ٤٩ و٥٠ (إش ٦٦: ١ و٢)؛ ٨: ٣٢ و٣٣ (إش ٥٣: ٧ و٨)؛ ٢٨: ٢٦ و٢٧ (إش ٦: ٩ و١٠).
يزخر سفر الأعمال بالتحوُّلات: فمِن خدمة يسوع إلى خدمة الرسل؛ ومن الميثاق القديم إلى الميثاق الجديد؛ ومن إسرائيل، كالأُمَّة الشاهدة لله، إلى الكنيسة المؤلَّفة من كلٍّ من اليهود والأُمم، باعتبارها الشعب الشاهد لله. وإنّ الرسالة إلى العبرانيِّين توضح لاهوت هذا التحوُّل من الميثاق القديم إلى الميثاق الجديد؛ أمّا سفر الأعمال فيرسم التتميم العمليَّ للميثاق الجديد في حياة الكنيسة.
بما أنّ سفر الأعمال هو في الأساس سرد تاريخيّ، وليس بحثًا لاهوتيًّا مثل رسالتي رومية أو العبرانيِّين، فإنه يتضمَّن نسبيًّا القليل من العقبات التفسيريَّة. وهذا القليل منها يتناول عمومًا طبيعة السِّفر الانتقالية (رج المواضيع التاريخيَّة واللاهوتيَّة)، ويتضمَّن دور الآيات والعجائب. وقد عولجت هذه المسائل في الحواشي ذات الصلة بالفقرات (مثلًا: ٢: ١-٤٧؛ ١٥: ١-٢٩).
المحتوى
المقدِّمة (١: ١-٨)
أوّلًا: الشهادة في أورشليم (١: ٩-٨: ٣)
أ) توقُّع ولادة الكنيسة (١: ٩-٢٦)
ب) تأسيس الكنيسة (٢: ١-٤٧)
ج) نمو الكنيسة (٣: ١-٨: ٣)
١. الرسل: يكرزون ويشفون ويحتملون الاضطهاد (٣: ١-٥: ٤٢)
٢. الشمامسة: يُصلُّون ويُعلِّمون ويحتملون الاضطهاد (٦: ١-٨: ٣)
ثانيًا: الشهادة في اليهوديَّة والسامرة (٨: ٤-١٢: ٢٥)
أ) الإنجيل في السامرة (٨: ٤-٢٥)
ب) اهتداء أمميّ (٨: ٢٦-٤٠)
ج) اهتداء شاول (٩: ١-٣١)
د) الإنجيل في اليهوديَّة (٩: ٣٢-٤٣)
هـ) الإنجيل بين الأمميِّين (١٠: ١-١١: ٣٠)
و) الاضطهاد على يد هيرودس (١٢: ١-٢٥)
ثالثًا: الشهادة إلى أقصى الأرض (١٣: ١-٢٨: ٣١)
أ) رحلة بولس التبشيريَّة الأولى (١٣: ١-١٤: ٢٨)
ب) مجمع أورشليم (١٥: ١-٣٥)
ج) رحلة بولس التبشيريَّة الثانية (١٥: ٣٦-١٨: ٢٢)
د) رحلة بولس التبشيريَّة الثالثة (١٨: ٢٣-٢١: ١٦)
هـ) محاكمة بولس في أورشليم وقيصريَّة (٢١: ١٧-٢٦: ٣٢)
و) رحلة بولس إلى روما (٢٧: ١-٢٨: ٣١).
يأتي اسم الرسالة من مُستَلِميها الأصليِّين: أعضاء الكنيسة في رومية (روما) عاصمة الإمبراطوريَّة الرومانيَّة (١: ٧).
لا يُجادل أحدٌ في أنّ الرسول بولس قد كتب رسالة رومية. وكان بولس الذي من سبط بنيامين (في ٣: ٥)، يحمل الاسمَ عينَه الذي كان يحمله أوَّل ملك على بني إسرائيل. (شاول هو اسمُ بولس العبريّ؛ وبولس اسمه اليونانيّ). وكان أيضًا مُواطِنًا رومانيًّا (أع ١٦: ٣٧؛ ٢٢: ٢٥). وقد وُلِد بولس في وقتِ ولادة المسيح تقريبًا، في طرسوس (أع ٩: ١١)، وهي مدينةٌ مُهِمَّة (أع ٢١: ٣٩) في مقاطعة كيليكيا الرومانيَّة، الواقعة في آسيا الصغرى (تُركيّا حديثًا). وقد قضى جزءًا كبيرًا من حياته الباكرة في أورشليم تلميذًا للمُعلِّم الدينيِّ غمالائيل (أع ٢٢: ٣). وكان بولس، على غرار أبيه من قبله، فرِّيسيًّا (أع ٢٣: ٦)، عضوًا في الفِرقة اليهوديَّة الأشدِّ تزمُّتًا (رج في ٣: ٥).
بعدما اهتدى بولس بمُعجزةٍ إلى الإيمان وهو في طريقه إلى دمشق (حوالى ٣٣-٣٤ ب م) لاعتقال المسيحيِّين في تلك المدينة، باشر في الحال إعلانَ رسالة الإنجيل (أع ٩: ٢٠). وإثر نجاته بصعوبة من دمشق (أع ٩: ٢٣-٢٥؛ ٢كو ١١: ٣٢ و٣٣)، قضى ٣ سنين في صحراء الأنباط العربيَّة، إلى الجنوب والشرق من البحر الميت (غل ١: ١٧ و١٨). وفي أثناء تلك المدَّة، تلقَّى قسمًا كبيرًا من تعليمه كإعلانٍ مُباشَر من عند الربّ (غل ١: ١١ و١٢).
اضطلع بولس، أكثرَ من أيِّ فردٍ آخر، بمسؤوليَّة نشر الإيمان المسيحيِّ في أنحاء الإمبراطوريَّة الرومانيَّة. فقد قام بثلاث رحلات تبشيريَّة في القسم الأكبر من عالَم البحر المتوسِّط، كارزًا بلا كلل ولا ملل بالإنجيل الذي سبق أن سعى إلى تدميره (أع ٢٦: ٩). وبعد رجوعه إلى أورشليم حاملًا تقدمةً إلى المُحتاجين في الكنيسة هناك، اتَّهمَهُ بعض اليهود زورًا (أع ٢١: ٢٧-٢٩)، وضربه بضراوةٍ حشدٌ غاضب (أع ٢١: ٣٠ و٣١)، واعتقله الرومان. ومع أنّ والِيَين رومانيَّين، فيلكس وفستوس، فضلًا عن هيرودس أغريباس، وجداه غير مُذنبٍ بأيِّ جُرم، فقد بقي قيد الاحتجاز لدى الرومان من جرّاء ضغط القادة اليهود. وبعد سنتين، مارس الرسول حقَّه بصفته مواطنًا رومانيًّا واستأنف دعواه إلى القيصر. وبعد رِحلةٍ مُروِّعة (أع ٢٧ و٢٨)، اشتملت على عاصفة بحريَّة عنيفة دامت أُسبوعين أسفرت عن تحطُّم السفينة، وصل بولس إلى روما. وبعدما أُطلِق أخيرًا لفترة خدمة وجيزة، اعتُقِل ثانيةً وقاسى الاستشهاد في روما حوالى ٦٥-٦٧ ب م (رج ٢تي ٤: ٦).
رغمَ كونِ بولس غيرَ جذّابٍ جسميًّا (رج ٢كو ١٠: ١٠؛ غل ٤: ١٤)، فقد كانت له قوَّة داخليَّة وُهِبَت له بقُدرةِ الروح القدس (في ٤: ١٣). وقد أثبتت نعمةُ الله أنها كافية لتلبية كلِّ حاجةٍ لديه (٢كو ١٢: ٩ و١٠)، إذ مكَّنت خادمَ المسيح الأمينَ هذا من إكمال سعيه الروحيِّ بنجاح (٢تي ٤: ٧).
كتب بولس رسالة رومية من كورنثوس، كما تُبيِّنُ الإشاراتُ إلى فيبي (رو ١٦: ١، وكانت كَنخَريا ميناء كورنثوس) وغايُس (رو ١٦: ٢٣) وأراستُس (رو ١٦: ٢٣). وهم جميعًا كانوا ينتمون إلى كورنثوس. وقد كتب الرسول هذه الرسالة قُبيلَ نهاية رحلته التبشيريَّة الثالثة (في ٥٦ ب م على الأرجح)، وهو يتأهَّب للسفر إلى فلسطين بتقدمةٍ إلى فُقراء المؤمنين في كنيسة أورشليم (رو ١٥: ٢٥). وقد كُلِّفت فيبي المسؤوليَّة الجسيمة في إيصال هذه الرسالة إلى مؤمني مدينة روما (١٦: ١ و٢).
كانت روما عاصمة الإمبراطوريَّة الرومانيَّة وأهمَّ مدينة فيها. وقد تأسَّست في ٧٥٣ ق م، إلّا أنها لم تُذكَر في الكتاب المقدَّس قبل أزمنة العهد الجديد. وهي واقعة على طول ضِفاف نهر التّيبر، على بُعدِ نحو ٢٤ كلم من البحر الأبيض المتوسِّط. وحتّى بناء مرفإ صناعيٍّ على ساحل أُوستيا القريبة، ظلَّ مرفأ روما الرئيسيُّ هو بوطيولي، على بُعدِ نحو ٢٤٠ كلم (رج ح أع ٢٨: ١٣). وفي أيام بولس، كان عدد سكّان المدينة فوقَ مليون نسمة، مُعظَمُهم من العبيد. وقد تباهت روما بمبانٍ فاخرة، مثل القصر الإمبراطوريِّ والميدان الأكبر، والفُورُم، ولكنّ جمالَها شوَّهته الأحياء الفقيرة الفاسدة التي أقام فيها كثيرون جدًّا. وبحسب التقليد، استُشهِد بولس خارج روما على الطريق الأُوستيانيِّ في أثناء حُكم نيرون (٥٤-٦٨ ب م).
ربّما تأسَّست الكنيسة في روما على أيدي بعض الذين اهتدَوا في يوم الخمسين (رج أع ٢: ١٠). وكان بولس قد سعى لأنْ يزور كنيسة روما، ولكنّه أُعيق (١: ١٣). فبعنايةِ الله، أسفر عدم تمكُّن بولس من زيارة روما عن إعطاء العالَم هذه الرائعةَ المُوحَى بها في ما يتعلَّق بحقِّ الإنجيل.
كان غرض بولس الأساسيُّ من كتابة رسالة رومية أن يُعلِّم حقائقَ إنجيل النعمةِ العظيمةَ لمؤمنين لم يسبق أن تلقَّوا قطُّ تعليمًا رسوليًّا. وقد عرَّفته الرسالة أيضًا إلى كنيسة كان غير معروفٍ لديها شخصيًّا، وإنما ترجَّى أن يزورها قريبًا لبضعة أسبابٍ مُهِمَّة: أن يبنيَ المؤمنين (١: ١١)؛ أن يكرز بالإنجيل (١: ١٥)؛ أن يتعرَّف بمؤمني روما ليُتاح لهم أن يُشجِّعوه (١: ١٢؛ ١٥: ٣٢) ويُصلُّوا لأجله على نحوٍ أفضل (١٥: ٣٠) ويُساعِدوه للقيام بخدمته المُقرَّرة في اسبانيا (١٥: ٢٨).
وعلى خِلاف بعض رسائل بولس الأُخرى (مثلًا: ١ و٢كو، غل)، لم يكُن قصد بولس من كتابةِ رومية أن يُقوِّم ضلالًا لاهوتيًّا أو يوبِّخَ عيشةً غير تقيَّة. فقد كانت كنيسة روما صحيحةَ التعليم، ولكنّها، كسائر الكنائس، في حاجة إلى غنى التوجيه التعليميِّ والعلميِّ الذي توفِّره هذه الرسالة.
بما أنّ رسالة رومية هي في الجوهر نِتاجٌ تعليميٌّ، فهي تحتوي على قليلٍ من المادَّة التاريخيَّة. ويستخدم بولس فعلًا أشخاصًا معروفين من العهد القديم، مِثلَ إبراهيم (ف ٤)، وداود (٤: ٦-٨)، وآدم (٥: ١٢-٢١)، وسارة (٩: ٩)، ورفقة (٩: ١٠)، ويعقوب وعيسو (٩: ١٠-١٣)، وفرعون (٩: ١٧)، كأمثلة توضيحيَّة. كذلك يسرد أيضًا جانبًا من تاريخ بني إسرائيل (ف ٩-١١). ويقدِّم ف ١٦ لمحاتٍ مُنوِّرةً بشأن ما تميَّزت به كنيسة القرن الأوَّل وأعضاؤها من حيث الطبيعةُ والأخلاق.
إنّ الموضوع المُهيمِن في رسالة رومية هو البرُّ الآتي من عند الله: الحقُّ المجيدُ في كون الله يُبرِّر الخطاة المُذنبين والمحكوم عليهم، بالنعمة وحدها بواسطة الإيمان بيسوع المسيح وحده. وتُقدِّم ف ١-١١ الحقائق اللاهوتيَّة المختصَّة بتلك العقيدة؛ أمّا ف ١٢-١٦ فتُفصِّل الكلام عن نتائجها العمليَّة في حياة المؤمنين أفرادًا وحياة الكنيسة كاملةً. وبعضُ الموضوعات اللاهوتيَّة المحدَّدة تتضمَّن: مبادئ القيادة الروحيَّة (١: ٨-١٥)؛ غضب الله على الجنس البشريِّ الأثيم (١: ١٨-٣٢)؛ مبادئ الدينونة الإلهيَّة (٢: ١-١٦)؛ شموليَّة الخطيَّة (٣: ٩-٢٠)؛ شرحًا ودفاعًا عن التبرير بالإيمان وحده (٣: ٢١-٤: ٢٥)؛ ضمان الخلاص (٥: ١-١١)؛ انتقال خطيَّة آدم (٥: ١٢-٢١)؛ التقديس (ف ٦-٨)؛ الاختيار المُطلَق (ف ٩)؛ خطَّة الله للأُمَّة القديمة (ف ١١)؛ المواهب الروحيَّة والتقوى العمليَّة (ف ١٢)؛ مسؤوليَّة المؤمن تُجاهَ الحكومة البشريَّة (ف ١٣)؛ مبادئ الحريَّة المسيحيَّة (١٤: ١-١٥: ١٢).
بما أنّ لرسالة رومية الأثرَ التعليميَّ البارز في العهد الجديد، فمن الطبيعيِّ أن تشتمل على عددٍ من المقاطع الصَّعبة. وبحثُ بولس في استمراريَّة خطيَّة آدم (٥: ١٢-٢١) هو واحدٌ من المقاطع اللاهوتيَّة الأكثر عُمقًا واتِّساعًا في الكتاب المقدَّس كلِّه. فإنّ طبيعةَ اتِّحاد البشر بآدم وكيفيَّةَ انتقال خطيَّته إلى الجنس البشريّ، ما زالتا دائمًا موضوعَ نقاشٍ حادّ. كذلك أيضًا يختلف دارسو الكتاب المقدَّس بشأن ٧: ٧-٢٥: أيصف اختبارَ بولس في الإيمان أو قبلَ الإيمان، أم هو وسيلةُ تعبيرٍ أدبيَّة غيرُ مقصودٍ بها أن تكون ذات علاقةٍ بالسِّيرة الذاتيَّة إطلاقًا؟ كما أنّ العقيدتَين المترابطتَين على نحوٍ وثيق في ما يتعلَّق بالاختيار (٨: ٢٨-٣٠) وسيادة الله المُطلقة (٩: ٦-٢٩)، قد أربكتا مؤمنين كثيرين. ويسأل آخرون عن الأصحاحات ٩-١١: هل تُعلِّم أنّ لدى الله خُطَّةً مُستقبليَّة لإسرائيل كأُمَّة؟ وقد غضَّ بعضُهم النَّظر عن تعليم بولس بشأن طاعة المؤمن للحكومة البشريَّة (١٣: ١-٧)، تحت شعار النشاطات المسيحيَّة، فيما استخدمه آخرون للدفاع عن طاعة العبوديَّة للأنظمة الاستبداديَّة.
هذه كلُّها، وسواها من العقبات التفسيريَّة، تتطرَّق إليها الحواشي الخاصَّة بكلِّ مقطعٍ على التوالي.
المحتوى
أوَّلًا: تحيَّات ومقدِّمة (١: ١-١٥)
ثانيًا: موضوع الرسالة (١: ١٦ و١٧)
ثالثًا: الدينونة: الحاجة إلى برِّ الله (١: ١٨-٣: ٢٠)
أ) الأُمم غيرُ الأبرار (١: ١٨-٣٢)
ب) اليهود غيرُ الأبرار (٢: ١-٣: ٨)
ج) البشر غيرُ الأبرار (٣: ٩-٢٠)
رابعًا: التبرير: تدبيرُ برِّ الله (٣: ٢١-٥: ٢١)
أ) مصدر البرّ (٣: ٢١-٣١)
ب) مثال البرّ (٤: ١-٢٥)
ج) بركات البرّ (٥: ١-١١)
د) حسبان البرّ (٥: ١٢-٢١)
خامسًا: التقديس: برهان برِّ الله (٦: ١-٨: ٣٩)
سادسًا: الاسترداد: قبولُ بني إسرائيل برَّ الله ( ٩: ١-١١: ٣٦)
سابعًا: التطبيق: السلوك اللائق ببرِّ الله (١٢: ١-١٥: ١٣)
ثامنًا: خاتمة وتحيّات وبركة ختاميَّة (١٥: ١٤-١٦: ٢٧)
أُرسِلَت هذه الرسالة إلى الكنيسة التي كانت في
مدينة كورنثوس. فباستثناء الرسائل الشخصيَّة المُوجَّهة إلى تيموثاوس وتيطس
وفليمون، تحمل جميع رسائل بولس اسم المدينة التي فيها وُجِدت الكنيسة التي
وُجِّهت إليها الرسالة.
