Thank you, your message has been sent.
The Epistles of John (D. Edmond Hiebert)
تمهيد
على مدى الحِقَب المختلفة للتاريخ المسيحيِّ، اعتزَّ المسيحيُّون المؤمنون المخلصون دائمًا بالرسائل اليوحنَّاويَّة باعتبارها جزءًا لا يقدَّر بثمن من العهد الجديد. فالبساطة الجمَّة في محتوياتها عزَّزت إيمان المتَّضعين من المؤمنين وحفَّزت حياتهم دومًا بلا كلل، في حين أنَّ أعماق تعاليمها قد تحدَّت أكثر المفسِّرين علمًا ونبوغًا. ولقد كانت تلك الرسائل موضوعًا لعددٍ لا يحصى من العظات التفسيريَّة والرسائل العلميَّة. ومع ذلك، فإنَّ محتوياتها التي لا تنضب ما زالت تحفِّز الفحص المتجدِّد لما فيها من حقٍّ مُعطًى من قِبل الله.
يسعى هذا العمل إلى تقديم معالجة تفسيريَّة لرسائل يوحنَّا خوضًا في ثروات هذه الرسائل المُوحاة للمساعدة في دراستها من قِبَل الطَلَبة المجتهدين. النصُّ العربيُّ المقتبس هو النصُّ المألوف لترجمة فاندايك-البستانيِّ، لكنَّ التفسير يعتمد مباشرةً على الأصل اليونانيِّ.[1] وعلى الرغم من أنَّ التفسير يستند إلى دراسة للنصِّ اليونانيِّ، فإنَّه مصمَّم أيضًا للطلاَّب الذين قد لا يجيدون معرفتهم بتلك اللغة. الجزء قيد الدراسة سيتمُّ اقتباسه باللغة العربيَّة مع النصِّ اليونانيِّ، مع إضافة نسخٍ حرفيٍّ Transliteration للنُطق بين قوسين.[2] وعلى قدر الحاجة، سيتمُّ التعامل مع الجوانب المختلفة للنصِّ اليونانيِّ لإبراز الأهميَّة الكاملة للرسائل اليوحنَّاويَّة. كما يأتي في مقدِّمة الشرح التفسيريِّ لكلِّ رسالةٍ، مخطَّط تفصيليٌّ لهذه الرسائل، يحدِّد محتوياتها، كما سيتمُّ إدراجه في جميع أنحاء الشرح التفسيريِّ كدليل لتكشُّف الرسالة.
لقد اقتنصت هذه الرسائل انتباهي لأوَّل مرَّة منذ سنوات كمؤمن في سنِّ المراهقة يتشوَّق للحصول على فهم أكمل للإيمان والحياة المسيحيَّة. لقد ظلَّت هذه الرسائل هدفًا لدراستي الشخصيَّة ودراستي للشرح التفسيريِّ في السنوات التي تلت ذلك. ومديونيَّتي لما قدَّمته العديد من المصادر من جهدٍ لتكشُّف هذه الرسائل ستكون واضحة بشكلٍ جليٍّ في الحواشي والمراجع.
[1] بقدر الإمكان, حاولنا في هذه الترجمة استخدام المُقابِلات النحويَّة الخاصَّة بالإعراب بين اللغتين اليونانيَّة والعربيَّة. لكن عندما لم يكن ذلك مُمكنِاً, ارتأينا الالتزام بالإعراب اليونانيِّ للكلمات حفاظاً على المحتوى التعليميِّ للكتاب؛ (المُتَرجِم).
[2] في أثناء النسخ الحرفيِّ للكلمات اليونانيَّة, يتمُّ استخدام المُعادِلات المعتمدة عادةً للأحرف اليونانيَّة, إلَّا في حالة الحرف اليونانيِّ إبلسون, إذ اُستخدم دائماً الحرف الإنجليزيُّ u بدلاً من الحرف y الأكثر شيوعاً.
رسالة يوحنَّا الأولى
1
مقدِّمة رسالة يوحنَّا الأولى
إنَّ عباراتها البسيطة المُتَّسمة بالقوَّة، والمذاق الغائيَّ الكامن وراء ألفاظها، ومحتوياتها ذات المَزج الخلاَّب بين المحبَّة الرقيقة والصرامة التي تجوز في العمق، وسموَّ أفكارها الخالية من التكلُّف؛ كلُّ هذا قد جعل من رسالة يوحنَّا الأولى سفرًا مُفَضَّلاً لدى المسيحيِّين في كلِّ مكان. فسهولة لغتها تجعلها مفهومة لأبسط المؤمنين القدِّيسين، في حين أنَّ عُمق حقائقها يتحدَّى الباحث صاحب أضخم الإنجازات. كما أنَّ ما فيها من إعلان لاهوتيٍّ ضخم ومطالب أخلاقيَّة راسخة؛ كلُّ هذا قد ترك تأثيرًا دائمًا على فكر الكنيسة المسيحيَّة وحياتها. بالحقِّ إنَّ رسالة يوحنَّا الأولى هي جوهرة فريدة لا يمكن الاستغناء عنها بين أسفار العهد الجديد.
النوع الأدبيُّ لرسالة يوحنَّا الأولى
دائمًا ما يتمُّ تصنيف هذا النوع من الكتابة، بين الأشكال المختلفة لأنماط الكتابة في أسفار العهد الجديد، على أنَّه من أدب «الرسائل»؛ ومع ذلك، وبخلاف رسالتَي يوحنَّا الثانية والثالثة، فإنَّ رسالة يوحنَّا الأولى لا تُظهر السمات المعتادة لأدب الرسائل كما نراه في نماذج المراسلة آنذاك. فهي تشبه رسالة العبرانيِّين في أنَّها تبدأ دون التحيَّة الافتتاحيَّة، لكنَّها تخلو تمامًا من أيَّة خلاصة رسائليَّة نهائيَّة Epistolary conclusion كتلك الموجودة في العبرانيِّين. فتُختَتَم فجأة كما هو الحال في رسالة يعقوب، بينما تبدأ دون الافتتاحيَّة الرسائليَّة الرسميَّة الموجودة في يعقوب. وهي لا تحتوي على أيِّ شكرٍ رسميٍّ للقرَّاء، على خلاف ما تتميَّز به الفقرات الافتتاحيَّة لرسائل بولس. ولا تحوي ذكرًا واحدًا لأيِّ اسمٍ عَلَمٍ فيما خلا إشارة عابرة إلى قايين (3: 12)، ولا تقدِّم بيانًا محدَّدًا واحدًا، شخصيًّا كان أو تاريخيًّا أو جغرافيًّا، يتعلَّق بالكاتب أو القرَّاء. إنَّها تخلو من كلِّ ما هو محلِّيٌّ أو محدَّد بشكلٍ مجرَّد.
وقد قادَ غيابُ الميزات الرسائليَّة المألوفة بعضَ الكُتَّاب إلى اعتبار أنَّ عَنْونَة السفر بأنَّه «رسالة» هو بمثابة تسمية خاطئة. فقد اقترح هؤلاء الكُتَّاب عدَّة تسميات مختلفة لوصف طبيعة هذا النوع من الكتابة عن كثب.[1]
وتعتَبَر الاقتراحات التي تشير إلى أنَّها عبارة عن مقالة عامَّة أو عظة غير مُرضِيَة، على الأقلِّ في ضوء العلاقة الحميمة بين الكاتب وقرَّائه. إذ يتعامل المؤلِّف مع موقف فعليٍّ في الحياة الواقعيَّة ويخاطب القرَّاء الذين تربطه بهم علاقات حميمة، ويعرف تاريخهم، ومقدار تحصيلهم، واحتياجاتهم، وكذلك المخاطر التي يواجهونها. فالرسالة تنبع من موقف تاريخيٍّ محدَّد ويتمُّ تكييفها لتلبية هذا الموقف. وهي تتَّقد باهتمام الكاتب الحثيث بقرَّائه وانشغاله الشخصيِّ بهم. فعلى الرغم من افتقارها إلى الخصائص الرسائليَّة الخارجيَّة، فمحتويات رسالة يوحنَّا الأولى تؤكِّد طابعها الرسائليَّ.
نظرًا لنبرتها الوعظيَّة والأخلاقيَّة، فقد فكَّر البعض في رسالة يوحنَّا الأولى كعِظة، أي تحتوي على جوهر العظة، أو عدَّة عظات مكتوبة، سواء قبل إلقائها أو بعده. يعتبرها هولدن «مقالة وعظيَّة موجَّهة إلى قرَّاء تربطهم بالكاتب معرفة حميمة.»[2] ويعلِّق مارتِن قائلاً: «تشير النبرة الأخلاقيَّة والوعظيَّة في جزء كبير من الرسالة إلى سياق متعلِّق بالمعموديَّة، إذ أنَّ مادَّة الرسالة تنتمي إلى نوع التعليمات المُعطاة للمهتدين الجُدد إلى الإيمان. («يَا أَوْلاَدِي»، كما يطلق عليهم في 2: 1، 12؛ 3: 18؛ 4: 4؛ 5: 21؛ راجع 2: 13، 18؛ 3: 2، 10).»[3] وعلى الرغم من أنَّ رسالة يوحنَّا الأولى تُعبِّر بوضوح عن الاهتمام الرعويِّ لدى الكاتب بأولئك الذين يخاطبهم، فالمحتويات توضِّح أنَّها ليست نسخة مكتوبة لعِظةٍ ما.
إذ يشير الكاتب مرارًا وتكرارًا إلى أنَّ نوع التواصل الذي يستخدمه هو التواصل كتابةً (1: 4؛ 2: 1، 7، 8، 12، 13، 14، 21، 26؛ 5: 13). ومرَّة واحدة فقط يستخدم تعبير «أَقُولُ» (5: 16). ودعوتهم «يَا أَوْلاَدِي» لا تؤسِّس لأنَّ المُتلقِّين كانوا من المهتدين الجدد ممَّن يحتاجون إلى التعليم في العناصر الأساسيَّة للإيمان المسيحيِّ. بل تُظهِر محتويات السفر أنَّ بعض الذين تمَّت مخاطبتهم كانوا على الأقلِّ مسيحيِّين لفترة طويلة وتقدَّموا في معرفتهم بالحقِّ المسيحيِّ. ويشير أسلوب كاتب الرسالة في الكلام إلى نوع من التواصل الرسائليِّ. فهو يشير إلى نفسه على أنَّه «أنا» أو «نحن» ويتكلَّم إلى الأشخاص الذين يدعوهم «أنتم». فمحتويات الرسالة تؤسِّس لأنَّ رسالة يوحنَّا الأولى نشأت كتواصل مكتوب مع القرَّاء المعروفين شخصيًّا للكاتب.
إنَّ العلاقة الحميمة بين الكاتب وقرَّائه، ومدى ملائمة المناشدات الوعظيَّة، ونبرة ومحتويات الشكل الأدبيِّ بمجمله، كلُّ هذا يبرِّر تصنيفها بين رسائل العهد الجديد. أمَّا غياب كلِّ ما هو محليٌّ مجرَّدٌ فيشير إلى أنَّه لم يكن الغرض منها أن توَجَّه لجماعة واحدة، ولكن بدلاً من ذلك لدائرة أكبر من التجمُّعات داخل النطاق المعروف للكاتب. وبينما يقبل بورديك تصنيف رسالة يوحنَّا الأولى على أنَّها «رسالة كُتِبَت بنيَّة حسنة في العهد الجديد» إلاَّ أنَّه يصيب في إصراره على «وجوب وصفها على أنَّها منشورٌ أسقفيٌّ أو دوريٌّ من حيث الطبيعة، ورعويَّة من حيث الوظيفة.»[4]
هويَّة كاتب رسالة يوحنَّا الأولى
1. الدليل الخارجيُّ
إنَّ ما يوفِّره الدليل الخارجيُّ من موثوقيَّة لرسالة يوحنَّا الأولى، يفوق نظيراتها من الرسائل الجامعة الأخرى. وضعَ يوسابيوس القيصريُّ (حوالي 265 – 339)[5] في كتابه الشهير التاريخ الكنسيُّ Historia Ecclesiastica رسالة يوحنَّا الأولى بين ما يسمَّى بالـ homologoumena، أو الأسفار المُعترَف بها، في قائمته الخاصَّة بالأسفار القانونيَّة (3. 25).[6] وقد تمَّ تصنيف رسالتي بطرس الأولى ويوحنَّا الأولى فقط على هذا النحو من قِبَله من بين الرسائل الجامعة كلِّها.
لعلَّ أقرب أثَرٍ محدَّد لهذه الرسالة هو في كتابات القديس بوليكاربوس، أسقف سميرنا (حوالي 70 - 155/ 160م). في رسالته إلى فيلبِّي (حوالي 115)، يكتب: «لأنَّ من لا يعترف بأنَّ يسوع المسيح قد جاء في الجسد، فهو ضدُّ المسيح، وكلُّ من لا يعترف بشهادة الصليب، فهو من الشيطان» (7: 1) ونظرًا لحقيقة أنَّ كلمة «ضدُّ المسيح» تأتي في العهد الجديد فقط في رسالتي يوحنَّا الأولى والثانية، ولا تأتي بشكل متكرِّر في أدب الجيل الثاني بعد الرسل، وأنَّ كلمات مثل «يعترف» و«شهادة» و«من الشيطان» هي تعبيرات يوحنَّاويَّة مميَّزة؛ فإنَّ هذه الكلمات تبدو مستوحاة بوضوح من يوحنَّا الأولى 4: 2-3. يخبرنا إيريناوس، الذي استمع إلى وعظ بوليكاربوس بينما كان شابًّا في آسيا الصغرى، أنَّ بوليكاربوس في شبابه عرف الرسول يوحنَّا.[7] إذ استُشهِد بوليكاربوس في سنِّ السادسة والثمانين، فلا بُدَّ أنَّه كان معاصرًا للرسول يوحنَّا لحوالي عشرين عامًا. يثبِت اقتباسُ بوليكاربوس التاريخَ الباكر لرسالة يوحنَّا الأولى، ويشير على الأقلِّ، إن لم يكن يثبت، إلى أنَّها يوحنَّاويَّة الأصل والكتابة. ففي ضوء معرفة بوليكاربوس بيوحنَّا، هل من الممكن أنَّه لم يكن على دراية بأصل كتابتها اليوحنَّاويِّ؟ هل كان من الممكن أن ينهل من تعليمها مستخدمًا مصطلحاتها نفسها إذا كانت لديه أيَّة شكوك حول موثوقيَّة نسبتها إلى كاتبها؟
يخبرنا يوسابيوس أنَّ بابياس، أسقف هيرابوليس (حوالي 60-130م) قد استفاد من شهادات وردت في رسالة يوحنَّا الأولى في عمله المُعنوَن «تفسيرات لما أعلنه ربُّنا Interpretations of our Lord's Declarations» (التاريخ الكنسيُّ 3. 39).
إذ يقتبس من إيريناوس قوله إنَّ بابياس «كان مستمعًا ليوحنَّا وزميلاً لبوليكاربوس، وهو كاتب قديم». (3. 39 ؛ إيريناوس، ضدُّ الهرطقات، 3. 3. 4).
وهكذا لدينا شاهدان مبكِّران على هذه الرسالة، وكلاهما من مقاطعة أسيَّا، خلال النصف الأوَّل من القرن الثاني. ومن الرائع حقًّا أن يكون لدينا هذان الشاهدان الأوَّليَّان في ضوء ندرة ما وصل إلينا من أدب تلك الحقبة.
كان إيريناوس، أسقف ليون، هو أوَّل كاتب معروف يستشهد بالرسالة ذاكرًا أنَّ مَن كتبها هو يوحنَّا. ويسجِّل يوسابيوس أنَّ إيريناوس، الذي كان يستمع إلى بوليكاربوس، كصبيٍّ في سميرنا «يذكر أيضًا رسالة يوحنَّا الأولى، مُستخلصًا منها العديد من الشهادات». (التاريخ الكنسيُّ 5. 8). في عمله الشهير، ضدُّ الهرطقات، يقتبس إيريناوس من يوحنَّا الأولى 2: 18-19، ويوضِّح صراحةً أنَّه يقتبس من رسالة يوحنَّا (3. 16. 5)، كما يقتبس يوحنَّا الأولى 4: 1-2 و5: 1 ويحدِّد اقتباسه من رسالة يوحنَّا الرسول (3. 16. 8).
وتذكر اللائحةُ الموراتوريَّة The Muratorian Canon، وهي قصاصات من قائمة لاتينيَّة لأسفار العهد الجديد المعروفة في روما، هذه الرسالةَ وتنسبها إلى يوحنَّا. وكما يبدو جليًّا أنَّها ترجمة لوثيقة يونانيَّة، فإنَّ هذه اللائحة عادةً ما تؤرَّخ رجوعًا إلى فترة ما بين 170 و200 بعد الميلاد. تؤكِّد هذه الشهادات التي أدلى بها إيريناوس واللائحة الموراتوريَّة أنَّه بحلول نهاية القرن الثاني، قُبِلت رسالة يوحنَّا الأولى في الشرق والغرب على حدٍّ سواء باعتبارها ذات سلطةٍ موثوقة وذات أصلِ كتابةٍ يوحنَّاويٍّ. توجد شهادات أخرى على هذه الرسالة في كتابات كليمنضس السكندريِّ (حوالي 155 – 220م)، وترتليان (حوالي 160 – 215/220م)، وأوريجانوس (حوالي 185 – 254م) وكبريانوس (حوالي 200/210 – 258م)، وغيرها. كما يقول دونالد غوثري:
«هذا الدليل كافٍ لإظهار أنَّه منذ العصور الباكرة، لم يتمَّ التعامل مع هذه الرسالة ككتاب مقدَّس فحسب، بل افتُرِضَ أنَّها من الأب اليوحنَّاويِّ، على الرغم من حقيقة أنَّ الكاتب لم يقدِّم أيَّ ادِّعاء محدَّد بهذا المعنى.»[8] من الواضح أنَّ يوحنَّا الأولى، كونها إحدى أحدث أسفار العهد الجديد التي كُتِبت بلا شكٍّ، قد اتَّخذَت مكانةً فوريَّة ودائمة ككتابة موحاة وذات سلطة.
هذه الشهادة القويَّة لأصل الكتابة اليوحنَّاويِّ للرسالة لم تضعُف جرَّاء رفضها من جانب مارسيون، وهو هرطوقيٌّ بارز في منتصف القرن الثاني، ولا من جانب اللالوجوسيِّين (بدعة أنكرت ألوهيَّة الكلمة اللوجوس). لقد رفضها مارسيون، كما فعل مع جميع الأناجيل باستثناء نسخة نقَّحها من إنجيل لوقا، وكذا جميع الرسائل باستثناء رسائل بولس، ليس لأنَّه اعتبرها منحولة، ولكن لأنَّها تعارضت مع آرائه المُعادية لليهوديَّة. رفضت الطائفة المشبوهة في آسيا الصغرى، والتي أطلق عليها أبيفانيوس اسم اللالوجسيُّون «أسفار يوحنَّا» باعتبارها منحولة ونسبوها إلى سيرينثوس Cerinthus، لأنَّ تلك الطائفة لم تثق في التعليم اليوحنَّاويِّ بشأن الكلمة اللوجوس Logos.[9]
2. دليل من داخل الرسالة
الأدلَّة الداخليَّة لها تداعيات تتجاوز الرسالة نفسها. فعند النظر في الأدلَّة الداخليَّة، نبدأ بأيَّة معلومات يمكن التقاطها من الرسالة نفسها عن هويَّة الكاتب. وكرسالة لا يرد بها اسم كاتبها، فهي لا تقدِّم أيَّة معلومات تتعلَّق بالهويَّة الشخصيَّة للكاتب، ولكنَّها تعطينا مادَّة كافية يمكننا من خلالها تصنيفه. فعلاقته بقرَّائه هي علاقة حميميَّة وتمتاز بسلطان معترَف به. في الواقع، كانت علاقته بالقرَّاء معروفة جدًّا لدرجة أنَّه كان من غير الضروريِّ أن يعلن الكاتب عن هويَّته؛ إذ تُعتَبَر العلاقة الحميمة بين الكاتب والقرَّاء أمرًا مفروغًا منه طوال الوقت.
كما يشير وستكوت: «يتكلَّم كاتب الرسالة بسلطان الرسول».[10] لكنَّه لم يقدِّم أيَّة مطالبة محمومة بالسلطان الرسوليِّ؛ فهو لا يشعر أنَّه من الضروريِّ التأكيد على أنَّه يمتلك هذا السلطان. وبدلاً من ذلك، يفترض أنَّ قرَّائه يعترفون ويقبلون مكانته المميَّزة. كما يلاحظ غوثري:
من الواضح أنَّه يتوقَّع ألاَّ يُسمَع فحسب، بل أن يُطاع أيضًا (راجع 4:6 وكذلك الانطباع السائد للرسالة بأكملها). فهو يكتب بعبارات قاطعة، عقائديَّة في أغلب الأمر. فلا يوجد خلاف حول كون ما يقوله حقًّا. وهو يدين الخطأ بمصطلحات صارمة (راجع 2: 1وما تلى، 4: 1 وما تلى) ولا يدع أيَّة فرصة للمساومة.[11]
في الآيات الافتتاحية من الرسالة (1: 1-4)، يدرِج الكاتب نفسه بين أولئك الذين كانوا شهودًا شخصيِّين على الوجود الأرضيِّ للكلمة المُتجسِّد. ويبدو أنَّ استخدامه لضمير المتكلِّم «نحن» بصيَغه المختلفة كان حيويًّا باعتباره تأكيدًا على أنَّه كان واحدًا من مجموعة من شهود العيان الذين رأوا المسيح المتجسِّد، وسمعوه، ولمسوه بشكلٍ شخصيٍّ. شكَّل هؤلاء الشهود العيان مجموعة انتهى بها الأمر أن تكون مميَّزة عمَّن يخاطبهم الكاتب مستخدمًا صيغة المُخاطَب «أنتم» موجِّهًا إليهم ما يكتبه، والانطباع بأنَّ الكاتب يتكلَّم كشاهد عيان يدعمه تأكيده القاطع في 4: 14. يطرح فويِّيه سؤالاً جيِّدًا: «هل يحقُّ لنا أن نستخفَّ بتأكيدٍ مهيب كهذا دون إثباتٍ كافٍ؟»[12] ويقبل ويستكوت أنَّ «القديس يوحنَّا في جميع أنحاء هذا الجزء يستخدم صيغة الجمع باعتباره يتكلَّم باسم الجسد الرسوليِّ الذي كان آخر ممثِّلٍ له على قيد الحياة».[13]
لكن ليس هناك اتِّفاق بين المفسِّرين بشأن المغزى الدقيق لضمائر المتكلِّم لدى الكاتب في هذه المقدِّمة. قد يكون مفهومًا أنَّه يستخدم ديباجة ضمير المتكلِّم بصيغة الجمع في محاولة لتجنُّب لفت الانتباه إلى نفسه وحده. لكن كايستميكر يعتقد أنَّ «ما يُدعى [ديباجة ضمير المتكلِّم بصيغة الجمع] هو تفسير غامض للغاية لا يمكن تطبيقه هنا»[14] أو قد يُنظر إليه على أنَّه يستخدم «ضمير المتكلِّم بصيغة الجمع في إطارٍ وعظيٍّ، والذي فيه يوحِّد المتكلِّم نفسه مع المسيحيِّين بشكلٍ عامٍّ».[15] هكذا يرى دودّ أنَّ الكاتب «لا يتكلَّم فقط عن نفسه أو عن مجموعة حصريَّة، ولكن للكنيسة كلِّها التي تنتمي إليها الشهادة الرسوليَّة».[16]
لكنَّ هذا يعدُّ إضعافًا غير مُبَرَّر للغة الكاتب ويستَدعي خلطًا بين ضمير المتكلِّم وضمير المخاطَب في هذا المقطع. في الواقع «إن كان الكاتب يشير فقط إلى حقيقة التجسُّد التي شاهدها جميع المسيحيِّين آنذاك بشكلٍ عامٍّ، فإنَّ هذا لن يجلب أيَّة مُصادقة على رسالته».[17] ومن بين الآراء الحديثة، يفسِّر ريموند براون استخدام الكاتب لضمير المتكلِّم بصيغة الجمع ليشير لا إلى الرسل مباشرةً، بل إلى «حاملي التقليد والمفسِّرين ممَّن يتمتَّعون بعلاقة خاصَّة مع التلميذ الحبيب في محاولتهم للحفاظ على شهادته.»[18]
إنَّ براون، الذي يدرك تمام الإدراك أنَّ «حاملي التقليد» لا يمكن أن يقال عنهم إنَّهم قد لمسوا المسيح المتجسِّد شخصيًّا بأيديهم، يسعى إلى تخطِّي هذه المُعضلة من خلال الإصرار على أنَّهم «يتساوون في هذه الخبرة المحسوسة بالإنابة فقط».[19]
لكنَّ واحدًا من تلاميذ المسيح الأصليِّين هو فقط من يسعه أن يضمن لقرَّائه بصدق في مواجهة الادِّعاءات الهرطوقيَّة أنَّه قد رأى ابن الله المتجسِّد شخصيًّا، وسمعه ولمسه. كما يشير ستوت:
إنَّ ضمير المتكلِّم بصيغة الجمع يُستخدم ليس فقط في الأفعال التي تصف الخبرة التاريخيَّة، ولكن أيضًا في الأفعال التي تصف الإخبار عنها. الأشخاص الذين يقومون بالإخبار هم الأشخاص الذين خاضوا التجربة. مَن رأوا بأعينهم، وسمعوا بآذانهم، ولمسوا بأيديهم، هم مَن فُتِحَت أفواههم للتكلُّم.[20]
وهكذا، فالبيانات التي يمكن جمعها من الرسالة نفسها تتَّفق مع الأدلَّة الخارجيَّة على أنَّ الكاتب كان هو الرسول يوحنَّا.