كما هو مُبيَّن في الآية الأولى، كتبَ هذه
الرسالةَ بولسُ الرسول؛ وليس من شكٍّ في نسبتها إليه. فإنّ كتابة بولس لهذه
الرسالة ما برحت مقبولةً بالإجماع لدى الكنيسة منذ القرن الأوَّل الذي في
أثنائه سُطِّرت الرسالة. وداخليًّا، صرَّح الرسول بأنّه هو قد كتبها (١: ١
و١٣؛ ٣: ٤-٦؛ ٤: ١٥؛ ١٦: ٢١). ثمّ خارجيًّا، تمَّ الاعترافُ بأصالة هذه الرسالة
منذ ٩٥ ب م من قِبَل اكليمندس الذي عاش في روما، وذلك في سياق رسالةٍ وجَّهها
هو إلى الكنيسة الكورنثيَّة. ومن جُملة القادة المسيحيِّين الأوَّلين الذين
أقرُّوا بصحَّة نسبة الرسالة إلى بولس: إغناطيوس (حوالى ١١٠ ب م)، وبوليكاربُس
(حوالى ١٣٥ ب م) وترتليانُس (حوالى ٢٠٠ ب م).
كانت مدينة كورنثوس واقعةً في جنوب اليونان،
في الإقليم الذي كان يُسمّى إقليم أخائية الرومانيَّة، والذي كان يبعد ٧٢
كلم تقريبًا غربيَّ أثينا. وهذا الجزء الأسفل، شِبهُ جزيرة بيلوبونيز، يتَّصل
بباقي بلاد اليونان بواسطة برزخ عرضُه ٦.٤ كلم، يحدُّه من الشرق الخليجُ
السارونيُّ، ومن الغرب خليج كورنثوس. وتقع كورنثوس في منتصف البرزخ تقريبًا،
بارزةً على هضبة مُسطَّحة. وعلى مدى قرون كثيرة، كانت جميع القوافل البريَّة
المسافرة من الشمال إلى الجنوب مُضطرَّةً إلى المرور عبرَ هذه المدينة القديمة
أو قُربَها. وبما أنّ السَّفر بحرًا حول شبه جزيرة بيلوبونيز كان يعني رحلةً
طولُها ٤٠٠كلم محفوفةً بالخطر، وتستغرق بالطبع وقتًا طويلاً، فإنّ معظم الربابنة
كانوا ينقلون سُفُنَهم على مِنصَّاتٍ مُدَولبة أو بَكَراتٍ عبرَ البرزخ
مرورًا بكورنثوس مباشرةً. وكان من البديهيِّ أن تزدهر كورنثوس كمدينة تجاريَّة
كبرى، ليس بالنسبة إلى معظم اليونان فقط، بل أيضًا بالنسبة إلى قسمٍ كبيرٍ
من منطقة المتوسِّط، يشمل أفريقيا الشماليَّة وإيطاليا وآسيا الصغرى. وقد
باشر الإمبراطور نيرون حفر قناة عبر البرزخ في القرن الأوَّل ب م، ولكنّه
لم يُنجَز قبل أواخر القرن التاسع عشر.
مع أنّ الصبغة الأساسيَّة لهذه الرسالة هي أنّها تقويميَّةٌ
للسلوك أكثر منها للعقيدة، فإنّ بولس يُورِدُ تعاليمَ جوهريَّة في عدَّة
عقائد ترتبط مباشرةً بشؤون الخطيَّة والبِرّ. وبطريقةٍ أو بأُخرى، فإنّ العِيشةَ
الخاطئة تنشأ دائمًا عنِ المُعتقَد الخاطئ. فالخطايا الجنسيَّة مثلاً، بما
فيها الطلاق، مرتبطةٌ حتمًا بمخالفة خطَّة الله بشأن الزواج والعائلة (٧: ١-٤٠).
والعبادة السليمة تُحدِّدها أُمور مثل مراعاة طبيعة الله المقدَّسة (٣: ١٧)
والهُويَّة الروحيَّة للكنيسة (١٢: ١٢-٢٧) والاشتراك في عشاء الربِّ بطهارة
(١١: ١٧-٣٤). ولن يُتاح للكنيسة أن تُبنى بأمانة وفعاليَّة ما لم يَعِ المؤمنون
مواهبَهم الروحيَّة ويُمارِسوها (١٢: ١-١٤: ٤٠). ولسنا نُبالِغُ أبدًا مهما
شدَّدنا على أهميَّة عقيدة القيامة، لأنّة إن كانت قيامة الأموات غير واردة،
فإنّ المسيح لم يقُم. ولو لم يقُمِ المسيح لكانت الكرازة باطلة ومثلَها الإيمان
(١٥: ١٣ و١٤). فضلاً عن هذه الموضوعات، يتطرَّق بولس بإيجاز إلى محاسبة الله
للمؤمنين، تلك التي إذا فُهِمَت بالشكل الصحيح، تُنشِئ دوافع صحيحة تؤدِّي
إلى عِيشة التقوى (رج ٣: ١٣-١٥). كما أنّ الفهمَ الصحيحَ للأوثان والآلهة
الزائفة، على وجه العموم، كان من شأنه أن يساعد المسيحيِّين غير الناضجين
على التفكير بنُضج في أُمورٍ مثل أكل اللحم الذي سبق أن قُدِّم ذبائحَ للأوثان
(٨: ١-١١: ١). وكذلك كان الفهمُ الصحيح للمحبَّة السماويَّة الأصيلة والتعبيرُ
عنها إلزاميَّين لاستخدام المواهب الصحيحة، بل أيضًا للمعرفة الصحيحة بشأن
جميع أُمور الله (١٣: ١-١٣).
إنّ المسألة الأكثر جَدَلاً في التفسير هي مسألة مواهب الآيات
التي يجري بحثُها في ف ١٢-١٤، ولا سيّما موهبَتَي المعجزات والتكلُّم بألسنة.
فكثيرون يعتقدون أنّ جميع المواهب دائمة، بحيثُ إنّ موهبة التكلُّم بألسنة
سوف تنتهي (١٣: ٨) فقط حين تُبطَلُ موهِبَتا النبوَّة والعِلم، وتحديدًا عندما
يأتي ما هو كامل (ع ١٠). فأولئك الذين يقولون بأنّ الألسنة والمعجزات ما
تزالان موهبتَين روحيَّتين ساريتين في الكنيسة اليوم يعتقدون أنّهما ينبغي
أن تُمارسا بالقوَّة عينها التي بها مارسهما الرسلُ في أزمنة العهد الجديد.
ولكنّ آخرين يعتقدون أنّ مواهب الآيات قد توقَّفت. هذا الجدل سوف يُحسَم
في الحواشي المتعلِّقة بهذا الموضوع في ف ١٢-١٤.
هذه ثاني رسالة في العهد الجديد كتبها الرسول بولس إلى المؤمنين
بالمسيح في مدينة كورنثوس (رج مقدِّمة ١كو).
لا جدالَ في أنّ الرسول بولس كتب كورنثوس الثانية. هذا، وإنّ
عدم وجود أيِّ دافِع لأنْ يُزوِّر أيُّ إنسانٍ هذه الرسالة الشخصيَّة، والمُتعلّ
ِقة بسيرة بولس الذاتيَّة، جعل أكثرَ العُلماء انتِقادًا أن يُثبِتوا أنّ
بولس كاتبُها.
بدأ ارتباط بولس بمدينة كورنثوس التجاريَّة المهمَّة (رج
مقدِّمة ١كو: العنوان) في رحلته التبشيريَّة الثانية (أع ١٨: ١- ١٨)، حين
قضى ١٨ شهرًا (أع ١٨: ١١) يخدم هناك. وبعد مغادرته كورنثوس، سمع بفسوقٍ في
الكنيسة الكورنثيَّة، فكتب رسالةً (فُقِدت مُذ ذاك) لمواجهة تلك الخطيَّة،
مُشارًا إليها في ١كو ٥: ٩. وفي أثناء خدمته في أفسُس، تلقَّى مزيدًا من الأخبار
عن بليَّةٍ في الكنيسة الكورنثيَّة على شكل انقسامات بين أعضائها (١كو ١: ١١).
إضافةً إلى ذلك، كتب الكورنثيُّون رسالة إلى بولس (١كو ٧: ١) مُستوضِحين بعض
المسائل. فردَّ بولس بكتابة الرسالة المعروفة بكورنثوس الأولى. وإذ نوى أن
يمكث في أفسُس مدَّةً أطول قليلاً (١كو ١٦: ٨ و٩)، أرسل تيموثاوس إلى كورنثوس
(١كو ٤: ١٧؛ ١٦: ١٠ و١١). ثمّ بلغتِ الرسول أخبارٌ مُزعِجة (ربما على يد تيموثاوس)
عن مزيدٍ من الصعوبات في كورنثوس، بما فيها قُدومُ رسُلٍ زائفين أدعياء
(١١: ١٣؛ رج ح ١١: ٤).
كورنثوس الثانية مُكمِّلة للسجلِّ التاريخيِّ عن معاملات
بولس مع الكنيسة الكورنثيَّة، كما جاء في سفر الأعمال وكورنثوس الأُولى.
وتحتوي الرسالة أيضًا مُعطَياتٍ هامَّةً عن سيرة بولس الذاتيَّة، منثورةً
على صفحاتها.
التحدِّي الرئيسيُّ الذي يُواجِه المُفسِّر هو العلاقة بين
ف ١٠-١٣ وف ١-٩. (رج ح ١٠: ١-١٣: ١٤). وقد ولَّدت هُويَّةُ خصوم بولس في كورنثوس
تفسيراتٍ شتَّى، شأنها شأن هُوِيَّة الأخ الذي رافق تيطس إلى كورنثوس (٨: ١٨
و٢٢). ومن غير المؤكَّد أيضًا إن كان المُسيءُ المذكور في ٢: ٥-٨ هو مرتكب
سفاح القُربى المذكور في ١كو ٥. ومن الصَّعب أيضًا أن نُفسِّر رؤيا بولس
(١٢: ١-٥)، ونُحدِّدَ بدقَّة ما دعاه «شوكةً في الجسد» لديه، و«ملاك الشيطان»
المُرسَلَ كي يلطمه (١٢: ٧). فهذه العقبات التفسيريَّة وغيرها ستتمُّ معالجتُها
في الحواشي المُتعلِّقة بشواهدها.
المحتوى
أوَّلاً: تحيَّةُ بولس (١: ١-١١)
ثانيًا: خدمة بولس (١: ١٢-٧: ١٦)
أ) خُطط بولس (١: ١٢-٢: ٤)
ب) مُعاقبة المُسيء (٢: ٥-١١)
ج) غياب تيطس (٢: ١٢ و١٣)
د) طبيعة الخدمة (٢: ١٤-٦: ١٠)
١. انتصار الخدمة (٢: ١٤-١٧)
٢. امتداح الخدمة (٣: ١-٦)
٣. أساس الخدمة (٣: ٧-١٨)
٤. موضوع الخدمة (٤: ١-٧)
٥. تجارب الخدمة (٤: ٨-١٨)
٦. حوافز الخدمة (٥: ١-١٠)
٧. رسالة الخدمة (٥: ١١-٢١)
٨. سلوك الخدمة (٦: ١-١٠)
ه-) حثُّ الكورنثيِّين (٦: ١١-٧: ١٦)
١. على فتح قلوبهم لبولس (٦: ١١-١٣)
٢. على الانفصال عن غير المؤمنين (٦: ١٤-٧: ١)
٣. على التيقُّن من محبَّة بولس (٧: ٢-١٦)
ثالثًا: جمع بولس للتبرُّعات (٨: ١-٩: ١٥)
أ) مِثالاً العطاء (٨: ١-٩)
١. المكدونيُّون (٨: ١-٧)
٢. يسوع المسيح (٨: ٨ و٩)
ب) هدف العطاء (٨: ١٠-١٥)
ج) إجراءات العطاء (٨: ١٦-٩: ٥)
د) وعد العطاء (٩: ٦-١٥)
رابعًا: رسوليَّة بولس (١٠: ١-١٢: ١٣)
أ) السُّلطان الرسوليُّ (١٠: ١-١٨)
ب) السُّلوك الرسوليُّ (١١: ١-١٥)
ج) الآلام الرسوليَّة (١١: ١٦-٣٣)
د) أوراق الاعتماد الرسوليَّة (١٢: ١-١٣)
خامسًا: زيارة بولس (١٢: ١٤-١٣: ١٤)
أ) لا أنانيَّة بولس (١٢: ١٤-١٨)
ب) تحذيرات بولس (١٢: ١٩-١٣: ١٠)
ج) بركة بولس الختاميَّة (١٣: ١١-١٤)
"تستمدُّ هذه الرسالة عُنوانَها من منطقة غلاطيَّة، وكانت واقعةً
في آسيا الصُّغرى (تُركيّا حديثًا)، وفيها كانت الكنائس التي إليها وُجِّهت
الرسالة. وهيَ وحدَها بين رسائل بولس وُجِّهت خصِّيصًا إلى كنائس في أكثرَ
من مدينة واحدة (١: ٢؛ رج ٣: ١؛ ١كو ١٦: ١).
لا داعيَ إلى الشكِّ في التصريحات الداخليَّة، بأنّ الرسول
بولس قد كتب الرسالة إلى مؤمني غلاطيَّة (١: ١؛ ٥: ٢). وقد وُلِد بولس في طرسوس،
وهي إحدى مُدُن مقاطعة كيليكيا، على مقرُبة من غلاطيَّة. وعلى يد المعلِّم
الدينيِّ الشهير غمالائيل، تلقَّى بولس تدريبًا وافيًا في أسفار العهد القديم
وتقاليد معلِّمي الدِّين في أورشليم (أع ٢٢: ٣). ولكونه عضوًا في طائفة الفريسيِّين
المُحافِظة والمتشدِّدة (أع ٢٣: ٦)، كان واحدًا من نجوم اليهوديَّة البارزين
في القرن الأوَّل (١: ١٤؛ رج في ٣: ٥ و٦).
كان للكلمة غلاطيَّة في زمان بولس مَعنيان مختلفان. فبمعنًى إثنيٍّ
حصريّ، كانت غلاطيَّة هي المنطقة الواقعة في آسيا الصُّغرى والتي يسكنها الغلاطيُّو
ن. وقد كانوا شعبًا سلتيًّا سبق أن هاجروا إلى تلك المنطقة من بلاد الغال
(فرنسا حديثًا) في القرن الثالث ق م. ثمّ قهر الرومان الغلاطيِّين في ١٨٩
ق م، إنما سمحوا لهم بأن يتمتَّعوا بقسطٍ من الاستقلال حتى ٢٥ ق م، إذ أصبحت
غلاطيَّة مُقاطعة رومانيَّة تضمُّ بعض الأقاليم التي لا يُقيم فيها الغلاطيُّون
الإثنيُّون (مثلاً، أجزاء من ليكأونيَّة وفريجيَّة وبيسيديَّه). وبمعنًى سياسيّ،
باتت غلاطيَّة تُطلَق على كامل المقاطعة الرومانيَّة، وليس فقط على المنطقة
التي يقطنها الغلاطيُّون إثنيًّا.
تمدُّنا غلاطيَّة بمعلومات تاريخيَّة ثمينة عن خلفيَّة بولس (ف١ و٢)،
بما فيها إقامتُه التي دامت ٣ سنين في صحراء الأنباط العربيَّة (١: ١٧ و١٨)،
والتي لا يذكرها سفرُ الأعمال؛ وزيارتُه التي دامت ١٥ يومًا لبطرس، بعد إقامته
في العربيَّة (١: ١٨ و١٩)؛ وسَفرتُه إلى مجمع أورشليم (٢: ١-١٠)؛ ومواجهتُه
لبطرس (٢: ١١-٢١).
أوَّلاً، وَصَفَ بولسُ زيارةً لأورشليم واجتماعًا لاحقًا مع بطرس
ويعقوب ويوحنا (٢: ١-١٠). ففي هذا النصِّ سؤالٌ يجب أن يُجابَ عنه: أكانت تلك
هي زيارتَه إلى المجمع الأورشليميّ (أع ١٥)، أم زيارتَه الأبكَر لتوصيل الإغاثة
إلى كنيسة أورشليم (أع ١١: ٢٧-٣٠)؟ ثانيًا، أولئك الذين يعلِّمون أنّ التجديد
بالمعموديَّة (العقيدة الباطلة بأنّ المعموديَّة ضروريَّة لأجل الخلاص) يؤيِّدون
وجهة نظرهم استنادًا إلى ٣: ٢٧. ثالثًا، استعمل آخرون هذه الرسالة لدَعمِ
هَجَماتِهم على دَوْرَي الرجال والنساء بحسب الكتاب المقدَّس، زاعِمين أنّ
المُساواة الروحيَّة المُعَلَّمة في ٣: ٢٨ لا تتناسب مع المفهوم المأثور المُتعلِّق
بالسلطة والخضوع. رابعًا، رافِضو عقيدة الضَّمان الأبديِّ يُجادِلون بأنّ العبارة
«سقطتُم من النِّعمة» (٥: ٤) تصف مؤمنين فقدوا خلاصهم. خامسًا، ثمّة خِلافٌ
حول كون عبارة بولس «انظروا ما أكبر الأحرف التي كتبتُها إليكم بيدي» تُشير
إلى الرسالة كُلِّها أو إلى الآيات الختاميَّة فحسْب. أخيرًا يزعم كثيرون أنّ
بولس محا الخطَّ الفاصل بين إسرائيل والكنيسة لمَّا حدَّد الكنيسة بصفة «إسرائيل
الله» (٦: ١٦). هذه العقبات سنتطرَّق إليها في الحواشي العائدة إلى الآيات
التي تخصُّها.