3. العلاقة بالإنجيل الرابع
إنَّ أيَّ اعتبار للأدلَّة الداخليَّة المتعلِّقة بأصل كتابة يوحنَّا الأولى، يثير في الوقت نفسه مسألة علاقتها بالإنجيل الرابع، الذي ينسبه التقليد الكنسيُّ الباكر إلى الرسول يوحنَّا.[21] كانت النظرة السائدة داخل العالم المسيحيِّ هي أنَّ كلا السفرين قام بكتابتهما الرجل نفسه، والأدلَّة الداخليَّة تشهد لصالحِ أصلِ كتابةٍ متطابق.
فقائمة العبارات المشتركة لكلا العملَين لافتة للنظر. يسرد بروك، في مناقشته لعلاقتهما بعضهما ببعضٍ، ما لا يقلُّ عن واحد وخمسين إشارة مرجعيَّة في الرسالة تجد لها إشارات موازية في الإنجيل الرابع.[22] تعكس هذه المتوازيات مصطلحات مشتركة بوضوح، ولكنَّها ليست تكرارًا نمطيًّا؛ فهناك اختلافات كبيرة في استخدام التعبيرات المتنوِّعة. ووفقًا لما يشير إليه بروك، يكمن تفسير أوجه التشابه هذه بين إمَّا مُقلِّد أو كاتب يغيِّر عباراته حسب رغبته.[23] والاحتمال الأخير هو الأغلب.
يكشف الإنجيل الرابع ورسالة يوحنَّا الأولى أيضًا عن أوجه التشابه في الأسلوب. ففي كلٍّ منهما، هناك استخدام نادر للأسماء الموصولة، واستخدام متكرِّر للجمل المنفصلة، والاتِّحاد بين التعبير الإيجابيِّ والسلبيِّ عن الأفكار. كما يوجد نطاق محدود من المفردات في كلا السفرين، وهو مطابق إلى حدٍّ ما دون توازٍ في عملين مستقلَّين. الكلمة اليونانية parakletos الباراكليط، على سبيل المثال، تأتي أربع مرَّات في الإنجيل ومرَّة واحدة في يوحنَّا الأولى، لكن لا تأتي في أيِّ مكان آخر في العهد الجديد. تعبير «الابن الوحيد» (monogenes)، كتعبير عن تفرُّد الابن، يأتي في إنجيل يوحنَّا 1: 14 و3: 16 ويوحنَّا الأولى 4: 9. وكلا العملين يستخدمان أداة الطِباق الأدبيَّة، مثل: الحياة والموت، النور والظلام، المحبَّة والبغضة، والحقّ والكذب. هذا التشابه بين السفرين هو أكثر ما يلفت الانتباه عندما نذكر أنَّ طبيعة الإنجيل الرابع هي سرد موضوعيٌّ، في حين أنَّ الرسالة طبيعتها وعظيَّة ودفاعيَّة. إنَّ القبول بأصلِ كتابةٍ مشترك لهذين السفرين يعزِّز إلى حدٍّ كبير الدليل على أصل الكتابة اليوحنَّاويِّ ليوحنَّا الأولى، لأنَّ التقليد ينسب بشكلٍ مؤكَّد الإنجيل الرابع للرسول يوحنَّا.
لكن في القرن العشرين، هاجم بعض المُفسِّرين الجدد بقوَّة وجهة النظر هذه حول أصل الكتابة المُشترَك للإنجيل الرابع ورسالة يوحنَّا الأولى.[24] وبينما يعترف هؤلاء المفسِّرون صراحةً بأوجه التشابه، فإنَّهم يعتقدون أنَّ الاختلافات تفوق أوجه الشبه. وبدلاً من ذلك، يرون أنَّ العملَين ليسا من كتابة الشخص نفسه، بل هما تجميعُ أعضاء بارزين في «المجتمع اليوحنَّاويِّ» ممَّن التمسوا وسعوا للحفاظ على تعليم الرسول يوحنَّا.[25]
يشكِّك البعض في مسألة أصل الكتابة المُشترَك على أساس أنَّ أسلوب التجميع في العملَين مختلف. فيقول دودّ:
في حين أنَّ الإيقاع في كلا العملين بطيء ومنتظم، إلاَّ أنَّه متنوِّع على نحوٍ ماهر في الإنجيل، ضمن الحدود التي يفرضها طابعه العامُّ؛ ولكن في الرسالة، ينحدر الانتظام في كثير من الأحيان، يهبط إلى حدِّ الرتابة. كما تمتاز لغة الإنجيل بالشدَّة، نوع من التوهُّج الداخليِّ، والإثارة المحكومة، وهو الأمر الذي لا يشعر به القارئ، أو نادرًا ما يشعر به، في الرسالة.[26]
يعترف دودّ بأنَّ مثل هذا النقد شخصيٌّ وأنَّ المسائل المتعلِّقة بالأسلوب يتمُّ تقديرها بشكل مختلف من قِبَل أوجه نظرٍ متعدِّدة. ولكنَّ روس يعارض وجهة نظر دودّ بالردِّ قائلاً:
نحتاج فقط أن نقول إنَّنا وجدنا، على نحوٍ ليس بقليل، هذه الشدَّة، وهذا التوهُّج الداخليَّ، في لغة الرسالة، كما هو الحال في لغة الإنجيل، بالإضافة إلى حقيقة أنَّ ردَّ الفعل العقليَّ هذا لم نواجهه على الإطلاق خلال قراءتنا لبقيَّة الرسائل؛ فإنَّ كلَّ هذا يميل إلى إثبات أنَّنا في اتِّصال مع العقليَّة نفسها خلال الإنجيل والرسالة. وإذا كانت القضيَّة بالفعل هي أنَّنا نجد في الإنجيل ثراءَ لغةٍ لا نجده في الرسالة، فلِمَا لا يكون التفسير هو أنَّ الإنجيل قد تمَّت كتابته بعناية أكبر، ككتاب يهدف إلى استعادة قناعة الحقِّ المسيحيِّ للعقول المتشكِّكة، في حين أنَّ الرسالة، إذ كُتِبَت لمؤمنين، قد أُصِيغت بقدر أكبر من الحريَّة وبساطة اللغة.[27]
اعترض بعض النقَّاد على أصل الكتابة الرسوليِّ ليوحنَّا الأولى على أساس «ضعف» مزعوم بالرسالة، كما يتَّضح من الاستخدام الشائع للتكرار. أي أنَّ هناك تكرارًا في الرسالة، أكبر ممَّا في الإنجيل الرابع، يفوق ما قد يكون مسموحًا به. لكنَّ الفحص الدقيق سيكشف أنَّ هذه التكرارات المزعومة تؤدِّي دائمًا إلى تقدُّم في خطِّ الأفكار. قد يرجع هذا التكرار في الأفكار إلى كِبَر سنِّ الكاتب، كما قيل، لكن يجب ألاَّ تخدعنا هذه النقطة فنعتقد بأنَّ خطَّ الفكر الأساسيِّ ليس ذا قيمة كبيرة.
لكن حتَّى إذا سلَّمنا بأنَّ أسلوب الكاتب قد يكون علامة على كِبَر سنِّه، فإنَّ هذه الحقيقة لن تقدِّم حجَّة ضدَّ الرأي التقليديِّ بشأن أصل الكتابة، لأنَّه من المسلَّم به أنَّ لا بدَّ للرسول يوحنَّا من أن يكون في سنٍّ متقدَّمة جدًّا عندما كتب الرسالة.
تقدَّم براون بطرحٍ يقول: «هناك اختلاف واضح بين العملين من حيث وضوح التعبير» وهو يتمسَّك بأنَّ «الغموض الموجود في الرسالة بشكلٍ أكبر هو حجَّة على وجود فرق بين أصل الكتابتين».[28]
وبينما لا يخلو الإنجيل الرابع من الصعوبات التفسيريَّة الخاصَّة به، إلاَّ أنَّه من المعروف أنَّ يوحنَّا الأولى تحتوي على حصَّتها الواجبة من الغموض والإبهام. ولكن في الرسالة، الموجَّهة إلى القرَّاء الذين التزموا بالكرستولوجيا الرسوليَّة، فإنَّ مثل هذا الغموض سيصبح هامًّا ومحفِّزًا. فحقيقة أنَّ الرسالة كانت موجَّهة إلى قرَّاء كانوا على دراية بتعاليم الكاتب، فضلاً عن حقيقة أنَّ العمل كان مدفوعًا بشعور من الإلحاح في ضوء الأزمة التي تواجه القرَّاء، من شأن هذا كلِّه أن يساعد على تبرير هذا الغموض في التعبير.
يؤكِّد المدافعون عن اختلاف أصل الكتابة بين الرسالة والإنجيل أنَّ الآفاق اللاهوتيَّة للإنجيل والرسالة تتعارض بعضها مع بعضٍ. فيؤكِّدون، على سبيل المثال، أنَّ وجهة النظر الاسخاتولوجيَّة (الأخرويَّة) للرسالة هي أكثر بدائيَّة من تلك الموجودة في الإنجيل الرابع. إذ يُعتَقَد أنَّ الرسالة تتبنَّى إمكانيَّة مجيء المسيح ونهاية العالم (2: 17، 28) في حين أنَّ الإنجيل الرابع يقدِّم إعادة تفسير عميقة لعلم الأخرويَّات من خلال تقديم الدينونة كأمر يحدث في الحاضر لا في المستقبل (3: 18) ناظرًا إلى مجيء المسيح بوصفه حادثًا حاضرًا في اختبار كلِّ مؤمن (14: 18). لكنَّ هذا التوكيد خاطئ. يتكلَّم الإنجيل الرابع أيضًا عن دينونة نهائيَّة وشاملة (5: 29)، ويشير إلى «الْيَوْمِ الأَخِيرِ» (6: 39، 40، 44، 54؛ 11: 24)، ويتمسَّك بعودة شخص المسيح. (21: 22-23) وكما يشير بورديك: «إنَّ تفسير يوحنَّا 5: 28، 29 قسرًا وحصرًا في إطار الأخرويَّات المُحقَّقة Realized Eschatology، هو بمثابة تجاهل للمعنى الطبيعيِّ لمِا صرَّح به المسيح. فالأخرويَّات هنا هي بدائيَّة مثلها مثل التي في يوحنَّا الأولى 3: 2.»[29]
يُزعَم أيضًا أنَّ «هناك فرقًا حقيقيًّا في مفهوم المُعَزِّي (الشفيع)، الذي تمَّ تحديده في الرسالة (2: 1) على أنَّه يسوع المسيح باعتباره البارَّ، في حين أنَّ في الإنجيل، يرسل يسوعُ المعزِّي أو أنَّه هو نفسه (مُعَزٍّ) آخر على الأكثر.»[30] لكن لا يوجد تناقض هنا. ففي الإنجيل، يشير يسوع إلى الروح القدس بوصفه «مُعَزِّيًا آخَرَ» (14: 16).
وبهذا يدلُّ على شخصيَّته هو نفسه بوصفه معزِّيًا. يعتمد هذا الاعتراض على الاستخدام المجرَّد للكلمة بدلاً من معناها في سياقها. يدعم براون بالمثل أصلاً مختلفًا للكتابتين من خلال التأكيد على أنَّ الإشارة إلى الروح أقلُّ تحديدًا بكثير في رسالة يوحنَّا الأولى منها في الإنجيل الرابع وملاحظاته تقول: «إنَّ المعالجة المُقدَّمة بشأن روح الحقِّ إلى جانب روح الضلال في يوحنَّا الأولى 4: 1-6 غامضة بشكل غريب فيما يختصُّ بالطبيعة الشخصانيَّة للروح».[31] ومع ذلك، تُقدِّم يوحنَّا الأولى 5: 8 الروح على أنَّه يقوم بالعمل الشخصانيِّ في تقديم الشهادة، وتعترف الرسالة في 2: 20، 27 بالمصطلح الذي يبدو أنَّه غير شخصانيٍّ «المَسحَة» بوصفه يشير إلى نشاط الروح الشخصانيِّ في التعليم. وأيضًا عمل الروح الساكن الذي يتمُّ تصويره في يوحنَّا الأولى 3: 24 و4: 13 يتماشى مع العرض التقديميِّ لعمل الروح في خطاب المسيح الوداعيِّ في الإنجيل.
وممَّا تمسَّك به النقَّاد هو أنَّ القارئ يلاحظ تعديلاً لفكرة الإيمان بين السفرين. وكذا يقول موفات: «بينما يعني الإيمان في الإنجيل إقبال أحدهم إلى الحقِّ والنور الإلهيِّ في المسيح، أو قبول كلمات يسوع في القلب. إلاَّ أنَّ كاتب الرسالة، رغم أنَّه بعيد عن كونه عقلانيًّا، يميل إلى جعل الإيمان اعترافًا بيسوع بوصفه ابنَ الله (2: 23 ؛ 4: 2-3؛ 5: 1).»[32] لكن في الإنجيل الرابع، هناك أيضًا إصرار مساوٍ على ضرورة قبول ألوهيَّة المسيح (راجع 5: 17، 39-40؛ 8: 23 - 24، 55-58). ومع ذلك، فإنَّ التطوُّر الكامل للإيمان الكريستولوجيِّ، مدفوعًا بالانحرافات الهرطوقيَّة المتأخِّرة، ليس له مكان بالطبيعة في الإنجيل الذي يتعامل مع فترة كان يتمُّ فيها تقديم هذا الإيمان وترسيخه لأوَّل مرَّة.
مرَّة أخرى، يُقال إنَّ الرسالة تُقدِّم موت المسيح على أنَّه موتٌ استرضائيٌّ (٢: ١-٢)، بينما يغيب العنصر الاسترضائيُّ في الإنجيل. من المسلَّم به أنَّ الإنجيل لا يستخدم الكلمات الدالَّة على الاسترضاء مثل «كفَّارة» كما تفعل الرسالة (2: 2؛ 4: 10)، ولكنَّ الفكرة الأساسيَّة موجودة، وإن لم تكن في الشكل المتطوِّر الموجود بالرسالة. كما أنَّ المفهوم متوغِّل في عبارة «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!» (1: 29). هذا المفهوم كامنٌ في التعليم الذي يقدِّمه الإنجيل الرابع بأكمله. ومع ذلك، فلو كان الكاتب قد وضع كلَّ تعبيراته اللاهوتيَّة الخاصَّة على فم ذاك الذي يجاهر الكاتب بأنَّه مكلَّف بنقل تعليمه، فإنَّ هذا كان ليُعَدَّ مفارقة تاريخيَّة!
إنَّ محاولات إثبات وجود أصل كتابةٍ ثنائيٍّ لهذين السفرين ليست مُقنِعة. إذ أنَّ هناك اختلافات واضحة بينهما، لكنَّ هذه الاختلافات لا تلغي أوجه التشابه الملحوظة. إنَّ هذه الاختلافات تُظهِر فقط أنَّ الكاتب كان رجلاً ذا براعة كافية لتنويع عباراته ومفاهيمه وفقَ ما تقتضي المناسبة. بالكاد يمكن للمقلِّد الماهر أن يجمع بين عناصر التشابه والاختلاف بهذه الطريقة. بعد دراسة متأنِّية للاختلافات بين الكتابين، يخلص بروك إلى أنَّه «لا توجد أسباب كافية لتنحِيَة وجهة النظر التقليديَّة التي تنسب الرسالة والإنجيل إلى أصل كتابة واحد. فهي تظلُّ التفسير الأكثر احتمالاً للحقائق التي نعرفها.»[33] ويختتم بورديك مناقشته المطوَّلة حول أصل كتابة يوحنَّا الأولى بالنتائج التالية: «في ضوء التدفُّق الحاليِّ والرؤية الجديدة التي طرأت بشأن الإنجيل الرابع، فإنَّه ليس من غير المعقول أن يستنتج أحد اللاهوتيِّين المُحافظين أنَّ الحجج تخدم لصالح أن يكون يوحنَّا الرسول بلا شكٍّ هو كاتب كلٍّ من الإنجيل الرابع والرسالة الأولى.»[34] إنَّنا نقبل دون تردُّد وجهة النظر التقليديَّة بأنَّ الرسول يوحنَّا كان كاتب كلٍّ من الإنجيل والرسالة الأولى.
4. خدمة يوحنَّا في أفسس
إنَّ القبول بأصل الكتابة اليوحنَّاويِّ لرسالة يوحنَّا الأولى يثير في الوقت نفسه مشكلة سنوات يوحنَّا الأخيرة. إذ يختفي الرسول يوحنَّا من قصَّة سفر أعمال الرسل بعد الإصحاح الثامن. وفي رسائل بولس، يتمُّ ذكره فقط في رسالة غلاطية ٢: ٩. هل تتوافق المعلومات الموجودة حول المراحل الأخيرة من حياة يوحنَّا مع الرأي القائل بأنَّه كاتب هذه الكتابات؟
وفقًا للتقليد المسيحيِّ المتواتر، أمضى يوحنَّا السنوات الأخيرة من حياته الطويلة في أفسس، حيث أجرى منها خدمة إنجيليَّة ورعويَّة واسعة النطاق في المناطق المحيطة. المدافع المسيحيُّ يوستينوس الشهيد (حوالي 100-165م) يكتب في كتابه حوار مع تريفون (الفصل 81): «كان هناك رجل معيَّن، اسمه يوحنَّا، أحد رسل المسيح، وهو تنبَّأ، من خلال ما أُوحِيَ به إليه، أنَّ أولئك الذين آمنوا بمسيحنا سوف يسكنون ألف سنة في أورشليم.» يوسابيوس في تاريخه الكنسيِّ (4. 18) يخبرنا أنَّ هذا الحوار جرى في أفسس.
يحمل إيريناوس (حوالي 140-203م)، أسقف ليون في بلاد الغال والذي يبدو أنَّه ولِد في آسيا الصغرى، شهادةً صريحة على إقامة يوحنَّا في أفسس. في عمله الشهير ضدُّ الهرطقات، يتحدَّث عن شهادة «جميع الشيوخ ... الذين كانوا على دراية بيوحنَّا في آسيا، تلميذ الربِّ»، ثمَّ يضيف أنَّ يوحنَّا «بقي بينهم حتَّى زمن تراجان». (2. 22. 5). كما يقول: «بعد ذلك، قام يوحنَّا، تلميذ الربِّ الذي كان يستند إلى صدره أيضًا، بنشر إنجيلٍ في أثناء بقائه في أفسس في آسيا.» (3. 1. 1).
يقول بوليقراط أسقف أفسس من كان على قيد الحياة عام 190م، في رسالته إلى فيكتور، أسقف روما (المتوفَّى عام 198م): «علاوةً على ذلك، رقد يوحنَّا، مَن استند إلى صدر الربِّ وكان قسًّا يحمل صحن الذهب وكذلك شهيدًا ومعلِّمًا، في أفسس.» (يوسابيوس، التاريخ الكنسيُّ 5. 24). يقتبس يوسابيوس أيضًا من كليمنضس السكندريِّ (حوالي ١٥٥-٢٢٠) متكلِّمًا عن يوحنَّا:
«عندما عاد، بعد وفاة الطاغية [أي وفاة الإمبراطور دوميتيان]، من جزيرة بطمُس إلى أفسس، ذهب بعيدًا إلى مقاطعات الأمم المجاورة بناءً على دعوتهم، لرسامة أساقفة في بعض الأماكن، وإلى أماكن أخرى من أجل تنظيم كنائس بأكملها، ثمَّ إلى أماكن أخرى ليختار للخدمة بعضًا ممَّن أفرزهم الروح.» (التاريخ الكنسيُّ 3. 23).