المحتوى
أوّلاً: قِسمٌ شخصيّ: الكارز بالتبرير (١: ١-٢: ٢١)
أ) تأديبٌ رسوليّ (١: ١-٩)
ب) وثائق رسوليَّة (١: ١٠-٢: ١٠)
ج) ثقة رسوليَّة (٢: ١١-٢١)
ثانيًا: قِسمٌ تعليميّ: مبادىء التبرير (٣: ١-٤: ٣١)
أ) اختِبار الغلاطيِّين (٣: ١-٥)
ب) بَرَكة إبراهيم (٣: ٦-٩)
ج) لعنة الناموس (٣: ١٥-١٨)
د) وعدُ العهد (٣: ١٥-١٨)
ه-) غايةُ الناموس (٣: ١٩-٢٩)
و) بُنُوَّة المؤمنين (٤: ١-٧)
ز) عُقم الطَّقسانيَّة (٤: ٨-٢٠)
ح) الإيضاح المستمَدُّ من كلمة الله (٤: ٢١-٣١)
ثالثًا: قِسمٌ عمليّ: امتيازات التبرير (٥: ١-٦: ١٨)
أ) الحريَّة من الطُّقوس (٥: ١-٦)
ب) الحريَّة من الناموسيِّين (٥: ٧-١٢)
ج) الحريَّة في الروح القُدس (٥: ١٣-٢٦)
د) الحريَّة من العبوديَّة الروحيَّة (٦: ١-١٠)
ه-) خاتمة (٦: ١١-١٨)
"الرسالة موجَّهة إلى الكنيسة في مدينة أفسُس، عاصمة مقاطعة أسيّا
الرومانيَّة (آسيا الصغرى، تركيّا حديثًا). ولأنّ الاسم «أفسس» لا يُذكَر
في جميع المخطوطات الباكرة، يعتقد بعض العلماء أنّ الرسالة كانت دَوَّارة،
مقصودًا لها أن تُدار وتُقرأ بين جميع الكنائس في آسيا الصُّغرى بعدما أُرسِلت
أوَّلاً إلى مؤمني أفسُس.
لا مؤشِّر إلى أنّ نسبة الرسالة إلى بولس ينبغي النظر فيها. فمذكورٌ
أنه الكاتب في التحيَّة الاستهلاليَّة (١: ١؛ ٣: ١). وقد كُتبت الرسالة من السجن
في روما (أع ٢٨: ١٦-٣١) في وقتٍ ما بين ٦٠ و٦٢ ب م، ولذلك فغالبًا ما يُشار
إليها بصفتها إحدى رسائل السجن (فضلاً عن فيلبِّي وكولوسي وفليمون). ولعلَّها
أُنشئت تقريبًا بالتزامُن مع رسالة كولوسي، وأُرسِلت أساسًا مع هذه ورسالة
فليمون بيد تيخيكس (أف ٦: ٢١ و٢٢؛ كو ٤: ٧ و٨). رج مقدِّمة فيلبِّي: الكاتب والتاريخ
، طلبًا لبحثٍ في المدينة التي منها كتب بولس.
يُحتمل أن يكون الإنجيل وصل إلى أفسس أوَّل الأمر على أيدي أكيلا
وبريسكلا، وهما زوجان موهوبان على نحوٍ استثنائيّ (رج أع ١٨: ٢٦)، تركهما
بولس هناك في رحلته التبشيريَّة الثانية (أع ١٨: ١٨ و١٩). وقد كانت مدينة أفسس
واقعة عند مصبِّ نهر كايستر، في الجانب الشرقيِّ من بحر إيجه، ولعلَّها اشتهرت
أكثر الكلِّ بمعبد أرطاميس (أو ديانا) الفخم الذي كان فيها، وكان واحدًا من
العجائب السبع في العالم القديم. وكانت أيضًا مركزًا شهيرًا للسياسة والثقافة
والتجارة، في مستوى الإسكندريَّة بمصر، وأنطاكية بيسيدية، في جنوبيِّ آسيا
الصُّغرى.
الأصحاحات الثلاثة الأُولى لاهوتيَّة، تُشدِّد على
عقيدة العهد الجديد، فيما الثلاثة الأخيرة عمليَّةٌ تُركِّز على السلوك المسيحيّ.
ولعلَّ هذه، فوقَ كلِّ شيء، رسالةُ تشجيع وحثّ، كُتبت لتذكير المؤمنين ببركاتهم
التي لا تُقاس في يسوع المسيح؛ ولكي يكونوا ليس فقط شاكرين من أجل هذه البركات،
بل أيضًا عائشين عيشةً تليق بها. فعلى الرغم من بركات المسيحيِّ العظيمة في
يسوع المسيح، وأحيانًا بسبب هذه البركات، لا بدَّ أن يُجرِّبه الشيطان بأن
يكون مكتفيًا ذاتيًا وراضيًا بحاله. لهذا السبب، ذكَّر بولس المؤمنين، في
الأصحاح الأخير، بالسلاح الروحيِّ الكامل والكافي الذي أمدَّهم به الله من
خلال كلمته وبروحه القدُّوس (٦: ١٠-١٧)، كما ذكَّرهم بحاجتهم إلى الصلاة المُتَّسمة
بالسَّهر والمواظبة (٦: ١٨).
إنّ اللاهوت العامَّ في أفسُس مباشر وغير غامض،
ولا يُقدِّم أيّة أفكار أو تفاسير معانيها موضِعُ جَدَل جدِّيّ. غير أنّ في
الرسالة بعض الآيات التي يستدعي تفسيرُها الصحيح تفكيرًا واعيًا، وهي تحديدًا:
١) ٢: ٨، حيث يجب أن يُقرِّر المرء هل الخلاص أو الإيمان هو العطيَّة؛ ٢) ٤: ٥،
حيث يجب تمييز نوع المعموديَّة؛ ٣) ٤: ٨، من حيث علاقتها بمزمور ٦٨: ١٨.
المحتوى
أوَّلاً: تحيَّة (١: ١ و٢)
ثانيًا: قصد الله للكنيسة (١: ٣-٣: ١٣)
أ) التعيين السابق في المسيح (١: ٣-٦أ)
ب) الفداء في المسيح (١: ٦ب- ١٠)
ج) الميراث في المسيح (١: ١١-١٤)
د) المواردُ في المسيح (١: ١٥-٢٣)
ه-) الحياة الجديدة في المسيح (٢: ١-١٠)
و) الوحدة في المسيح (٢: ١١-٣: ١٣)
ثالثًا: ملءُ الله للكنيسة (٣: ١٤-٢١)
رابعًا: خُطَّة الله لعيشة الإيمان في الكنيسة (٤: ١-٦)
خامسًا: ابن الله يمنح الكنيسة المواهب ويبنيها (٤: ٧-١٦)
سادسًا: نموذج الله ومبادئُه لأعضاء الكنيسة (٤: ١٧-٣٢)
سابعًا: معايير الله للأمانة في الكنيسة (٥: ١-٢١)
أ) السلوك في المحبَّة (٥: ١-٧)
ب) السلوك في النور (٥: ٨-١٤)
ج) السلوك بحكمة وصحو (٥: ١٥-١٨أ)
د) الامتلاء بروح الله (٥: ١٨ب- ٢١)
ثامنًا: معايير الله للسُّلطة والخضوع في الكنيسة (٥: ٢٢-٦: ٩)
أ) الأزواج والزوجات (٥: ٢٢-٣٣)
ب) الوالِدان والأولاد (٦: ١-٤)
ج) المُوظِّفون والمُوظَّفون (٦: ٥-٩)
تاسعًا: إمداداتُ الله لمعارك أولاده الروحيَّة (٦: ١٠-١٧)
أ) حربُ المؤمن (٦: ١٠-١٣)
ب) سلاح المؤمن (٦: ١٤-١٧)
عاشرًا: مناشدة الله بشأنِ الصلاة في الكنيسة (٦: ١٨-٢٠)
حاديَ عشر: البَرَكة الختاميَّة (٦: ٢١-٢٤)
"تستمدُّ رسالة فيلبِّي تسمِيَتها من المدينة اليونانيَّة التي كانت
فيها الكنيسةُ التي وُجِّهت الرسالةُ إليها. وقد كانت فيلبِّي هي أوَّلَ مدينة
في مقدونيَّة أسَّس فيها بولس كنيسة.
أجمعت شهادةُ الكنيسة الباكرةِ على أنّ الرسول بولس هو كاتب رسالة
فيلبِّي. وليس في الرسالة ما يدفع أيَّ مُزوِّرٍ إلى كتابتها.
كانت فيلبِّي تُعرَف أصلاً باسم كرينيدِس («الينابيع الصغيرة»)،
بسبب كثرة الينابيع القريبة منها. وقد تلقَّت اسمها الجديد («مدينة فيلبِّي»)
من فيليب الثاني المقدونيّ (أبي الإسكندر الكبير). فإذِ اجتذبَت مناجمُ الذهب
القريبة فيليب، أخضع المنطقة في القرن الرابع ق م. وفي القرن الثاني ق م،
أصبحت فيلبِّي جزءًا من مقاطعة مقدونية الرومانيَّة.
بما أنَّ رسالة فيلبِّي هي رسالةٌ عمليَّة جوهريًّا، فهي تحتوي
على قليلٍ من الموادِّ التاريخيَّة (ليس فيها اقتباساتٌ من العهد القديم) فضلاً
عن العَرض البارز لسيرة بولس الذاتيَّة الروحيَّة (٣: ٤-٧). وهنالك بالمِثل
قليلٌ من التعليم اللاهوتيِّ المباشر أيضًا، باستثناءٍ واحدٍ هامٍّ وبارز.
فالمقطع الرائع جدًّا في وصفِ اتِّضاع المسيح وتمجيده (٢: ٥-١١) يحتوي على
قسطٍ من التعليم الأعمق والأهمِّ عن الربِّ يسوع المسيح في الكتاب المقدَّس
كلِّه. أمّا الموضوعُ الأساسيُّ المتعلِّق بالسَّعي إلى مشابهة المسيح، بوصفه
عنصُرَ النموِّ الروحيِّ الأكثرَ تعريفًا وشغفَ بولس الوحيدَ في حياته الشخصيَّة،
فهو معروضٌ في ٣: ١٢-١٤. وعلى الرغم من سَجنِ بولس، فإنّ اللهجة السائدة في
الرسالة تتَّسم بالفرح (١: ٤ و١٨ و٢٥ و٢٦؛ ٢: ٢ و١٦-١٨ و٢٨؛ ٣: ١ و٣؛ ٤: ١ و٤
و١٠).
العقبة الرئيسيَّة في ما يتعلَّق برسالة فيلبِّي هي تحديدُ
المكان الذي كُتِبت فيه (رج الكاتب والتاريخ). أمّا النصُّ ذاتُه فيُقدِّم
فقط تحدِّيًا تفسيريًّا هامًّا واحدًا: هُويَّة «أعداء صليب المسيح» (رج ح
٣: ١٨ و١٩).
المحتوى
أوَّلاً: تحيَّة بولس (١: ١-١١)
ثانيًا: أحوال بولس (١: ١٢-٢٦)
ثالثًا: نصائح بولس (١: ٢٧-٢: ١٨)
أ) بالثبات وسط الاضطهد (١: ٢٧-٣٠)
ب) بالاتِّحاد بواسطة التواضع (٢: ١-٤)
ج) بتذكُّر مِثال المسيح (٢: ٥-١١)
د) بالإضاءة كنورٍ في عالمٍ مُظلِم (٢: ١٢-١٨)
رابعًا: رفيقا بولس (٢: ١٩-٣٠)
أ) تيموثاوس (٢: ١٩-٢٤)
ب) أبفرودِتُس (٢: ٢٥-٣٠)
خامسًا: تحذيرَا بولُس (٣: ١-٤: ١)
أ) من الناموسيَّة (٣: ١-١٦)
ب) من الفُجور (٣: ١٧-٤: ١)
سادسًا: مُناشَدة بولس (٤: ٢-٩)
سابعًا: تشكُّرات بولس (٤: ١٠-٢٠)
ثامنًا: وَداع بولس (٤: ٢١-٢٣)
"تُنسَب هذه الرسالة إلى مؤمني مدينة كولوسِّي، حيث
كانت الكنيسة التي إليها وُجِّهت. وقد وجب أن تُقرأ هذه الرسالة أيضًا في
كنيسة لاودكيَّة المجاورة (٤: ١٦).
يُحدِّد بولس أنه الكاتب في البداية
(١: ١؛ رج ع ٢٣؛ ٤: ١٨)، كما درجت العادة في رسائله. وكذلك فإنّ شهادة الكنيسة
الباكرة، بما فيها من أشخاص بارزين مثل إيرينايُس وأكليمندس الإسكندريِّ وترتليان
وس وأوريجانوس ويوسيبيوس، تؤيِّد التصريح الاستهلاليَّ كونه أصيلاً. وتتوافر
بيِّنةٌ إضافيَّة على كون بولس هو الكاتب من الأمور المُتوازِية بوضوح بين
هذه الرسالة ورسالة فليمون المقبولة إجماعيًّا باعتبار بولس كاتِبَها. وقد
كُتِبت كِلتا الرسالتَين (حوالى ٦٠-٦٢ ب م) فيما كان بولس سجينًا في روما
(٤: ٣ و١٠ و١٨؛ فل ٩ و١٠ و١٣ و٢٣)، فضلاً عن أنّ أسماء الأشخاص أنفسهم (مثلاً،
تيموثاوس وأرسترخس وأرخبُّس ومرقس وأبفراس ولوقا وأُنسيمس وديماس) تظهر في
الرسالتين كِلتَيهما، ممّا يُبيِّن أنّ الكاتب نفسه كتبهما في الوقت عينه
تقريبًا. طلبًا لمعلومات عن سيرة بولس، رج مقدِّمة رومية: الكاتب والتاريخ.
كانت كولوسِّي مدينة من فريجيَّة، في مقاطعة
أسِيّا الرومانيَّة (جزء من تركيّا الحديثة)، على بعد نحو ١٦٠ كلم شرقيَّ أفسُس
في منطقة الكنائس السبع المذكورة في رؤ ١-٣. وقد كانت المدينة تقع بمحاذاة
نهر الليكوس، في مكانٍ غير بعيد عن موقع انصبابه في نهر مياندر، حيث يضيق
وادي الليكوس عند كولوسِّي إلى عرضٍ يزيد قليلاً على ٣ كلم، ويرتفع جبل قَدموس
فوق المدينة بعُلوِّ ٢٤٣٠ م تقريبًا.
تتضمَّن كولوسِّي تعليمًا في بضعة ميادين لاهوتيَّة
أساسيَّة، منها لاهوتُ المسيح (١: ١٥-٢٠؛ ٢: ٢-١٠)، المُصالَحة (١: ٢٠-٢٣)، الفداء
(١: ١٣ و١٤؛ ٢: ١٣ و١٤؛ ٣: ٩-١١)، الاختيار (٣: ١٢)، المسامحة (٣: ١٣)، طبيعة
الكنيسة (١: ١٨ و٢٤ و٢٥؛ ٢: ١٩؛ ٣: ١١ و١٥). ثُمَّ إنها، كما أشرنا آنِفًا تدحض
التعليم الهرطوقيَّ الذي هدَّد الكنيسة الكولوسيَّة (ف ٢).
إنّ تلك البِدَع الدينيَّة التي
تُنكر لاهوت المسيح قد تمسَّكت بالقول «بكر كلِّ خليقة» (١: ١٥) كبرهان على
أنه كائن مخلوق. كما أنّ تصريح بولس بأنّ المؤمنين سيُحضَرون «قدِّيسين وبلا
لوم ولا شكوى» إن هم ثبتوا «على الإيمان» (١: ٢٢ و٢٣) قد أدَّى ببعضٍ لأن يُعلِّموا
أنّ المؤمنين يمكن أن يفقدوا خلاصهم. وحسب بعضهم أنّ للمَطهَر وجودًا، على
أساس قول الرسول: «أُكمِّل نقائص شدائد المسيح في جسمي» (١: ٢٤)، فيما يجد
آخرون ما يؤيِّد التجديد العِماديَّ، أي القول بحصول الولادة الجديدة بواسطة
المعموديَّة (٢: ١٢). كذلك أثارت طبيعة الرسالة «التي من لاودكيَّة» أيضًا كثيرًا
من النِّقاش (٤: ١٦). فهذه المسائل سيتمُّ التطرُّق إليها في الحواشي.
المحتوى
أوَّلاً: شؤون شخصيَّة (١: ١-١٤)
أ) تحيَّة بولس (١: ١ و٢)
ب) شُكر بولس (١: ٣-٨)
ج) صلاة بولس (١: ٩-١٤)
ثانيًا: تعليم عقائديٌّ (١: ١٥-٢: ٢٣)
أ) في لاهوت المسيح (١: ١٥-٢٣)
ب) في خدمة بولس (١: ٢٤-٢: ٧)
ج) في الفلسفة الزَّائفة (٢: ٨-٢٣)
ثالثًا: نصائح عمليَّة (٣: ١-٤: ١٨)
أ) السلوك المسيحيّ (٣: ١-١٧)
ب) البيت المسيحيّ (٣: ١٨-٤: ١)
ج) الكلام المسيحيّ (٤: ٢-٦)
د) أصدقاء في النِّطاق المسيحيّ (٤: ٧-١٨)
"في العهد الجديد اليونانيّ، تُدرَج رسالة تسالونيكي
الأولى حرفيًّا تحت العنوان «إلى التسالونيكيِّين». ويُمثِّل هذا العنوان أوَّل
رسالة قانونيَّة كتبها الرسول بولس إلى الكنيسة في مدينة تسالونيكي (رج ١: ١).
عرَّف الرسول بولس بنفسه مرَّتين على أنه كاتبُ هذه
الرسالة (١: ١؛ ٢: ١٨). كما أنّ سلوانس (سيلا) وتيموثاوس (٣: ٢ و٦)، رفيقَي
بولس في سفرته التبشيريَّة الثانية التي في أثنائها أُسِّست الكنيسة (أع ١٧: ١-٩)،
يُذكَران أيضًا في تحيَّة بولس الاستهلاليَّة (١: ١). ومع أنّ بولس وحده كان
الكاتب الموحى إليه، فإنّ معظم ضمائر صيغة المتكلِّمين (المتَّصلة منها والمنفصلة)
تشيرُ إلى الثلاثة جميعًا. ولكنها، في أثناء زيارة تيموثاوس عائدًا إلى
تسالونيكي، تُشير فقط إلى بولس وسلوانس (٣: ١ و٢ و٦). وقد استعمل بولس عمومًا
صيغة الجمع هذه لأنّ الرسائل اكتسبت دعم مُرافقيه الكامل.
تقع تسالونيكي (سالونيك الحديثة) بقرب موقع ثِرما
القديم، على خليج ثِرما عند أطراف بحر إيجة الشماليَّة. وقد أصبحت هذه المدينة
عاصمة مقدونية (حوالى ١٦٨ ق م) ونعمت بوضعها «كمدينة حُرَّة» تحكمها هيئةٌ
من مواطِنيها (أع ١٧: ٦) تحت سيادة الإمبراطوريَّة الرومانيَّة. ولأنّ تسالونيكي
كانت تقع على الطريق الرئيسيِّ من الشرق إلى الغرب، عبر إغناطية، فقد مثَّلت
محور النشاط السياسيِّ والتجاريِّ في مقدونية، وباتت تُعرَف باللقب «أُمُّ مقدونية
كلِّها». وقد بلغ عدد سكَّانها في أيَّام بولس ٢٠٠ ألف نسمة.
َّة
كِلتا الرسالتَين إلى مؤمني تسالونيكي أُشير إليهما
على أنهما «الرسالتان الأُخرَويَّتان». ولكن في ضوء تركيزهما الأكثف على الكنيسة،
يُستحسن أن تُصنَّفا بأنهما رسالتان كنسيَّتان. وقد تداخلت في ديباجة تسالونيكي
الأولى خمسةُ مواضيع رئيسيَّة: ١) موضوع دفاعيٌّ عن الإيمان بالترابُط التاريخيِّ
بين سفر الأعمال وتسالونيكي الأولى؛ ٢) موضوع كنسيٌّ بتصوير كنيسة نامية مُعافاة؛
٣) موضوع راعويٌّ بنموذج نشاطات الرعاية وتوجُّهاتها؛ ٤) موضوع أُخرَويٌّ بالتركيز
على أحداثٍ مستقبليَّة من قَبيل رجاء الكنيسة؛ ٥) موضوع تبشيريٌّ بالتشديد
على إذاعة الإنجيل وتأسيس الكنائس.
بالدَّرجة الأولى، تشتمل العقبات بشأن فهم هذه الرسالة
على الأجزاء التي هي أُخرَويَّة بطبيعتها: ١) الغضب الآتي (١: ١٠؛ ٥: ٩)؛ ٢)
رجوع المسيح (٢: ١٩؛ ٣: ١٣؛ ٤: ١٥؛ ٥: ٢٣)؛ ٣) اختطاف الكنيسة (٤: ١٣-١٨)؛ ٤)
معنى يوم الربِّ وميعاده (٥: ١-١١).
المحتوى
أوَّلاً: تحيَّة بولس (١: ١)
ثانيًا: أفكار بولس الشخصيَّة (١: ٢-٣: ١٣)
أ) تشكُّر من أجل الكنيسة (١: ٢-١٠)
ب) تذكيرات للكنيسة (٢: ١-١٦)
ج) اهتمامات بشأن الكنيسة (٢: ١٧-٣: ١٣)
ثالثًا: توجيهات بولس العمليَّة (٤: ١-٥: ٢٢)
أ) في الطهارة الخُلقيَّة (٤: ١-٨)
ب) في العيشة المُنضبِطة (٤: ٩-١٢)
ج) في الموت والاختطاف (٤: ١٣-١٨)
د) في عيشة القداسة ويوم الربّ (٥: ١-١١)
ه-) في العلاقة الكنسيَّة (٥: ١٢-١٥)
و) في أُصول العِيشة المسيحيَّة (٥: ١٦-٢٢).
رابعًا: بركة بولس الختاميَّة (٥: ٢٣ و٢٤)
خامسًا: ملاحظات بولس الأخيرة (٥: ٢٥ ٢٨)
"في كتاب العهد الجديد اليونانيّ، تُدرَج ٢تس تحت العنوان «إلى
التسالونيكيِّين». وهي تُمثِّل ثانيَ رسالة قانونيَّة من بولس الرسول إلى شركة
المؤمنين في مدينة تسالونيكي (رج ١: ١).
كما في ١تس، عرَّف بولس بنفسه مرَّتين كاتبًا لهذه الرسالة
(١: ١؛ ٣: ١٧). وكان سلوانس (سيلا) وتيموثاوس، مُعاوِنا بولس في تأسيس الكنيسة،
حاضِرَين معه عند كتابته إيّاها. كما أنّ الأدلَّة، سواءٌ داخلَ هذه الرسالة
أو من حيثُ المفردات والأُسلوب والمضمون التعليميّ، تدعم كون بولس هو الكاتبَ
المحتمَل الوحيد. وقد كان وقتُ هذه الكتابة بالتأكيد بعد أشهُر قليلة من
الرسالة الأُولى، فيما كان بولس ما يزال في كورنثوس مع سيلا وتيموثاوس (١: ١؛
أع ١٨: ٥) في أواخر ٥١ ب م أو أوائل ٥٢ ب م (رج مقدِّمة ١تس: الكاتب والتاريخ).
بشأن تاريخ تسالونيكي، رج مقدِّمة ١تس: الخلفيَّة والإطار. وقد
ارتأى بعضُهم أنّ بولس كتب هذه الرسالة من أفسس (أع ١٨: ١٨-٢١)، ولكنّ إقامته
التي دامت ١٨ شهرًا في كورنثوس وفَّرت وقتًا كافيًا لإنشاء رسالتَي تسالونيكي
(أع ١٨: ١١).
كما يزال الأفضلُ أن تُدعى هذه الرسالة «رسالة راعويَّة»، مع أنّ
ف ١ و٢ يحتويان كثيرًا من المادَّة النبويَّة لأنّ القضيَّة الرئيسيَّة كانت
إساءة فهم خَطِرةً أنشأها المعلِّمون الزائفون بشأن يوم الربِّ المُقبِل (يُبيِّن
بولس أنّ ذلك اليوم لم يكُن قد حَضَر، ولن يحضرَ قبل وقوع أحداثٍ مُعيَّنة).
والتشديد هو على كيفيَّة المحافظة على كنيسة مُعافاة ذات شهادة فعَّالة بالتجاوب
السليم مع العقيدة الأُخرَويَّة الصحيحة وإطاعة الحقّ.
الثَّواب والعِقاب الأبديَّان مذكوران في ١: ٥-١٢ بكلامٍ عامٍّ
جدًّا بحيث يصعب أن نُحدِّد بدقَّة بعض التفاصيل المتعلِّقة بالتوقيت الصحيح.
ومن جهة الشؤون المتعلِّقة بيوم الربّ (٢: ٢)، وما يحجز (٢: ٦ و٧)، والأثيم
(٢: ٣ و٤ و٨-١٠)، فإنها تنطوي على موادَّ نبويَّة عسرة تستدعي التفسير.
المحتوى
أوّلاً: تحيَّة بولس (١: ١ و٢)
ثانيًا: عزاء بولس في الضيقات (١: ٣-١٢)
أ) من طريق التشجيع (١: ٣ و٤)
ب) من طريق الحثّ (١: ٥-١٢)
ثالثًا: تصحيح بولس للضَّلال النبويّ (٢: ١-١٧)
أ) أزمة نبويَّة (٢: ١ و٢)
ب) تصحيح رسوليّ (٢: ٣-١٢)
ج) عزاءٌ راعويّ (٢: ١٣-١٧)
رابعًا: قلق بولس على الكنيسة (٣: ١-١٥)
أ) بشأن الصلاة (٣: ١-٥)
ب) بشأن العيشة غير المنضبطة (٣: ٦-١٥)
خامسًا: بَرَكة بولس الختاميَّة (٣: ١٦-١٨)
"هذه أُولى رسالتَين مُوحًى بهما
كتبهما بولس إلى ابنه المحبوب في الإيمان. وقد تلقَّى تيموثاوس اسمه الذي
يعني «مَن يُكرِم الله» من أُمِّه (أفنيكي) وجدَّته (لوئيس)، وهما يهوديَّتان
تقيَّتان صارتا مؤمنتَين بالربِّ يسوع المسيح (٢تي ١: ٥) وعلَّمتا تيموثاوس أسفار
العهد القديم المقدَّسة منذ طفوليَّته (٢تي ٣: ١٥). وكان أبوه يونانيًّا (أع
١٦: ١)، وربما مات قبل التقاء تيموثاوس بولس.
يجد كثيرون من النقَّاد العصرانيِّين
متعةً في مهاجمة تصريحات الكلمة المقدَّسة الصريحة، مُنكِرين، بلا سببٍ وجيه،
أنّ بولس كتب الرسائل الراعويَّة (١ و٢تي وتي). فإذ يتجاهل هؤلاء النقَّاد
شهادة الرسائل ذاتها (١: ١؛ ٢تي ١: ١؛ تي ١: ١) وشهادة الكنيسة الباكرة (وهي
قويَّة بالنسبة إلى الرسائل الراعويَّة كما هي بالنسبة إلى أيّة رسالة بولُسيَّة
أُخرى، ما عدا رو و١كو)، يعتبرون أنّ تابعًا وَرِعًا لبولس كتب الرسائل الراعويَّ
ة في القرن الثاني. وبرهانًا على ذلك، يُقدِّمون ٥ أدلَّة مفترَضة: ١) الإشارات
التاريخيَّة في الرسائل الراعويَّة لا يمكن أن تتوافق مع تاريخ حياة بولس كما
يُذكَر في سفر الأعمال؛ ٢) التعليم الزائف الموصوف في الرسائل الراعويَّة
هو غُنوصيَّة القرن الثاني الكاملة التطوُّر؛ ٣) تركيب الكنيسة التنظيميُّ في
الرسائل الراعويَّة هو تركيبُها في القرن الثاني، وهو أكثر تطوُّرًا من أن
يتمَّ في أيَّام بولس؛ ٤) لا تتضمَّن الرسائل الراعويَّة المواضيع الكبيرة في
لاهوتيَّات بولس؛ ٥) اللغة اليونانيَّة في الرسائل الراعويَّة تحوي كلمات كثيرة
لا توجد في رسائل بولس الأُخرى، ولا في باقي كتاب العهد الجديد.
بعد إطلاق بولس من سَجنهِ الرومانيِّ
(رج أع ٢٨: ٣٠)، زار من جديد بضع مُدن كان قد خدم فيها، ومن جملتها أفسس.
وقد ترك بولس تيموثاوس هناك كي يتصدَّى لمشاكلَ نشأت في كنيسة أفسس، مثل التعليم
الزائف (١: ٣-٧؛ ٤: ١-٣؛ ٦: ٣-٥)، والفوضى في العبادة (٢: ١-١٥)، والحاجة إلى
قادة مؤهَّلين (٣: ١-١٤)، والماديَّة (٦: ٦-١٩)، ثمّ واصل السَّفر إلى مقدونية،
ومنها كتب إلى تيموثاوس هذه الرسالة كي يساعده على تنفيذ مهمَّته في الكنيسة
(رج ٣: ١٤ و١٥).
١تي رسالةٌ عمليَّة تتضمَّن توجيهًا
راعويًّا من بولس إلى تيموثاوس (رج ٣: ١٤ و١٥). وبما أنّ تيموثاوس كان على
معرفة وافية بلاهوتيَّات بولس، لم يجد الرسول داعيًا إلى إعطائه توجيهًا تعليميًّ
ا مُكثَّفًا. غير أنّ هذه الرسالة تُعبِّر فعلاً عن عدَّة حقائق لاهوتيَّة مهمَّة،
مثل دور الناموس الصحيح (١: ٥-١١)، الخلاص (١: ١٤-١٦؛ ٢: ٤-٦)، سجايا الله (١: ١٧)؛
السقوط (٢: ١٣ و١٤)؛ شخص المسيح (٣: ١٦؛ ٦: ١٥ و١٦)؛ الاختيار (٦: ١٢)؛ مجيء
المسيح ثانيةً (٦: ١٤ و١٥).
ثمّة اختلاف بشأن هويَّة المعلِّمين
الزائفين (١: ٣) وبشأن الأنساب (١: ٤) التي تضمَّنها تعليمُهم. وقد كان موضعَ
نقاشٍ أيضًا معنى قول الرسول «أسلمتُهم للشَّيطان» (١: ٢٠). كما أنّ الرسالة
تتضمَّن آياتٍ هامَّةً ذاتَ صلة بالنِّقاش حول مدى شمول الكفّارة (٢: ٤-٦؛ ٤: ١٠).
وقد نشأ حول تعليم بولس بشأن دَور النساء (٢: ٩-١٥) جدلٌ كثير، ولا سيّما
تصريحه بأنّ عليهنَّ ألاّ يَتولَّين أدوارًا قياديَّة في الكنيسة (٢: ١١ و١٢).
أمّا كيف يمكن النساء أن يَخلصن بإنجاب الأولاد (٢: ١٥) فأمرٌ أربك كثيرين
أيضًا. وهل كون الأُسقف «بعل امرأة واحدة» (٣: ٢) يحرم الرجال المُطلَّقين
أو غير المتزوجين، وأيضًا هل يُشير بولس في ٣: ١١ إلى زوجات الشمامسة أو إلى
الشمَّاسات، فأمرانِ ما برحا موضع اختلاف في الآراء. ثمّ إنّ أولئك الذين
يعتقدون أنّ المؤمنين بالمسيح يمكن أن يفقدوا خلاصهم يستشهدون بما جاء في
٤: ١ دعمًا لرأيهم. وثمّة تساؤل بشأن هويَّة الأرامل في ٥: ٣-١٦، أهُنَّ نساءٌ
محتاجات تخدمهنَّ الكنيسة، أم مجموعة من النساء المُتقدِّمات في السنِّ يخدمن
الكنيسة؟ وأيضًا، هل تشير «الكرامة المضاعفة» الواجبة للشيوخ المدبِّرين حسنًا
(٥: ١٧ و١٨) إلى الاحترام أو إلى الدعم الماليّ؟ هذه كلُّها سنتطرَّق إليها
في الحواشي المتعلِّقة بها.
المحتوى
أوَّلاً: تحيَّة (١: ١ و٢)
ثانيًا: تعليم بشأن العقيدة الزائفة (١: ٣-٢٠)
أ) العقيدة الزائفة في أفسس (١: ٣-١١)
ب) العقيدة السليمة لدى بولس (١: ١٢-١٧)
ج) نُصح تيموثاوس (١: ١٨-٢٠)
ثالثًا: تعليم بشأن الكنيسة (٢: ١-٣: ١٦)
أ) أهميَّة الصلاة (٢: ١-٨)
ب) دَور النساء (٢: ٩-١٥)
ج) مؤهِّلات القادة (٣: ١-١٣)
د) سبب كتابة الرسالة (٣: ١٤-١٦)
رابعًا: تعليم بشأن المعلِّمين الزائفين (٤: ١-١٦)
أ) وصف المعلِّمين الزائفين (٤: ١-٥)
ب) وصف المُعلِّمين الحقيقيِّين (٤: ٦-١٦)
خامسًا: تعليم بشأن المسؤوليَّات الراعويَّة (٥: ١-٦: ٢)
أ) المسؤوليَّة تجاه المؤمنين المُخطئين (٥: ١ و٢)
ب) المسؤوليَّة تجاه الأرامل (٥: ٣-١٦)
ج) المسؤوليَّة تجاه الشيوخ (٥: ١٧-٢٥)
د) المسؤوليَّة تجاه العبيد (٦: ١ و٢)
سادسًا: تعليم بشأن رجُل الله (٦: ٣-٢١)
أ) خطر العقيدة الزائفة (٦: ٣-٥)
ب) خطر محبَّة المال (٦: ٦-١٠)
ج) الخُلق والحافز السَّليمان لدى رجُل الله (٦: ١١-١٦)
د) حُسن تدبير الثروة (٦: ١٧-١٩)
ه-) حُسن التمسُّك بالحقّ (٦: ٢٠ و٢١)
"إنها الرسالة الثانية بين رسالتَين موحًى بهما، كتبهما بولس الرسول
إلى ابنه في الإيمان، تيموثاوس (١: ٢؛ ٢: ١). طلبًا لمعلومات تتعلَّق بسيرة
تيموثاوس، رج مقدِّمة ١تي: العنوان. وهي مُعَنونة، كباقي رسائل بولس إلى أفراد
(١تي، تي، فل) باسمِ المُرسَل إليه (١: ٢).
إنّ مسألة بولس للرسائل الراعويَّة مبحوثة في مقدِّمة ١تي: الكاتب
والتاريخ. وقد كتب بولس ٢تي، آخِر رسائله الموحى بها، قُبيلَ استشهاده (حوالى
٦٧ ب م).
ُأطلِق سراح بولس من سَجنهِ الرومانيِّ الأوَّل ليقضيَ فترةً قصيرة
في الخدمة كتب في أثنائها ١تي وتي. إلاّ أنّ رسالة تيموثاوس الثانية كُتِبت،
فيما كان بولس سجينًا مرَّةً جديدة في سجن رومانيّ (١: ١٦؛ ٢: ٩)، وقد اعتُقِل
على ما يبدو في إطار اضطهاد نيرون للمسيحيِّين. وعلى خِلاف رجاء بولس الواثق
بالإطلاق في أثناء سَجنهِ الأوَّل (في ١: ١٩ و٢٥ و٢٦؛ ٢: ٢٤؛ فل ٢٢)، لم تكن
لديه هذه المرَّة آمالٌ مُماثِلة (٤: ٦-٨). وفي سجنه الأوَّل بروما (حوالى ٦٠-٦٢
ب م)، قبل بدء نيرون باضطهاد المسيحيِّين (٦٤ ب م)، كان فقط قيد الإقامة الجَبريَّ
ة وأُتيحت له الفرصة للتواصل مع كثيرين في إطار الخدمة (أع ٢٨: ١٦-٣١). أمَّا
هذه المرَّة، بعد ٥ أو ٦ سنين (حوالى ٦٦-٦٧ ب م)، فقد كان في زنزانة باردة
(٤: ١٣)، ومُقيَّدًا (٢: ٩)، ولا رجاء له بالنجاة (٤: ٦). وإذ هَجَرَهُ فعلاً
جميعُ المُقرَّبين إليه خوفًا من الاضطهاد (رج ١: ١٥؛ ٤: ٩-١٢ و١٦)، ومواجهة
الإعدام، كتب الرسول إلى تيموثاوس، حاثًّا إيَّاه على الإسراع إلى روما بزيارة
أخيرة للرسول (٤: ٩ و٢١). وليس مَن يدري هل وصل تيموثاوس إلى روما قبل إعدام
بولس. وحسب التقليد، لم يُطلَق سراح بولس من هذا السَّجن الرومانيِّ الثاني،
بل كابد الاستشهاد كما كان قد تنبّأ (٤: ٦).