يمكن الاستشهاد بدليل آخر على نفس المعنى من أوريجانوس وأبولونيوس. يلخِّص بلامر الأدلَّة على إقامة يوحنَّا في أفسس قائلاً:
«كانت إقامة القدِّيس يوحنَّا في أيامه الأخيرة بآسيا الصغرى -حاكمًا [كنائس آسيا] من أفسس كمكان إقامته المعتاد- هي الاعتقاد الجمعيُّ لدى العالم المسيحيِّ في القرن الثاني والثالث، وليس هناك سبب كافٍ للشكِّ في حقيقة هذا... فإقامة القدِّيس يوحنَّا هناك تنسجم بشكل مثير للإعجاب مع محتويات هذه الرسائل.»[35]
أولئك الذين يرفضون أصل الكتابة الرسوليَّ للإنجيل الرابع والرسالة الأولى، يجدون أنَّه من الضروريِّ التشكيك في هذا التقليد. وهجومهم على تقليد إقامة يوحنَّا في أفسس يمتدُّ بطول خطَّين. هناك أوَّلاً حجَّة من صمت Argument from silence. يشير النقَّاد إلى أنَّه لا يوجد في العهد الجديد ما يشير إلى أنَّ الرسول يوحنَّا ذهب إلى آسيا. من الواضح أنَّ سفر أعمال الرسل ورسائل بولس لا توجد بها تلك الإشارة، لكنَّ تاريخ إقامة يوحنَّا في أفسس يأتي بعد زمن كتابة تلك الأسفار. أمَّا بالنسبة لأولئك الذين يقبلون الرأي التقليديَّ بشأن أصل كتابة رسائل يوحنَّا ورؤياه، فمن الواضح أنَّ الكتاب المقدَّس يقدِّم مثل هذه الأدلَّة. والأخطر من ذلك هو صمت أغناطيوس (حوالي 98-116م وقد مات شهيدًا) الذي لم تذكر رسائله إلى مختلف الكنائس الآسيويَّة أيَّة إشارة إلى الرسول يوحنَّا، وهي التي كُتبت في غضون عشرين عامًا تقريبًا من التاريخ المُفترض لوفاة الرسول يوحنَّا. حتَّى في رسالته إلى أفسس، يصمت عن ذِكر يوحنَّا، رغم أنَّه يذكر بولس.[36] هذا الصمت لافت للنظر؛ وسبب عدم ذِكر أغناطيوس ليوحنَّا برغم إقامة يوحنَّا في أفسس غير معروف. ومع ذلك، قد تكون الحجَّة السلبيَّة من الصمت خادعة ولا تُفيد إلاَّ قليلاً في مقابل شهادة قويَّة على عكس ذلك. الخطُّ الثاني في الهجوم على تقليد خدمة يوحنَّا في أفسس هو افتراض تاريخ باكر لاستشهاده. يحاجُّ بعض العلماء أنَّ هناك أدلَّة كافية لإثبات أنَّ يوحنَّا استشهد بالفعل في سنٍّ باكرة؛ ومن هنا فإنَّ تقليد إقامته الطويلة في أفسس لا بدَّ أنَّه على خطأ. يقدِّم موفات ثلاثة أوجه من الأدلَّة لدعم هذا الرأي.[37]
يلفت المدافعون عن هذا الموقف الانتباهَ إلى نبوَّة يسوع بأن يشرب ابنا زبدي من الكأس التي شربها (متَّى 20: 23؛ مرقس 10: 39). في نظر 14: 36 يقال إنَّ نبوءة يسوع تنطوي على استشهاد كليهما؛ بل ويقترح حتَّى أنَّ يوحنَّا تُوُفيَ بالفعل في نفس الوقت الذي توفي فيه أخوه يعقوب (أعمال الرسل ١٢: ٢). لكنَّ مثل هذا التاريخ الباكر لموت يوحنَّا يتعارض بشكل مباشر مع تصريح بولس في غلاطية 2: 9، إلاَّ إذا تبنَّينا الفرضيَّة غير المحتملة أنَّ يوحنَّا المذكور هناك هو يوحنَّا مرقس. إنَّ صمت العهد الجديد عن أيِّ ذكرٍ لاستشهاد يوحنَّا يمثِّل عقبة خطيرة أمام هذا الخلاف. فالتقليد الراسخ بشأن إقامة يوحنَّا في أفسس يضادُّ هذا. لكنَّ نبوَّة يسوع لا تتطلَّب مثل هذا التفسير الصارم والحرفيِّ. فمن المؤكَّد أنَّه يمكن قبول الاضطهاد الذي تعرَّض له يوحنَّا كنوع من التحقيق لكلام يسوع.
لدعم هذا الموقف، يستشهد العلماء أيضًا بشهادة بابياس بأنَّ يوحنَّا «قُتلَ من قِبَل اليهود». قدَّم هذا الاقتباس جورج هامار تولوس George Hamartolos، وهو راهب بيزنطيٌّ من القرن التاسع، نقلاً عن الكتاب الثاني لبابياس. تقول قصَّة تاريخيَّة من تأليف فيليب الذي من مدينة سايد في بمفيليَّة في القرن الثامن: «يقول بابياس في كتابه الثاني إنَّ يوحنَّا اللاهوتيَّ ويعقوب أخاه قد قُتِلا على يد اليهود.» لا يمكن أن يكون هذا اقتباسًا دقيقًا عن بابياس لأنَّ «يوحنَّا اللاهوتيُّ» هو لقب مستحدث، كما أنَّ سمعة فيليب لا تخدم كونه مؤرِّخًا دقيقًا على وجه الخصوص. بالتأكيد، قد يكون بابياس قد أدلى بتصريحٍ بهذا المعنى، لكنَّه ربَّما استخدم الكلمة «شهيد Martyr» بمعناه الأوسع «للشهادة Witness»، أو ربَّما كانت كلماته تشير في الأصل إلى استشهاد يوحنَّا المعمدان. ولكن يبدو من غير المحتمل أن تُثبِت هذه الكلمات الاستشهاد الفعليَّ للرسول يوحنَّا. «يرفض العديد من العلماء اعتماد الأدلَّة الواردة بهذه القصاصات، بما في ذلك هارناك الذي لا يُعدُّ رأيه مهمًّا في هذه المسألة لأنَّه ينكر أنَّ القديس يوحنَّا عاش في أفسس».[38]
يذكر المدافعون عن الاستشهاد الباكر أدلَّة من التقاويم القديمة. يحتفل أحد التقاويم السريانيَّة من القرن الرابع في 27 ديسمبر (كانون الأوَّل) بالشهيدين «يوحنَّا ويعقوب الرسولين في أورشليم». بينما نقرأ في تقويمٍ قرطاجيٍّ من القرن السادس عن نفس التاريخ: «يوحنَّا المعمدان ويعقوب الرسول»، ولكن يبدو أنَّ هذا خلطٌ بين الأشخاص لأنَّ هذا التقويم نفسه يسجِّل ذكرى يوحنَّا المعمدان يوم 24 يونيو (حزيران). لذلك على أساس التقويم السريانيِّ والشهادة الواضحة لاستشهاد شخص اسمه «يوحنَّا» في التقويم القرطاجيِّ، فإنَّ مؤيِّدي نظريَّة الاستشهاد الباكر يحاجُّون بأنَّ يوحنَّا قد تعرَّض بالفعل إلى الاستشهاد. ولكن قد يكون الاحتمال الأكثر أنَّ هذه التقاويم تتكلَّم عن القديس يوحنَّا كشهيد بمعنى فضفاض، لأنَّها تصف أيضًا القديس استفانوس كرسول.
لا يستقرُّ أيٌّ من الأدلَّة المستخدمة لدحض وجهة النظر التقليديَّة بأنَّ يوحنَّا عاش في أفسس على أرض صلبة بما يكفي، ويبدو أنَّه لا يوجد سبب مقنع لتشويه سمعة التقليد الراسخة فيما يتعلَّق بتلك الإقامة في أفسس. كما يبدو أنَّ حقيقة بقاء يوحنَّا على قيد الحياة حتَّى سنِّ الشيخوخة تكمن وراء العبارة الموجودة في يوحنا 21: 20-23 بكلِّ تأكيد. وبدونها، فإنَّ ذلك التقرير المتواتر القائل بأنَّ يوحنَّا لن يموت سيصبح بلا تفسير.
5. يوحنَّا الشيخ
إنَّ شخصيَّة «يوحنَّا الشيخ» كشخص متميِّز عن يوحنَّا الرسول تلوح في الأفق في أيِّ نقاش حديث بشأن أصل كتابة الأدب اليوحنَّاويِّ. إذ يرى معارضو النظرة التقليديَّة عمومًا أنَّ التقليد قد خلط بين رجلين لهما الاسم نفسه. فهم يعتقدون أنَّ يوحنَّا الرسول قد اختلط خطأً بيوحنَّا آخر، مقيم في آسيا، والذي ربَّما كان الكاتب الحقيقيَّ للإنجيل والرسائل.
الدليل الوحيد على الوجود الفعليِّ ليوحنَّا الثاني، الذي اعتبره رينان «ظلاًّ خُلِط خطأً بالواقع».[39] يعتمد على التفسير الذي وضعه يوسابيوس على بعض الكلمات التي نقلها عن بابياس. يقول المقطع لدى بابياس هكذا:
إلى جانب تفسيراتي، لن أتردَّد أيضًا في أن أضع أمامك كلَّ الأشياء التي تعلَّمتُها بعناية في أيِّ وقت من الشيوخ أيًّا كانت، وهي التي أذكرها جيِّدًا، متعهِّدًا بالإبقاء على ما فيها من حقٍّ.. لذا، إذا جاء أحدهم، ممَّن كان من أتباع الشيوخ، فإنِّي قد استجوبتُه فيما يتعلَّق بكلمات الشيوخ، أي ما قاله (في زمن الماضي) أندراوس أو ما قاله بطرس، أو ما قاله فيليبُّس، أو توما، أو يعقوب، أو يوحنَّا، أو متَّى، أو أيُّ شخص آخر من تلاميذ الربِّ، أو الأشياء التي يقولها (في زمن المضارع) أرسطون والشيخ يوحنَّا، تلميذ الربِّ. لأنَّني لم أكن أعتقد أنَّ ما يمكن الحصول عليه من الكتب بوسعه أن ينفعني بقدر ما جاء من الصوت الحيِّ والدائم. (التاريخ الكنسيُّ 3. 39).
يعلِّق يوسابيوس على هذا المقطع قائلاً:
تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ اسم يوحنَّا يرد ذكره مرَّتين [من قِبَل بابياس]. فأوَّل واحد يذكره بالارتباط مع بطرس ويعقوب ومتَّى وبقيَّة الرسل، وهذا يعني بوضوح البشير يوحنَّا؛ لكنَّ يوحنَّا الآخر يُذكَر بعد فاصل، ويضعه [بابياس] ضمن آخرين خارج عدد الرسل، ويضع أرسطون قبله، ويصفه بوضوح بأنَّه شيخ. وهذا يدلُّ على أنَّ ما صرَّح به أولئك صحيحٌ، ممَّن يقولون أنَّه كان هناك شخصان في آسيا يحملان نفس الاسم، وأنَّ هناك قبرَين في أفسس، وكلٌّ منهما يسمَّى باسم يوحنَّا حتَّى يومنا هذا (3. 39).
بكلِّ تأكيد، تحتمل كلمات بابياس تفسيرَين. أحد التفسيرين، والذي تبعه يوسابيوس، يشير إلى أنَّه ذكر فردين مختلفين بالاسم نفسه «يوحنَّا»؛ يرى التفسير الآخر أنَّه ذكر نفس الشخص المُسمَّى يوحنَّا مرَّتين، وفي كلِّ مرَّة كان يشير إلى الرسول يوحنَّا. أدَّى هذا الغموض إلى تقسيم الرأي العلميِّ حول الوجود الفعليِّ للشخص الثاني المُسمَّى يوحنَّا في أفسس.
هل كان يوسابيوس مُحقًّا في تفسيره لوجود شخصين بنفس الاسم يوحنَّا في أفسس؟ تجدر الإشارة إلى أنَّه كانت لديه مصلحة لاهوتيَّة في صياغة كلمات بابياس على هذا النحو. فقد أتاح له هذا الفرصة التي يرغب فيها للتخلُّص من أصل الكتابة الرسوليِّ لسفر الرؤيا، الذي لم يعجبه بسبب استخدامه من قِبَل المؤمنين بالملك الألفيِّ، وهو شعور يشاركه فيه ديونيسيوس السكندريُّ. إذ يبدو أنَّه تعلَّم هذا التفسير من ديونيسيوس، أسقف الإسكندريَّة (توفيَ حوالي ٢٦٤م)، وقد أبقى على شهادته في عمله التأريخيِّ. (التاريخ الكنسيُّ 7. 25). واجه ديونيسيوس صعوبة في فهم سفر الرؤيا واعتقد أنَّ يوحنَّا الرسول لم يكتبه. كان يدرك أنَّ يوحنَّا مرقس لن يخدم أهدافه في العثور على يوحنَّا آخر في أفسس، لكنَّه أضاف «أعتقد أنَّ هناك شخصًا آخر بعينه [أي يوحنَّا آخر من بين الموجودين في آسيا، حيث قيل إنَّه كان هناك قبران في أفسس، وأنَّ كلاًّ من الاثنين يقال إنَّه ليوحنَّا.» (التاريخ الكنسيُّ 7. 25). قَبِلَ يوسابيوس هذا الاقتراح من ديونيسيوس وسعى لدعم تفسيره لكلمات بابياس الغامضة بملاحظة أنَّ بابياس كان «رجلًا محدود الذكاء جدًّا» بسبب آرائه الألفيَّة (3. 39). ولكن لم يكن يوسابيوس منصفًا لبابياس إلى حدٍّ بعيد في تفسيره عندما قال إنَّ بابياس أطلق على يوحنَّا الثاني اسم «شيخ». إذ لم يصفه بابياس بـ «شيخ» بل «الشيخ» بالتعريف، وقد يكون ذلك مختلفًا تمامًا. كما أنَّه يتجاهل حقيقة أنَّ يوحنَّا المذكور ثانيًا يحظى بالتسمية نفسها التي ليوحنَّا المذكور في الفقرة الأولى، باعتباره واحدًا من «الشيوخ» و«تلميذًا للربِّ». وبهذا يعطي يوسابيوس معنيَين مختلفين للمصطلحين «الشيخ» أو «المُسنُّ» في نفس الجملة، وهو ما يبدو أمرًا غير محتمل للغاية. كما أنَّه يتجاهل أهميَّة التغيير في الزمن بين «قالها» في زمن الماضي، وبين «يقولها» في زمن الحاضر كما يُظهِر الأصل اليونانيُّ للاقتباس. وهكذا، فإنَّ يوسابيوس قد قادته مصلحته النازعة للنقد إلى تشويه تصريح إيريناوس بأنَّ بابياس «كان مُستمعًا ليوحنَّا» الرسول (التاريخ الكنسيُّ 3. 39). عندما كتب يوسابيوس كتابه الأوَّل عن التاريخ، المُسمَّى الأخبار Chronicon، كانت لديه جميع كتابات بابياس السابقة له، وفيها لاحظ بلا شكٍّ أنَّ بابياس كان تلميذًا للرسول. ولكن عندما كتب تاريخه الكنسيَّ، أدَّت مخاوفه النقديَّة إلى استنتاجٍ مفاده أنَّ بابياس لم يكن سوى تلميذ يوحنَّا «الشيخ»، لا الرسول. لم يصرِّح يوسابيوس بأنَّه يعرف شيئًا عن يوحنَّا الثاني هذا، ولكنَّه تبنَّى ببساطة تخمينَ ديونيسيوس المبدئيَّ بوجود رجلين مختلفين يدعيان يوحنَّا في أفسس. ولا تثبت الإشارة إلى المقبرة في أفسس وجودَ رجلين باسم يوحنَّا؛ بل يمكن أن يمثِّل هذا زعمين متنافسَين حول مكان دفن يوحنَّا. فإيريناوس، الذي كان على علم أيضًا بكتابات بابياس، لم يذكر يوحنَّا الثاني في أفسس. يلخِّص زان رأيه في التفسيرين قائلاً: «يمكننا أن نطمئنَّ للقول بأنَّ [يوحنَّا الشيخ] هو نتاج التفسير النقديِّ الضعيف لدى يوسابيوس.»[40]
من الواضح أنَّ بابياس كان مهتمًّا بجمع شهادات شهود العيان لتلاميذ الربِّ ذوي القيمة التاريخيَّة. فذكر أوَّلاً جمع المعلومات من الأفراد الذين عرفوا واستمعوا شخصيًّا إلى أفراد مختلفين من تلاميذ يسوع، مُستنبطًا ما قاله (في زمن الماضي) هؤلاء التلاميذ؛ ثمَّ ذكر ما يقوله (في زمن الحاضر) تلميذا الربِّ أرسطون ويوحنَّا الشيخ. وهذا أعطاه ميزة سماع الصوت الحيِّ لأولئك الذين ما زالوا على قيد الحياة. وبما أنَّ يوحنَّا قد عاش أكثر من جميع الرسل الآخرين على ما يبدو، فقد كان لا يزال على قيد الحياة وعلى استعداد للإدلاء بشهادته لبابياس بشكلٍ شخصيٍّ خلال سنوات بابياس الأولى.
6. الخلاصة بشأن أصل الكتابة
من المؤكَّد أنَّ مسألة أصل كتابة يوحنَّا الأولى تعاني عديدًا من المشاكل والصعوبات المحيِّرة. ومع ذلك، نعتقد أنَّ النظرة التقليديَّة القائلة بأنَّ يوحنَّا الرسول هو كاتب يوحنَّا الأولى هي أفضل تفسير لجميع الأدلَّة الخارجيَّة والداخليَّة. يجد الكثيرون اليوم أنَّ فرضية «المدرسة اليوحنَّاويَّة»، التي حافظت على التقليد المنبثق عن الرسول يوحنَّا وعزَّزته، هي فرضيَّة جذَّابة ومقبولة. وفي حين أنَّ باركر يؤمن بأنَّ «أصل الكتابة الواحد هو التفسير الأبسط لتاريخ الكتابة»، إلاَّ إنَّه يؤكِّد أنَّه «إذا تمَّ اقتراح كاتب آخر، فإنَّ هذا يتطلَّب وجود شخص لديه وجهة نظر مشابهة تمامًا لوجهة نظر كاتب الإنجيل إلى درجة أنَّه يحدِث اختلافًا بسيطًا في النهاية سواء أكان المرء يؤمن بنظريَّة الكاتب الواحد أو اثنين من الكُتَّاب.»[41] ومع ذلك فإنَّنا نؤيِّد حكم غوثري: «على الرغم من كلِّ التأكيدات المعاكسة لذلك، يجب الاعتراف بأنَّ هذه النظريَّات البديلة لا تقدِّم تفسيرًا كافيًا للتقدير البالغ الذي حظِيَت به الرسالة كشهادة تقليديَّة».[42]
هويَّة قرَّاء رسالة يوحنَّا الأولى
إنَّ أيَّة معلومات حول القرَّاء الأصليِّين ليوحنَّا الأولى يجب أن تنبع من محتويات الرسالة نفسها. إذ يمكن استنتاج أنَّ المستلِمين للرسالة كانوا في الأساس ممَّن اهتدوا من الوثنيَّة من حقيقة أنَّ الرسالة لا تحتوي على اقتباسات مباشرة من العهد القديم، ولكنَّها تحمل تحذيرًا واضحًا من عبادة الأصنام (5: 21). وإن كانت هذه الخصائص تتوافق مع الأصل الأمميِّ للقرَّاء، إلاَّ أنَّها لا تثبت الخلفيَّة الإثنيَّة للقرَّاء بقدر ما تقدِّم وصفًا للكاتب. فالأدلَّة الضئيلة ترجِّح الأصل الأمميَّ لمعظم القرَّاء؛ ومع ذلك، فمن المحتمل جدًّا أنَّ هؤلاء الذين خاطبتهم الرسالة شملوا أيضًا المؤمنين من بين يهود الشتات.
بل تُظهِر محتويات السفر أنَّه على الأقلِّ كان بعض الذين تمَّت مخاطبتهم مسيحيِّين لفترة طويلة وتقدَّموا في معرفتهم بالحقِّ المسيحيِّ.
إذ يعلن الكاتب مرارًا وتكرارًا أنَّه لم يقدِّم شيئًا جديدًا لهم فيما يتعلَّق بالعقيدة أو الوعظ والنُصح (2: 7، 18، 20، 21، 24، 27؛ 3: 11). لا يوجد أيُّ تلميح إلى أنَّ الكاتب قد شارك في تبشيرهم الأصليِّ؛ بل يشير إلى ما سمعوه «مِنَ الْبَدْءِ» (2: 7، 24). ومع ذلك، يكتب إليهم باعتباره شخصًا تعرَّف إليهم عن كثب لفترة طويلة وكان نشيطًا في وسطهم كمعلِّم وقائد مُعتَرَف به.
يعتقد البعض أنَّ الرسالة كانت موجَّهة إلى رعيَّة محليَّة. وقد اقترحوا أنَّها أفسس أو كورنثوس. إلاَّ أنَّ الرسالة لا تحتوي على أيِّ دليل جغرافيٍّ دقيق لتحديد موقع القرَّاء. في ضوء التقاليد حول خدمة يوحنَّا في آسيا وحقيقة أنَّ الشهادات الباكرة حول الرسالة تأتي من تلك المقاطعة، فيبدو من الطبيعيِّ للغاية تحديد موقع القرَّاء هناك. فنطاق خدمة يوحنَّا الأسيويَّة، بالإضافة إلى غياب كلِّ ما هو محليٌّ في هذه الرسالة، يؤدِّي إلى الاستنتاج بأنّه تمَّ توجيهها إلى مجموعة من الرعايا التي كانت تحت نِظارة للكاتب. يتوافق هذا الاستنتاج مع طبيعة علاقة الكاتب بالقرَّاء وكذلك مع العقيدة الخاطئة التي يحاربها الكاتب في الرسالة. وهكذا، بالمعنى الدقيق للكلمة، فإنَّ يوحنَّا الأولى ليست رسالة جامعة موجَّهة إلى الكنيسة ككلٍّ، ولكن تمَّ توجيهها إلى مجموعة من الكنائس داخل نطاق معارف يوحنَّا. الرأي القائل بأنَّ الرسالة كانت موجَّهة إلى البارثيِّين، على الرغم من أنَّ هذا الرأي يحمل ثقل اسم أوغسطينوس، فهو لا يمكن قبوله على أنَّه صحيح. فلا يوجد كاتب آخر، ممَّن سبقوه أو عاصروه. يقدِّم أيَّ دعم لهذا الرأي؛ وقد قدَّم العلماء تخمينات متنوِّعة فيما يتعلَّق بأصل هذا الرأي.[43] ربَّما نشأ ذلك من خللٍ بالنصِّ الذي كان بحوذة أوغسطينوس.
المناسبة الداعية لكتابة يوحنَّا الأولى
السبب الأساسيُّ لكتابة يوحنَّا الأولى كان هو اهتمام المؤلِّف العميق بالرخاء الروحيِّ للقرَّاء. لا توجد إشارة واضحة إلى الاضطهاد في الرسالة؛ فكلمات التعزية لأولئك الذين يعانون بسبب إيمانهم المسيحيِّ، مثل تلك الموجودة في رسالة بطرس الأولى بكثرة، هي غائبة هنا تمامًا. اعتبر معظم المفسِّرين أنَّ هذه الخاصيَّة تعني أنَّ الضغوط من العالم الخارجيِّ لم تكن تشكِّل إزعاجًا خاصَّةً وقت الكتابة.[44] فقد كان المتلقُّون للرسالة على دراية ببغضة العالم لهم فعلاً (3: 13)، ولكن يبدو أنَّهم لم يكونوا يتعرَّضون لبغضة موجَّهة ضدَّهم رسميًّا آنذاك؛ لقد كانت تلك البغضة التي تنشأ بشكل طبيعيٍّ ناتج عن الخصومة الأخلاقيَّة بين الكنيسة والعالم.
وهو وإن كان يدرك جيِّدًا الخطر الذي يواجهه القرَّاء جرَّاء مقاومة العالم ومغرياته، فقد دُفِع يوحنَّا في المقام الأوَّل أن يكتب رسالته بهدف التأكُّد من أنَّ القرَّاء كانوا مجهَّزين لمقاومة المعلِّمين الكذبة. ولقد حقَّقوا بالفعل نجاحًا على المعلِّمين الكذبة (2: 19)، لكنَّ يوحنَّا كان مهتمًّا بتعميق الإيمان الشخصيِّ لدى القرَّاء وترسيخه من أجل ضمان ثباتهم. هذا التعزيز للإيمان من شأنه أن يعدَّهم لمقاومة إغراءات العالم ويجهِّزهم لكشف ودحض التعاليم الباطنيَّة الكاذبة التي تتوسَّم خديعتهم لقبولها.
يعتقد بعض العلماء، مثل بروك، أنَّ اهتمام يوحنَّا بقرَّائه قد حفَّزه تراخٍ روحيٌّ من جانب القرَّاء، ممَّا أدَّى إلى تراجع بطيء في المحبَّة الأخويَّة. «لم تعد لديهم حماسة الأيَّام الأولى في الإيمان... فلقد أصبحت مسيحيَّتهم تقليديَّة إلى حدٍّ كبير وفاترة واسميَّة.»[45]
وقد جعلتهم هذه الحالة عرضة لإغواء النزعة الدنيويَّة وجعلتهم أكثر عرضة للتعاطي مع عناصر الفلسفة الباطنيَّة الغريبة على المسيحيَّة.
لكنَّ آخرين، مثل بورديك، يتساءلون «ما إذا كانت فكرة [فقدان المحبَّة الأولى] تأتي في الحقيقة من يوحنَّا الأولى أم لا. أو إن كانت في الواقع قد جاءت من رسالة المسيح إلى كنيسة أفسس في رؤيا يوحنَّا 2: 1-7.»[46]
هناك القليل في الرسالة ممَّا يمكن أن يدعم صراحةً مثل هذه الحالة من الافتقار للحماسة وفقدان المحبَّة.
بدلاً من ذلك «يثني يوحنَّا على قرَّائه لحالتهم الروحيَّة. فهو يحثُّهم على عدم فقدان الاختبار الحيِّ الدافئ الذي يتمتَّعون به الآن (2: 24، 27).»[47] إنَّ قلب يوحنَّا الرعويَّ قد دلَّه أنَّ قرَّائه بحاجة إلى تحذير وتقوية ضدِّ هذا الانحدار الروحيِّ.
مكان وتاريخ كتابة يوحنَّا الأولى
1. المكان
لا تعطي الرسالة أيَّة إشارة إلى المكان الفعليِّ لكتابتها. في ضوء الرأي التقليديِّ القويِّ القائل بأنَّ الرسول يوحنَّا قد قضى السنوات الأخيرة من حياته في أفسس ومن هناك قام بخدمة الكنائس المحيطة بها، بالإضافة إلى الشهادة الصريحة من إيريناوس بأنَّه قد «قام يوحنَّا، تلميذ الربِّ الذي كان يستند إلى صدره أيضًا، بنشر إنجيلٍ في أثناء بقائه في أفسس في آسيا.» (ضدُّ الهرطقات، 3. 1. 1)، فيبدو من الطبيعيِّ أكثر أن تكون يوحنَّا الأولى قد كُتبت هناك.
2. التاريخ
لا توجد مؤشِّرات واضحة في الرسالة من شأنها تحديد موعد محدَّد لكتابة يوحنَّا الأولى. لا يمكن استخلاص أيِّ استنتاج فيما يتعلَّق بزمن الكتابة من عبارة «هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ.» (2: 18)، لأنَّها تمثِّل وقتًا روحيًّا وليس زمنيًّا.
تشير نبرة الرسالة وموقف الكاتب من قرَّائه إلى أنَّه رجل عجوز يكتب إلى جيل أصغر سنًّا. كما تشير معرفته بالقرَّاء والظروف داخل الكنائس إلى أنَّ يوحنَّا يجب أن يكون قد خدم في آسيا بالفعل منذ عدَّة سنوات عندما كتب، لكن ليس هناك تلميح إلى أنَّ يوحنَّا وصل إلى أفسس قبل موت بولس. وحقيقة أنَّ الرسالة لا تذكر تدمير القدس الذي وقع عام 70 م يبدو أنَّها تشير إلى أنَّ الرسالة كُتبت في وقت ما بعد هذا الحدث الحاسم. إذا كان تفكُّك العالم اليهوديِّ قد حدث ولكن حدث مؤخَّرًا، فمن المحتمل جدًّا أن تكون هناك إشارة إلى هذا التغيير الهامِّ. وإذا كان عدم وجود أيَّة إشارة إلى الاضطهاد يعني أنَّ الكنيسة لم تكن مضطهدة بشكلٍ نشِط من قبل الدولة، فمن المرجَّح أن يكون وقت كتابتها إمَّا قبل عهد دوميتيان أو في نهاية حكمه، ممَّا يشير إلى موعد مبكِّر حول عام 80 م أو في وقت لاحق من عام 97 م. من الواضح أنَّ الإشارات إلى الهرطقة التي يتمُّ محاربتها في يوحنَّا الأولى تتضمَّن تاريخًا قبل بداية القرن الثاني عندما بدأت الغنوسيَّة في الازدهار الكامل. وبما أنَّ معظم العلماء يقبلون عمومًا أنَّ يوحنَّا الأولى كُتبَت بعد الإنجيل الرابع، فمن المحتمل أن يكون تاريخ الكتابة حول عام 97 م. أيًّا كان التاريخ المحدَّد ليوحنَّا الأولى، فمن الواضح أنَّ الرسالة نشأت في الربع الأخير من القرن الأوَّل.
الغرض من رسالة يوحنَّا الأولى
1. البنيان العمليُّ والوعظ
كان الغرض الأساسيُّ لدى يوحنَّا في كتابة الرسالة هو البنيان العمليُّ لـ«أولاده» في الإيمان الحقيقيِّ والحياة كمسيحيِّين. ويرِد غرضه في العديد من التصريحات: «وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً.» (1: 4)؛ «يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ.» (2: 1)؛ «كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ، أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ، لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلِكَيْ تُؤْمِنُوا بِاسْمِ ابْنِ اللهِ.» (5: 13). الغرض العمليُّ واضح لدى الكاتب. إنَّها رغبته الأساسيَّة في ترسيخهم في ضمان خلاصهم (5: 13). ينعكس هذا التأكيد في استخدامه المتكرِّر للكلمات بمعنى «المعرفة» و«اليقين» والمصطلحات المشابهة. وهو يقدِّم لهم سلسلة من الاختبارات التي يمكنهم من خلالها امتحان إيمانهم وسلوكهم وطمأنة قلوبهم. فهو يرغب في تشجيع وتحفيز النموِّ الروحيِّ لديهم حتَّى لا يخبو لديهم الاستمتاع بالحياة المسيحيَّة بسبب مغريات العالم أو إغراءات الخطأ العقائديِّ. يجب عليهم أن يدركوا إدراكًا راسخًا أنَّ إيمانهم المسيحيَّ قائم على حقائق إيجابيَّة ومثبتة وقابلة للشرح، وأنَّ قبول الحياة الأبديَّة في المسيح يسوع يضع عليهم مسؤوليَّة السلوك المتَّسق مع وضعهم كأبناء لله. يستدعي هذا النمط من السلوك حياة تحفِّزها قوَّة المحبَّة المسيحيَّة الساكنة فيهم. تؤكِّد الرسالة هذه الحقيقة من خلال التأكيد على مزيج قويٍّ من الإيمان والمحبَّة.
ليس من المؤكَّد ما إذا كانت الإرشادات الموجَّهة للقرَّاء تهدف إلى أن تكون تصحيحيَّة أو وقائيَّة، ولكن من المحتمل أن تكون كلتا الوظيفتين متداخلتين بشكل فعليٍّ. الغرض المُعلَن من الرسالة، على النحو الوارد في 5: 13، تربطه علاقة مثيرة للاهتمام مع الغرض المعلن في الإنجيل الرابع: «وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ.» (20: 30-31). إنَّ الإنجيل وهذه الرسالة يكمِّلان بعضهما بعضًا فيما يختصُّ بالغرض. فالغرض من إنجيل يوحنَّا كان كرازيًّا بشكلٍ واضح؛ أن يقود قرَّائه إلى خلاصٍ شخصيٍّ في يسوع المسيح ابن الله؛ والغرض من يوحنَّا الأولى هو رعويٌّ، لقيادة المؤمنين إلى فهمٍ ويقينٍ كاملين لخلاصهم في يسوع المسيح. وكلا السفرين يقدِّم العقائد الأساسيَّة للمسيحيَّة. «لكنَّها تُقدَّم في الإنجيل كأساسٍ للإيمان المسيحيِّ بينما في الرسالة تُقدَّم كأساسٍ للحياة المسيحيَّة.»[48]
إنَّ الحياة المسيحيَّة التي تعرف فرحة الخلاص في السلوك اليوميِّ تعتمد على يقين الخلاص. إنَّنا نعتقد أنَّ محتويات الرسالة تتمُّ دراستها بشكل أكثر فائدة في ضوء غرض الكاتب كما هو مذكور في 5: 13.
2. الغرض الجدليُّ
إنَّ الرسالة لديها أيضًا غرض جدليٌّ واضح. فمن الواضح أنَّ الكاتب عازم على دحض الأخطاء العقائديَّة التي كانت تمارِس ضغوطها على قرَّائه. لكنَّ الرسالة ليست مجرَّد رسالة جدليَّة. إذ يجب الكشف عن التعاليم الخاطئة التي تواجهها الرسالة ودحضها من خلال أوجه الامتحان نفسها التي تثبت طبيعة وصحَّة الإيمان المسيحيِّ الذي يلتزم به قرَّاؤه. بحكم طبيعتها، فإنَّ الحقائق المُعلَنة لإنجيل المسيح، والتي تخلِّص المؤمن الحقيقيَّ وتضمن خلاصه، تكشف وتدين أخطاء الهرطوقيِّين. وهكذا، كما يلاحظ وستكوت:
إنَّ طريقة القديس يوحنَّا هي إثبات الخطأ من خلال كشف الحقِّ الذي ندركه في الحياة. وهدفه جدليٌّ فقط بقدر ما يُظهِر جوهرُ التعليم الصحيح كلَّ خطأ على حقيقته بوضوح بالضرورة.[49]
كان العالَمُ اليونانيُّ-الرومانيُّ في القرن الأوَّل بمثابة ثرثرة حقيقيَّة من أصوات متنافسة، وكانت هناك محاولات متعدِّدة من جانب بعض الأفراد لتوفيق هذه الآراء الدينيَّة والفلسفيَّة المتباينة. يتَّفق العلماء عمومًا على أنَّ البدعة الأولى التي واجهها يوحنَّا كانت شكلاً من أشكال الغنوسيَّة، لكن لا مبرِّر أن نطابقها مع الغنوسيَّة الكاملة في القرن الثاني. بلا شكٍّ، كان من بين المهتدين الكُثر الذين ربحتهم المسيحيَّة في آسيا مجموعة من المهتدين الذين كانوا من الدعاة السابقين للأنظمة الدينيَّة التي تتميَّز بالميول الغنوسيَّة.
وسرعان ما سعى بعضٌ منهم إلى توحيد وجهات نظرهم القديمة مع إيمانهم المسيحيِّ الذي قبلوه حديثًا. وعندما سعوا إلى نشر تفسيراتهم الجديدة في المجالس، نشأ جدل حادٌّ، ورفَضهم أتباع الرسالة الرسوليَّة، وانسحبوا (2: 19). لكنَّهم استمرُّوا في الضغط على مختلف أعضاء الرعيَّة من خلال تواصلهم معهم (2: 26). قد يكون هؤلاء الهراطقة قد عزَّزوا من تطوير وجهات نظرهم الغنوسيَّة المتنوِّعة بعد انسحابهم من الكنائس.[50] على أيَّة حال، فإنَّ العناصر الأوَّليَّة للغنوسيَّة التي نشطت في القرن الأوَّل هي أمر مؤكَّد.
تقاوم يوحنَّا الأولى بكلِّ وضوح البدعة التي كانت تعاني من «انحرافٍ في إيمانها الكريستولوجيِّ، وضعفٍ يُرثى له في أخلاقيَّاتها.»[51] كانت هذه الشرور متجذِّرة في الافتراضات الفلسفيَّة والدينيَّة الكامنة وراء تلك البدعة. وباعتبارها فلسفة دينيَّة باطنيَّة، كانت الغنوسيَّة ترتكز على الافتراض الأساسيِّ بأنَّ الروح صالحة وأنَّ المادَّة شريرة بطبيعتها؛ اعتبر الغنوسيُّون أنَّ الاثنين في خصومة دائمة. وعلى الفور، افترضت هذا النظرة الثنائيَّة وجود فجوة بين الإله الحقيقيِّ وهذا العالم الماديِّ.
لقد ادَّعى الغنوسيُّون، أي «العارِفون» كما يوحي الاسم، أنَّ لديهم معرفة فائقة كانت بمثابة امتياز للصفوة. لقد اعتقدوا بأنَّ التفوُّق الروحيَّ يتألَّف، ليس في حياة مقدَّسة، بل بمعرفتهم الفائقة التي مكَّنتهم من الارتفاع فوق الأغلال الأرضيَّة المادِّيَّة الخانقة في إدراكهم للحقائق السماويَّة كوحيٍ باطنيٍّ. هذه المعرفة، كما زعموا، أدركوها من خلال المسيح كرسول للإله الحقيقيِّ. وهكذا، فإنَّ «مسيح الغنوسيَّة ليس مُخلِّصًا؛ بل مُعلِنًا. لقد جاء لغرض صريح وهو توصيل المعرفة الغنوسيَّة السريَّة الخاصَّة به.»[52]
وقد انطوى هذا على كريستولوجيا زائفة، ترفض حقيقة التجسُّد والكفَّارة. إذا كانت المادَّة شرّيرة تمامًا، فقد تبع ذلك أنَّه لا يمكن أن يكون هناك تجسُّد حقيقيٌّ لابن الله في شكل إنسانيٍّ. فبما أنَّه كان من غير المتصوَّر أن تتَّحد الروح والمادَّة في أيِّ اتِّحاد حقيقيٍّ وحيويٍّ، فقد كان تجسُّد ابن الله القدُّوس مستحيلاً.
رفض هؤلاء الهراطقة الإعلان المسيحيَّ للتجسُّد لصالح وجهة نظر أكثر «منطقيَّة»؛ فاقترحوا حلَّين. كان أحد الآراء هو أنَّ المسيح لم يتَّخذ جسدًا إنسانيًّا حقيقيًّا، بل بدا أنَّه يمتلك جسدًا فقط. وكان هذا الرأي معروفًا باسم الدوسيتيَّة Docetism، من الفعل اليونانيِّ dokeo «أي يبدو أو يظهر». لا تشجب يوحنَّا الأولى صراحةً هذه الكريستولوجيا الدوسيتيَّة، لأنَّ يوحنَّا يشير فقط إلى أنَّ المعلِّمين الكذبة أنكروا أنَّ ابن الله قد جاء في جسد بشريٍّ. كما يلاحظ بورديك: «إنَّ صمتَ الرسول بشأن هذه النقطة لا يثبت أنَّ الكريستولوجيا الدوسيتيَّة لم تكن حاضرة في المشهد؛ بل يترك الباب مفتوحًا لأيٍّ من الاحتمالين.»[53]
كان الحلُّ المقترح الثاني معروفًا باسم السيرينثيانيَّة Cerinthianism، وكان رئيسها الأبرز هو سيرنثوس Cerinthus، اليهوديُّ المُعاصر للرسول يوحنَّا في أفسس (إيريناوس، ضدُّ الهرطقات، 3. 3. 4). ميَّز سيرينثوس يسوع عن المسيح. وقال إنَّ الإنسان يسوع هو ابن يوسف ومريم العذراء من الانتسال الطبيعيِّ، وكان بارزًا في البرِّ والحكمة وأنَّ «روح المسيح» حلَّت عليه بعد معموديَّته وعزَّزت خدمته، لكنَّ المسيح تركه قبل صلبه. وهكذا عانى الإنسان يسوع، ومات، وقام من جديد، لكنَّ المسيح، بروحٍ نقيَّة، ظلَّ غير قابل لاختبار الآلام. وبتقسيم شخص يسوع المسيح إلى اثنين، دمَّر سيرينثوس الحقيقة الواقعة الخاصَّة بالتجسُّد، وبالتالي، قوَّض عمله الكفَّاريَّ. ونظرًا لافتراضهم الأساسيِّ عن ثنائيَّة الروح والمادَّة، اعتبر الغنوسيُّون أنَّ الروح الإنسانيَّة مُحاصَرة في جسدٍ ماديٍّ. وأصبح تحقيق الخلاص واجبًا فقط من خلال المعرفة الباطنيَّة التي حصلوا عليها. هذه المعرفة مكَّنتهم ببراعة من أن ينهضوا فوق الأغلال الأرضيَّة المادِّيَّة الخانقة إلى استنارات حقٍّ سماويَّة. وأثَّرت هذه المزاعم بمعرفة فائقة على مواقفهم الشخصيَّة. يلاحظ موفات: «إنَّ البصيرة الثيوصوفيَّة الفائقة التي ادَّعوها أدَّت بشكل طبيعيٍّ إلى الشعور بالفخر في أنفسهم باعتبارهم نخبة العالم المسيحيِّ، ممَّا عزَّز ازدراءً بلا رحمة لأعضاء الكنيسة غير المستنيرين.»[54] إنَّ افتراضاتهم الفلسفيَّة أدَّت بشكل تلقائيٍّ إلى تجاهل المطالب الأخلاقيَّة للمسيحيَّة. على حدِّ تعبير دودّ: «يعتقد بعض الهراطقة بأنَّهم أعلى بكثير من الخير والشرِّ حتَّى أنَّ سلوكهم افتضح امتلاكهم لحواس مستبيحة كباقي المجتمع الرومانيِّ».[55] في مقابل وجهة النظر الخطيرة هذه، يصرُّ يوحنَّا على العلاقة الوثيقة بين الإيمان المسيحيِّ والسلوك. ويشير إلى أنَّ المعرفة المسيحيَّة الحقيقيَّة، التي نمتلكها نتيجة مسحة القدُّوس (2: 20)، هي عبارة عن معرفة تنطوي على قداسة الحياة والسلوك جنبًا إلى جنب مع الاستنارة الفكريَّة (1: 5 - 2: 5).
لا يوجد دليل على أنَّ جميع الغنوسيِّين كانوا مذنبين بتهمة التجاهل الفاضح للمطالب الأخلاقيَّة للمسيحيَّة. فقد رأى البعض أنَّ البعد الماديَّ الشرِّير في حياة الإنسان كان يجب تجاوزه من خلال ممارسة الزهد الصارم. ولكن حتَّى هذا الرأي كان تحريفًا للعقيدة الرسوليَّة المتمثِّلة في النصرة على الخطيَّة من خلال المسيح القائم والروح الساكن.
طابع رسالة يوحنَّا الأولى ومحتوياتها
1. اللغة والأسلوب
أسلوب يوحنَّا يمتاز بالبساطة الفائقة والجمال المهيب. كما يلاحظ فارار:
إنَّه أسلوب فريد من نوعه، وأصيل للغاية، ومليء بالسحر والحلاوة. وتحت مظهر البساطة الشديدة، فإنَّه يخفي أعماقًا لا يمكن فهمها. إنَّه مفهومٌ إلى حدٍّ كبير بالنسبة إلى أصغر طفل، بالنسبة للمسيحيِّ الأكثر تواضعًا؛ ولكن حتَّى الآن فإنَّ الخوض في معناه الكامل يتجاوز قوَّة أعمق اللاهوتيِّين.[56]
هناك تشابه مع البناء الذي يميل إلى الرتابة. ولكنَّ التكرار الواضح الذي استخدمه الكاتب أنتج تقدُّمًا في الفكر. فعلى الرغم من أنَّ لغته هي يونانيَّة خالصة، بقدر ما هي خالية من الأحاسيس، فإنَّها تختلف عن اليونانيَّة قدر الإمكان في بنيتها الدوريَّة. فهو لم يلجأ إلى تلك الجمل الطويلة والمعقَّدة التي تميِّز كتابات بولس. فقد نسَّق يوحنَّا جُمَله بواسطة أدوات الربِّ البسيطة كما في النموذج العبريِّ. وهو يستخدم الشكل المتوازي على نحوٍ متكرِّر، وهو شائع جدًّا في أدب الحكمة في العهد القديم. كما يتمُّ التأكيد على الأفكار في كثير من الأحيان عن طريق التعبير عنها بصيغة إيجابيَّة وسلبيَّة. وتأخذ تصريحاته في بعض الأحيان شكلاً ثلاثيًّا.
يمكن وصف لغة يوحنَّا بأنَّها تأمُّليَّة. إذ نشعر كما لو أنَّه منخرط في التأمُّل ويتيح لنا الاستماع إلى أفكاره عند نشوئها. وهو لا يتبع طريقةَ إظهارِ الحجَّة الرسميَّة بل التأكيد القاطع. يمكن وصف كتاباته بأنَّها «بديهيَّة وليست تحليليَّة واستنتاجيَّة».[57] فهو يتحدَّث بلهجة بها سلطان. إذ يضع تصريحاته ويمضي قدمًا دون توقُّف للدفاع عنها. تحمل كلماته هدوًّا وحسمًا نهائيًّا تاركة انطباعًا محتومًا. كما يقول مورهيد: «بالرسالة كرامة، وثِقَلٌ سيِّديٌّ، ممَّا يعطي الرسالة بعدًا رسوليًّا وأمريًّا.»[58]
يتَّبع يوحنَّا طريقةً لبلورة أفكاره من خلال إبراز مقابلاتها. فالنور يقتضي الظُلمة، والحياة تضادُّ الموتَ، والحقُّ ينافي الكذب، والمحبَّة تقاوم البغضة، والله ضدٌّ للشيطان. «إنَّ أفكاره تُسيطر عليها المطلقات. ألوانه بيضاء وسوداء، ليس هناك بينها لون رماديٌّ.»[59]
2. البِنيَة
إنَّ أيَّة محاولة متعجِّلة لتوضيح محتويات هذه الرسالة في مخطَّط منطقيٍّ ستؤدِّي حتمًا إلى الإحباط، لأنَّه من الصعب للغاية تحليلها. في الواقع، شكَّك البعض بجديَّة فيما إذا كانت لدى المؤلِّف أيَّة خطَّة على الإطلاق لكتابة الرسالة. البعض، على سبيل المثال، نظر إلى الرسالة على أنَّها تمتمةٌ لرجل عجوز دون نظام أو تسلسل. وفكَّر آخرون في الأمر على أنَّه مجرَّد سلسلة من الأمثال دون الكثير من تسلسل الاتِّصال المنطقيِّ. ولا يزال البعض الآخر يذهب إلى حدِّ الإشارة إلى أنَّ هذا السفر يكشف عن عمل قام به أحد المحرِّرين أو مجموعة منهم بهدف جمع بعض الموادِّ اليوحنَّاويَّة السابقة.