يبدو أنّ بولس ربما كان لديه سببٌ يدعوه لأن يخشى أن يكون تيموثاوس
عرضةً لخطر الضعف روحيًّا. وكان من شأن ذلك أن يكون مصدر قلق كبير لبولس،
لأنه كان ينبغي لتيموثاوس أن يُواصِل عمل بولس (رج ٢: ٢). وبينما لا توجد
أيّة مؤشِّرات تاريخيَّة في موضعٍ آخر من العهد الجديد على سبب قلق بولس البالغ،
تتضمَّن الرسالة نفسُها بعض الأدلَّة المستمدَّة ممّا كتبه الرسول. فهذا القلق
ظاهرٌ مثلاً في حضِّ بولس لتيموثاوس على أن يُضرم موهبته (١: ٦)، ويُبدِل الخوف
بالقوَّة والمحبَّة والنُّصح (١: ٧)، ولا يستحي ببولس وبالربِّ بل يحتمل المشقَّات
لأجل الإنجيل (١: ٨)، ويتمسكّ بالحقّ (١: ١٣ و١٤). وإذ يُلخِّص بولس المشكلة
المحتملة لدى تيموثاوس الذي ربما كان يضعف تحت ضغط الكنيسة واضطهاد العالم،
يدعوه ١) إلى أن يكون قويًّا بوجهٍ عامّ (٢: ١)، وهذه هي النصيحة الرئيسيَّة
في القسم الأوَّل من الرسالة؛ ٢) إلى أن يستمرَّ في الكرازة بالكلمة (٤: ٢)،
وهذه هي النصيحة الرئيسيَّة في القِسم الأخير. فهذه الكلمات الأخيرة إلى تيموثاوس
تتضمَّن قليلاً من الإطراءات وكثيرًا من التوجيهات، مشتملةً على نحو ٢٥ جملة
بصيغة الأمر.
ليس في هذه الرسالة عقباتٌ رئيسيَّة متعلِّقة بالمسائل اللاهوتيَّة.
وثمّة قدر محدود من المعلومات بشأن بضعة أشخاص مذكورين في الرسالة؛ مثلاً:
فيجلُّس وهرموجانس (١: ١٥)، أُنيسيفورس (١: ١٦؛ رج ٤: ١٩)، هيمينايُس وفيليتُس
(٢: ١٧ و١٨)، ينِّيس ويمبريس (٣: ٨)، إسكندر (٤: ١٤).
المحتوى
أوَّلاً: تحيَّة وتشكُّر (١: ١-٥)
ثانيًا: مثابرةُ رجلِ الله (١: ٦-١٨)
أ) النصيحة (١: ٦-١١)
ب) القُدوَتان (١: ١٢-١٨)
١. بولس (١: ١٢-١٤)
٢. أُنيسيفورُس (١: ١٥-١٨)
ثالثًا: نماذجُ رجُلِ الله (٢: ١-٢٦)
أ) بولس (٢: ١ و٢)
ب) جنديّ (٢: ٣ و٤)
ج) رياضيّ (٢: ٥)
د) فلاَّح (٢: ٦ و٧)
ه-) الربُّ يسوع (٢: ٨-١٣)
و) عامل (٢: ١٤-١٩)
ز) إناء (٢: ٢٠-٢٣)
ح) خادم (٢: ٢٤-٢٦)
رابعًا: خطران أمامَ رجُلِ الله (٣: ١-١٧)
أ) مواجهةُ الارتداد (٣: ١-٩)
ب) دحر الارتداد (٣: ١٠-١٧)
خامسًا: كرازة رجُلِ الله (٤: ١-٥)
أ) التوصية بالكرازة (٤: ١ و٢)
ب) الحاجة إلى الكرازة (٤: ٣-٥)
سادسًا: ملاحظتان ختاميَّتان (٤: ٦-١٨)
أ) انتصار بولس (٤: ٦-٨)
ب) احتياج بولس (٤: ٩-١٨)
سابعًا: سلامات ختاميَّة (٤: ١٩-٢٢)
"ترتبط هذه الرسالة باسمِ مُتلقِّيها،
تيطس، وهو يُذكَر باسمه ١٣ مرَّة في العهد الجديد (١: ٤؛ غل ٢: ١ و٣؛ ٢تي ٤: ١٠؛
بشأن المرَّات التِّسع في ٢كو، رج الخلفيَّة والإطار أدناه). والعنوان في العهد
الجديد اليونانيِّ هو حرفيًّا «إلى تيطس». كما أنّ رسائل ١ و٢تيموثاوس وتيطس
تُعرَف تقليديًّا باسم «الرسائل الراعويَّة»، إذ كتبها بولس لابنَيه في الإيمان.
ليس من اعتراضاتٍ جوهريَّة (رج مقدِّمة ١تي)
على أنّ الرسول بولس هو كاتب هذه الرسالة (١: ١)؛ وقد كُتِبت بين ٦٢ و٦٤ ب
م، في أثناء خدمة الرسول بولس لكنائس مقدونية بين سَجنَيه الرومانيَّين الأوَّل
والثاني، إمّا من كورِنثوس وإمّا من نيكوبوليس (رج ٣: ١٢). والأرجح أنّ تيطس
خدم مع بولس في سفرتَيه التبشيريَّتين الثانية والثالثة. فإنّ تيطس، على غرار
تيموثاوس (٢تي ١: ٢)، كان قد أصبح تلميذًا محبوبًا (١: ٤) وشريكًا في خدمة
الإنجيل (٢كو ٨: ٢٣). وآخِرُ ذِكرٍ من بولس لتيطس (٢تي ٤: ١٠) يُفيد أنه ذهب
للخدمة في دلماطيَّة، يوغوسلافيا. وربما أوصل الرسالة زيناس وأبلُّوس (٣: ١٣).
ُمع أنّ لوقا لا يذكر تيطس بالاسم في سفر
الأعمال، فمن المُحتَمل أنّ تيطس، وهو من الأُمم (غل ٢: ٣)، التقى بولس واهتدى
على يده إلى الإيمان بالمسيح (١: ٤) قبل سفرة الرسول التبشيريَّة الأُولى،
أو في أثنائها. وفي ما بعد خدم تيطس مدَّةً من الزمن مع بولس في جزيرة كريت،
حيث تُرك حتّى يُواصِلَ ويُقوِّيَ الخدمة (١: ٥). وبعد ما وصل أرتيماس أو تيخيكس
(٣: ١٢) كي يُدير الخدمة هناك، أراد بولس أن ينضمَّ إليه تيطس في مدينة نيكوبوليس،
في مقاطعة أخائيَّة باليونان، ويقضيَ الشتاء هناك (٣: ١٢).
على غِرار رسالتَي بولس إلى تيموثاوس، يُقدِّم
الرسول تشجيعًا ونُصحًا شخصيَّين لراعٍ شابّ، على الرغم من كونه جيِّد التدريب
وأمينًا، واجه مُقاومةً مستمرَّة من قِبَل أناسٍ غير أتقياء داخل الكنائس
التي خدم فيها. وكان على تيطس أن ينقل ذَينكَ التشجيع والنُّصح إلى القادة
الذين عليه أن يُعيِّنهم في كنائس كريت (١: ٥).
تُقدِّم رسالة تيطس نفسها بطريقة صريحة يجب أن
تؤخذ بمعناها الظاهريّ. ومن العقبات التفسيريَّة القليلة: ١) هل الأولاد المذكورو
ن في ١: ٦ «أُمَناء» فحسب أو «مؤمنون»؟ ٢) ما هو «الرجاء المبارك» المذكور
في ٢: ١٣؟
المحتوى
أوَّلاً: تحيَّة (١: ١-٤)
ثانيًا: أُصول التبشير الفعّال (١: ٥-٣: ١١)
أ) بين القادة (١: ٥-١٦)
١. اعتبار الشيوخ (١: ٥-٩)
٢. انتهار المعلِّمين الزائفين (١: ١٠-١٦)
ب) في الكنيسة (٢: ١-١٥)
١. عيشة القداسة (٢: ١-١٠)
٢. صِحَّة العقيدة (٢: ١١-١٥)
ج) في العالم (٣: ١-١١)
١. عيشة القداسة (٣: ١-٤)
٢. صحَّة العقيدة (٣: ٥-١١)
ثالثًا: خاتمة (٣: ١٢-١٤)
رابعًا: بَرَكة ختاميَّة (٣: ١٥)
"كان فليمون، مُستلِمُ هذه الرسالة، واحدًا من أبرز المؤمنين
في كنيسة كولوسي (ع ١ و٢؛ رج كو ٤: ٩)، التي كانت تجتمع في بيته (ع ٢). وقد
كانت الرسالة له، ولعائلته، وللكنيسة.
تَذكر الرسالة أنّ الرسول بولس هو كاتبها (ع ١ و٩ و١٩)،
الأمر الذي لم يشكَّ فيه، على مرِّ تاريخ الكنيسة، إلاّ قليلون، خصوصًا لأن
ليس في الرسالة ما مِن شأنه أن يحفز أيَّ مُزوِّر على كتابتها. وهي واحدة من
رسائل السِّجن، بالإضافة إلى أفسس وفيلبِّي وكولوسي. كما أنّ ارتباطها الوثيق
برسالة كولوسي التي كتبها بولس في الوقت نفسه (حوالى ٦٠-٦٢ ب م؛ رج ع ١ و١٦)
حظي بإثباتٍ باكر وغير مشكوك فيه لصحَّة نسبتها إلى بولس من قِبَل آباء الكنيسة
الأوَّلين (مثلاً، جيروم وفم الذهب وثيودور الموبسويستيّ). وقد تضمَّن القانون
الموراتوريُّ (أقدمُ لائحة بأسفار العهد الجديد القانونيَّة، حوالى ١٧٠ ب م)
اسمَ رسالة فليمون. طلبًا لمعلومات عن سيرة بولس، رج مقدِّمة رو: الكاتب والتاريخ
؛ وبشأن مكان كتابة فل، رج مقدِّمتَي أف وفي: الكاتب والتاريخ.
خَلَصَ فليمون نتيجةً لخدمة بولس، ربما في أفسس (ع ١٩)، قبلَ
عدَّة سنين. وإذ كان لفليمون من الغِنى ما أتاح له حيازةَ بيتٍ كبير (رج ع
٢)، فقد كان له أيضًا على الأقلِّ عبدٌ واحد، رجلٌ اسمُه أُنسيمُس (حرفيًّا:
«نافع»؛ وهو من أسماء العبيد الشائعة). لم يكن أُنسيمُس مؤمنًا حين سرق بعض
المال من فليمون وهرب (ع ١٨). وعلى غرار آلاف العبيد الهاربين الآخرين الذين
لا يكاد يُحصَى عددُهم، هرب أُنسيمُس إلى روما، طالبًا أن يضيع في خضَمِّ
عبيد عاصمة الإمبراطوريَّة الكثيرين الذين يصعب تصنيفهم. ومن جرَّاء ظروفٍ
غير مذكورة في الكتاب المقدَّس، التقى أُنسيمُس بولس في روما وصار مؤمنًا
بالمسيح.
تُزوِّدنا رسالة فليمون بأفكارٍ تاريخيَّة ثمينة عن علاقة
الكنيسة الباكرة بمؤسَّسة العبوديَّة. فقد كان الاستعباد شائعًا في الإمبراطوريَّة
الرومانيَّة (بحسب أحد التقديرات، شكَّل العبيد ثُلث السكَّان، وربما أكثر)
وجزءًا من الحياة مقبولاً. وفي أيام بولس تفوَّقت العبوديَّة فعليًّا على عمل
الأحرار. فكان ممكنًا أن يكون من العبيد أطبّاءُ أو موسيقيُّون أو مُعلِّمون
أو فنَّانون أو أصحاب مكتبات أو مُحاسِبون؛ وبكلمة، كان ممكنًا أن يقوم العبيد
تقريبًا بجميع الأعمال.
ليس من عقبات تفسيريَّة بارزة في هذه الرسالة الشخصيَّة من
بولس إلى صديقه فليمون.
المحتوى
أوَّلاً: تحيَّة (١-٣)
ثانيًا: خُلُقُ مَن يُسامِح (٤-٧)
ثالثًا: أفعالُ مَن يُسامِح (٨-١٨)
رابعًا: دوافِعُ مَن يُسامِح (١٩-٢٥)
"عندما جُمعت مختلف أسفار العهد الجديد رسميًّا في مجموعةٍ
واحدة بُعيدَ السنة ١٠٠ ب م، أُضيفت العناوينُ بغية التسهيل. وعنوان هذه
الرسالة هو العنوان اليونانيُّ المعهود «إلى العبرانيِّين»، وقد لقي تصديقًا
منذ القرن الثاني ب م على الأقلّ. ولكن ضمنَ الرسالة ذاتها، لا تحديدَ لمُتَسلِّم
ي الرسالة بكونهم إمّا عبرانيِّين (يهودًا) وإمّا أُمميِّين. وبما أنّ الرسالة
حافلةٌ بالإشارات إلى التاريخ العبريِّ والديانة اليهوديَّة، ولا تتطرَّق إلى
أيّة مُمارسة أُمميَّة أو وثنيَّة، فإنّ العنوانَ المعهود قد ثبت عبر القرون.
إنّ كاتب العبرانيِّين مجهول. وقدِ اقترح عُلماء مختلفون
أنّ كاتبها كان بولس أو برنابا أو سيلا، أو أبُلُّوس أو لوقا أو فيلبُّس، أو
أكيلا وبريسكلاّ، أو أكليمندس الرومانيّ. غير أنّ مفردات الرسالة وأسلوبَها
ومختلف خصائصها الأدبيَّة لا تدعم بوضوحٍ أيَّ اقتراحٍ مُعيَّن. ومن المهمِّ
أنّ الكاتب يضع نفسه في عداد أولئك الذين تلقَّوا من آخرين معلومات موثوقة
حول رسالة المسيح (٢: ٣). ويبدو أنّ هذا يستبعد شخصًا مثل بولس الذي أكَّد
أنه تلقَّى إثباتًا كهذا مباشرةً من الله وليس من الناس (غل ١: ١٢). وأيَّ مَن
كان الكاتب، فإنه فضَّل اقتباس شواهد العهد القديم من التوراة اليونانيَّة
(السبعينيَّة)، لا من النصِّ العبريّ. حتّى الكنيسةُ الباكرةُ عبَّرت عن اختلاف
الآراء في هويَّة الكاتب، كما أنّ علماء الكتاب المقدَّس الحاليِّين يُقِرُّون
بأنّ هذا اللُّغز ما زال يفتقر إلى حلّ. وعليه، يبدو من الأفضل أن تُقبَل
الرسالة على أنها مجهولةُ الكاتب، إنما يبقى المؤلِّف الأساسيُّ بالطَّبع هو
الروح القدس (٢بط ١: ٢١).
إنّ التشديد على الكهنوت اللاويِّ وعلى الذبائح، فضلاً عن
غياب أيّة إشارة إلى الأُمم، يؤيِّد الاستنتاج القائل بأنّ جماعةً من المؤمنين
بالمسيح ذاتَ أصلٍ يهوديٍّ قد تسلَّمت هذه الرسالة. ومع أنّ هؤلاء العبرانيِّين
كانوا في معظمهم قدِ اهتدَوا إلى الإيمان بالمسيح، فقد كان في وسطهم على
الأرجح عددٌ من غير المؤمنين، اجتذبتهم رسالةُ الخلاص ولكنهم لم يكونوا بعدُ
قدِ التزموا الإيمان بالمسيح التزامًا أصيلاً كاملاً (رج عقبات تفسيريَّة).
إنما يتَّضح من محتوى الرسالة أمرٌ بارز: أنّ جماعة العبرانيِّين كانوا يواجهون
احتماليَّة الاضطهاد المتشدِّد (١٠: ٣٢-٣٩؛ ١٢: ٤). وإذ واجه العبرانيُّون هذه
الاحتماليَّة، أُغرُوا بأن يتخلَّوا عن أيِّ ارتباطٍ بالمسيح. ولعلَّهم نظروا
في إنزال رُتبة المسيح من كونه ابن الله إلى مُجرَّد ملاك. وقد تمثَّلت سابقةٌ
كهذه في جماعة قُمران المؤلَّفة من يهودٍ مسيحانيِّين كانوا يعيشون قرب البحر
الميت. فإنهم اعتزلوا المجتمع، وشكَّلوا جماعةً دينيَّة، وضمَّنوا عبادة الملائكة
في ديانتهم اليهوديَّة المُصلَحة. حتّى إنّ جماعة قُمران وصلوا إلى حدِّ الزَّعم
بأنّ الملاك ميخائيل أرفعُ مقامًا من المسيح الآتي. فهذه الأنواع من الانحرافات
العقائديَّة يمكن أن تُفسِّر التشديد في الأصحاح الأوَّل من العبرانيِّين على
كون المسيح مُتفوِّقًا على الملائكة.
بما أنّ سِفر العبرانيِّين متأصِّل في عمل الكهنوت اللاويّ،
فإنّ فهم سفر اللاويِّين ضروريٌّ لتفسير العبرانيِّين تفسيرًا صحيحًا. ولطالما
سبَّبت خطيَّةُ إسرائيل دائمًا قَطعَ شركة الله مع شعب اختياره وعهده.
إنّ التفسير الصحيح لهذه الرسالة يتطلَّب تمييزَ
كونِها تُخاطب ثلاث فئات مميَّزة من اليهود: ١) المؤمنين؛ ٢) غير المؤمنين
الذين كانوا مقتنعين عقليًّا بالإنجيل؛ ٣) غير المؤمنين الذين اجتذبهم إنجيل
المسيح وشخصه، ولكنهم لم يبلغوا الاقتناع النهائيَّ بشأنه. فالإخفاق في تمييز
هذه الفئات يؤدِّي إلى تفسيرات لا تنسجم مع باقي أجزاء الكلمة المقدَّسة.