ومع ذلك، يظلُّ من الخطأ أن نعتقد بوجود ارتباك وافتقار للترتيب في محتويات الرسالة. يؤكِّد بورديك: «في الواقع، تُظهر الدراسة الشاملة للرسالة أنَّها منظَّمة بأقصى عناية وتعقيد.»[60] ولكن تكمن الصعوبة في طبيعة تركيبها. فتحليلها يشبه محاولة تحليل وجه السماء الملبَّدة بالغيوم. «هناك تباين ومع ذلك انسجام؛ تنوُّع ورغم ذلك انتظام؛ ثبات على الرغم من التغيير المستمرِّ؛ رتابة تبعث على الهدوء دون أن تضجرنا، لأنَّ التكرار المتعدِّد يأتي إلينا كأشياء تجمع جددًا وعتقاء.»[61]
لقد أدَّت محاولات المفسِّرين لإيجاد مخطَّطات للرسالة إلى نتائج مختلفة. موفات يلخِّص هذه النتائج:
حقَّقت محاولات تقسيمها بعض النجاح؛ وهي إمَّا ثنائيَّة (الله نور، الله محبَّة: بلامر؛ 1: 5-2: 27؛ 2: 28 - 5: 5)، أو ثلاثيَّة (1: 1 - 2: 11؛ 2: 12-4: 6؛ 4: 7 - 5: 21؛ الله نور، الله بارٌّ، الله محبَّة)، أو رباعيَّة (1: 5 - 2: 11؛ 2: 12-28؛ 2: 29 - 3: 22؛ 3: 23 - 5: 17)، أو خماسيَّة (1: 5 - 2: 11؛ 2: 12-27؛ 2: 28 - 3: 24أ؛ 3: 24ب - 4: 21؛ 5: 1-21).[62]
يقول بلامر صراحةً: «ربَّما يكون عددٌ قليل من المفسِّرين قد أرضوا أنفسهم بتحليلهم الخاصِّ لهذه الرسالة؛ ولكن لم يزل عدد قليل منهم هو مَن أرضى الآخرين.»[63]
إنَّ طريقة يوحنَّا لا تتبع المنطق القياسيَّ. ففكره يدور في حلقات بدلاً من التقدُّم في خطوط مستقيمة. يقدِّم لِنِسكي هذا الرأي عن بنية الرسالة:
«يسمو يوحنَّا فوق كلِّ أشكال التقسيم والتجزيء الرسميَّة. لقد تمَّ بناء هذه الرسالة كهرم مقلوب أو على شكل مخروطيٍّ. أوَّلاً، يتمُّ وضع القمَّة الأساسيَّة في 1: 1-4؛ ثمَّ يبدأ التوسُّع التصاعديُّ. بدءًا من 1: 5-10، ترتفع القاعدة وتتوسَّع، وتستمرُّ في دوائر تتَّسع باستمرار، إذ ترتبط فكرة جديدة بسابقتها ذات الصلة الوثيقة بها. فلا يتمُّ هنا وضع طوبة بجانب الأخرى، لذلك لا نجد الكثير من أدوات الربط. في الواقع لا توجد روابط، ولا حتَّى حين تُقدَّم الأفكار الجديدة لأوَّل مرَّة. إذ يدور مسار الفكر بشكلٍ لولبيٍّ في دوائر تتَّسع تصاعديًّا حتَّى اكتمال كلِّ شيء. والابتعاد عن الأصنام (5: 21) هو فقط بمثابة اللمسات المختصرة الأخيرة.»[64]
إنَّه لمن معاني الحكمة أن ندرك الطابع المميَّز لبنية يوحنَّا الأولى. فبحكم طبيعتها، أيُّ مخطَّط منهجيٍّ لا بدَّ وأن ينقصه الكثير. ولكن لأغراض الدراسة العمليَّة بعض الخطوط العريضة تقدِّم الكثير ممَّا هو مطلوب. يستند التحليل المستخدم في هذه الدراسة للرسالة إلى الغرض المُعلَن في 5: 13. ومن المأمول أن يثبت أنَّه مفيد في توضيح الهدف الأساسيِّ من الرسالة. (انظر المخطَّط التفصيليَّ في الصفحات 29-34.)
3. المحتويات
تخلو رسالة يوحنَّا الأولى من كلِّ ما هو محلِّيٌّ بشكل مجرَّد؛ إذ لا يتمُّ تقديم أيَّة أمور زمنيَّة أو فرديَّة. ومع ذلك، في حين أنَّ الرسالة غير شخصيَّة بالكامل، فهي ليست مجرَّدة. فكلُّ شيء مرتبط بالحياة المسيحيَّة بأكثر الطرق حميميَّة. وتتلوَّن الرسالة باللون الأخلاقيِّ بدلاً من اللون المحلِّيِّ. فهناك نغمة روحيَّة وعالميَّة فيها تجعلها قابلة للتكيُّف بشكلٍ خاصٍّ مع الأوضاع الراهنة في الكنائس.
لا يمكن للمرء أن يفشل في ملاحظة حقيقة لافتة للنظر تفيد بأنَّ لطف صاحب الرسالة وحنانه المُحبَّ يمتزجان بأكثر أشكال الدينونة حسمًا وحزمًا وصرامةً. «يُبقي الكاتب على مناقضة مطلقة وعدم اتِّفاق تامٍّ بين الحياة المسيحيَّة والخطيَّة من أي نوع أو درجة، ممزوجًا بكلام عنيف يصل أحيانًا إلى حدِّ التناقض.»[65] لا يوجد كاتب آخر في العهد الجديد يستخدم كلمات أقوى في إدانة الخطيَّة والخطأ ممَّا يفعل يوحنَّا. وهكذا لدينا صورة رائعة عن «ابْنِ الرَّعْدِ» (مرقس 3: 17) الذي يتحرَّق شوقًا إلى دينونة الخطيَّة ولكن تملؤه المحبَّة والعطف تجاه أولئك الذين يذعنون لإلهنا الصالح والمحبِّ.
لا تحتوي الرسالة على أيَّة اقتباسات من العهد القديم، توجد إشارة واحدة فقط إلى تاريخ العهد القديم (3: 12). لا يوجد أيُّ ذكرٍ لتفاصيل الطقوس الدينيَّة أو التنظيم الكنسيِّ. لا يوجد ذكرٌ للختان والجدل الذي أثاره في بداية حياة الكنيسة، ولا يوجد أيُّ أثرٍ للنزاع بين دعاة الناموس والنعمة، أو بين الأعمال والإيمان، ولا أيُّ ذكرٍ للتمييز بين ما هو يهوديٌّ وما هو أمميٌّ. كلُّ هذه الأمور قد حلَّ محلُّها الوعي بأخوَّة واحدة مسيحيَّة عالميَّة. تتركَّز الأسئلة والاعتبارات الرئيسيَّة في الرسالة حول شخص وعمل المسيح يسوع وآثار ذلك على الحياة المسيحيَّة.
إنَّ هذه هي رسالة المحبَّة والأخوَّة. كلمة المحبَّة (agape) ومشتقَّاتها تأتي ما لا يقلُّ عن واحد وخمسين مرَّة في يوحنَّا الأولى. إنَّها أيضًا رسالة المعرفة الاختباريَّة واليقين المسيحيِّ. مرادفات كلمة المعرفة (ginosko and oida) تأتي واحد وأربعين مرَّة في الرسالة. واحدة من الأفكار المميِّزة للرسالة هي تلك التي تحمل عنوان «الشاهد». نظرًا لأنَّ المعلِّمين الكذبة يثيرون الشكوك حول رسالة المسيحيَّة المستلَمة، يتطوَّع الكاتب ليثبت أنَّ الرسالة التي يعلنها كانت موثوقة تمامًا. فالرسالة تمَّ تأكيدها ليس فقط من خلال الاختبار المسيحيِّ ولكن أيضًا بشهادة الله.
إنَّ الرسالة غنيَّة في محتواها العقائديِّ، ممَّا يشرح الحقائق الأساسيَّة للإيمان المسيحيِّ. إنَّ تأكيده المزدوج: «اللهُ نُورٌ» (1: 5) و«اللهُ مَحَبَّة» (4: 8)، يضيف إلى الثراء الكتابيِّ المتعلِّق بطبيعة الله. كما أنَّ تصويره المشبَّع بالتوكيد بخصوص طبيعة يسوع المسيح، ابن الله، كإله وإنسان معًا؛ يحتلُّ مكانة مركزيَّة في كريستولوجيا العهد الجديد. كما أنَّ عقيدة الخطيَّة بارزة في الرسالة؛ إذ تتمُّ الإشارة إلى الخطيَّة في كلِّ إصحاح. وتضع الرسالة سلسلة من أوجه الامتحان التي توفِّر أرضيَّة صالحة ليقين الخلاص ومعرفة الله؛ تعمل هذه الاختبارات أيضًا على فضح مزاعم الشركة الزائفة مع الله. تعتبر إشارات الرسالة إلى عودة المسيح (٢: ٢٨؛ ٣: ٢ـ ٣) ويوم الدينونة الآتية (٤: ١٧) من اللمسات القيِّمة على عقيدة الأَخرويَّات (الاسخاتولوجيا). كما تعرض واقع الحياة الأبديَّة المُجسَّدة في المسيح (5: 12)، التي تأتي من خلال الإيمان به في هذه الحياة وتمتدُّ دون انقطاع نحو الأبديَّة (3: 2).
4. الإدخال النصيُّ الشهير
النصُّ المُستلَم The Textus Receptus، الذي تعتمد عليه نسخة الملك جيمس (وترجمة الفاندايك) (1611)، يحتوي على مقطع شهير تمَّ إدخاله على النصِّ ولا يوجد عليه أدلَّة نصيَّة صالحة.[66] يرد المقطع كما يلي، وتشير الكلمات بالخطِّ الغليظ المُسطَّر إلى الإدخال النصيِّ:
«فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ. وَالَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي الأَرْضِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الرُّوحُ، وَالْمَاءُ، وَالدَّمُ. وَالثَّلاَثَةُ هُمْ فِي الْوَاحِدِ.» (5: 7-8).
إنَّ الأدلَّة الخارجيَّة ضدَّ صحَّة هذه الكلمات تكفي وتزيد، هذه الكلمات تُعرَف اليوم باسم «الفاصلة اليوحنَّاويَّة».[67] لم ترِد في أيٍّ من المخطوطات اليونانيَّة ذات الأحرف الكبيرة (المخطوطات الإنشيَّة The Uncial Manuscripts). ولا تحتوي عليها مخطوطات الأحرف الصغيرة (مخطوطات الخطِّ اليونانيِّ المُتَّصل The Cursive Manuscripts) قبل القرن الخامس عشر. مخطوطتان وحيدتان في النصِّ اليونانيِّ من مخطوطات الأحرف الصغيرة (مخطوطة 629 من القرن الرابع عشر و61 من القرن السادس عشر) تحويان هذه الإضافة في نصيهما؛ مخطوطة الخطِّ الصغير 635 من القرن الحادي عشر تحتوي على الإدخال النصيِّ في الهامش مكتوبًا بخطٍّ يرجع إلى القرن السابع عشر، والمخطوطة 88 من القرن الثاني عشر تحتويه في الهامش مكتوبًا بخطٍّ حديث. في هذه المخطوطات، تعتبر تلك الكلمات ترجمةً واضحة من نسخة منقَّحَة متأخِّرة للفولجاتا اللاتينيَّة. لا توجد نسخة قديمة من القرون الأربعة الأولى تحتوي على الإدخال؛ ولا هو موجود في أقدم مخطوطات الفولجاتا. ولم يستشهد أيٌّ من آباء الكنيسة اليونانيَّة بالكلمات الواردة في هذا الإدخال. كما يشير فيويه، فإنَّ عدم استشهادهم بها «لا يمكن تفسيره من باب الإغفال إن كانوا على دراية بها، ففي الحقيقة، كيف لم يستخدموها في مجادلاتهم حول الثالوث؟»[68]
بالنسبة للنصوص اليونانيَّة، تمَّت طباعة تلك الكلمات لأوَّل مرَّة في نسخة كومبلوتنسيان للترجمات المتعدَّدة Complutensian Polyglot عام 1514. لم يجد إرازموس تلك الكلمات في المخطوطات اليونانيَّة التي كانت لديه، ولم يضعها في طبعتيه الأولى من العهد الجديد اليونانيِّ. ثمَّ قطع إرازموس وعدًا متهوِّرًا بإدخال الكلمات في نصِّه اليونانيِّ إذا أمكن العثور عليها في أيَّة مخطوطة يونانيَّة. وعندما تواجه مع مخطوطة مونتفورت Codex Montfort (مخطوطة الخط الصغير رقم 61) قام بإدخالها، على الرغم من أنَّه صرَّح أنَّه يشتبه في أنَّ الكلمات قد تمَّ إدراجها في اليونانيَّة لتتوافق مع اللاتينيَّة. وأوضح بصراحة أنَّه قد أدخل الكلمات في النصِّ اليونانيِّ لتفادي الهجوم عليه! ومن نصِّ إرازموس، تمَّ تمرير كلمات الإدخال إلى الطبعات التي استندت إليها نسخة الملك جيمس المعتمدة (وكذلك الفاندايك).
أقرب إشارة مؤكَّدة للفاصلة اليوحنَّاويَّة موجودة في الدفاعيَّات المجرَّدة Liber Apologeticus، المنسوبة إلى الكاتب الإسبانيِّ بريسكليان Priscillian (توفي 385م) أو إلى إنستانتيوس Instantius، أحد أتباعه. يبدو أنَّ الكلمات نشأت على أنَّها تعليقٌ مجازيٌّ هامشيٌّ على النصِّ الكتابيِّ، وتمَّ دمجها لاحقًا في نصِّ الرسالة. تشير الأبحاث إلى أنَّ هذا الإدخال كان أصله امتدادًا للنصِّ اليوحنَّاويِّ الذي نشأ في أوائل القرن الثالث في شمال إفريقيا أو إسبانيا.
[3] Donald W. Burdick, The Letters of John the Apostle (Chicago: Moody Press, 1985), pp. 68- 69,
يلاحظ الكاتب هنا أنَّ رسالة يوحنَّا الأولى قد تمَّت تسميتها مقالة، مقالاً وعظيًّا، نوعًا من التعقيب التعليمي الرسائليِّ على إنجيل يوحنَّا، كنبذة أو بيان رعويٍّ في شكلٍ رسائليٍّ باهت، نصًّا رعويًّا أكثر من كونه جوابًا، رسالة وعظيَّة، جوابًا مفتوحًا، مرسومًا أسقفيًّا في شكلِ رسالةٍ أو جوابٍ حقيقيٍّ. لمزيد من المعلومات انظر: Burdick.
[4] J. L. Houlden, A Commentary on the Johannine Epistles, Harper's New Testament Commentaries (New York: Harper & Row, 1973), p. 54
[5] Ralph P. Martin, New Testament Foundations: A Guide for Christian Students (Grand Rapids: Eerdmans, 1978), vol. 2, The Acts, The Letters, The Apocalypse, p. 368.
[6] Burdick, p. 70.
[7] التواريخ المُستَخدَمة هنا هي عمومًا تلك الواردة في:
J. D. Douglas, ed., The New International Dictionary of the Christian Church (Grand Rapids: Zondervan, 1974).
[8] صنَّف يوسابيوس الوثائق المسيحيَّة من حيث قانونيَّتها باعتبارها homologoumena (المعترف بها)، أو antilogomena (المُختَلَف عليها)، و nothoi (المنحولة). وأضاف أنَّ الكتب التي طرحها الهراطقة بأسماء الرسل «يجب أن تُصنَّف ليس فقط بين الكتابات المنحولة، بل يجب أن تُرفَض باعتبارها عبثيَّة وآثمة كلَّيًّا.» (التاريخ الكنسيُّ 3. 25).
[9] Eusebius, Eccl. Hist. 5. 20, and Irenaeus, Against Heresies 3. 3. 4.
[10] Donald Guthrie, New Testament Introduction, rev. ed. (Downers Grove, Ill.: Inter-Varsity Press, 1970), p. 865.
[11] Theodor Zahn, Introduction to the New Testament, trans. from the 3rd German ed. (Edinburgh: T. & T. Clark, 1909), 3:200.
[12] Brooke Foss Westcott, The Epistles of St. John, The Greek Text with Notes, 3rd ed. (1892; reprint ed., Grand Rapids: Eerdmans, 1950), p. xxxi.
[13] Guthrie, p. 866.
[14] A. Feuillet, "The Johannine Epistles," in A. Robert and A. Feuillet, Introduction to the New Testament, trans. from the French (New York: Desclee Company, 1965), p. 680.
[15] Westcott, p. 4.
[16] Simon J. Kistemaker, Exposition of the Epistle of James and the Epistles of John, New Testament Commentary (Grand Rapids: Baker, 1986), p. 204
[17] Burdick. p. 28.
[18] C. H. Dodd, The Johannine Epistles, Moffatt New Testament Commentary (New York: Harper & Row, 1946). p. 16.
[19] Guthrie, p. 866.
[20] Raymond E. Brown, The Epistles of John, The Anchor Bible (Garden City, N. Y .: Doubleday
& Co., 1982), pp. 95, !60.
[21] Ibid., p. 160.
[22] J. R. W. Stott, The Epistles of John, Tyndale New Testament Commentaries (Grand Rapids: Eerdmans, 1964), pp. 3 1 -32.
[23] D. Edmond Hiebert, An Introduction To the New Testament (Chicago: Moody Press, 1975), vol. 1, The Gospels and Acts, pp. 192-203.
[24] A. E. Brooke, A Critical and Exegetical Commentary on the Johannine Epistles, International
Critical Commentary (New York: Scribner's 1912), pp. ii-iv.
[25] Ibid ., p. V.
[26] للاطِّلاع على قائمة رائعة لمن يقبلون أصل كتابة واحد للسفرين ومن لا يقبلون هذا الرأي، انظر:
Brown, p. 20.
[27] Dodd, pp. x1ix-1vi; R. Alan Culpeper, The Johannine School: An Evaluation of the Johannine-School Hypothesis Based on an Investigation of the Nature of Ancient Schools, Society of Biblical Literature Dissertation Series, no. 26 (Missoula, Mont.; Scholars Press, 1975); Stephen S. Smalley, 1, 2, 3 John, Word Biblical Commentary (Waco, Texas: Word Books, 1984), p. xxii; Oscar Cullman, The Johannine Circle (Philadelphia: Westminster Press, 1975), pp. 53-87; Raymond E. Brown, The Community of the Beloved Disciple (New York: Paulist Press, 1979); Brown, The Epistles of John, The Anchor Bible, pp. 69-115.
[28] Dodd, p. x1ix.
[29] Alexander Ross, The Epistles of James and John, New International Commentary on the New Testament (Grand Rapids: Eerdmans 1954), pp. 110-11.
[30] Brown. The Epistles of John, pp. 24-25.
[31] Burdick, p. 21.
[32] James Moffatt, An introduction to the Literature of the New Testament, 3rd ed. (1918; reprint ed., Edinburgh: T. & T. Clark, 1949), p. 592.
[33] Brown, The Epistles of John, pp. 26-27.
[34] Moffatt, p. 591
[35] Brooke, p. viii.
[36] Burdick, p. 37.
[37] Alfred Plummer, The Epistles of S. John, Cambridge Bible for Schools and Colleges (1883; reprint ed., London: Cambridge University Press, 1938), p. 11.
[38] من أجل الاستزادة عن الحجَّة من الصمت، انظر:
Moffatt, pp. 613-14
[39] Ibid .. pp. 602-8.
[40] Willoughby C. Allen and L. W. Grensted, Introduction to the Books of the New Testament, 3rd ed. (Edinburgh: T. & T. Clark, 1936), p. 94.
[41] Quoted by F. W. Farrar, The Early Days of Christianity, author's ed. (New York: Cassell, n.d.), p. 618.
[42] T. Zahn, "John the Apostle," in The New Schaff-Herzog Encyclopedia of Religious Knowledge (1908; reprint ed., Grand Rapids: Baker, 1950), 6:205b.
[43] Glen W. Barker, "1 John" in The Expositor's Bible Commentary (Grand Rapids: 1981), 12:303.
[44] Guthrie, p. 869.
[45] Brooke, pp. xxx-xxxii; Wescott, p. xxxii.
[46] في:
W. M. Ramsay, The Church in the Roman Empire Before A.D. 180 (New York: G. P. Putnam's Sons, 1919). pp. 304-5.
يرى أنَّه من الخطأ أن يحاجَّ أحدهم، بسبب عدم وجود أيِّ إشارة واضحة إلى الاضطهاد، إنَّ هذه الرسالة قد كُتِبت في وقت السلم.
[47] Brooke, p. xxviii.
[48] Burdick, p. 66.
[49] Ibid., p. 67.
[50] Plummer, p. 35.
[51] Westcott, p. xxxix.
[52] يُرجِّح هذا المصدر:
Brown, The Epistles of John, (pp. 59, 104).
لأنَّ هؤلاء التوقُّفيِّين لعبوا دورًا مُحفِّزًا في التطوُّر اللاحق للأنظمة الفكريَّة الدوسيتيَّة والغنوسيَّة.
[53] Burdick, p. 61.
[54] Ronald H. Nash, Christianity and the Hellenistic World (Grand Rapids: Zondervan, 1984), p. 222.
[55] Burdick, p. 63.
[56] Moffatt, p. 586.
[57] Dodd, p. xx.
[58] Farrar, pp. 520 -21.
[59] Burdick, p. 85
[60] William G. Moorehead, Catholic Epistles- James, 1 and 2 Peter, 1, 2, 3 John, and Jude, Outline Studies on the New Testament (New York: Revell, 1908), p, 90.
[61] W. Graham Scroggie, Know Your Bible, A Brief Introduction to the Scriptures (London: Pickering & Inglis, n.d.), vol. 2, The New Testament, p. 346.
[62] Burdick, p. 86.
[63] Plummer, pp. 42-43.
[64] Moffatt, p. 584.
لقائمة بالعديد من التقسيمات المتنوِّعة، انظر:
Feuillet, pp. 671-72; Brooke, pp. xxxii-viii; I. Howard Marshall, The Epistles of John, New International Commentary on the New Testament (Grand Rapids: 1978), pp. 22-26; Burdick, pp, 86-92.
[65] Plummer, pp. 42-43.
[66] R.C.H. Lenski, The Interpretation of the Epistles of St. Peter, St. John and St. Jude (Columbus, Ohio: Wartburg Press. 1945), p. 366.
[67] R. Law, "John, The Epistles of," in The International Standard Bible Encyclopedia (Grand Rapids: Eerdmans. 1939), 3: 1712.