المحتوى
أوَّلاً: تَفوُّقُ مَقام يسوع المسيح
(١: ١-٤: ١٣)
أ) اسمٌ أفضل (١: ١-٣)
ب) أفضلُ من الملائكة (١: ٤-٢: ١٨)
١. مُرسَل أعظم (١: ٤-١٤)
٢. رسالة أعظم (٢: ١-١٨)
أ) خلاص أعظم (٢: ١-٤)
ب) مخلِّص أعظم (٢: ٥-١٨)
ج) أفضلُ من موسى (٣: ١-١٩)
د) راحةٌ أفضل (٤: ١-١٣)
ثانيًا: تَفوُّقُ كهنوت يسوع المسيح (٤: ١٤-٧: ٢٨)
أ) المسيح بوصفه رئيس الكهنة (٤: ١٤-٥: ١٠)
ب) حضٌّ على الخضوع التامِّ للمسيح (٥: ١١-٦: ٢٠)
ج) كهنوت المسيح ككهنوت ملكي صادق (٧: ١-٢٨)
ثالثًا: تَفوُّقُ خدمة يسوع المسيح الكهنوتيَّة (٨: ١-١٠: ١٨)
أ) بواسطة عهد أفضل (٨: ١-١٣)
ب) في مَقدِسٍ أفضل (٩: ١-١٢)
ج) بذبيحةٍ أفضل (٩: ١٣-١٠: ١٨)
رابعًا: تَفوُّقُ امتيازات المؤمن (١٠: ١٩-١٢: ٢٩)
أ) إيمانٌ مخلِّص (١٠: ١٩-٢٥)
ب) إيمانٌ زائف (١٠: ٢٦-٣٩)
ج) إيمانٌ أصيل (١١: ١-٣)
د) أبطال الإيمان (١١: ٤-٤٠)
ه-) إيمانٌ ثابت (١٢: ١-٢٩)
خامسًا: تَفوُّقُ السُّلوك المسيحيّ (١٣: ١-٢١)
أ) في ما يتعلَّق بالآخرين (١٣: ١-٣)
ب) في ما يتعلَّق بأنفُسنا (١٣: ٤-٩)
ج) في ما يتعلَّق بالله (١٣: ١٠-٢١)
مُلاحظات ختاميَّة (١٣: ٢٢-٢٥)
"تُنسَب رسالة يعقوب، كباقي الرسائل العامَّة ما عدا العبرانيِّين،
إلى اسم كاتبها (ع ١).
مِن بين الرجال الأربعة الذين يُسمَّون يعقوب في كتاب العهد
الجديد، اثنانِ فقط مُرشَّحان لكتابة هذه الرسالة. فلم يَحسب أحد أن يكون
الكاتب هو يعقوب الصغير، ابن حلفى (مت ١٠: ٣؛ أع ١: ١٣)، أو يعقوب أخي يهوذا
غير الإسخريوطيّ (لو ٦: ١٦؛ أع ١: ١٣). لكن اقترح بعضُهم يعقوب بن زبدي أخا
يوحنا (مت ٤: ٢١)، إلاّ أنه استُشهد في زمن أبكر من أن يُتيح له كتابة الرسالة
(أع ١٢: ٢). وذلك يُبقي يعقوب المذكور في غلاطية ١: ١٩، وهو أخو يهوذا (يه
١) الذي كتب الرسالة التي تحمل اسمه (يه ١). وكان يعقوب أوَّل الأمر قد رفض
كون يسوع هو المسيح (يو ٧: ٥)، إلاّ أنه آمن به في ما بعد (١كو ١٥: ٧). ثمّ
صار هو القائدَ الأبرز في كنيسة أورشليم (رج أع ١٢: ١٧؛ ١٥: ١٣؛ ٢١: ١٨؛ غل
٢: ١٢)، وقد دُعي واحدًا من «الأعمدة» في تلك الكنيسة، فضلاً عن بطرس ويوحنا
(غل ٢: ٩). وعُرف أيضًا باسم «يعقوب البارّ» بفضل تكرُّسه للبرّ، وجرى استشهاده
حوالى ٦٢ ب م، حسب المؤرِّخ اليهودي يوسيفوس الذي عاش في القرن الأوَّل. ولدى
مقارنة مفردات يعقوب في الرسالة التي كتبها كما دُوِّنت في سفر الأعمال (ف
١٥) بمفردات رسالة يعقوب، تتعزَّز أيضًا نسبة هذه الرسالة إليه.
١: ١ «سلام» ١٥: ٢٣
١: ١٦ و١٩؛ ٢: ٥ «الأحبّاء» ١٥: ٢٥
١: ٢١؛ ٥: ٢٠ «نفوسكم» ١٥: ٢٤ و٢٦
١: ٢٧ «افتقاد» ١٥: ١٤
٢: ١٠ «حفظ» ١٥: ٢٤
٥: ١٩ و٢٠ «ردَّ» ١٥: ١٩
كتب يعقوب بسلطانِ شخصٍ قد رأى عِيانًا المسيح المُقام (١كو ١٥: ٧)، واعتُبِر بصفته زميلاً للرسُل (غل ١: ١٩)، وكان راعي كنيسة أورشليم.ويُرجَّح جدًّا أنّ يعقوب كتب هذه الرسالة إلى المؤمنين الذين تشتَّتوا (١: ١) من جرَّاء الاضطراب المذكور في أع ١٢ (٤٤ ب م). ولا يُذكَر في الرسالة مجمع أورشليم الموصوف في أع ١٥ (حوالى ٤٩ ب م)، الأمرُ الذي كان مُتوقَّعًا لو أنّ ذلك المجمع كان قد حصل قبلاً. ولذلك، يمكن على نحوٍ وثيق أن تؤرَّخ كتابةُ رسالة يعقوب حوالى ٤٤-٤٩ ب م، ممّا يجعلُها أوَّل سفرٍ مكتوبٍ من جملة أسفار العهد الجديد القانونيَّة.كان مُتسَلِّمو هذه الرسالة من المؤمنين ذوي الأصل اليهوديِّ
والذين تشتَّتوا (١: ١)، ربما نتيجةً لاستشهاد استفانوس (أع ٧؛ ٣١-٣٤ ب م)،
إنّما على الأرجح من جرَّاء الاضطهاد الذي جرى في مُلكِ هيرودس أغريباس الأوَّل
(أع ١٢؛ حوالى ٤٤ ب م). ويشير الكاتب إلى مُخاطبيه على أنهم «إخوة» ١٥ مرَّة
(١: ٢ و١٦ و١٩؛ ٢: ١ و٥ و١٤؛ ٣: ١ و١٠ و١٢؛ ٤: ١١؛ ٥: ٧ و٩ و١٠ و١٢ و١٩)، وقد
كان يغلب الطابعُ اليهوديُّ على مضمون الرسالة. مثلاً، الكلمة اليونانيَّة
المترجمة باللفظة «مجمع» (٢: ٢) هي تلك التي تخصُّ المجمعَ اليهوديّ. ثمّ إنّ
رسالة يعقوب تتضمَّن أكثر من ٤٠ إشارة إلى العهد القديم (وأكثر من ٢٠ إلى
الموعظة على الجبل، مت ٥-٧).
إنّ رسالة يعقوب، بما فيها من تشديدٍ على العبارات المباشرة
والقويَّة بشأن عِيشة الحكمة، تُذكِّر القارئ بسفر الأمثال. ففيها تشديدٌ عمليٌّ
يؤكِّد لا المعرفةَ النظريَّة، بل السلوك بحسب التقوى. وقد ناشد يعقوب قُرّاءه
بحزم لأن يكونوا طائعين لكلمة الله بلا مُساومة. واستخدم على الأقلِّ ثلاثين
إشارة إلى الطبيعة، مثلاً: «موجًا من البحر» (١: ٦)، «الزواحف» (٣: ٧)، «أعطت
السماء مطرًا» (٥: ١٨)؛ ممّا يُلائم شخصًا قضى قسمًا كبيرًا من وقته خارج
المنزل. وهو يُكمِّل تشديد بولس على التبرير بواسطة الإيمان بتشديده الشخصيِّ
على الأمانة الروحيَّة التي تُبرهِن الإيمان الحقيقيّ.
يتحدَّى المفسِّرَ على الأقلِّ مقطعان بارزان: ١) بحسب ٢: ١٤-٢٦،
ما هي العلاقة بين الإيمان والأعمال؟ هل يُناقِض تشديدُ يعقوب على الأعمال
تركيزَ بولس على الإيمان؟ ٢) بحسب ٥: ١٣-١٨، هل تنتمي الوعود بالشفاء إلى
المجال الروحيِّ أو البَدَنيّ؟ فهذان النصَّان الصعبان مُعالَجان في الحواشي.
لتقسيم محتوى السِّفر عددٌ من الطرائق لتيسير استيعاب مضمونها،
إحداها ترتيبُه وفقًا لسلسلةٍ من الامتحانات التي يمكن أن تُقاس بها أصالةُ
إيمان المرء.
المحتوى
المقدِّمة (١: ١)
أوَّلاً: امتحان الثبات في الألم (١: ٢-١٢)
ثانيًا: امتحان الملامة في التجربة (١: ١٣-١٨)
ثالثًا: امتحان التجاوب مع الكلمة (١: ١٩-٢٧)
رابعًا: امتحان المحبَّة غير المُحابية (٢: ١-١٣)
خامسًا: امتحان أعمال البِرّ (٢: ١٤-٢٦)
سادسًا: امتحان اللسان (٣: ١-١٢)
سابعًا: امتحان الحكمة المتَّضعة (٣: ١٣-١٨)
ثامنًا: امتحان الانغماس الدنيويّ (٤: ١-١٢)
تاسعًا: امتحان الاتِّكال (٤: ١٣-١٧)
عاشرًا: امتحان الاحتمال الصابر (٥: ١-١١)
حادي عشر: امتحان الصِّدق (٥: ١٢)
ثاني عشر: امتحان الإركان إلى الصلاة (٥: ١٣-١٨)
ثالث عشر: امتحان الإيمان الحقيقيّ (٥: ١٩ و٢٠)
"اقترنت هذه الرسالة دائمًا (كمعظم الرسائل العامَّة، مِثل
يعقوب ويوحنا ويهوذا) باسم كاتبها بطرس، مع نعتها بأنها رسالته الأُولى الموحى
بها.
تذكر الآية الأُولى من الرسالة أنّ كاتبها هو بطرس الذي
كان بوضوح القائدَ بين رسُل المسيح. فكُتَّاب الإنجيل يُشدِّدون على هذه الحقيقة
بإثبات اسمه في رأس لوائح الرسُل كلِّها (مت ١٠؛ مر ٣؛ لو ٦؛ أع ١)، وذِكر
معلومات في الأناجيل الأربعة عنه تفوق ما ذُكر عن أيِّ شخصٍ آخر ما عدا المسيح.
وقد عُرِف أصلاً باسم سيمون (يُونانيّ) أو سمعان (عِبريّ)، رج مر ١: ١٦؛ يو
١: ٤٠ و٤١؛ وكان ابنَ يُونا (مت ١٦: ١٧؛ يو ١: ٤٢) وفردًا من مجموعة صيَّادي
سمك أقاموا في بيت صيدا ثمّ في كفرناحوم لاحقًا. وقد أتى ببطرسَ إلى المسيح
أخوه أندراوس (يو ١: ٤٠-٤٢). وكان متزوِّجًا، ويبدو أنّ زوجته رافقته في الخدمة
كما ذُكر صراحةً (مر ١: ٢٩-٣١؛ ١كو ٩: ٥).
حين احترقت مدينة روما، اعتقد الرومانيُّون أنّ إمبراطورهم
نيرون هو الذي أشعل النار فيها، ربما بسبب شهوته الجامحة في تشييد البناء.
فلكي يبني ويبني، كان عليه أن يُدمِّر ما هو مَبنِيٌّ أصلاً.
بما أنّ المؤمنين المُخاطَبين كانوا يُعانون
اضطهادًا تصعيديًّا (١: ٦؛ ٢: ١٢ و١٩-٢١؛ ٣: ٩ و١٣-١٨؛ ٤: ١ و١٢-١٦ و١٩)، فقد
كانت غاية هذه الرسالة تعليمهم كيف يعيشون بانتصار في خِضَمِّ ذلك العِداء:
١) بغير أن يفقدوا الرجاء؛ ٢) بغير أن يصيروا ذوي مرارة؛ ٣) وهُم متَّكلون
على ربِّهم؛ ٤) وهم مُنتظِرون مجيئه الثاني. وقد أراد بطرس أن يُرسِّخ في أذهان
قُرَّائه أنّ المؤمن بالمسيح، بعَيشِه حياةً طائعةً منتصرة تحت الإكراه التهديديّ
، يستطيع فعلاً أن يُبشِّر عالمَه المُعادي (رج ١: ١٤؛ ٢: ١ و١٢ و١٥؛ ٣: ١-٦
و١٣-١٧؛ ٤: ٢؛ ٥: ٨ و٩).
يُمثِّل المقطع في ١بط ٣: ١٨-٢٢ أصعب نصٍّ في العهد الجديد
من حيث الترجمة والتفسير. مثلاً، هل تُشير كلمة «الروح» في ٣: ١٨ إلى الروح
القدس، أو إلى روح المسيح؟ أكَرَزَ المسيح بواسطة نوح قبل الطُّوفان، أم كرز
هو نفسُه بعد الصلب (٣: ١٩)؟ أكان مُتلقُّو كرازته مُكوَّنين من البشر في أيَّام
نوح، أم الأرواح الشيطانيَّة في الهاوية السُّفلى (٣: ١٩)؟ أتُعلِّم الآيتان
٢٠ و٢١ في ف ٣ حصول الولادة الثانية عند المعموديَّة (التجديد العِماديّ)،
أمِ الخلاصَ بالإيمان بالمسيح وحده؟ إنّ الأجوبة عن هذه الأسئلة تَرِدُ في
الحواشي.
المحتوى
تحيَّة استهلاليَّة (١: ١ و٢)
أوَّلاً: لنَتَذَكَّر خلاصنا العظيم (١: ٣-٢: ١٠)
أ) حتميَّة ميراثنا المستقبليّ (١: ٣-١٢)
١. محفوظ بقوَّة الله (١: ٣-٥)
٢. مُزكًّى بتجارب الاضطهاد (١: ٦-٩)
٣. تَنبّأ به أنبياء الله (١: ١٠-١٢)
ب) نتائج ميراثنا المستقبليّ (١: ١٣-٢: ١٠)
١. ثبات الرجاء (١: ١٣-١٦)
٢. استمرار الروعة (١: ١٧-٢١)
٣. فاعليَّة المحبَّة (١: ٢٢-٢: ٣)
٤. امتداح المسيح (٢: ٤-١٠)
ثانيًا: لنَتَذَكَّر قُدوتَنا أمام الناس (٢: ١١-٤: ٦)
أ) عيشة شريفة أمام غير المؤمنين (٢: ١١-٣: ٧)
١. الخضوع للحكومة (٢: ١١-١٧)
٢. الخضوع للسَّادة (٢: ١٨-٢٥)
٣. الخضوع في العائلة (٣: ١-٧)
ب) عيشة شريفة أمام المؤمنين (٣: ٨-١٢)
ج) عيشة شريفة وسط المعاناة (٣: ١٣-٤: ٦)
١. مبدأ المعاناة لأجل البرّ (٣: ١٣-١٧)
٢. نموذج المُعاناة لأجل البرّ (٣: ١٨-٢٢)
٣. غاية المعاناة لأجل البرّ (٤: ١-٦)
ثالثًا: لنَتَذَكَّر أنّ ربَّنا سيرجع (٤: ٧-٥: ١١)
أ) مسؤوليّات العيشة المسيحيَّة (٤: ٧-١١)
ب) مكافآت المعاناة المسيحيَّة (٤: ١٢-١٩)
ج) مُتطلَّبات القيادة المسيحيَّة (٥: ١-٤)
د) تحقيق النُّصرة المسيحيَّة (٥: ٥-١١)
خاتمة (٥: ١٢-١٤)
"إنّ نسبة هذه الرسالة صراحةً في ١: ١ إلى بطرس الرسول كاتبًا
لها أعطَتها عنوانَها. وتمييزًا لها من رسالة بطرس الأُولى، وُضِع لها العنوان
اليونانيُّ «بِترو- ب»، أو ٢ بطرس.
كاتب بطرس الثانية هو الرسول بطرس (رج مقدِّمة ١بط). ففي
١: ١، يُصرِّح بهذا؛ وفي ٣: ١ يشير إلى رسالته الأُولى؛ وفي ١: ١٤ يذكر تنبُّؤَ
الربِّ بموته (يو ٢١: ١٨ و١٩)؛ وفي ١: ١٦-١٨، يُصرِّح بأنه كان موجودًا عند التجلِّي
(مت ١٧: ١-٤). غير أنّ النقَّاد أنشأوا حول كاتب بطرس الثانية ومكانتها في
قانون الأسفار المقدَّسة جدلاً يفوق ما يتعلَّق بأيِّ سفر آخر في العهد الجديد.
وقد أبطأ آباء الكنيسة الأوَّلون في إعطائها قبولَهُم. فلم يُشر أيُّ واحدٍ
من آباء الكنيسة إلى بطرس الثانية بالاسم قبل أُوريجانوس حوالى بداية القرن
الثالث. أمّا المؤرِّخ الكنسيُّ القديم يوسيبيوس، فقدِ اكتفى بإدراج ٢بط في
لائحته للأسفار المُتنازَع حولها، إلى جانب يعقوب ويهوذا و٢يو و٣يو. حتّى
قادةُ الإصلاح لم يقبلوها إلاّ بعد تردُّد.
منذ كتب بطرس رسالته الأُولى وأرسلها، بات قَلِقًا على نحوٍ
مُتزايد من جهة المعلِّمين الزائفين الذين كانوا يندسُّون في كنائس آسيا الصغرى.
ومع أنّ هؤلاء المعلِّمين الزائفين كانوا قد سبَّبوا كثيرًا من الإزعاج أصلاً،
فقد توقَّع بطرس أن تُحدِث عقائدُهم الهرطوقيَّة، وأساليبُ حياتهم الفاسدة
خُلقيًّا، مزيدًا من الضَّرر في المستقبل. وهكذا، فإنّ بطرس، في ما يُشبِه
وصيَّةً أخيرة (١: ١٣-١٥)، كتب كي يُنبِّه المؤمنين الأحبَّاء إلى الأخطار
العقائديَّة التي كانوا يُواجهونها.
كُتبت بطرس الثانية بقصد فضحِ غزوِ المعلِّمين الكَذَبة للكنيسة
وإحباطه ودحره. وقد قصد بطرس أن يوجِّه المؤمنين بالمسيح إلى كيفيَّة حماية
أنفسهم من هؤلاء المعلِّمين الزائفين وأكاذيبهم المُضلِّلة. وهذا السِّفر هو
الأبرز في تشهيره عمليًّا بالمعلِّمين الزائفين في الأسفار المقدَّسة، حيث
لا يُشبَّه إلاّ برسالة يهوذا.
لعلَّ أهمَّ عقبة تفسيريَّة في الرسالة هو تفسير ١: ١٩-٢١
تفسيرًا صحيحًا، بسبب مضامينه البعيدة المدى بالنسبة إلى طبيعة الكلمة المقدَّسة
وأصالتها وموثوقيَّتها. فإنّ هذا المقطع، فضلاً عن ٢تي ٣: ١٥-١٧، مُهمٌّ من
حيثُ النظرةُ الصحيحة إلى وحي الكتاب المقدَّس. وملاحظة بطرس أنّ الربَّ
«اشترى» المعلِّمين الزَّائفين (٢: ١) تُثير عقبةً تفسيريَّة ولاهوتيَّة في
ما يتعلَّق بطبيعة الكفَّارة. كذلك هُويَّة الملائكة الذين أخطأوا (٢: ٤)
تتحدَّى المُفسِّر أيضًا. وكثيرون ممَّن يعتقدون أنّ المخلَّصين يمكن أن يهلكوا
من جديد يستخدمون ٢: ١٨-٢٢ حِجَّةً لدعم رأيهم. فهذا المقطع، وهو مُوجَّهٌ
إلى المعلِّمين الزائفين، يجب أن يُوضَّح بحيث لا يُناقِض عبارةً مُشابِهة
خُصَّ بها المؤمنون في ١: ٤. وبَعد، مَن هم الذين لا يشاء الله لهم أن يهلكوا
(٣: ٩)؟ هذه المسائل جميعًا ستُعالَج في الحواشي.
المحتوى
تحيَّة (١: ١ و٢)
أوَّلاً: اعرِف خلاصك (١: ٣-١١)
أ) محفوظٌ بقوة الله (١: ٣ و٤)
ب) مُثبَّت بالنِّعم المسيحيَّة (١: ٥-٧)
ج) مُكرَّم بالمكافأة السخيَّة (١: ٨-١١)
ثانيًا: اعرِف كتابك المقدَّس (١: ١٢-٢١)
أ) مؤيَّد بالشهادة الرسوليَّة (١: ١٢-١٨)
ب) موحًى به بالروح القدس (١: ١٩-٢١)
ثالثًا: اعرِف خصومك (٢: ١-٢٢)
أ) مُخادِعون في اندِساسهم (٢: ١-٣)
ب) محكومٌ عليهم بإثمهم (٢: ٤-١٠أ)
ج) ازدرائيُّون في نجاستهم (٢: ١٠ب- ١٧)
د) مُهلِكون في تأثيرهم (٢: ١٨-٢٢)
رابعًا: اعرِف نبوَّاتك (٣: ١-١٨)
أ) حتميَّةُ يوم الربّ (٣: ١-١٠)
ب) تقديس شعب الله (٣: ١١-١٨)
"طالما عُرفت هذه الرسالة بعنوانها «يوحنَّا
الأُولى». وهي الأُولى والكُبرى في سلسلة من ثلاث رسائل تحمل اسم الرسول
يوحنا. وبما أنّ الرسالة لا تُحدِّد أيَّة كنيسة أو موقع أو فرد بصفة مُرسَل
إليه، فهي مُصنَّفة بصفتها «رسالة عامَّة». وعلى الرغم من كون هذه الرسالة
لا تنمُّ عن بعض الخصائص العامَّة المشتركة التي تميَّزت بها الرسائل في ذلك
الزمان (مثلاً، لا مقدِّمة، ولا تحيَّة استهلاليَّة أو ختاميَّة)، فإنّ لهجتها
الحميمة ومضمونها الشخصيَّ يؤشِّران إلى أنّ لفظة «الرسالة» تنطبق عليها أيضًا.
لا تذكر الرسالة هويَّة كاتبها، ولكنّ الكنيسة
بشهادتها القويَّة والمُتماسِكة والباكرة تنسبها إلى يوحنا التلميذ والرسول
(رج لو ٦: ١٣ و١٤). وهذا الإغفالُ لاسم الكاتب يؤكِّد بقوَّة عزوَ الكنيسة الباكرة
هذه الرسالة إلى يوحنا الرسول، لأنه لا يمكن إلاّ لشخص في مقام يوحنا الشهير
والبارز، بصفته رسولاً، أن يتمكَّن من الكتابة بمثل هذا السلطان المُبين،
متوقِّعًا الطاعة من قِبَل قُرّائه، بغير أن يُعرِّف بنفسه بوضوح (مثلاً ٤: ٦).
فقد كان معروفًا جيِّدًا لدى القُرَّاء بحيث لم يُضطرَّ إلى ذِكر اسمه.
مع أنّ يوحنا كان طاعنًا في السنِّ حين كتب
هذه الرسالة، فإنه كان ما يزال يخدم الكنائس بنشاط. وقد كان هو الرسول الوحيد
الباقي على قيد الحياة والذي كانت له رِفقةُ شاهدِ عِيان مع يسوع طيلةَ خدمته
على الأرض، وفي موته وقيامته وصعوده. ويُفيد آباء الكنسية (مثلاً،
يوستينوس الشهيد وإيرينايُس وأكليمَندُس الإسكندريُّ ويوسيبيوس) أنه بعد ذلك
الحين أقام يوحنا في أفسس بأسيّا الصغرى، مُنفِّذًا لبرنامج تبشيريٍّ واسع،
ومُشرِفًا على كثير من الكنائس التي نشأت، وقائمًا بخدمةِ
كتابةٍ شاملة (أي الرسائل وإنجيل يوحنا وسفر الرؤيا). حتّى إنّ واحدًا من
آباء الكنيسة (بابياس)، وقد كان له احتكاكٌ مباشر مع يوحنا، وصفه بأنه «صوتٌ
حيٌّ وثابت». فلكونه آخِرَ رسول على قيد الحياة، كانت شهادته ذات سلطان رفيع
بين الكنائس. وقدِ التمس كثيرون بشوق أن يَرَوا ذاك الذي كان له اختبارٌ
مباشر مع الربِّ يسوع.
في ضوء ظروف الرسالة، يتمثَّل
الموضوع الشامل لرسالة يوحنا الأُولى بأنه «دعوة إلى الرجوع إلى أساسيَّات
الإيمان» أو «عودة إلى أُسُس المسيحيَّة». فالرسول يتناول حقائق يقينيَّة،
لا آراء ولا تخمينات. وهو يُعبِّر عن طبيعة الإيمان المسيحيِّ المُطلَقة بألفاظٍ
بسيطة جدًّا؛ ألفاظٍ واضحة لا التباس فيها، لا تُبقي أيَّ شكٍّ بشأن جوهر الحقائق
المسيحيَّة. فإنه يطغى أُسلوبٌ شخصيٌّ تحادُثيٌّ حميم، ومُحِبٌّ بالدرجة الأُولى،
كأبٍ يُجري مع أولاده حديثًا حميمًا لطيفًا.
يتجادل اللاهوتيُّون
حول الطبيعة المُحدَّدة لمعتقدات المعلِّمين الزائفة في ١يو، لأنّ يوحنا لا
يُحدِّد معتقداتهم، بل بالأحرى يتصدَّى للمُهرطِقين على نحوٍ رئيسيٍّ بواسطة
تلاوةٍ إيجابيَّة جديدة لأساسيَّات الإيمان. إنما السِّمة البارزة في تلك الهرطقة،
كما أشرنا آنفًا، يبدو أنها إنكارٌ للتجسُّد، أي القولُ بأنّ المسيح لم يأتِ
في الجسد. والأرجح أنّ هذه كانت شكلاً ابتدائيًّا أو أوَّليًّا من الغنُوصيَّة،
كما سبقتِ الإشارة.
عنوان الرسالة هو «يوحنَّا الثانية»، وهي الثانية في سلسلة
من ثلاث رسائل تحمل اسم الرسول يوحنا. ورسالتا ٢يو و٣يو هما الأكثر شبهًا
برسائل العهد الجديد من حيث الشكل، في العالم اليونانيِّ- الرومانيِّ المُعاصِر
آنذاك، إذ إنهما مُوَجَّهتان من فردٍ إلى أفراد، وهما أقصر سِفرَين في العهد
الجديد، إذ تحتوي كلٌّ منهما على أقلَّ من ٣٠٠ كلمة يونانيَّة، بحيث تَسَعُ
ورقةُ بَرديٍّ واحدة كُلاًّ منهما (رج ٣يو ١٣).
الكاتب هو الرسول يوحنا. وهو يصف نفسه في ع ١ بأنه «الشَّيخ»،
ممَّا يُفصِح عن سنِّ الرسول المتقدِّمة وسلطانه ومقامه بصفته شاهدَ عِيان في
أثناء المرحلة التأسيسيَّة في المسيحيَّة، حين كان مُشارِكًا في خدمة الربِّ
يسوع. إنما لا يمكن تحديد تاريخ الرسالة الدقيق. وبما أنّ ألفاظَ ٢يو وموضوعَ
بحثها وظروفَها تُشبه كثيرًا ١يو، ع ٥ (رج ١يو ٢: ٧؛ ٣: ١١)؛ ع ٦ (رج ١يو ٥: ٣)؛
ع ٧ (رج ١يو ٢: ١٨-٢٦)؛ ع ٩ (رج ١يو ٢: ٢٣)؛ ع ١٢ (رج ١يو ١: ٤)، فالأرجح أنّ
يوحنا كَتَبَ هذه الرسالة في وقت ١يو نفسه أو بُعَيدَه، حوالى ٩٠-٩٥ ب م؛
في أثناء خدمته بأفسس في الجزء الأخير من حياته.
تتناول ٢يو المشكلة عينها التي تتناولها ١يو
(رج مقدِّمة ١يو: الخلفيَّة والإطار). وقد تعرَّضت الكنيسة لخطر المعلِّمين الزائفين
المتأثِّرين ببدايات الفِكر الغنُوصيّ (ع ٧؛ رج ١يو ٢: ١٨ و١٩ و٢٢ و٢٣؛ ٤: ١-٣).
والفارق الاستراتيجيُّ هو أنه لا تُحدِّد ١يو فردًا مخصوصًا أو جماعةً معيَّنة
بصفة مُرسَل إليه، فيما ٢يو تستهدف جماعةً مسيحيَّة محليَّة، أو كنيسةً بيتيَّة
مخصوصة (ع ١).
إنّ موضوع ٢يو الإجماليَّ يوازي عن كثب موضوع ١يو الذي هو
«دعوة للرجوع إلى أساسيَّات الإيمان» أو «عودة إلى أُسُس المسيحيَّة» (ع ٤-٦).
وبالنسبة إلى يوحنا، تتلخَّص أساسيَّات المسيحيَّة بملازمة الحقّ (ع ٤) والمحبَّة
(ع ٥) والطاعة (ع ٦).
تُناهض ٢يو بشكل مباشر الدعوة المُتكرِّرة إلى المسكونيَّة
والوحدة المسيحيَّة بين المؤمنين. فإنّ المحبَّة والحقَّ لا ينفصلان في المسيحيَّة؛
ويجب أنّ الحقَّ يكون دائمًا المُوجِّه لممارسة المحبَّة (رج أف ٤: ١٥). فالمحبَّة
يجب أن تنجح في امتحان الحقّ. والدرس الرئيسيُّ في هذه الرسالة هو أنّ الحقَّ
يرسم حدودَ المحبَّة، ثمّ حدودَ الوحدة. ومن ثَمَّ يجب أن يتوافر الحقُّ قبل
أن تتمكَّن المحبَّة من التوحيد لأنّ الحقَّ يُنشئ المحبَّة (١بط ١: ٢٢). فحين
يُساوِم أحدٌ بالحقّ، تُنقَض المحبَّة والوحدة المسيحيَّتان الحقيقيَّتان. وحين
لا يكون الحقُّ أساسَ الوحدة، لا تتوافر إلاّ وحدة عاطفيَّة سطحيَّة.
عنوان الرسالة هو «يوحنَّا الثالثة». وهي الثالثة في سلسلة
من ثلاث رسائل تحمل اسم الرسول يوحنا. ورسالتا ٢يو و٣يو هما الأكثر شبهًا
برسائل العهد الجديد من حيث الشكل، في العالم اليونانيِّ- الرومانيِّ المُعاصِر
آنذاك، إذ وُجِّهتا من فردٍ إلى أفراد. وهاتان الرسالتان هما أقصر سِفرَين
في العهد الجديد، إذ تحتوي كلٌّ منهما على أقلَّ من ٣٠٠ كلمة يونانيَّة، بحيثُ
تَسَعُ ورقةُ بَرديٍّ واحدة كلاًّ منهما (رج ع ١٣).
الكاتب هو الرسول يوحنا. وهو يصف نفسه في ع ١ بأنه «الشَّيخ»،
مِمَّا يُفصِح عن سنِّ الرسول المتقدِّمة وسلطانه ومقامه، بصفته شاهِدَ عِيان
إبّانَ المرحلة التأسيسيَّة في المسيحيَّة، حين كان مُشارِكًا في خدمة الربِّ
يسوع (رج ٢يو ١). إنما لا يمكن تحديد تاريخ الرسالة الدقيق. وبما أنّ تركيب
٣يو وأسلوبَها ومفرداتها تُشبه كثيرًا ٢يو، ع ١ (رج ٢يو١)؛ ع ٤ (رج ٢يو ٤)؛
ع ١٣ (رج ٢يو ١٢)؛ ع ١٤ (رج ٢يو ١٢)، فالأرجح أنّ يوحنا كَتَبَ هذه في وقت
٢يو أو بُعَيدَه حوالى ٩٠-٩٥ ب م. وكما هي الحال بالنسبة إلى ١يو و٢يو، يُحتَمل
أن يكون الرسول قد كتب هذه الرسالة أيضًا في أثناء خدمته بأفسس في الجزء
الأخير من حياته.
لعلَّ يوحنا الثالثة هي الرسالة الأكثر شخصيَّة بين رسائل
يوحنا الثلاث. فبينما تبدو ١يو رسالةً عامَّة موجَّهة إلى جماعات مسيحيَّة مُبعثَرة
في أنحاء آسيا الصغرى، و٢يو أُرسِلت إلى امرأةٍ وأُسرتها (٢يو ١)، ففي ٣يو
يُسمِّي الرسول صراحةً مُتَسَلِّم الرسالة الوحيد باسم «غايس الحبيب» (ع ١).
وهذا يجعل الرسالة واحدةً من رسائلَ قليلةٍ في العهد الجديد مُوجَّهة تحديدًا
إلى فرد (رج فل). وقد كان الاسم «غايُس» اسمًا شائعًا جدًّا في القرن الأوَّل
(مثلاً أع ١٩: ٢٩؛ ٢٠: ٤؛ رو ١٦: ٢٣؛ ١كو ١: ١٤)، ولكن لا يُعرَف شيء عن هذا
الفرد ما خلا تحيَّة يوحنا التي يُستَدَلُّ منها أنه كان واحدًا من أعضاء الكنائس
الخاضعة لإشراف يوحنا الروحيّ.
موضوع ٣يو هو امتداحُ نماذجِ الضيافة المسيحيَّة الصحيحة،
وشجبُ الإخفاق في اتِّباع هذه النماذج.
يعتقد بعضهم أنّ ديوتريفِس ربّما كان إمّا مُعلِّمًا مُهَرطِقًا،
وإمّا على الأقلِّ مُحبِّذًا للمعلِّمين الزائفين الذين دانهم يوحنا في رسالته
الثانية. غير أنّ الرسالة لا تُورِد دليلاً واضحًا لتسويغ استنتاجٍ كهذا،
ولا سيّما أنّ من حقِّ المرء أن يتوقَّع ذِكر يوحنا لآراء ديوتريفِس الهرطوقيَّة.
فالرسالة تُبيِّن أنّ مشاكل ديوتريفِس تمحورت على عجرفته وعدم طاعته، وهذه
مشكلة لدى صاحب العقيدة السليمة والمُهَرطِق على حدٍّ سواء.
المحتوى
أوَّلاً: امتداحٌ للضيافة
المسيحيَّة (١-٨)
ثانيًا: شجبٌ لمُخالفة الضيافة المسيحيَّة (٩-١١)
ثالثًا: خُلاصة عن الضيافة المسيحيَّة (١٢-١٤)
"سُمِّيت رسالة يهوذا باسم كاتبها (ع ١)، أحدِ إخوة المسيح
الأربعة غير الأشقَّاء (مت ١٣: ٥٥؛ مر ٦: ٣). والرسالة هي رابعُ أقصر الأسفار
في العهد الجديد (فل ١ و٢يو أقصر منها)، والأخيرة في الرسائل العامَّة الثماني.
ولا يقتبس يهوذا من العهد القديم مباشرةً، إلاّ أنّ في الرسالة على الأقل
تسعة تلميحات واضحة إليه. وبموجب سياق النصّ، يمكن أن تُطلَق على هذه « الرسالة
/ الموعظة» التسميةُ «سفرُ أعمال المُرتدِّين».
مع أنّ «يهوذا» كان اسمًا شائعًا في فلسطين (يُذكَر في كتاب
العهد الجديد على الأقلِّ ثمانية أشخاص أسماؤهم «يهوذا»)، فإنّ كاتب رسالة
يهوذا لقي قبولاً عامًّا على أنه يهوذا أخو المسيح غيرُ الشقيق. ويجب تمييزه
من الرسول يهوذا، واحدٍ من تلاميذ المسيح الاثني عشر. تؤدِّي بضعةُ خُيوط
فكريَّة إلى الاستنتاج التالي: ١) إشارةُ يهوذا إلى أنه «أخو يعقوب» رئيس
مجمع أورشليم (أع ١٥) وأخٍ غير شقيق آخر ليسوع (ع ١؛ رج غل ١: ١٩)؛ ٢) التشابه
بين تحيَّة يهوذا الاستهلاليَّة ونظيرتها في رسالة يعقوب (رج يع ١: ١)؛ ٣) عدم
تصنيف يهوذا نفسَه رسولاً (ع ١)، بل بالأحرى تمييزُه بين نفسه والرسُل (ع
١٧).