[68] للأدلَّة النصيَّة، انظر:
Kurt Aland et al., ed., The Greek New Testament, 3rd ed. (New York: United Bible Societies, 1975); Zane C. Hodges and Arthur L. Farstad, The Greek New Testament According to the Majority Text (Nashville: Thomas Nelson Publishers, 1982).
من أجل تقييم للأدلَّة الداخليَّة والخارجيَّة، انظر:
Bruce M. Metzger, A Textual Commentary on the Greek New Testament (London, New York: United Bible Societies, 1971 ), pp. 716-18,
[69] من الكلمة اليونانية Komma التي تعني فاصلاً أو جملة قصيرة.
[70] Feuillet, p. 683.
مخطَّط رسالة يوحنَّا الأولى
أولاً. مقدِّمة: حقيقة التجسُّد (1: 1-4)
أ. اللقاء الرسوليُّ مع كلمة الحياة (1)
ب. إظهار الحياة الأبديَّة كحدثٍ تاريخيٍّ (2)
ج. القضايا الشخصيَّة للمناداة الرسوليَّة (3-4)
1. ملخَّص المناداة الرسوليَّة (3أ)
2. هدف المناداة الرسوليَّة (3ب)
3. هدف هذه الرسالة الرسوليَّة (4)
ثانيًا. اليقين من خلال امتحان الشركة (1: 5 - 2: 17)
أ. أساس الشركة المسيحيَّة (1: 5)
ب. عوائق الشركة المسيحيَّة (1: 6-10)
1. رفض إثم الخطيَّة (6-7)
أ) امتداد الفكرة (6أ)
ب) الإعراب عن الدينونة (6ب)
ج) تقديم التصحيح (7)
1) السلوك الصحيح (7أ)
2) النتيجة المزدوجة (7ب)
2. رفض الإثم البشريِّ (8-9)
أ) امتداد الفكرة (8أ)
ب) الإعراب عن الدينونة (8ب)
ج) التصحيح الموصوف (9)
3. إنكار أيَّة أفعال شريرة (10)
أ) امتداد الفكرة (10أ)
ب) الإعراب عن الدينونة (10ب)
ج. تدبير الحفاظ على الشركة (2: 1-2)
1. التصميم الموضوع لقرَّائه (1أ)
2. إمكانيَّة ارتكاب الخطيَّة (1ب)
3. تدبير يسوع المسيح (1ج-2)
أ) شفيعنا الشخصيُّ لدى الآب (1ج)
ب) الاسترضاء المثاليُّ الكامل لجميع الذنوب (2)
د. الحفاظ على علامات الشركة (2: 3-17)
1. علامة الطاعة (3-5أ)
أ) اليقين النابع من الطاعة (3)
ب) الدينونة جرَّاء عدم الطاعة (4)
ج) نتيجة الطاعة الشخصيَّة (5أ)
2. علامة الاقتداء (5ب-6)
أ) يقين المؤمن (5ب)
ب) ما يترتَّب على ذلك من واجبات على المؤمن (6)
3. علامة المحبَّة (7-11)
أ) توصيف الوصيَّة (7-8)
1) وصيَّة المحبَّة كوصيَّة قديمة (7)
2) وصيَّة المحبَّة كوصيَّة جديدة (8)
ب) تطبيق الوصيَّة (9-11)
1) الاعتراف من دون محبَّة (9)
2) الشخص الذي يحبُّ (10)
3) الشخص الذي يبغض (11)
4. علامة الانفصال (12-17)
أ) اليقين المتعلِّق بالقرَّاء (12-14)
1) ثلاثيَّة اليقين الأولى (12-13ب)
أ) القرَّاء «كأولاد» (12)
ب) القرَّاء تحت تقسيم مزدوج (13أب)
2) ثلاثيَّة اليقين الثانية (13 ج-14)
أ) مخاطبة القرَّاء كـ«أولاد» (13ج)
ب) القرَّاء تحت تقسيم مزدوج (14)
ب) مناشدة الانفصال عن العالم (15-17)
1) منصوص النهي (15أ)
2) أسباب النهي (15ب-17)
أ- الحالة الشخصيَّة التي تكشف عنها محبَّة العالم (15ب)
ب- طبيعة الأشياء التي في العالم (16)
ت- مفارقة النهايات (17).
ثالثًا. اليقين جرَّاء صراعات الإيمان (2: 18-4: 6)
أ. الصراع بين الحقِّ والكذب (2: 18-28)
1. الأزمة التي تواجه المؤمنين (18-19)
أ) توصيف الزمان (18)
1) التأكيد المتعلِّق بالزمان (18أ)
2) علامة «أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ.» (18ب)
ب) طبيعة الأزمة الحاليَّة (19)
2. موارد المؤمنين (20-21)
أ) المسحة من القدوس (20أ)
ب) معرفة الحقِّ (20ب-21)
1) تأكيد معرفتهم (20ب)
2) سبب كتابة هذا لهم (21)
3. المواجهة مع أضداد المسيح (22-25)
أ) علامة المؤمنين الحقيقيِّين والزائفين (22-23)
1) علامة الكذَّاب (22-23أ)
2) اعتراف المؤمن الحقيقيِّ (23ب)
ب) مناشدة المؤمنين الحقيقيِّين (24-25)
1) منصوص المناشدة (24أ)
2) نتائج سكنى الرسالة (24ب-25)
4. موارد المؤمنين في مواجهة الخطر (26-28)
أ) خطر المُضلِّين (26)
ب) العتاد الروحيُّ الذي تقدِّمه المسحة (27)
ج) الدافع جرَّاء رجاء عودة المسيح (28)
ب. الصراع بين أبناء الله وأبناء إبليس (2: 29 - 3: 12)
1. علامات أولاد الله (2: 29 - 3: 3)
أ) ممارسة البرِّ كعلامة على الولادة الجديدة (2: 29)
ب) الواقع الديناميكيُّ للحياة الجديدة (3: 1-2)
1) عطيَّة محبَّة الله الرائعة (1أ)
2) فشل العالم في فهم المؤمنين (1ب)
3) الآثار المترتِّبة على عطيَّة محبَّة الله (2)
ج) تأثير الرجاء المسيحيِّ على الحياة الحاليَّة (3)
2. ما تكشف عنه ممارسة الخطيَّة (3: 4-8أ)
أ) ما تشير إليه طبيعة الخطيَّة (4-5)
1) طبيعة الخطيَّة كتعدٍّ (4)
2) عدم توافق الخطيَّة مع إرساليَّة المسيح (5)
ب) التمييز بين فئتين من البشر (6-8أ)
1) ممارسات الفئتين (6)
2) الطابع الأخلاقيُّ للفئتين (7-8أ)
أ- التحذير الرعويُّ ضدَّ المضلِّين (7أ)
ب- المعيار الأخلاقيُّ لكلِّ فئة (7ب-8أ)
3. الخلاص من ممارسة الخطيَّة (8ب-9)
أ) التدبير الإلهيُّ في إرساليَّة المسيح (8ب)
ب) خلاص الإنسان من خلال الولادة الجديدة (9)
4. علامة أبناء الله وأبناء الشيطان (10-12)
أ) معايير التمييز بين فئتين من البشر (10-11)
1) أولاد إبليس (10ب)
2) أولاد الله (11)
ب) المثال السلبيُّ في قصَّة قايين (12)
ج. الصراع بين المحبَّة والبغضة (3: 13-24)
1. ما تكشف عنه ممارسة المحبَّة والبغضة (13-15)
أ) ردُّ الفعل على بغضة العالم للمؤمنين (13)
ب) يقين الولادة الجديدة الآتي من محبَّة الإخوة (14أ)
ج) ما تكشف عنه ممارسة البغضة (14ب-15)
1) غياب المحبَّة يكشف عن الموت الروحيِّ (14ب)
2) ممارسة البغضة تكشف عن شخصيَّة قاتلة (15)
2. مظاهر المحبَّة والبغضة (16-18)
أ) إظهار المحبَّة في بذل المسيح لذاته (16أ)
ب) واجب المؤمنين في ممارسة المحبَّة (16ب-17)
1) الالتزام الأعلى بالمحبَّة (16ب)
2) المثال على غياب المحبَّة الأخويَّة (17)
ج) الحثُّ على ممارسة المحبَّة الحقيقيَّة (18)
3. اليقين النابع من ممارسة المحبَّة (19-24)
أ) اليقين من جهة الثبات في الحقِّ (19-20)
1) اليقين بشأن أصلنا الروحيِّ (19 أ)
2) تسكين ضمائرنا أمام الله (19ب-20)
ب) يقين القبول أمام الله (21-22)
1) بركة الثقة أمام الله (21)
2) بركة استجابة الصلاة (22)
ج) يقين الاتِّحاد مع المسيح (23-24)
1) الوصيَّة المزدوجة للمؤمنين (23)
2) الطبيعة المتبادلة للشركة المسيحيَّة (24)
د. الصراع بين روح الحقِّ وروح الضلال (4: 1-6)
1. مسؤوليَّة امتحان الأرواح (1)
أ) الوصيَّة المتعلِّقة بالأرواح (1أ)
ب) الحقُّ يستلزم الامتحان (1ب)
2. معيار امتحان الأرواح (2-3)
أ) علامات روح الله (2)
ب) علامات روح ضدِّ المسيح (3)
1) الفشل في الاعتراف بيسوع (3أ)
2) روح ضدِّ المسيح (3ب)
3) تحقيق النبوَّة (3ج)
3. معيار اختبار من يتكلَّمون من البشر (4: 6)
أ) معيار تحديد أصلهم (4-5)
1) علامة مَن هم مِن الله (4)
2) علامة مَن هم مِن العالم (5)
ب) معيار الاستجابة للمتكلِّم (6أ)
ج) الملخَّص المتعلِّق باختبار الأرواح (6ب)
رابعاً. اليقين النابع من علامة المحبَّة الحقيقيَّة (4: 7 - 5: 5)
أ. طبيعة المحبَّة المفتدِية (4: 7-16أ)
1. اليقين النابع من ممارسة المحبَّة (7-8)
أ) ممارسة المحبَّة المتبادلة على أساس محبَّة الله (7أ)
ب) ممارسة المحبَّة كإعلان عن الشخصيَّة (7ب-8)
1) شخصيَّة المُحِبِّ (7ب)
2) شخصيَّة من لا يُحبُّ (8)
2. إظهارات المحبَّة المفتدِية (9-10)
أ) إظهار المحبَّة في التجسُّد (9)
ب) إظهار المحبَّة في الكفَّارة (10)
3. ممارسة المحبَّة الأخويَّة (11-12)
أ) التزام المحبَّة المسيحيَّة المتبادلة (11)
ب) أهمية محبَّتنا المتبادلة (12)
1) طبيعة الله غير المرئيِّ (12أ)
2) العلاقة بين المحبَّة المتبادلة ومحبَّة الله فينا (12ب)
4. تأكيد المحبَّة الفادية (13-16أ)
أ) التأكيد من خلال موهبة الروح (13)
ب) التأكيد من خلال الشهادة الرسوليَّة (14)
ج) التأكيد من خلال الشركة المتبادلة مع الله (15-16أ)
1) شرط الشركة المتبادلة مع الله (15)
2) اختبار محبَّة الله من قِبَل المؤمنين (16أ)
ب. نتائج المحبَّة المُفتدِية (4: 16ب - 5: 5)
1. النتائج في حياتنا الشخصيَّة (4: 16ب-18)
أ) اختبار المحبَّة المنعكسة (16ب)
ب) الثقة في المحبَّة الكاملة (17)
ج) عمل المحبَّة الكاملة (18)
2. النتائج في علاقاتنا بالآخرين (4: 19-21)
أ) الأصل الإلهيُّ للمحبَّة المسيحيَّة (19)
ب) الواجب المترتَّب على المحبَّة الأخويَّة (20-21)
1) التعرُّض لاعتراف كاذب بالمحبَّة (20)
2) وصيَّة محبَّة الله والإخوة (21)
3. النتائج في علاقتنا بالله (5: 1-5)
أ) العلاقة بين إيمان الخلاص والمحبَّة المسيحيَّة (1)
1) طبيعة إيمان الخلاص (1أ)
2) نتيجة إيمان الخلاص (1ب)
ب) إعلان المحبَّة من خلال طاعة الله (2-3)
1) اتِّجاهان للمحبَّة الحقيقيَّة (2)
2) الطبيعة الحقيقيَّة لمحبَّتنا وطاعتنا (3)
ج) إعلان إيمان الغلبة (4-5)
1) الولادة الجديدة كمبدأ النصرة (4)
2) إيمان الفرد المنتصر (5)
خامساً. اليقين النابع من شهادة الروح (5: 6-12)
أ. الشهادة التاريخيَّة ليسوع المسيح (6-9)
1. الحقائق التاريخيَّة المرتبطة بمجيء المسيح (6أ)
2. شهادة الروح (6ب).
3. اتِّفاق الشهود الثلاثة (7-8)
4. موثوقيَّة الشاهد الإلهيِّ (9)
ب. فعاليَّة الشاهد الإلهيِّ (10-12)
1. الاستجابات المختلفة لشهادة الله (10)
أ) الشخص المؤمن بشهادة الله (10أ)
ب) الشخص الذي لا يؤمن بشهادة الله (10ب)
2. النتائج المرتبطة بالحياة الأبديَّة (11-12)
أ) الشاهد على عطيَّة الله للحياة في ابنه (11)
ب) ضرورة اقتناء الابن للحياة الأبديَّة (12)
سادساً. الخاتمة: ثقة المؤمنين ويقينهم (5: 13-21)
أ. الغرض من الكتابة: لإيقان المؤمنين من الحياة الأبديَّة (13)
ب. ثقة المؤمنين أمام الله (14-17)
1. الثقة في استجابة الصلاة (14-15)
أ) شرط الصلاة المستجابة (14)
ب) يقين الطلب الممنوح (15)
2. المشورة فيما يتعلَّق بالتشفُّع (16-17)
أ) المناسبة المحدَّدة التي تحفِّز التشفُّع (16أ)
ب) النتيجة المُصرَّح بها للتشفُّع (16ب)
ج) القيود المُقترَحَة على مثل هذا التشفُّع (16ج)
د) التحذير الختاميُّ والتشجيع للمتشفِّعين (17)
ج. يقين الإيمان المسيحيِّ (18-20)
1. علاقة المؤمن بالخطيَّة (18)
أ) المؤمن وممارسة الخطيَّة (18أ)
ب) المؤمن وحفظ المسيح له (18ب)
ج) المؤمن والجهود الشيطانيَّة (18ج)
2. المفارقة بين المؤمنين والعالم (19)
3. اليقين فيما يتعلَّق بإرساليَّة المسيح وهويَّته (20)
أ) يقين مجيء الابن (20أ)
ب) عطيَّة البصيرة الناتجة عن ذلك (20ب)
ج) اتِّحاد المؤمنين بالله (20ج)
د. التحذير النهائيُّ ضدُّ الأصنام (21)
الجزء الثاني
رسالتَي يوحنَّا الثانية والثالثة
17
مقدِّمة لرسالتَي يوحنَّا الثانية والثالثة
تتميَّز الرسالتان المُختَصَرتان المعروفتان باسم رسالتي يوحنَّا الثانية والثالثة بكونهما أقصر أسفار العهد الجديد. وهما تتوافقان مع «الطول المختصر التقليديِّ الذي تمتاز به الرسائل الخاصَّة والتي، في ذلك الوقت، كانت لتكتب على ورقة برديَّة واحدة بالحجم القياسيِّ (حوالي 25 × 20 سم)».[1] وهما من بين الأمثلة الثمينة على المراسلات التي تمَّ تداولها بين الجماعات المسيحيَّة المحلِّيَّة أو المؤمنين الأفراد خلال أيام الحِراك الذي دار في الجزء الأخير من القرن الأوَّل الميلاديِّ. إنَّ تشابههما في الطول والهيكل والأسلوب يبرِّر وصفهما على أنَّهما «أختان توأم». وعند التعامل مع البنود التمهيديَّة، سيكون من المناسب وضع الرسالتين جنبًا إلى جنب.
قانونيَّة رسالتَي يوحنَّا الثانية والثالثة وكاتبهما
1. الدليل الخارجيُّ
نظرًا لإيجازهما والطبيعة العفويَّة لهاتين الرسالتين، فليس من المستغرَب أنَّهما كانتا من بين كتابات العهد الجديد التي واجهت صراعًا صعبًا من أجل الاعتراف بقانونيَّتهما. وقد أدرجهما يوسابيوس بين الأنتيلغومينا antilegomena، «الكتب المتنازع عليها، على الرغم من أنَّها معروفة ويقبلها الكثيرون» (تاريخ الكنيسة 3. 25) وعلى الرغم من قلَّة الأدلَّة الخارجيَّة، إلاَّ أنَّها ذات ثقلٍ ملحوظ. إذ يقتبس إيريناوس (كَتَب بين 175-195)[2] من يوحنَّا الثانية مرَّتين في عمله الشهير ضدّ الهرطقات.
وفي حديثه عن بعض الهراطقة، كتب: «لقد شدَّدَ يوحنَّا تلميذ الربِّ إدانتهم، إذ لم يرغب حتَّى في أن نوجِّه إليهم تحيَّة لطيفة عابرة»، ثمَّ يقتبس يوحنَّا الثانية 11 (1. 16. 3). وفي 3. 16. 8، يقتبس يوحنَّا الثانية 7-8 لكنَّه يخطئ في ذكر الاقتباس على أنَّه من الرسالة الأولى. يقول ديفيد سميث: «إنَّ زلَّة الذاكرة هذه تجعل الشهادة أكثر فعاليَّة. إذ قد عرف إيريناوس أنَّه اقتباس من أقوال القديس يوحنَّا: الرسالة الثانية والأولى كانتا لنفس الرسول».[3]
يتحدَّث كليمنضس السكندريُّ (155-220) في أعماله الباقية عن «رسالة يوحنَّا الأولى»، ممَّا يُظهر أنَّه تعرَّف على رسالة واحدة أخرى على الأقلِّ كانت أقصر وكتبها يوحنَّا (المُتفرِّقات، 2. 15). يخبرنا يوسابيوس أنَّ كليمنضس في كتابه Hypotyposes، أو «المخطَّطات»، قد أعطى «تعليقات مختصرة على جميع الأسفار القانونيَّة، ولم يحذف حتَّى تلك الأسفار المتنازَع عليها، أعني بذلك سفر يهوذا، والرسائل العامَّة الأخرى» (تاريخ الكنيسة 6. 14).
لم يقُم قبريانوس أسقف قرطاج (حوالي 200 / 210–258) باقتباسات معروفة من هذه الرسائل بنفسه. لكن في تعليقه على مجمع قرطاج (256م)، يقول إنَّ أوريليوس أسقف شولابي اقتبس من رسالة يوحنَّا الثانية 10-11 ملاحظًا أنَّ «يوحنَّا الرسول قد وضع ذلك في رسالته» (عن معموديَّة الهراطقة). يشير هذا إلى أنَّ هاتين الرسالتين «تمَّ قبولهما على أنَّهما رسوليَّتان وقانونيَّتان في كنيسة شمال إفريقيا».[4]
يُعتَبَر دليل اللائحة الموراتوريَّة، وهي قصاصات من قائمة لأسفار العهد الجديد المعروفة في روما حوالي 200م، غامضًا إلى حدٍّ ما. إذ تُذكَر يوحنَّا الأولى مرتبطةً بالإنجيل الرابع، وفيما بعد تشير اللائحة إلى «رسالتين ليوحنَّا قد ذُكِرتا من قبل.» تمَّ اعتبار هذه الإشارة على أنَّها إلى يوحنَّا الأولى والثانية، وبذلك تمَّ حذف يوحنَّا الثالثة. ولكن يبدو من الطبيعيِّ أن نفهم هذه الإشارة إلى «الرسالتين» على أنَّها تدلُّ على يوحنَّا الثانية والثالثة. وإذا كان الأمر كذلك، فهذا يدلُّ على أنَّ هاتين الرسالتين كانتا تعتبران أساسيَّتين في روما قبل نهاية القرن الثاني.
لم يقتبس أوريجانوس (185 - 254)، وهو عالم لاهوت سكندريٌّ، من هاتين الرسالتين في كتاباته الموجودة، لكنَّه كان يعرفهما. وهو لم يبدِ أيَّ رأي شخصيٍّ عنهما لكنَّه أشار إلى أنَّه «لا يتَّفق الجميع على أنَّهما أصليَّتان» (تاريخ الكنيسة 6: 25). يرى وِستكوت أنَّ أوريجانوس اقتبس من رسالة يوحنَّا الأولى بطريقة «تبيِّن أنَّ الرسائل الأخرى لم تكن معروفة على نحوٍ مألوف.»[5]
وضع يوسابيوس القيصريُّ (حوالي 265 - 339)، في كتابه الشهير تاريخ الكنيسة (325م)، هاتين الرسالتين تبعًا لضميره بين الأنتيلغومينا في قائمته عن الأسفار القانونيَّة (3: 25). لكن في كتابه برهان الإنجيل Demonstratio Evangelica (3. 3) يبدو أنَّه «مؤيَّد للأصالة الرسوليَّة؛ وهو يتكلَّم عنهما تلقائيًّا دون تحفُّظ بوصفهما منسوبتين للرسول يوحنَّا.»[6]
أيضًا جيروم (حوالي 345 - 419)، مترجِم الكتاب المقدَّس المرموق، على الرغم من أنَّه يشهد بأنَّ يوحنَّا الأولى قد تمَّ قبولها من قبل جميع الكنائس والعلماء بوصفها من كتابة الرسول يوحنَّا، فقد نسب يوحنَّا الثانية والثالثة إلى «يوحنَّا الشيخ» بدلاً من يوحنَّا الرسول (مشاهير الرجال، الفصل 9). لكن يبدو أنَّ شكوك جيروم بشأن يوحنَّا الثانية والثالثة هي شكوكه كعالِم لا وجهة النظر السائدة في الكنيسة. ولقد قبل مجمع قرطاج (397م) هذه الرسائل على أنَّها قانونيَّة بالتأكيد.
لكن نظرًا لأنَّ محتوياتهما كانت أقلَّ ملاءمة للاقتباس؛ لذلك تُذكَر هاتان الرسالتان بشكل أقلِّ تكرارًا من بقيَّة الأسفار. يعتقد جودسبيد، الذي يرى يوحنَّا الثانية والثالثة على أنَّهما رسالتان مكمِّلتان ليوحنَّا الأولى، أنَّ الرسائل الثلاثة جميعها قد تمَّ تداولها في الأصل كلُحمة واحدة، ثمَّ تباعًا أشار إليها القدماء بشكل مختلف على أنَّها رسالة أولى وثانية وثالثة. وبناءً على ذلك، قال: «لا ينبغي فهم هذه الشهادات المتنوِّعة على أنَّها تعني أنَّ كاتبًا واحدًا كانت له رسالة أولى ثمَّ رسالتان أخريان، ولكن أنَّ الناس وصلتهم لُحمة واحدة من ثلاث رسائل، واحدة طويلة واثنتين قصيرتين جدًّا، ثمَّ أطلقوا عليها أسماء مختلفة.»[7] إذا كان هذا الرأي صحيحًا، فسيكون من شأنه تعزيز الأدلَّة الخارجيَّة لكلتا الرسالتين.
في تلخيص الأدلَّة الخارجيَّة يلاحظ بلامر: «من الواضح أنَّ هؤلاء الشهود الأقرب إلى القديس يوحنَّا زمنيًّا على وجه الدقَّة، هم مؤيِّدون لأصالتها الرسوليَّة من حيث الكتابة، ويبدو أنَّهم لا يعرفون أيَّة وجهة نظر أخرى.»[8] إنَّ حقيقة عدم اقتباس هاتين الرسالتين المختصرتين من قِبَل آباء الكنيسة القدامى لا تثبت أنَّهم كانوا يجهلون وجودهما أو يعتبرونهما غير موثوقتين. إذ لم تسمح طبيعة محتوياتهما، غير المميَّزة عمومًا بملامح آسِرة أو تصريحات غير عاديَّة، إلاَّ بمناسبات طفيفة لاقتباسهما. كان المقطع الوحيد في هاتين الرسالتين الأكثر تميُّزًا ولفتًا للنظر هو يوحنَّا الثانية، الآيات 10-11، وكان هذا المقطع هو ما تمَّ اقتباسه في أغلب الأحيان. كذلك طبيعتهما الموجزة، بالإضافة إلى حقيقة أنَّ واحدة منهما على الأقلِّ، إن لم تكن كلتاهما، كانت رسالة خاصَّة تمامًا، تسبَّب كلُّ ذلك بشكلٍ طبيعيٍّ أن تكونا أقلَّ انتشارًا وقراءة من يوحنَّا الأولى بتعاليمها العقائديَّة العميقة. قد نتَّفق مع لاو عندما يؤكِّد قائلاً: «حقيقةُ أنَّ هاتين الرسالتين، وعلى الرغم من تلك العوائق، أصبحتا معروفتين على نطاق واسع ووصلتا في النهاية إلى المرتبة القانونيَّة فهذا دليل على الاقتناع العامِّ بسلامة التقليد الذي نسبهما إلى الرسول يوحنَّا.»[9]
2. الدليل الداخليُّ
تنقل محتويات يوحنَّا الثانية والثالثة انطباعًا قويًّا بأنَّهما نتاج نفس القلم. يُشار إلى هذا من خلال التشابه الوثيق بينهما في البنية والأسلوب والعبارات ونبرة الفكر. فكلتاهما تُفتَتَح بنفس الطريقة: يعرِّف الكاتب نفسه بأنَّه «الشيخ»؛ ويشار إلى القرَّاء بنفس الصيغة؛ وكلتاهما تعبِّر عن فرحة الكاتب المرتبطة بقرَّائه. وكلتاهما تُختَتَم أيضًا بطرق متطابقة تقريبًا: التأكيد على وجود العديد من الأشياء الأخرى التي يمكن كتابتها؛ مع الوعد بزيارة وشيكة؛ ثمَّ تحيَّة القرَّاء. تظهر تعبيرات يوحنَّا المميَّزة في كلتا الرسالتين. فكلتاهما تتحدَّث عن حسن الضيافة؛ النوع الوحيد من الضيافة المُحرَّمة، والأنواع الأخرى المُوصى بها. يستنتج بروك: «التشابه بينهما قريب جدًّا ممَّا يُصعِّب قبول أيِّ تفسير باستثناء أصل الكتابة المشترك أو المحاكاة الواعية. ولا بدَّ أنَّ تحديد الأصل من النسخة هو أمر سيضني براعة من يريد التفريق بينهما، حتَّى وإن كان هو أكثر الناس مهارة في القيام بذلك».[10]
كذلك توضِّح علاقة هذه الرسائل بـيوحنَّا الأولى أنَّ الثلاثة جميعها يجب أن تكون قد أتت من نفس اليد. فيوحنَّا الثانية هي أقرب ما يكون إلى الأولى. ويوجد أكثر من نصف محتوياتها أيضًا في يوحنَّا الأولى. كما تحتوي كلتا الرسالتين على عبارات مختلفة تردِّد تلك الخاصَّة بالرسالة الأولى أو تتطابق معها.[11] وكلتاهما تكشف أيضًا عن أسلوب يوحنَّا المميَّز المتمثِّل في التأكيد على فكرة من خلال ذكرها سلبيًّا وإيجابيًّا (يوحنَّا الثانية 9؛ يوحنَّا الثالثة 11). تتركنا أوجه التشابه هذه مع اختيار من اثنين، وهو إمَّا قبول الثلاث رسائل على أنَّها تأتي من نفس الكاتب، أو أنَّ هذه الكتابات القصيرة هي نتاج محاكاة واعية مقصودة. دعمًا للرأي الأوَّل، يلاحظ بورديك أنَّه «لا يوجد توظيف غير طبيعيِّ أو متواتر للمصطلحات أو التعبيرات كما يحدث غالبًا عندما يحاول المرء استخدام أسلوب ومفردات شخص آخر.»[12] بالنسبة للقارئ العاديِّ، فإنَّ التفسير الأكثر طبيعيَّة هو الرأي القائل بأنَّ جميع الكتابات الثلاثة هي عمل الكاتب نفسه. هذا الرأي «يعود إلى الكنيسة الباكرة وقد اعتنقه الإجماع تقريبًا حتَّى ظهور العلم النقديِّ الحديث.»[13] فالعديد من العلماء المحدثين ينتقدون هذا الرأي؛ اقترح البعض أنَّ «يوحنَّا الثانية ويوحنَّا الثالثة ليستا في الحقيقة رسائل بل نوع من الأدب الخياليِّ.»[14] لكنَّ مثل هذا الادِّعاء يصعب تصديقه جدًّا. كما تحدَّثت البحثيَّات الحديثة على نطاق واسع عن «المدرسة اليوحنَّاويَّة» التي اجتمعت حول الرسول يوحنَّا، وأنَّ الكتابات المختلفة المنسوبة تقليديًّا إلى الرسول يوحنَّا كتبها العديد من أعضاء هذه المدرسة الذين اعتمدوا على المواد التي تلقَّوها من الرسول وقاموا بتوظيفها.[15]
أثارت حقيقة أنَّ كاتب يوحنَّا الثانية والثالثة يعرِّف نفسه بأنَّه «الشيخ» (ho presbuteros) الكثير من النقاش ووجهات النظر المختلفة عن هويَّته الحقيقيَّة. يُعتقَد أنَّ هذه التسمية تميِّز الكاتب عن الرسول يوحنَّا. يستند هذا الرأي إلى التمييز الذي مارسه يوسابيوس بين يوحنَّا الرسول ويوحنَّا الشيخ بناءً على تفسيره لمقطع مشوّش إلى حدٍّ ما من بابياس (تاريخ الكنيسة 3. 39). وفقًا لهذا الرأي، كان الكاتب عضوًا في المدرسة اليوحنَّاويَّة وقد اعتبر نفسه حاملاً وناقلاً للتقليد الرسوليِّ. لكنَّ هؤلاء المفسِّرين الذين يرفضون وجهة نظر يوسابيوس بشأن رجلين يدعيان يوحنَّا في أفسس[16] يصرُّون على أنَّه لا يوجد شيء يجعل من المستحيل قبول أنَّ الرسول يوحنَّا كان بإمكانه هو نفسه أن يستخدم هذه التسمية للتعريف عن نفسه في كتابة هاتين الرسالتين. وعندما يطلق على نفسه لقب «الشيخ»، فهو ككاتب يتقدَّم بجرأة في شخصه، مدركًا أنَّ قرَّاءه يعرفون من هو ويعرفونه جيِّدًا. وهو يتكلَّم بسلطة، ويرسل مفوَّضين من طرفه إلى كنيسة قائمة، ويشعر أنَّ حضوره، عند وصوله، سيكون كافيًا لإخماد أيَّة معارضة لسلطته. إنَّه يتكلَّم ويتصرَّف كشخص واعٍ للسلطة الرسوليَّة ويدرك أنَّ سلطته معروفة لقرَّائه. إنَّ تعريف الكاتب لنفسه بأنَّه «الشيخ» يمثِّل وضعًا استثنائيًّا تمامًا. فالشيخ العاديُّ، الذي يكتب بنفسه وليست له رغبة في الخداع، من الصعب أن يطلق على نفسه لقب «الشيخ». لا يوجد سبب للاعتقاد بأنَّ المصطلح هنا يستخدم للإشارة إلى منصبِ سلطةٍ كنسيَّة محلِّيَّة. «فالسلطة التي يدَّعيها المؤلِّف أكبر بكثير من أن ترتبط إطلاقًا بمنصب ‹الشيخ›.»[17] إذ أنَّ الخدمة التي يضطلع بها «الشيخ» في هذه الرسائل -إرسال مفوَّضين وتلقِّي تقاريرهم، والإشراف على دائرة واسعة من الكنائس، وزيارتهم وإعطائهم التوجيهات والإرشادات- هي بالضبط نوع الخدمة التي عُرفَ عن الرسول يوحنَّا استمراره في القيام بها من أفسس في حياته اللاحقة.[18]
لا يمكن تفسير سبب اختيار يوحنَّا عدم استخدام اسمه، لكنَّ استخدامه للقب «الشيخ» ملائم تمامًا ومميَّز. إذ يشير استخدامه بالنسبة له إلى منصب ليس من الضروريِّ أن يقتضيه لقب «الرسول». فقرب نهاية القرن الأوَّل، أصبح مصطلح «الرسول» تسمية شائعة للرسل أمثال هؤلاء المذكورين في الرسالة الثالثة. لكنَّ هذا اللقب كان أكثر تحديدًا لمنصبه الحقيقيِّ باعتباره الباقي الوحيد على قيد الحياة من الرعيل الأوَّل. فيما يتعلَّق باستخدام هذا اللقب يقول سميث:
استخدمه الجيل الثاني من المسيحيِّين عن أسلافهم، «رجال الأيام الأولى»، الذين شهدوا البدايات العظيمة. وهكذا، يستخدمه بابياس عن الرسل، ويستخدمه إيريناوس بدوره عن بابياس ومعاصريه. لذلك كان من الطبيعيِّ أن يُعرَف القديس يوحنَّا، آخر الرسل، الباقي الوحيد على قيد الحياة من «الشيوخ»، بين كنائس آسيا باسم «الشيخ».[19]
ومن ثمَّ فإنَّ استخدام يوحنَّا لهذا المصطلح سيحدِّد بوضوح ودقَّة منصبه وسلطته لدى قرَّائه. عند كتابة هذه الرسائل، من الواضح أنَّ يوحنَّا لم يشعر بضرورة استخدام اسمه الشخصيِّ أو تقديم احتكام صريح للسلطة الرسوليَّة. وهذا يتوافق مع أسلوبه في الإنجيل الرابع والرسالة الأولى.[20]
مرَّة أخرى هنا، يأتي اعتراض على أنَّ المؤلِّف لا يمكن أن يكون رسولاً لأنَّه من غير المعقول أن يكون الرسول قد تعرَّض للمقاومة والتحدِّي اللذين واجههما الكاتب من قِبَل دِيُوتْرِيفِسَ (يوحنَّا الثالثة 9-10). ويصرُّ بورنكام على أنَّه «في ظلِّ مثل هذا الصراع، لن يمتنع المؤلِّف بالتأكيد عن اللجوء إلى منصبه الرسوليِّ».[21] ولكن إذا كان لقبه الشخصيُّ «الشيخ» يؤسِّس هويَّته الرسوليَّة لدى القرَّاء، فإنَّ ملاحظته بأنَّه سيتعامل مع أفعال دِيُوتْرِيفِسَ عند وصوله (الآية 10) تدل على هذا الاستخدام لسلطته الرسوليَّة. من المؤكَّد أنَّ العمل المتبجِّح والخبيث الذي قام به دِيُوتْرِيفِسَ هو أمرٌ مذهل. لكنَّ الكشف عن هذا العمل المفاجئ لا يمكن أن يبطل الدليل على كتابة يوحنَّا للرسالة. بل يُظهر الحدث ببساطة أنَّه حتَّى القادة داخل الكنائس الرسوليَّة لم يكونوا دائمًا أمثلة على السلوك والقداسة المسيحيَّة اللائقة. فقد كان لبولس خصوم عنيفون. هكذا يجب أن تهيِّئنا المعارضة التي اختبرها بولس في كورنثوس لإجراءٍ مثل هذا. كما يلاحظ فارار: «إنَّ تاريخ كنيسة المسيح، منذ الأيام الأولى وحتَّى الأيام الأخيرة، حافل بالمواضيع التي تثير الحيرة والمفاجأة.»[22]
3. الخلاصة
الأدلَّة الخارجيَّة ليست بأيِّ حال من الأحوال غير مواتية للرأي القائل بأنَّ يوحنَّا الرسول كتب هذه الرسائل؛ بل كان هذا هو رأي أولئك الأقرب إلى وقت كتابة الرسائل. في وقت لاحق، ومع نسيان الظروف التي دفعت إلى كتابتها، نشأت شكوك بشأن الهويَّة الحقيقيَّة لـ «الشيخ». لكنَّ رجحان الأدلَّة الخارجيَّة يأتي في صالح أصل كتابتها الرسوليِّ.
أيضًا الأدلَّة الداخليَّة تؤيِّد بشدَّة الرأي التقليديَّ. إذ يتوافق الوضع التاريخيُّ الذي تعكسه هذه الرسائل المختصرة مع معلوماتنا المتعلِّقة بالسنوات الأخيرة من حياة يوحنَّا. تشير محتويات هذه الرسائل بوضوح إلى أصالة نسبتها إلى يوحنَّا. ونحن نخلُص مع سالمن إلى أنَّه «لا يبدو أنَّ هناك روايةً مهمَّة سوى الرواية التقليديَّة، أنَّ الكاتب كان الرسول يوحنَّا.»[23]
هويَّة قرَّاء رسالتَي يوحنَّا الثانية والثالثة
1. يوحنَّا الثانية
الرسالة الثانية موجَّهة إلى «كِيرِيَّةَ [تُعني سيِّدة أيضًا في الأصل، وتأتي «سيِّدة» في الترجمات الإنجليزيَّة، (المُتَرجِم)] المختارة وأولادها.» يُعتبَر المعنى الدقيق لهذا العنوان غامضًا وقد أدَّى إلى تفسيرات متنوِّعة. هذا التنوُّع في التفسيرات ليس بأيِّ حالٍ من الأحوال من أصل حديث. فلا يزال المعنى المقصود من تسمية الكاتب للمرسل إليهم محيِّرًا بالنسبة للمفسِّرين. في الواقع، يستنتج وستكوت أنَّ «مشكلة العنوان غير قابلة للحلِّ بحسب معرفتنا الحاليَّة».[24] لكنَّ التفسيرات تقع في مجموعتين بشكل عامٍّ. السؤال الأساسيُّ هو ما إذا كانت عبارة «السيدة المختارة» (eklektē kuria) يجب أن تؤخذ مجازيًّا أم حرفيًّا.
هؤلاء المفسِّرون الذين يفهمون الكلمات مجازيًّا ينقسمون إلى مجموعتين. أحد الآراء، وهو رأي قديم مثل رأي جيروم، هو أنَّ هذه هي رسالة جامعة موجَّهة إلى الكنيسة ككلٍّ تحت صورة امرأة. ولكن في ظلِّ هذا الرأي فإنَّ الإشارة إلى «أختك المختارة» في الآية 13 لا معنى لها. يقترح بولتمان أنَّ «الكاتب تصوَّر كتاباته على أنَّها رسالة ‹جامعة›، والتي كان حاملها يسلِّمها إلى الجماعات المناسبة من وقت لآخر».[25] ولكن في ظلِّ مثل هذه النظرة العامَّة، يجب أن تكون الإشارة إلى «الأخت المختارة» (آية ١٣) بصيغة الجمع، ما لم يكن «الشيخ» يحظى باعتراف لدى جماعة أرثوذكسيَّة [أي إيمانها قويم، ليس بالمعنى الطائفيِّ، (المُتَرجِم)] أخرى واحدة فقط!
يرى معظم المفسِّرين الذين يقبلون المعنى المجازيَّ لمصطلح «السيِّدة المختارة» أنَّ الإشارة إلى كنيسة محليَّة. لدعم هذا الرأي، أُشير إلى التلميح غير الواضح في رسالة بطرس الأولى 5: 13. ورجَّحت التخمينات المتعلِّقة بموقع هذه الكنيسة المحليَّة أن تكون في كورنثوس أو أورشليم أو فيلادلفيا أو أفسس أو بابل. لقد كان الأسلوب القديم في الإشارة إلى المدن أو المنظَّمات الجماعيَّة بصيغة المؤنَّث معروفًا جيِّدًا. لكن ليس في هذه الرسالة ما يوحي بهذا المعنى المجازيِّ في تسمية قرَّائها. ربَّما في إطار كتابةٍ تصويريَّة بحتة، مثل سفر الرؤيا، قد يكون مثل هذا الاستخدام مبرَّرًا ومفهومًا بسهولة. لكنَّ هذه الرسالة لا تقدِّم أيَّة إشارة إلى أيِّ تفسير مجازيٍّ مقصود. بل بدلاً من ذلك، «إنَّ بساطة الرسالة الصغيرة تحول دون إمكانيَّة وضع قصَّة رمزيَّة بهذا الشكل، في حين أنَّ رقَّة نبرتها تختمها بختم الاتِّصال الشخصيِّ».[26] كما يشير فارار: «يمكن بالتأكيد تسمية الكنيسة ‹بعروس المسيح›، لكنَّ كلمة ‹سيِّدة› لا تنطبق في أيِّ مكان على الكنيسة، ولا يوجد أيُّ أثر للمراسلات بين الكنائس تحت عنوان ‹السيدات›.»[27]
يبدو من الطبيعيِّ أن نأخذ الكلمات البسيطة للرسالة على أنَّها تشير إلى سيِّدة حقيقيَّة وأولادها. هذا الرأي ترجِّحه بساطة الرسالة، وإشارة الكاتب إلى أنَّه قابل بعض أولادها (الآية 4)، وذِكر أولاد أختها (الآية 13)، والإشارة إلى منزل السيِّدة المختارة (الآية 10)، وكذلك التناظر مع الرسالة الثالثة، والتي هي بالتأكيد موجَّهة إلى فرد بعينه. فمن المثير للاهتمام ملاحظة أنَّ صيغة العنوان في كلتا الرسالتين هي نفسها تمامًا.[28] قد نخلُص إلى أنَّ هذه الرسالة ربِّما تكون موجَّهة إلى كنيسة، لكنَّنا لا نعتقد أنَّ ذلك محتمل. على حدِّ تعبير بورديك: «يبدو أنَّ مبادئ تفسير الكتاب المقدَّس توجِّه المرء إلى تبنِّي المعنى الأكثر طبيعيَّة للمقطع، أي أنَّ السيدة بشخصها وأولادها هم المستقبِلون المقصودون للرسالة».[29]
لكن لا يوجد اتِّفاق بشأن المغزى الدقيق لعنوان «السيِّدة الْمُخْتَارَةِ» (eklektē kuria) بين أولئك الذين يقبلون التفسير الشخصيَّ للتسمية. فقد يتمُّ ترجمة الكلمة اليونانيَّة حرفيًّا إلى «إلى سيِّدة مُخْتَارَةِ» أو «للسيِّدة المختارة».[30] ولكن اعتُبِر كلا المصطلحين اليونانيَّين على أنَّه قد يكون الاسم الشخصيَّ للسيِّدة المَعنيَّة بالخطاب. اعتبر كليمنضس السكندريُّ أنَّ (eklektē) «إلِكتِيه» هو الاسم الشخصيُّ للسيِّدة، وبالتالي يعتقد أنَّ هذا المصطلح eklektē هنا هو اسم علم وليس صفة «مختارة، منتخَبة». لاو، كممثِّل محدَث لهذا الرأي، يقترح أنَّ أفضل ترجمة هي «للسيِّدة ‹مختارة› (كاسم)».[31] لكنَّ هذا يبدو غير مقبول في ضوء الآية 13 حيث من الواضح أنَّ المصطلح يأتي كصفة. فموقعه في الآية 1، قبل الاسم «سيِّدة» (في اليونانيَّة)، يرجِّح أيضًا أنَّه يأتي هنا كصفة.
الأكثر ترجيحًا هو الرأي القائل بأنَّ المصطلح الثاني كان الاسم الشخصيَّ لتلك السيِّدة: «إِلَى كِيرِيَّةَ الْمُخْتَارَةِ» (Kuria) كان هذا رأي أثناسيوس (296-373) وهو مقبول لدى العديد من العلماء المعاصرين. وهو الترجمة المُقترَحَة في هامش نسخة (1901) ASV. اسم كِيرِيَّةَ موجود بالفعل في الوثائق القديمة. تكمن صعوبة هذه الترجمة في أنَّها إذا كانت اسمًا عَلَمًا، استنادًا إلى التناظر مع يوحنَّا الثالثة 1 («إِلَى غَايُسَ الْحَبِيبِ»)، يجب أن تأتي صفة «الْمُخْتَارَةِ» بعد الاسم العَلَم (في اليونانيَّة). (انظر أيضًا رومية 16: 5، 8، 9، 10، 12، 13 [في اليونانيَّة]). الاسم كِيرِيَّةَ هو مؤنَّث الكلمة الشائعة لـ «الربِّ» (kurios كيريُّوس)؛ إنَّه المعادل اليونانيُّ للكلمة الآراميَّة لاسم مارثا. وقد أدَّى هذا إلى تخمين البعض أنَّ السيدة كانت مارثا من بيت عنيا، أو حتَّى مريم أمِّ ربِّنا. ولكن، كما يعلِّق فارار، فإنَّ ترجمة مثل هذه التخمينات «يعني أن تكون مذنبًا بارتكاب الممارسة الكسولة والبغيضة المتمثِّلة في اقتراح نظريَّات ترتكز على الهواء، ولا تستحقُّ حتَّى عناء التفنيد الجادِّ.»[32]
إنَّ ترجمة «السيِّدة المختارة» أو «السيِّدة المنتخبة» تترك مسألة هويَّة هذه السيِّدة التي يتمُّ توجيه الرسالة إليها أمرًا مفتوحًا. إذ أنَّه ليس من غير العاديِّ أن يكتب الرسول يوحنَّا مثل هذه الرسالة إلى سيِّدة مسيحيَّة وعائلتها. فقد لعبت نساء مثل بِرِيسْكِلاَّ ولِيدِيَّةُ وفِيبِي دورًا مهمًّا في حياة الكنائس الأولى. وفي رسالة رومية 16، أرسل بولس تحيَّاته الشخصيَّة إلى عدد من النساء المسيحيَّات. إنَّ كلَّ ما نعرفه عن السيِّدة التي وجَّه إليها الشيخ هذه الرسالة يجب أن نتعلَّمه من محتوياتها.