عاش يهوذا في زمنٍ كانت المسيحيَّة فيه عرضةً لهجوم سياسيٍّ
شرس من قِبَل روما، وتسلُّلٍ روحيٍّ عدائيٍّ من قِبَل مُرتدِّين وفاسقين شبه
غنُوصيِّين زرعوا بذورًا وافرة لمحصول هائل من الضلال العقائديّ. وربما كان
ذلك مُمهِّدَ السبيلِ للغنُوصيَّة المكتملة التي كان للرسول يوحنا أن يتصدَّى
لها في رسائله بعد أكثر من ٢٥ سنة. وما عدا يوحنا الذي عاش حتّى أواخر القرن
الأوَّل، استُشهِد جميع الرسُل، وساد اعتقادٌ أنّ المسيحيَّة في هزالٍ شديد.
وهكذا، فإنّ يهوذا دعا الكنيسة إلى الكفاح لأجل الحقِّ في خِضَمِّ حربٍ روحيَّة
شديدة.
رسالة يهوذا هي سِفرُ العهدِ الجديدِ الوحيدُ
المُخصَّص بجملته لمواجهة «الارتداد»، بمعنى الرجوع الكليِّ عن الإيمان الصحيح
الذي هو بحسب الكتاب المقدَّس (ع ٣ و١٧). وقد وَرَدَ وَصفُ المُرتدِّين في
مواضع أخرى تتضمَّن ٢تس ٢: ١٠؛ عب ١٠: ٢٩؛ ٢بط ٢: ١-٢٢؛ ١يو ٢: ١٨-٢٣. وقد كتب
يهوذا كي يَدينَ المُرتدِّين، ويحضَّ المؤمنين على الكفاح لأجل الإيمان. وهو
دعا إلى حُسن التمييز من جانب الكنيسة، وإلى الدفاع الحازم عن الحقِّ الكتابيِّ
المقدَّس. وبذلك اقتدى بالنماذج الأبكر المُتمثِّلة في: ١) المسيح (مت ٧: ١٥
وما يلي؛ ١٦: ٦-١٢؛ ٢٤: ١١ وما يلي؛ رؤ ٢ و٣)؛ ٢) بولس (أع ٢٠: ٢٩ و٣٠؛ ١تي
٤: ١؛ ٢تي ٣: ١-٥؛ ٤: ٣ و٤)؛ ٣) بطرس (٢بط ٢: ١ و٢؛ ٣: ٣ و٤)؛ ٤) يوحنا (١يو ٤: ١-٦؛
٢يو ٦-١١).
بسبب عدم البحث في أيّة قضايا عقائديَّة، فإنّ العقبات في
هذه الرسالة تتعلَّق بالتفسير المُعتاد بغية تمييز معنى النصّ. ويقتبس يهوذا
فعلاً من مصادر الأسفار غير القانونيَّة المنسوبة إلى غير مؤلِّفيها الحقيقيِّين
(أي أنّ المؤلِّف الفعليَّ لم يكن ذاك المُسمَّى في عناوينها)، مِثل أخنوخ الأوَّل
(ع ١٤)، وانتقال موسى (ع ٩) لدعم مُرادِه. فهل كان هذا مقبولاً؟ بما أنّ
يهوذا كان يكتب خاضعًا لوحي الروح القدس (٢تي ٣: ١٦؛ ٢بط ١: ٢٠ و٢١) وضمَّن
مادةً كانت دقيقة وصحيحة في توكيداتها، فهو لم يفعل قطُّ خلاف ما فعله بولس
(رج أع ١٧: ٢٨؛ ١كو ١٥: ٣٣؛ تي ١: ١٢).
المحتوى
أوَّلاً: تمنِّيات يهوذا (١ و٢)
ثانيًا: إعلان الحرب على المُرتدِّين (٣ و٤)
ثالثًا: حصيلة المُرتدِّين المُهلِكة (٥-٧)
رابعًا: شجب المُرتدِّين (٨-١٦)
خامسًا: دفاعات ضدَّ المُرتدِّين (١٧-٢٣)
سادسًا: تمجيد يهوذا لله (٢٤ و٢٥)
"
على خلاف معظم الأسفار في الكتاب المقدَّس، يحمل سفر الرؤيا عُنوانه: «إعلان يسوع المسيح» (١: ١). والكلمة «إعلان» باليونانيَّة «أبوكالوبسيس» معناها «كشف الغطاء» أو «إزالة الحِجاب» أو «إفشاء السرّ». وفي العهد الجديد، تصف الكلمة الأصليَّة إعلانَ حقيقة روحيَّة كانت مكتومة (رو ١٦: ٢٥؛ غل ١: ١٢؛ أف ١: ١٧؛ ٣: ٣)، واستعلانَ أبناء الله (رو ٨: ١٩)، وتجسُّد المسيح (لو ٢: ٣٢)، وظهورَه المجيد في مجيئه الثاني (٢تس ١: ٧؛ ١بط ١: ٧). ففي جميع استعمالات «أبوكالوبسيس»، تُشير الكلمة إلى شيء أو شخص صار ظاهِرًا للعِيان بعدما كان مخبوءًا. وما يُعلِنُه هذا السِّفر، أو يُزيل الحجابَ عنه هو يسوع المسيح في المجد. فإنّ الحقائق المُختصَّة به وبانتصاره النهائيّ، تلك الحقائق التي تُلمِّح باقي الأسفار المقدَّسة إليها مُجرَّدَ تلميح، تصير ظاهرة للعِيان بجلاء عبر الإعلان المتعلِّق به (رج المواضيع التاريخيَّة واللاهوتيَّة). وقد أعطى اللهُ الآبُ يسوعَ المسيحَ هذا الإعلان، وبُلِّغ إلى الرسول يوحنا بواسطة ملاك (١: ١).
يُعرِّف الكاتب بنفسه أربعَ مرَّات على أنه يوحنا (١: ١ و٤ و٩؛ ٢٢: ٨). وقد حدَّده التقليد الباكر بالإجماع بأنه يوحنا الرسول، كاتب الإنجيل الرابع والرسائل الثلاث. على سبيل المَثَل، ثمّة شهود مهمُّون في القرن الثاني ينسبون السِّفر إلى يوحنا، منهم: يوستينوس الشهيد وإيرينايُس وأكليمندُس الإسكندريِّ وترتليانوس. وقد كان كثيرون من قُرَّاء السِّفر الأصليِّين ما يزالون على قيد الحياة في أثناء حياة يوستينوس الشهيد وإيرينايُس، وكِلاهما قَبِلا نسبة السِّفر إلى الرسول يوحنا.
إنّ بين سِفر الرؤيا وباقي كتابات يوحنا فُروقًا في الأسلوب، ولكنها ليست مهمَّة ولا تُسقِط حقيقة كتابة الشخص نفسه لها جميعًا. بل تُوجَد بالحقيقة بعضُ التَّوازِيات اللافتة بين الرؤيا وكتابات يوحنا الأخرى. فإنجيل يوحنا والرؤيا وحدَهما يُشيران إلى يسوع المسيح على أنه الكلمة (١٩: ١٣؛ يو ١: ١). كما أنّ الرؤيا (١: ٧) وإنجيل يوحنا (١٩: ٣٧) يُترجِمان زك ١٢: ١٠ بطريقةٍ مختلفة عن السبعينيَّة ولكن مُتَّفِقة بينهما. ثمّ إنّ رؤيا يوحنا وإنجيله وحدَهما يصفان يسوع بكونه «الحَمَل» (٥: ٦ و٨؛ يو ١: ٢٩)؛ وكلاهما يصفان يسوع بأنه شاهِد (رج ١: ٥؛ يو ٥: ٣١ و٣٢).
كُتب الرؤيا في العَقد الأخير من القرن الأول (حوالى ٩٤-٩٦ ب م)، قُبَيلَ نهاية عهد الإمبراطور دوميتيان (٨١-٩٦ ب م). ومع أنّ بعضًا يؤرِّخون كتابة السِّفر في أثناء حُكم نيرون (٥٤-٦٨ م)، فإنّ حُجَجَهم غير مُقنعة وتتعارض مع رأي الكنيسة الباكرة. وقد كتب إيرينايُس في القرن الثاني مُصرِّحًا بأنّ الرؤيا كُتب في أواخر عهد دوميتيان. ثمّ أكَّد التأريخَ الدُّوميتيانيَّ كُتّابٌ متأخِّرون، مِثل أكليمندُس الاسكندريِّ، وأوريجانوس، وفيكتورينوس (كاتبُ واحدٍ من أقدم التفاسير لسفر الرؤيا)، ويوسيبيوس، وجيروم.
ثمّ إنّ الانحطاط الروحيَّ في الكنائس السَّبع (ف ٢ و٣) يدعم تأريخ الكتابة اللاحق. فقد كانت هذه الكنائس قويَّة ومُعافاةً روحيًّا في أواسط الستينيَّات، حين خدم بولس أخيرًا في آسيا الصغرى. والفترة الزمنيَّة الوجيزة بين خدمة بولس هناك ونهاية حُكم نيرون كانت أقصر من أن يحدث مثلُ ذلك الانحطاط في أثنائها. كما أنّ الفاصل الزمنيَّ الأطول يُفسِّر قيام الفِرقة الهرطوقيَّة المعروفة باسم النقولاويِّين (٢: ٦ و١٥) الذين لا يُذكَرون في رسائل بولس، ولا حتّى في رسالة إلى واحدة أو أكثر من الكنائس نفسها (أفسس). أخيرًا، لا يُتيح تأريخُ كتابة الرؤيا في أثناء حُكم نيرون مُدَّة كافية لبلوغ خدمة يوحنا في آسيا الصغرى الحدَّ الذي عنده تشعر السلطات بوجوب نفيه.
يبدأ سفرُ الرؤيا فيما يوحنا، آخِرُ رسول بقي على قيد الحياة والرجُل الشيخ، مَنفيٌّ في جزيرة بَطمُس الصغيرة القاحلة، الواقعة في بحر إيجة جنوبَ غربيِّ أفسس. وقد نفته السلطات الرومانيَّة إلى هناك بسبب كرازته الأمينة بالإنجيل (١: ٩). وبينما يوحنا في بَطمُس، تلقَّى سِلسلةَ رؤًى بسطت أمامه تاريخَ العالم المُستقبليّ.
بما أنّ سِفر الرؤيا نبويٌّ بالدرجة الأولى، فهو يحتوي على مادَّة تاريخيَّة ضئيلة، عدا ما ورد في ف ١-٣. فالكنائس السبع التي إليها وُجِّهت الرسالة كانت موجودة في آسيا الصغرى (تركيّا الحديثة). والظاهر أنّ تلك الكنائس خُصَّت بالذِّكر لأنّ يوحنا قد خدم فيها.
إنّ سفر الرؤيا هو أوَّلًا وقبلَ كلِّ شيء أعلانٌ يخصُّ يسوع المسيح (١: ١). فالسِّفر يُصوِّر المسيح على أنه ابنُ الله المُقامُ والممجَّدُ الذي يتولَّى الخدمة وسط الكنائس (١: ١٠ وما يلي) بصفةِ «الشاهدِ الأمين، البكرِ من الأموات، ورئيس ملوك الأرض» (١: ٥)، وعلى أنه «الألِفُ والياء، البداية والنهاية» (١: ٨)، وذاك «الذي كان والذي يأتي، القادرُ على كلِّ شيء» (١: ٨)، و«الأوَّل والآخِر» (١: ١١)، و«ابن الإنسان» (١: ١٣)، «الذي كان مَيتًا ولكنه الآن حيٌّ إلى أبد الآبدين» (١: ١٨)، و«ابنُ الله» (٢: ١٨)، الذي هو «القدُّوس الحقّ» (٣: ٧)؛ و«الآمينُ، الشاهدُ الأمين الصادق، بداءة خليقة الله» (٣: ١٤)، و«الأسدُ الذي من سبط يهوذا» (٥: ٥)، والحَمَلُ في السماء، صاحبُ السلطان لفتح سَنَدِ مِلكيَّة الأرض (٦: ١ وما يلي)، والحَمَلُ على العرش (٧: ١٧)، والمسيحُ الذي سيملك إلى أبد الآبدين (١١: ١٥)، وكلمةُ الله (١٩: ١٣)، وملكُ الملوك وربُّ الأرباب الجليلُ العائدُ في بهاءٍ مجيد كي يهزم أعداءه (١٩: ١١ وما يلي)، وأيضًا «أصلُ وذريَّة داود، كوكبُ الصُّبح المنير» (٢٢: ١٦).
كذلك يُعبِّر سفر الرؤيا عن مواضيع لاهوتيَّة غنيَّة كثيرة أخرى. فثمّة تحذيرٌ للكنيسة من الخطيَّة، وحَثٌّ على القداسة. وصُوَر يوحنا النابضة بالحياة للعبادة في السماء تَحثُّ المؤمنين وتُعلِّمهم. ولا تبرز خدمة الملائكة كما هي في سفر الرؤيا إلّا في قليلٍ من أسفار الكتاب الأخرى. هذا وإنّ سفر الرؤيا في الأساس يُبلوِر لاهوتيًّا الأمور الأُخرَويَّة، أي العقائد المُتعلِّقة بالأُمور الأخيرة. ففيه نتعلَّم عن: الوضعِ السياسيِّ النهائيِّ في العالم؛ المعركةِ الأخيرة في التاريخ البشريّ؛ مسيرةِ ضدِّ المسيح وهزيمتهِ النهائيَّة؛ مُلكِ المسيح مُدَّةَ ألف سنة على الأرض؛ أمجادِ السماء والحالة الأبديَّة؛ الحالة النهائيَّة للأشرار والأبرار. أخيرًا يُضاهي سفرُ دانيال وحدَه هذا السِّفرَ في إعلانِ كون الله يسودُ بعنايته الإلهيَّة على ممالك الناس وسوف يُتِمُّ مقاصده المُهَيمِنة بصرف النظر عن المعارضة البشريَّة أو الشيطانيَّة.
ما مِن سِفرٍ آخر في العهد الجديد يُثير أكثرَ ممّا يُثيره سِفرُ الرؤيا من عقبات تفسيريَّة جديَّة وصعبة. وقد نَجَمَ عن التعابير المجازيَّة النابضة بالحياة في هذا السِّفر وعن رمزيَّته الباهرة أربعُ مُقاربات تفسيريَّة رئيسيَّة:
فالمُقاربة السابقيَّة تُفسِّر سفر الرؤيا على أنه وصفٌ لأحداث القرن الأوَّل في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة (رج الكاتب والتاريخ). ولكنّ هذه النظرة تتعارض مع تصريح السِّفر المتكرِّر كثيرًا بأنه نبوَّة (١: ٣؛ ٢٢: ٧ و١٠ و١٨ و١٩). ومن المستحيل أن نرى جميع الأحداث في الرؤيا باعتبارها قد تمَّت فعلًا. فإنّ مجيء المسيح ثانيةً مثلًا لم يحدث في القرن الأوَّل، كما هو واضحٌ بديهيًّا.
والمُقاربة التاريخيَّة تنظر إلى سفر الرؤيا على أنه مشهدٌ بانوراميٌّ لتاريخ الكنيسة من الزمن الرسوليِّ حتّى الزمن الحاليّ، حيث تنطوي الرمزيَّة على أحداث مِثل غزوات البرابرة لروما، وقيام الكنيسة الكاثوليكيَّة (فضلًا عن بابَوات مختلفين)، ونشوء الإسلام، والثورة الفرنسيَّة. ولكنّ هذا الأسلوب في التفسير يُجرِّد سفر الرؤيا من أيِّ معنًى عند الذين كُتِب إليهم. وهو أيضًا يتجاهل الحدود الزمانيَّة التي يضعها السِّفرُ ذاته للأحداث العتيدة أن تتكشَّف (رج ١١: ٢؛ ١٢: ٦ و١٤؛ ١٣: ٥). وقد أنتجت المُقاربة التاريخيَّة عدَّة تفسيرات مختلفة، ومُتضارِبة أغلبَ الأحيان، للأحداث التاريخيَّة التي يتضمَّنها سِفر الرؤيا.
والمُقاربة المثاليَّة تُفسِّر سِفر الرؤيا كتصويرٍ لازَمانيٍّ للصراع الكونيِّ بين قوى الخير وقوى الشرّ. وحسب هذه النظرة، لا يحتوي السِّفر على تلميحات تاريخيَّة ولا على إعلانات نبويَّة. غير أنّ هذه النظرة أيضًا تتجاهل طبيعةَ الرؤيا النبويَّة، حتّى إذا وصلت إلى النتيجة المنطقيَّة تقطع صِلَة السِّفر بأيِّ أحداث تاريخيَّة فعليَّة. وعندئذٍ يصير سفر الرؤيا مجرَّدَ مجموعة من القِصَص صُمِّمت كي تُعلِّم الحقيقة الروحيَّة.
والمُقاربة المستقبليَّة تُصِرُّ على أنّ أحداث ف ٦-٢٢ ما تزال طيَّ المستقبل، وأنّ هذه الأصحاحات تصف حرفيًّا ورمزيًّا أشخاصًا وأحداثًا حقيقيَّة سوف تظهر بَعدُ على المسرح العالميّ. فهي تصف الأحداث التي تكتنف مجيء يسوع المسيح ثانيةً (ف ٦-١٩)، والمُلك الألفيَّ والدينونة الأخيرة (ف ٢٠)، والحالة الأبديَّة (ف ٢١ و٢٢). وهذه النظرة وحدَها تُنصِف تصريح سفر الرؤيا بأنه نبوَّة، وتُفسِّر السِّفر بالأسلوب اللُّغوي/التاريخيِّ عينه الذي يُعتمَد بالنسبة إلى ف ١-٣ وباقي الأسفار المقدَّسة.
Please enter your comment or explain a problem you found below.