2. يوحنَّا الثالثة
الرسالة الثالثة موجَّهة إلى غَايُسَ الْحَبِيبِ. لا نعرف عنه شيئًا أكيدًا بخلاف ما هو موجود في هذه الرسالة الموجزة. الاسم غَايُس، وهو المعادل اليونانيُّ لللاتينيِّ Caius، كان أحد أكثر الأسماء شيوعًا في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة. يقول فارار: «كان من الشائع جدًّا اختياره في كتب القانون الرومانيِّ لخدمة الغرض المألوف لاستخدام كلمة ‹فلان› في قواعدنا القانونيَّة الخاصَّة.»[33] ويتَّضح من الرسالة المرسلة إليه أنَّ غَايُس كان رجلاً مسيحيًّا متميِّزًا ويحظى بتقدير كبير من قبل الشيخ.
سبب كتابة يوحنَّا الثانية والثالثة
1. يوحنَّا الثانية
جاءت كتابة يوحنَّا الثانية بسبب معرفة الكاتب بأنَّ بعض المعلِّمين الهرطوقيِّين، الذين يتظاهرون بأنَّهم مبشِّرون مسيحيُّون، كانوا يخطِّطون للعمل في المجتمع المسيحيِّ الذي تعيش فيه هذه السيِّدة المسيحيَّة. عرف يوحنَّا أنَّها كانت سيِّدة مسيحيِّة، ومعروفة بحفاوة ضيافتها، التي مارستها من قبيل الترحيب بخدَّام الكلمة المتجوِّلين الذين يزورون محيطها الاجتماعيَّ. وإدراكًا منه لجهود هؤلاء المعلِّمين الكذبة للدخول إلى مثل هذه المنازل لنشر تعاليمهم الهرطوقيَّة، فإنَّه يحذِّرها من الترحيب بهم في منزلها ومن ثمَّ دعم مجهوداتهم، حتَّى لا تصبح شريكةً بذلك في خطاياهم. كانت الرسالة مدفوعة باهتمام يوحنَّا الرعويِّ بأصدقائه الأعزَّاء. يجب على بيتها المسيحيِّ، كمِحراب لحقِّ الله، أن يُقصِي كلَّ ما يتعارض مع حقِّه الموحى به.
2. يوحنَّا الثالثة
اقتضت الحاجة إلى الرسالة الثالثة بسبب التقرير الذي تلقَّاه يوحنَّا من المبشِّرين بشأن عمل دِيُوتْرِيفِس المتغطرس في الكنيسة التي ينتمي إليها غَايُس. أرسل يوحنَّا رسلَ الإنجيل إلى المنطقة المحيطة وأوصى الكنائس بضيافتهم ودعمهم. وعندما وصلوا إلى الكنيسة التي عاش فيها غايس، رفض ديوتريفس استقبالهم، وهو عضو مؤثِّر، إن لم يكن هو قائد الكنيسة، وتحدَّث ضدَّ الرسول نفسه، وعارض أولئك الذين اتَّبعوا طلب يوحنَّا. أسَّس غَايُس صداقةً مع هؤلاء المبشِّرين؛ وعند عودتهم إلى الكنيسة التي أقام بها يوحنَّا، أبلغوه عمَّا اختبروه أمام الكنيسة. ردًّا على ذلك، كتب يوحنَّا إلى غَايُس، مُعرِبًا عن تقديره الحارِّ لاستقباله الودود للمبشِّرين ومُعلنًا عن نيَّته في زيارة شخصيَّة للتعامل مع المشكلة.
مكان وتاريخ كتابة يوحنَّا الثانية والثالثة
1. المكان
لا تقدِّم هاتان الرسالتان أيَّة إشارات مباشرة تتعلَّق بالمكان الذي كُتِبَتا منه. لكنَّ الافتراض الشائع هو أنَّهما كُتِبَتا من أفسس بينما كان الرسول يوحنَّا يصوغ خططًا للقيام بجولة عبر كنائس المقاطعة.
2. التاريخ
لا تقدِّم هاتان الرسالتان أيَّة بيانات لتحديد تاريخ تكوينهما. لكنَّ تقاربهما الوثيق مع رسالة يوحنَّا الأولى يدعم الافتراض بأنَّهما كتبتا في وقت قريب من تلك الرسالة. هذا من شأنه أن يشير إلى تاريخ باكر بعد الميلاد (80-81)، أو تاريخ لاحق بعد الميلاد (97– 98). لكن يبدو أنَّ التاريخ الباكر هو الأفضل.
غرض رسالتَي يوحنَّا الثانية والثالثة
1. يوحنَّا الثانية
إنَّ الغرض الأساسيَّ من هذه الرسالة هو التحذير من تقديم الضيافة العشوائيَّة للمعلِّمين الجائلين الذين تعتبر سلامة إيمانهم المسيحيِّ أمرًا مشكوكًا فيه. وقلب يوحنَّا الرعويِّ دفعه إلى إقناع هذه السيِّدة المسيحيَّة بضرورة ممارسة التمييز الروحيِّ في إظهار كرم الضيافة والمحبَّة المسيحيَّة. فأولئك الذين أثبتوا أنفسهم بأنَّهم «تقدميُّون» ولم يلتزموا بعقيدة المسيح ينبغي رفض مساعدتهم في عملهم الهدَّام. كان الهدف الآخر من الكتابة هو الثناء على هذه «السيِّدة المختارة وأولادها» لإخلاصهم للحقِّ الذي بشَّر به الرسول نفسه، من خلال استمرارهم في الثبات في التعليم الذي تلقَّوه.
2. يوحنَّا الثالثة
كان الغرض الأساسيُّ للشيخ في كتابة هذه الرسالة هو حشد المزيد من خدمات غايُس النافعة نيابة عن المرسلين الذين كان يوحنَّا يرسلهم. لقد عزَّز علاقاته مع غايُس من خلال التأكيد على حبِّه العميق له، ومن خلال التأكيد له على صلاته من أجل الازدهار والصحَّة لصديقه العزيز، وأيضًا من خلال الثناء عليه لموقفه الجريء من أجل الحقِّ من خلال إظهار كرم الضيافة للمرسلين الذين كان يوحنَّا قد أرسلهم مسبَّقا. يحثُّ يوحنَّا غايُس على مواصلة العمل الصالح وأيضًا أن يتعلَّم درسًا من المثال الذميم الذي لدِيُوتْرِيفِسَ. لتشجيع غايُس، أعلن الرسول أنَّه سيأتي شخصيًّا ويتعامل مع دِيُوتْرِيفِسَ الباحث عن مجد ذاته. إنَّ الرسالة إلى غَايُس هي أيضًا في الواقع رسالة توصية إلى دِيمِتْرِيُوسُ، الذي يبدو أنَّه كان حاملاً هذه الرسالة وقائدًا للجماعة التبشيريَّة التي كان يرسلها يوحنَّا.
خصائص يوحنَّا الثانية والثالثة
تُظهر هاتان الرسالتان المختصرتان تشابهًا ملحوظًا في البنية والأسلوب ونبرة التفكير. فتحيَّاتهما وخاتمتهما متشابهتان بشكل ملحوظ. وكلتا الرسالتين تتحرَّكان في عالم الحقِّ والمحبَّة؛[34] وكلتاهما تقدِّمان الحياة المسيحيَّة على أنَّها مسيرة في الحقِّ.
تقدِّم هاتان الرسالتان صورة جذَّابة للرسول يوحنَّا في تعاملاته مع الأفراد. وتعتبران من التوضيحات القيِّمة للمراسلات التلقائيَّة والحميمة بين المسيحيِّين بالشكل الذي لا بدَّ أنَّه كان شائعًا جدًّا في الكنيسة الأولى. وقد لا تكون لهما أهميَّة عقائديَّة حاسمة، لكنَّهما تعطياننا لمحة حيَّة عن السنوات الأخيرة من العصر الرسوليِّ بمشاكله وانتصاراته.
تشير كلتا الرسالتين إلى مكانة وأهميَّة الضيافة المسيحيَّة في الكنيسة الأولى. وتحذِّر الرسالة الثانية من الضيافة الباطلة التي من شأنها أن تساعد وتزيد من التعاليم الكاذبة؛ إنَّها شهادة قويَّة ضدّ الشركة مع الهراطقة والمُجدِّفين. وتُثني الثالثة على كرم الضيافة المسيحيَّة للإخوة المرسلين باعتبارها التزامًا على الأفراد والكنيسة لا يجوز كسره. إنَّها رسالة ذات تكليف مُرسليٍّ بشكل واضح. وضيافة كهذه تغرس الشركة في الحقِّ وتنميها به. وهكذا يوفِّر يوحنَّا فيهما ضمانتين للكنيسة. إذ أنَّ «البدعة والانشقاق هما الخطران اللذان تتعرَّض لهما الكنيسة على الدوام. وهكذا، فإنَّ إدانة القديس يوحنَّا لروح البدعة أو الهرطقة مسجَّلة في الرسالة الثانية. بينما إدانته لروح الانشقاق مكتوبة في الرسالة الثالثة.»[35]
إنَّ توجيه يوحنَّا في الرسالة الثانية بعدم استقبال الهراطقة في المنزل، أو حتَّى تحيَّتهم بتحيَّة لطيفة عابرة، هو أمر طالما شعر الناس أنَّه شديد للغاية. ولكن سيكون من الخطأ أن نصف هذا التوجيه على أنَّه توجيه خاطئ، لأنَّه ببساطة يرجع إلى غيرة يوحنَّا الشخصيَّة وطبيعته الناريَّة. تحتوي كلمات يوحنَّا هذه على تصحيح ضروريٍّ للغاية لتساهلنا المعاصر الذي من شأنه أن يدفعنا لتحمُّل المجاهرة بالخطأ بل وممارسة الشركة في ظلِّ هذا بذريعة السلام ووحدة الكيان أو المؤسَّسة. يصرُّ ألفورد، «كان من الأفضل بما لا يُقاس بالنسبة للكنيسة الآن لو أنَّ أبناءَها المخلصين قد التزموا بهذه الوصيَّة في جميع العصور.»[36] لكنَّ تعليق فارار، للأسف، صحيح أيضًا:
هذا النصُّ -المُجتَزَأ من سياقه، والمُقَطَع من معناه التاريخيِّ- قد أُسِيء استخدامه بشكل رهيب. إنَّه أمرٌّ يسيء إلى الروح المسيحيَّة أنَّه من بين كلِّ إرث المسيحيَّة الباكرة تكون الآية الوحيدة المُقتَبسَة من رسالة المحبَّة هذه لرسول المحبَّة هذا، هي آية تمَّ تأويلها بشكل منحرف لتصبح عذرًا مقبولاً للكراهية الدينيَّة.[37]
تعطي الرسالة الثالثة صورة حيَّة للرجال الثلاثة الذين ظهروا فيها. وقد نُحِتَت الشخصيَّات بمهارة نفسيَّة كبيرة. إذ يظهر كلُّ رجل كفردٍ متمايز؛ ويشهد هذا الطرح على معرفة الكاتب الكاملة الكامنة وراء الصورة. إذا أنَّ ترسيماته للشخصيَّات واقعيَّة ومقنعة.
[1] Stephen S. Smalley, 1, 2, 3 John, Word Biblical Commentary (Waco, Texas: Word Books, 1984), p. 314.
[2] التواريخ هنا هي تلك المذكورة في:
J. D. Douglas, ed., The New International Dictionary of the Christian Church (Grand Rapids: Zondervan, 1974).
[3] David Smith, “The Epistles of St. John,” in The Expositor’s Greek Testament ([1897]; reprint ed., Grand Rapids: Eerdmans, n.d.), 5:159.
[4] Henry Alford, The Greek Testament, 4th ed. (London: Rivingtons, 1871), 4:182.
[5] Brooke Foss Westcott, The Epistles of St. John, The Greek Text with Notes, 3rd ed. (1892; reprint ed., Grand Rapids: Eerdmans, 1950), p. 331.
[6] Alfred Plummer, The Epistles of S. John, Cambridge Bible for Schools and Colleges (1883; reprint ed., London: Cambridge University Press, 1938), p. 52.
[7] Edgar J. Goodspeed, An Introduction to the New Testament (Chicago: University of Chicago Press, 1937), p. 324.
[8] Plummer, p. 53.
[9] R. Law, “John, The Epistles of: The Second and Third Epistle,” in The International Standard Bible Encyclopedia (Grand Rapids: Eerdmans, 1939), 3:1718.
[10] A. E. Brooke, A Critical and Exegetical Commentary on the Johannine Epistles, International Critical Commentary (New York: Charles Scribner’s Sons, 1912), p. lxxiii.
[11] Ibid., p. lxxiv.
[12] Donald W. Burdick, The Letters of John the Apostle, An In-Depth Commentary (Chicago: Moody Press, 1985), p. 415.
[13] Ibid., p. 11.
[14] See Rudolf Bultmann, The Johannine Epistles, Hermeneia—A Critical and Historical Commentary on the Bible (Philadelphia: Fortress Press, 1973), p. 107, note 2, and the literature cited there.
[15] See Raymond E. Brown, The Community of the Beloved Disciple (New York: Paulist Press, 1979); Oscar Cullman, The Johannine Circle (Philadelphia: Westminster Press, 1975).
[16] انظر «يوحنَّا الشيخ» تحت عنوان «هويَّة كاتب رسالة يوحنَّا الأولى» من مقدِّمة رسالة يوحنَّا الأولى في هذا الكتاب.
[17] Brooke, pp. lxxv–lxxvi.
[18] See “John’s Ephesian Ministry” in the introduction to 1 John (pp. 11–14).
[19] Smith, p. 160.
[20] يتمُّ تحديد استخدام يوحنَّا لاسمه في الرؤيا من خلال حقيقة أنَّ السفر قد صيغ على غرار الأسفار النبويَّة في العهد القديم، إذ دائمًا ما يُذكَر اسم النبيِّ الذي تمَّ إبلاغه بالنبوَّة.
[21] Günther Bornkamm, “presbus, presbuteros,” in Theological Dictionary of the New Testament, ed. Gerhard Kittel (Grand Rapids: Eerdmans, 1964), 6:671.
[22] F. W. Farrar, The Early Days of Christianity, author’s ed. (New York: Cassell, n.d.), p. 590.
[23] George Salmon, An Historical Introduction to the Study of the Books of the New Testament, 9th ed. (London: John Murray, 1904), p. 272.
[24] Westcott, p. 224.
[25] Bultmann, p. 108.
[26] Smith, p. 162.
[27] F. W. Farrar, The Messages of the Books, Being Discourses and Notes on the Books of the New Testament (New York: E. P. Dutton, 1897), p. 501.
[28] هذا التشابه يتَّضح من خلال مقارنة الآيتين:
«اَلشَّيْخُ، إِلَى كِيرِيَّةَ الْمُخْتَارَةِ، وَإِلَى أَوْلاَدِهَا الَّذِينَ أَنَا أُحِبُّهُمْ بِالْحَقِّ.»
«اَلشَّيْخُ، إِلَى غَايُسَ الْحَبِيبِ الَّذِي أَنَا أُحِبُّهُ بِالْحَقِّ.»
[29] Burdick, p. 416.
[30] الترجمة الأولى هي حرفيّة أكثر وتبدو أفضل. أمَّا الثانية فهي ممكنة ومعقولة أكثر بدون أداة التعريف.
[31] R. Law, “Elect Lady,” in The International Standard Bible Encyclopedia (Grand Rapids: Eerdmans, 1939), 2:925.
[32] Farrar, Early Days of Christianity, p. 589.
[33] Ibid., p. 569.
[34] تأتي كلمة «حقّ» كاسم (alētheia) خمس مرَّات في يوحنَّا الثانية وستِّ مرَّات في يوحنَّا الثالثة؛ وتأتي كصفة (alēthēs) مرَّة واحدة في يوحنَّا الثالثة. بينما ترد كلمة «محبَّة» كاسم (agapē) ثلاث مرَّات (يوحنَّا الثانية 3، 6؛ يوحنَّا الثالثة 6) وتأتي كفعل (agapaō) ثلاث مرَّات (يوحنَّا الثانية 1، 5؛ يوحنَّا الثالثة 1) وتأتي كصفة «حبيب» (agapētos) أربع مرَّات في يوحنَّا الثالثة (الآيات ١، ٢، ٥، ١١).
[35] W. Alexander, “The Third Epistle of John,” in The Speaker’s Commentary, New Testament (London: John Murray, 1881), 4:374.
[36] Henry Alford, The New Testament for English Readers ([1865–1872]; reprint ed., Chicago: Moody Press, [1958]), p. 1764.
[37] Farrar, Messages of the Books, p. 502.
18
مخطَّط رسالة يوحنَّا الثانية
أوَّلاً. التحيَّة (الآيات 1-3)
أ. الكاتب (الآية 1أ)
ب. المتلقَّون (الآيات 1ب – 2)
ج. اليقين (الآية 3)
ثانيًا. الرسالة (الآيات ٤-١١)
أ. مناسبة الرسالة (الآية 4)
ب. مناشدة المحبَّة والطاعة (الآيات ٥-٦)
1. طابع المناشدة ومحتواها (الآية 5)
2. طبيعة الوصيَّة وقِدَمها (الآية 6).
ج. التحذير من المعلِّمين الكذبة (الآيات ٧-٩)
1. سبب التحذير (الآية 7)
2. عبارة التحذير (الآية 8)
3. المقابلة والتباين بين الهراطقة والمؤمنين الحقيقيِّين (الآية 9)
د. تحريم مساعدة المعلِّمين الكذبة (الآيات 10-11)
1. عبارة التحريم (الآية 10)
2. سبب التحريم (الآية 11)
ثالثا. الخاتمة (الآيات ١٢-١٣)
أ. خِطَط الزيارة القادمة (الآية 12)
ب. تحيَّات أولاد أختها (الآية ١٣)
20
مخطَّط رسالة يوحنَّا الثالثة
أوَّلا. التحيَّة (الآيات ١-٤)
أ. الكاتب (الآية 1أ)
ب. المتلقُّون للرسالة (الآية 1ب)
ج. الصلاة (الآيات ٢-٤)
1. عبارة الصلاة (الآية 2)
2. سبب الصلاة (الآيات 3-4)
أ) التقارير الواردة عن غايُس (الآية 3)
ب) الفرح بسبب التقرير الوارد عن غايُس (الآية 4)
ثانيًا. الرسالة (الآيات ٥-١٢)
أ. الالتزام بدعم المرسلين (الآيات ٥-٨)
1. مدح خدمة غايُس للمرسلين (الآيات ٥ - ٦أ)
2. طبيعة خدمة غايُس الإضافيَّة للمرسلين (الآية 6ب)
3. شرح الواجب الرسوليِّ (الآيات ٧-٨)
أ) رسم صورة لشخصيَّة المرسلين (الآية 7)
ب) الالتزام التبشيريُّ للمؤمنين (الآية 8)
ب. مقاومة دِيُوتْرِيفِس المُستبدِّ (الآيات ٩-١٠)
1. رسالة يوحنَّا إلى الكنيسة (الآية 9أ)
2. رفض دِيُوتْرِيفِس التعاون (الآية 9ب)
3. التعامل مع دِيُوتْرِيفِس عند وصول يوحنَّا (الآية 10أ)
4. تصوير أفعال دِيُوتْرِيفِس بدقَّة (الآية 10ب)
ج. الدرس الشخصيُّ من تلك الظروف (الآية 11)
د. شهادة دِيمِتْرِيُوسُ (الآية 12)
ثالثًا. الخاتمة (الآيات ١٣-١٤)
أ. قِصَر الرسالة وزيارة يوحنَّا الوشيكة (الآيات 13-14أ)
ب. إعلان البركة على القارئ (الآية 14ب)
ج. التحيَّات المتبادلة للأحبَّاء (الآية 14ج)
رسائل يوحنا
The Epistles of John
تأليف
د. إدموند هيبرت
Authored by
D. Edmond Hiebert
ترجمة
صموئيل ناجي نعمان
Translated by
Samuel N. Naaman
Published in Arabic by الناشر في العربية
معهد تدريب الرعاة
Shepherds' Training Institute
جميع حقوق الطبع في النّسخة العربيّة محفوظة للناشر وحده، ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب، أو أيِّ جزء منه، أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها، أو استنساخه بأيِّ شكل من الأشكال، دون إذنٍ خطِّيٍّ مُسبَّق من الناشر. ومن يخالف ذلك يضع نفسه تحت طائلة القانون.
Book: The Epistles of John(Arabic edition).
Author: D. Edmond Hiebert.
Arabic Translation: Samuel N. Naaman.
Proofreading: Peter Adel Thabet.
Cover Design: Maurice Lattouf.
Internal Design: Samuel N. Naaman.
Arabic publisher: Shepherds’ training institute.
ISBN: 978-977-94-0321-2
الكتاب: رسائل يوحنُّا (الإصدار العربي).
الكاتب: د. إدموند هيبرت.
ترجمة وضبط نهائيّ: صموئيل ناجي نعمان.
تدقيق: بيتر عادل ثابت.
تصميم الغلاف: موريس لطّوف.
التصميم الداخلي: صموئيل ناجي نعمان.
الناشر في العربيّة: معهد تدريب الرعاة.
رقم الإيداع: ۲۷۰۷۱ ⁄۲۰۲۱م
Originally published in English under the title: The Epistles of John: An Expositional Commentary by D. Edmond Hiebert
©1991 Bob Jones University Press
Greenville, South Carolina 29614, U.S.A.
An authorized translation from the English-language edition published by BJU press.
All rights reserved.
تمَّت الطباعة بمطبعة سان مارك- ت: ٢٣٣٧٤١٢٨
معهد تدريب الرعاة
Shepherds' Training Institute
إنَّ معهد تدريب الرعاة موجود كي يمجّد الله الثالوث عن طريق إعداد وُعَّاظ ومعلِّمين قدِّيسين في العالم العربيِّ ليفسروا كلمة الله ويطبِّقوها في حياتهم الشخصيَّة ويوصِّلوها بشكل فعَّال للكنيسة والعالم. جميع برامج معهد تدريب الرعاة يقدمها أساتذة تخرَّجوا في The Master’s Seminary لمؤسِّسها د.جون ماك آرثر. أحد هذه البرامج هو برنامج الوعظ التفسيري لخدمة الكنيسة المحليَّة عن طريق إعداد أشخاص ليعلَِّموا كلمة الله. البرنامج مُصمَّم ليُتَمَّمَ على مدار عامين، ممَّا يخوِّل الطالب في نهاية البرنامج أن يدرس ويُطبِّق ويُعلِّم النصَّ العربيَّ للكتاب المقدَّس.
لمعرفة المزيد عن البرنامج والالتحاق؛ يمكنك إرسال رسالة عبر البريد الإلكترونيِّ.
كلمة الحقّ
كلمة الحقِّ هو موقع الكترونيٌّ مسيحيٌّ، يقدِّم لكلِّ من يرغب في دراسة الكتاب المقدَّس باللغة العربيَّة بشكل دقيق، مجموعةََ أدوات كافية لمراجعة اللغات الأصليَّة، وعرض الشواهد المرتبطة، ورؤية ترجمات متعدِّدة للكتاب المقدَّس بالتوازي. كما يعمل هذا الموقع باستمرار على تطوير وإضافة ميزات ومراجع كتابيَّة مُترجَمة للُّغة العربيَّة.
Please enter your comment or explain a problem you found below.